تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

القرش

بكسر القاف، وإسكان الراء المهملة، وبالشين المعجمة في آخره دابة عظيمة من دواب البحر، تمنع السفن من السير في البحر وتدفع السفينة، فتقلبها وتضربها فتكسرها. قال الزمخشري: سمعت بعض التجار بمكة، ونحن قعود عند باب بني شيبة، وهو يصف لي القرش، فقال: هو مدور الخلقة، وعظمه كما من مقامنا هذا إلى الكعبة. ومن شأنه أن يتعرض للسفن الكبار فلا يرده شيء إلا أن يأخذ أهلها المشاعل فيمر على وجهه مثل البرق، ولا يهاب شيئا إلا النار، وبه سميت قريش قريشا قال الشاعر:

وقريش هي التي تسكن البحربها سميت قريش قريشا
للشاعر أبو أمية الجمحي، اقرأ القصيدة
تأكل الغثّ والسمين ولا تتركفيه لذي جناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريشيأكلون البلاد أكلا كميشا
للشاعر أبو أمية الجمحي، اقرأ القصيدة
ولهم آخر الزمان نبييكثر القتل فيهم والخموشا
للشاعر أبو أمية الجمحي، اقرأ القصيدة

الخموش الخدوش، وأكلا كميشا أي سريعا، وقال ابن سيده: قريش دابة في البحر لا تدع دابة إلا أكلتها. فجميع الدواب تخافها، ثم أنشد البيت الأول، وقال المطرزي: هي سيدة الدواب البحرية. وأشدها، وكذلك قريش سادات الناس، وحكى أبو الخطاب بن دحية، في تسمية قريش، وفي أول من تسمى به عشرين قولا.

فائدة أجنبية : قريش بن مالك بن النضر بن كنانة جد النبي ﷺ، هو الذي تنسب إليه قريش، ومن ولده بدر بن قريش الذي سميت به بدر بدرا وأم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة، تزوجها كنانة بعد موت أبيه خزيمة، فولدت له النضر على ما كانت الجاهلية تفعله، إذا

مات الرجل خلفه على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها.

كذا قاله السهيلي رحمه الله تعالى، تبعا للزبير بن بكار. قال: ولذلك قال الله ﷿:

وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ

أي من تحليل ذلك قبل الإسلام.

وفائدة الاستثناء هنا لئلا يعاب نسب النبي ﷺ وليعلم أنه ﷺ، لم يكن في أجداده نكاح سفاح.

ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن نحو: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى

وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ

ولا في شيء من المعاصي التي نهى عنها، إلا ما قد سلف إلا في هذه الآية. وفي الجمع بين الأختين، فإن الجمع بينهما كان مباحا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب ﵊ بين الأختين وهما راحيل وليا، فقوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ

التفات إلى هذا المعنى. قال: وهذه النكتة من الإمام أبي بكر بن العربي، قال الحافظ قطب الدين عبد الكريم:

ولما وقفت على هذا، أقمت مفكرا مدة لكون أن برة المذكورة كانت زوجا لخزيمة، فخلف عليها كنانة بن خزيمة، فجاء له منها النضر بن كنانة وإن هذا وقع في نسب النبي ﷺ وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء، إنما ولدت من نكاح كنكاح الإسلام» إلى أن رأيت أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قال، في كتاب له سماه بكتاب الأصنام:

وخلف كنانة بن خزيمة على زوجة أبيه، بعد وفاته، وهي برة بنت أد بن طابخة، جد كنانة بن خزيمة، ولم تلد لكنانة ولدا ذكرا ولا أنثى، ولكن كانت ابنة أخيها برة بنت مرة بن أد بن طابخة تحت كنانة بن خزيمة، فولدت له النضر بن كنانة.

قال: وإنما غلط كثير من الناس، لما سمعوا أن كنانة خلفه على زوجة أبيه لاتفاق اسمهما، وتقارب نسبهما، وهذا الذي عليه مشايخنا وأهل العلم والنسب. قال: ومعاذ الله أن يكون أصاب نسب النبي ﷺ نكاح مقت، وقد قال ﷺ: «مازلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام حتى خرجت من بين أبي وأمي». ثم قال: ومن اعتقد غير هذا فقد كفر وشك في هذا الخبر. قال: والحمد لله الذي نزهه عن كل وصم، وطهره تطهيرا انتهى.

قلت: وهذا أرجو به الفوز للجاحظ في منقلبه، وأن يتجاوز الله عنه ما سطره في كتبه، وأشرت إلى ذلك في أول كتاب السير من المنظومة بقولي:

محمد خير جميع الخلقجاء من الحقّ لنا بالحق
دعوة ابراهيم الخليلبشارة المسيح في التنزيل
الطيب الأصول والفروعالطاهر المحتد والينبوع
آباؤه قد طهرت أنساباوشرفت بين الورى أحسابا
نكاحهم مثل نكاح الاسلامكذا رواه النجباء الأعلام
ومن أبى أو شك في هذا كفروذنبه بما جناه ما اغتفر
نقل ذا الحافظ قطب الدينعن صاحب البيان والتبيين

الحكم : أفتى شيخنا الشيخ جمال الدين الأسنوي رحمه الله تعالى بحل أكل القرش، وبه صرح الشيخ محب الدين الطبري شارح التنبيه، في الكلام على التمساح، ثم استشكل به تحريم التمساح، وهذا يدل على أنه لا خلاف فيه.

وفي نهاية ابن الأثير التصريح بحله، لكن قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه يأكل ولا يؤكل، ولعل مراده أنه يأكل الحيوانات البحرية، ولا يستطيع أحد منها أن يأكله. والقرش يوجد ببحر القلزم الذي غرق فيه فرعون، وهو عند عقبة الحاج، كما تقدم في باب السين المهملة، في الكلام على السقنقور، وإطلاق الجمهور ونص الإمام الشافعي والقرآن العزيز يدل على جواز أكل القرش، لأنه من السمك، ومما لا يعيش إلا في الماء. وقد ذكر النووي، في شرح المهذب، أن الصحيح أن كل ما في البحر حلال، ويحمل ما استثناه الأصحاب على ما يعيش في غير الماء.

التعبير : رؤيته في المنام تدل على علو الهمة والشرف في النسب، فإنه يعلو ولا يعلى عليه والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.