من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الفحل
الذكر من ذي الحافر والظلف والخف وغير ذلك من ذي الروح، وجمعه: أفحل وفحول وفحولة وفحال وفحالة. قال البخاري، في الجهاد: وقال راشد بن سعد: كان السلف يستحبون الفحولة من الخيل، لأنها أجرى وأجرأ. أي أسرع وأجسر.
وروى الحافظ أبو نعيم من طريق غيلان بن سلمة الثقفي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ، في بعض أسفاره، فرأينا منه عجبا جاء رجل فقال: يا رسول الله إنه كان لي حائط فيه عيشي وعيش عيالي، ولي فيه ناضحان فحلان وقد منعاني أنفسهما، وحائطي وما فيه فلا يقدر أحد أن يدنو منهما، فنهض نبي الله ﷺ حتى أتى الحائط، فقال لصاحبه: «افتح». فقال: إن أمرهما عظيم! فقال ﷺ: «افتح» فلما حرك الباب أقبلا ولهما رغاء وجلبة، فلما انفرج الباب ونظرا إلى رسول الله ﷺ بركا ثم سجدا، فأخذ النبي ﷺ برؤوسهما، ثم دفعهما إلى صاحبهما، وقال:
«استعملهما وأحسن علفهما». فقال القوم: تسجد لك البهائم أفلا تأذن لنا بالسجود لك؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن السجود لا ينبغي إلا للحي القيوم، الذي لا يموت ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها».
ورواه الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ورجاله ثقات، وروى الحافظ الدمياطي، في كتاب الخيل، عن عروة البارقي أنه قال: كانت لي أفراس، وفيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان، فأتيت عمر رضي الله تعالى عنه، فأخبرته، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه؛ أن خير الدهقان بين أن يعطيه عشرين ألفا ويأخذ الفحل وبين أن يغرم ربع الثمن. فقال الدهقان: ما أصنع بالفحل؟ وغرم ربع الثمن. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، في باب الحاء المهملة، في لفظ الحيوان. وفي الصحيحين وغيرهما:
«يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل». وفي السنن: «يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل».
وروى الشافعي رحمه الله تعالى في مسنده بإسناد على شرط مسلم عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن لبن الفحل لا يحرم، ومعناه أن حرمة الرضاع لا تثبت بين المرتضع وبين زوج المرضعة الذي اللبن منه، وإنما تنتشر الحرمة إلى أقارب المرضعة لا غير.
وروي هذا عن ابن عمر وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وبه قال داود الأصم، وهو اختيار عبد الرحمن ابن بنت الشافعي.
والذي ذهب إليه الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الأمة، أن حرمة الرضاع تثبت بين المرتضع وبين المرضعة، وبين زوجها الذي منه اللبن فتكون المرضعة أما له وزوجها أبا له كما إذا ولدته من مائة، وكانا أبوين له، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المتفق على صحته في قصة فلح بن أبي القعيس، وحديثها أيضا المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
ولقوله ﷺ: «لا يحرم من الرضاع إلا ما يفتق الأمعاء». وفي رواية «لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم». وإنما يكون هذا في حال الصغر. وعند أبي حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهرا لقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
. والشرط الثاني أن يكون خمس رضعات متفرقات، كل رضعة إلى الشبع. روي ذلك عن عائشة وعبد الله بن الزبير ﵃، وبه قال مالك والشافعي وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر ﵃. وروي عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب الثوري ومالك في إحدى الروايات، والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة، فإن كان للرجل خمس بنات أو زوجات أو أمهات أولاد، فأرضعت كل واحدة رضعة واحدا جنينا واحدا، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها لا يقع التحريم، والثاني يصير ابنا له ولا يصير ابنا للمرضعات، والثالث يصير ابنا له وللمرضعات، فإن وصل اللبن إلى جوفه بحقنة، ففيه قولان: وإن اختلط اللبن بمائع ووصل إلى جوفه ثبتت الحرمة، وإن كان مغلوبا على أصح القولين. وللمسألة فروع مبسوطة في كتب الفقه.
قلت: وقد أذكرني اللبن حديثا رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا أخاف على أمتي إلا اللبن فإن الشيطان بين الرغوة والضرع». وروى أيضا من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «سيهلك من أمتي أهل اللبن». قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أناس يحبون اللبن فيخرجون من الجماعات
ويتركون الجمعات». قال الحربي: أظنه أراد يتباعدون عن الأمصار وعن صلاة الجماعة، ويطلبون مواضع اللبن، في المراعي والبراري والبوادي. وقال غيره: أراد قوما أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات.
وفي صحيح البخاري، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ «نهى عن عسب الفحل». والأشهر في تفسيره أنه ضراب الفحل كما قال الشاعر:
ولولا عسبه لرددتموهوشر منيحة فحل يعار
وقيل: المراد ثمن مائه، ففي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود، في بعض نسخه، نهى عن ثمن عسب الفحل، وقيل: العسب أجرة ضرابه، فيحرم ثمن مائه. وكذا أجرته في الأصح.
الأمثال : قال العسكري: ومن الأمثال المستحسنة قولهم: «ذلك الفحل لا يقدع أنفه».
وقد تمثل به ورقة بن نوفل في النبي ﷺ حين خطب خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها.
ويقال: بل تمثل به أبو سفيان بن حرب حين خطب النبي ﷺ ابنته حبيبة رضي الله تعالى عنها.
قال: وأصحاب الحديث يرونه «الفحل لا يقرع أنفه» بالراء، انتهى. قال الشماخ:
إذا ما استافهنّ ضربن منهمكان الرمح من أنف القدوع
قوله: استافهن يعني حمارا يستاف أنثى، فيرمحنه إذا استافهن، والسوف الشم. وقوله: مكان الرمح من القدوع أراد بالقدوع المقدوع، وهذا من الأضداد. يقال: طريق ركوب إذا كانت تركب، ورجل ركوب للدواب إذا كان يركبها، وناقة رغوث إذا كانت ترضع، وحوار رغوث إذا كان يرضع، وشاة حلوب إذا كانت تحلب، ورجل حلوب إذا كان يحلب الشاة، والقدوع هنا البعير قدع أنفه، وهو أن يريد الناقة الكريمة، ولا يكون كريما فيضرب أنفه بالرمح حتى يرجع.
يقال: قدع أنفه عن كذا، أي منع عنه، وأنشد الشيخ شرف الدين الدمياطي في أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب لعبد الله بن يزيد الهلالي:
ما أنجبت نجيبة من فحلبجبل نعلمه أو سهل
كسته من بطن أمّ الفضلزوجة المصطفى ذي الفضل
خاتم الأنبياء وخير الرسلأكرم بها من كهلة وكهل
وقالوا: الفحل يحمي شوله معقولا، والشول تقدم في باب الشين المعجمة أنها النوق، التي جف لبنها وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة شائلة، والشول: جمع على غير قياس. ومعقولا نصب على الحال، أي أن الحر يحتمل الأمر الجليل في حفظ أهله وحريمه، وإن كان به علة، وقد تمثل بذلك هاشم بن عتبة بن أبي وقاص أخي سعد بن أبي
وقاص، حين فقئت عينه باليرموك، وهو الذي افتتح جلولا من بلاد فارس، وهزم الفرس.
وكانت جلولا تسمى فتح الفتوح، وبلغت غنائمها ثمانية عشر ألف ألف، وشهد صفين مع علي ﵁، وكانت معه الراية وهو على الرجالة وقتل يومئذ وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلاقد عالج الحياة حتى ملا
لا بدّ أن يفلّ أو يفلا
فقطعت رجله يومئذ، وهو يقاتل من دنا منه وهو بارك، ويقول: «الفحل يحمي شوله معقولا».
وفيه يقول أبو الطفيل عامر بن واثلة ﵁:
يا هاشم الخير جزيت الجنهقاتلت في الله عدوّ السنه
ومن أحكام الفحل، أن من غصب فحلا وأنزاه على شاته، فالولد للغاصب، ولا شيء عليه للإنزاع، لكن إذا نقص الفحل بذلك، غرم أرش نقصه. وإن غصب شاة وأنزى عليها فحلا فالولد لصاحب الشاة.
تذنيب : قال يونس: جميع الألبان معتدلة، وقال الرازي: الحلو حار، وأجوده ما كان من ضأن فتى، وهو ينفع الصدر والرئة، ويضر أصحاب الحميات، وهو يولد غذاء جيدا، ويوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة والصبيان وأجود أكله في الربيع. وأما اللبن الحامض، فبارد رطب، وأجوده الكثير الزبد، وهو ينفع لتسكين العطش، ويضر بالأسنان واللثة، ويدفع ضرره التمضمض بماء العسل، ويولد خلطا محمودا، يوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة والغلمان، وأجود استعماله في الصيف ويختار اللبن بعد الولادة بأربعين يوما، ويختلف بحسب صفته، فالمطبوخ مع الحنطة والأرز، يوافق أصحاب الأمزجة الحارة، وما نزع زبده ومائيته، ويقال له الودع ينفع الأمزجة الحارة، وإذا ألقى في اللبن الحصا المحمى حتى تذهب مائيته نفع من الذرب، والذي أخرج غلظه بالأنفحة، إذا خلط بالسكنجبين السكري نفع من الحكة والجرب، ولبن الاتن ينفع من السل والدق، ولبن اللقاح نافع من الاستسقاء إذا خلط مع أبوالها، وما خثر من اللبن فهو بارد يمسك الطبع، ويولد خلطا غليظا وسددا، وحجارة في الكلى انتهى.
تتمة : اللبن في المنام فطرة الإسلام، وهو مال حلال يناله بلا تعب لقوله تعالى: لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
وأما الرائب فهو مال حرام لحموضته، وخروج دسومته، ولبن الغنم مال شريف، ولبن البقر غنى، ولبن الخيل ثناء حسن، ولبن الثعلب شفاء من مرض، ولبن البغل عسر وهول، ولبن النمر عدو يظهر، ولبن الأسد مال من سلطان، ولبن حمار الوحش شك في الدين، ولبن الخنزير مصيبة في العقل والمال لمن شربه في المنام، وقيل: إصابة مال عظيم، لكن
يخشى على عقل شاربه، ولبن ابن آدم زيادة في المال، إذ هو زاد في الثدي، ولا يحمد لمن رضعه فإنه يدل على داء مكروه. قال محمد بن سيرين: لا أحب الراضع ولا المرضع، فإن شربه المريض، شفي من مرضه، لأن به كان نشؤه وقوته ومن بدد اللبن فقد ضيع دينه، ومن رأى اللبن يخرج من الأرض، فإنها فتنة يراق فيها الدم على قدر ذلك اللبن، ولبن الكلاب والذئاب والسنانير خوف أو مرض. وقيل: إن لبن الذئب مال من سلطان، ورياسة على قوم. ولبن الهوام، من شربه فإنه يصالح أعداءه، والله تعالى أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع