من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
القمل
معروف واحدته قملة. ويقال لها أيضا قمال. قاله ابن سيده، والقمل جمع قملة، وقد قمل رأسه قملا، وكنية القملة أم عقبة، وأم طلحة ويقال للذكر أبو عقبة، والجمع بنات عقبة وبنات الدروز والدروز الخياطة، سميت بذلك لملازمتها إياها. وقملة الزرع دويبة تطير كالجراد في خلقة الحلم، وجمعها قمل، قاله الجوهري. والقمل المعروف يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ثوبا أو بدنا أو ريشا أو شعرا، حتى يصير المكان عفنا، وقال الجاحظ: ربما كان الإنسان قمل الطباع، وإن تنظف وتعطر وبدل الثياب، كما عرض لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، حتى استأذنا رسول الله ﷺ في لبس الحرير، «فأذن لهما فيه» ولولا أنهما كانا في حد الضرورة، لما أذن لهما فيه، مع ما قد جاء في ذلك من التشديد. فلما كان في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه رأى على بعض بني المغيرة من أخواله قميص حرير، فعلاه بالدرة فقال المغيري: أو ليس عبد الرحمن بن عوف لبس الحرير؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه: وأنت مثل عبد الرحمن بن عوف لا أم لك؟
قال: ومن طبع القمل أنه يكون في شعر الرأس الأحمر أحمر، وفي الشعر الأسود أسود، وفي الشعر الأبيض أبيض، ومتى تغير الشعر تغير إلى لونه. قال: وهو من الحيوان الذي إناثه أكبر من ذكوره، وقيل: إن ذكوره الصيبان، وقيل: الصيبان بيضه، كما تقدم في باب الصاد المهملة.
روى الحاكم، في أوائل المستدرك، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أنه قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال ﷺ: «الأنبياء». قال: ثم من؟ قال ﵊: «العلماء». قال: ثم من؟ قال ﵊: «الصالحون كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى لا يجد إلا العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء». ثم قال: صحيح الإسناد على شرط مسلم.
والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام ويعرض للقردة. وأما قملة النسر، فهي التي تكون في بلاد الجبل، وتسمى بالفارسية دره، وهي إذا عضت قتلت، وهي أعظم من القمل، وإنما سميت قملة النسر لأنها تخرج منه.
فائدة : اختلف العلماء في القمل المرسل على بني إسرائيل، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد والسدي والكلبي رضي الله تعالى عنهم:
هو الجراد الطيار الذي له أجنحة. وقيل: الدبا، وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له. وقال عكرمة رضي الله تعالى عنه: بنات الجراد، وقال أبو عبيد: هو الحمنان، وهو ضرب من القراد.
وقال أبو زيد: البراغيث. وقال الحسن وسعيد بن جبير: دواب سود صغار. وقال عطاء الخراساني رضي الله تعالى عنه: هو القمل المعروف باسكان الميم.
روي أن موسى ﵊، مشى بعصاه إلى كثيب أعفر مهيل بقرية من قرى مصر تدعى عين شمس، فضربه بعصاه، فانتشر كله قملا في مصر، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم، فأكله ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه، وكان أحدهم يأكل الطعام، فيمتلىء قملا، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من ذلك القمل، فإنه أخذ بشعورهم وأبشارهم، وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم عيونهم وجلودهم، كأنه الجدري فمنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى ﵇: إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء، فدعا لهم موسى ﵇، فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت. والقمل هو أحد الآيات الخمس، قال الله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ
يتبع بعضها بعضا وتفصيلها أن كل عذاب يمتد أسبوعا، وبين كل عذابين شهر. قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن اسحاق رضي الله تعالى عنهم، في تفسير هذه الآية: لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوبا، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات.
فلما أتاهم موسى بالآيات الأربع: اليد والعصا والسنين ونقص الثمرات، أبوا أن يؤمنوا وأصروا على كفرهم. فدعا عليهم موسى ﵊ فقال: رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغا وعتا، وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء أرسل الله عليهم السماء، وكانت بيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة ومختلطة، فامتلأت بيوت القبط، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة. وركد الماء على أراضيهم، لا يقدرون على حرث ولا غيره من الأعمال أسبوعا من السبت إلى السبت، وقال مجاهد وعطاء رضي الله تعالى عنهما: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن، وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري، وهو أول ما عذب به، فبقي في الأرض.
قال نحاة الكوفة: الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان، وقال أهل البصرة: هو جمع واحده طوفانة.
فقالوا لموسى ﵇: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء، فلئن كشف عنا هذا البلاء، لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، وأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر، وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية. فبعث الله تعالى عليهم الجراد، فأكل عامة زرعهم وثمارهم وأوراق الشجر، حتى أكل الأبواب وسقوف البيوت، والخشب والثيات والأمتعة، ومسامير الأبواب من الحديد، حتى وقعت دورهم، وابتلوا بالجوع، فكانوا لا يشبعون، ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء، فعجوا وضجوا إلى موسى ﵇، وسألوه رفع ذلك عنهم، فدعا له فكشف الله عنهم الجراد، بعدما أقام أسبوعا من السبت إلى السبت.
روي أن موسى ﵇ برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت الجراد من حيث جاءت. فأقاموا مصرين على كفرهم شهرا في عافية، ثم بعث الله تعالى عليهم القمل، وقد تقدم ذكره، فعجوا وضجوا، وسألوا رفع ذلك عنهم، وقالوا: إنا نتوب، فدعا موسى ﵊ ربه أن يرفع ذلك القمل فرفع الله تعالى عنهم القمل بعدما أقام عليهم أسبوعا، من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم، فأقاموا شهرا في عافية، فبعث الله عليهم الضفادع، فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم، وكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم، وأطعمتهم وآنيتهم، فلا يكشف أحد منهم طعاما ولا إناء إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه. وكانت تلقي نفسها في القدر وهي تغلي، فتفسد طعامهم، وتطفىء نيرانهم، ولا يعجنون عجينا إلا انشدخت فيه، وإذا اضطجع أحدهم تركبه الضفادع، حتى تكون عليه ركاما، حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر. فلقوا منها أذى شديدا، فضجوا وصرخوا، وصاحوا وسألوا موسى ﵇، فقالوا:
ادع لنا ربك يكشفها عنا، فدعا ربه فرفع الله تعالى عنهم الضفادع، بعدما أقامت عليهم أسبوعا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرا في عافية، ثم نقضوا العهود وعادوا لكفرهم، فأرسل الله تعالى عليهم الدم، فسال النيل عليهم دما، وصارت مياههم دما، فما يستقون من الآبار إلا دما
عبيطا أحمر، فشكوا إلى فرعون، فقالوا: ليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم.
وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دما، حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل، حين جهدهم العطش، فتقول: اسقيني من مائك، فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما، حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي، فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجته في فيها صار دما، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه اضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها، يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا، فمكثوا كذلك أسبوعا من السبت إلى السبت لا يشربون إلا الدم. وقال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف فأتوا موسى ﵇، وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا لهم فرفع عنهم الدم، فلم يؤمنوا. فذلك قوله قوله ﷿: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ
وهو ما ذكره الله من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وقال ابن جبير: الرجز الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم واحد.
روينا عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما: أسمعت رسول الله ﷺ يقول في الطاعون شيئا؟ فقال أسامة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل أو على من قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه».
فسألوا موسى ﵇ فدعا ربه فكشفه عنهم، فتمادوا في كفرهم وطغيانهم إلى أن أغرق الله تعالى فرعون وملأه في اليم وقد تقدم ذكر غرقه، في باب الحاء المهملة، في لفظ الحصان.
قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة، لا يرى مكروها، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو حمى ليلة، أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط.
وقد ظفرت بهذه القصة مختصرة، فأوردتها عقب هذا، لتحصل الفائدة، وهو أن موسى ﵇ مشى بعصاه إلى كثيب أعفر مهيل، فضربه فانتشر كله قملا في مصر، ثم إنهم قالوا:
ادع لنا ربك في كشف هذا عنا فدعا فكشف عنهم، فرجعوا إلى طغيانهم، فبعث الله عليهم الضفادع، فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم، وإذا هم الرجل أن يتكلم دخلت الضفادع في فيه وتلقي نفسها في القدر، وهي تغلي. فقالوا: ادع لنا ربك يكشفها فكشف عنهم، فرجعوا إلى كفرهم، فبعث الله تعالى عليهم الدم، فرجع ماؤهم الذي كانوا يشربونه دما، فكان الرجل منهم إذا استقى من البئر وارتفع إليه الدلو عاد دما. وقيل: سلط الله تعالى عليهم الرعاف.
فائدة أخرى : «نهى النبي ﷺ أن تقصع القملة بالنواة» أي تقتل، والقصع الدلك بالظفر وإنما خص النوى لأنهم كانوا يأكلونه عند الضرورة، وقيل: لأن النواة كانت مخلوقة من فضلة طينة آدم ﵊. وفي الحديث: «أكرموا النخلة فإنها عمتكم». وفي حديث آخر «نعمت العمة لكم النخلة». وقيل: لأن النوى قوت الدواب، وقال الجوهري في الحديث: إنه نهى عن قصع الرطبة، وهو عصرها لتقشر.
الحكم : يحرم أكل القمل بالإجماع، وإذا ظهر على بدن المحرم أو ثيابه لم يكره له تنحيته، فإن قتله لم يلزمه شيء لكن يكره أن يفلي رأسه أو لحيته، فإن فعل وأخرج منهما قملة فقتلها تصدق ولو بلقمة. قال الأكثرون: هذا التصدق مستحب، وقيل: واجب لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس واللحية، وليس هذا التصدق فداء للقمل، حتى يدل ذلك على حل الأكل، وإنما التصدق في مقابلة الترفه الحاصل للمحرم. وأفاد الترمذي الحكيم أنه إذا وجد الجالس على الخلاء قملة، لا يقتلها بل يدفنها. فقد روي أنه من قتل قملة وهو على رأس خلائه بات معه في شعاره شيطان فينسيه ذكر الله أربعين صباحا. وقيل: من قتل قملة على رأس خلائه لن يكفي الهم ما عاش.
وفي فتاوى قاضي خان، لا بأس بطرح القملة حية والأدب أن يقتلها.
فرع : يجوز لبس الثوب الحرير لدفع القمل، لأنه لا يقمل بالخاصية، ولذلك رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في لبسه لذلك، كما تقدم.
رواه الشيخان والأصح أنه لا يختص بالسفر، وفي وجه اختاره الشيخ أبو محمد الجويني وابن الصلاح يختص به، لأن الرواية مقيدة بذلك. وقال مالك: لا يجوز لبسه مطلقا لأن وقائع الأحوال عنده لا تعم وهو وجه بعيد عندنا.
فرع
: إذا رأى المصلي في ثوبه قملة، أو برغوثا؟ قال الشيخ أبو حامد: الأولى أن يتغافل عنها فإن ألقاها بيده أو أمسكها حتى يفرغ فلا بأس، فإن قتلها في الصلاة عفي عن دمها دون جلدها، وإن قتلها وتعلق جلدها بظفره أو بثوبه بطلت صلاته. قال: ولا بأس بقتلها في الصلاة كما لا بأس بقتل الحية والعقرب، فإن ألقى القملة بيده فلا بأس. قال القمولي: وينبغي أن يختص جواز إلقائها بغير المسجد، والذي قاله صحيح متعين لقوله ﷺ: «إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرج من المسجد». رواه أحمد في مسنده، بإسناد صحيح. وفي المسند أيضا عن شيخ من أهل مكة من قريش، قال: وجد رجل في ثوبه قملة، فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ: «لا تفعل ردها في ثوبك حتى تخرج من المسجد». وإسناده أيضا صحيح. وقال البيهقي: إنه مرسل حسن. ثم روى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه رأى قملة، على ثوب رجل في المسجد، فأخذها فدفنها في الحصا، ثم قال أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً
قال: ويذكر نحو هذا عن مجاهد.
وعن ابن المسيب أنه يدفنها كالنخامة قال: وروينا عن مالك بن عامر، أنه قال: رأيت معاذ
بن جبل رضي الله تعالى عنه يقتل البراغيث والقمل في الصلاة، وفي رواية رأيت معاذا يقتل القمل في الصلاة ولكن لا يعبث.
وروى البزار والطبراني في معجمه الأوسط، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال: «إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليدفنها». وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: وأما القملة والبرغوث فأكثر أصحابنا يقولون: لا يؤكل طعام مات فيه شيء منهما لأنهما نجسان، وهما من الحيوان الذي عيشه من دم حيوان، لا عيش لهما غير الدم، ولهما دم فهما نجسان. وكان سليمان بن سالم القاضي الكندي من أهل أفريقية يقول: إن ماتت القملة في ماء طرح ولا يشرب، وإن وقعت في دقيق، ولم تخرج في الغربال، لم يؤكل الخبز، وإن ماتت في شيء جامد طرحت وما حولها كالفأرة. وقال غيره من أصحابنا وغيرهم: إن القملة كالذباب سواء، وقال في التمهيد أيضا: ذكر نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، أن النبي ﷺ «كان يقتل القمل في الصلاة أو قتل القمل في الصلاة». قال نعيم: هذا أول حديث سمعته من ابن المبارك.
الأمثال : قالت العرب: «غل قمل» يضرب للمرأة السيئة الخلق. قال ابن سيده في الحديث: «النساء غل قمل» يقذفها الله في عنق من يشاء ثم لا يخرجها إلا هو، وهذا بعض أثر.
وفي الفائق في آخر باب الهاء مع الباء، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: النساء ثلاث هينة لينة عفيفة مسلمة، تعين أهلها على العيش، ولا تعين العيش على أهلها، وأخرى وعاء للولد، وأخرى غل قمل يضعه الله في عنق من يشاء، ويكفه عمن يشاء. والرجال ثلاثة: رجل ذو رأي وعقل، ورجل إذا حز به أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشيدا، ولا يطيع مرشدا. وقال الأصمعي: كانوا يغلون الأسير بالقيد وعليه الوبر فإذا طال الغل عليه قمل فيلقى منه جهدا. يضرب لكل من يلقى في شدة، قال: وهذا هو السبب في قول حاتم الطائي: «لو غير ذات سوار لطمتني»، وذلك أنه مر ببلاد نميرة في بعض الأشهر الحرم، فناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الإسار والقمل، فقال: ويحك أسأت إذ نوهت باسمي في غير بلاد قومي، فساوم القوم به ثم قال: أطلقوه واجعلوا يدي في الغل مكانه ففعلوا، فجاءته امرأة ببعير لتفديه، فقام فنحره فلطمته، فقال: لو غير ذات سوار لطمتني، يعني أني لا أقتص من النساء فعرف ففدى نفسه.
الخواص : قال الجاحظ: القمل يعتري ثياب غير المجذومين، قال ابن الجوزي: والحكمة في ذلك أنه لما تولع الجذام بأطرافهم صعب عليهم الحك، فمنع الله عنهم ذلك لطفا بهم، كما أنه منع عن الأخرس السمع لطفا به، وإذا ألقيت القملة وهي حية أورثت النسيان. كذا رواه ابن عدي في كامله، في ترجمة أبي عبد الله الحكم بن عبد الله الأيلي، أنه روى بإسناد صحيح، أن النبي ﷺ قال: «ست خصال تورث النسيان: أكل سؤر الفأر، القاء القملة وهي حية، والبول في الماء الراكد، وقطع القطار، ومضغ العلك، وأكل التفاح الحامض، وبضد ذلك اللبان الذكر»
وأشار إلى ذلك الجاحظ بقوله: وفي الحديث أن أكل التفاح الحامض، وسؤر الفأر، ونبذ القملة يورث النسيان.
قال: وفي حديث آخر «إن الذي يلقي القملة لا يكفى الهم». وقيل: إن قراءة ألواح القبور، والمشي بين المرأتين والنظر إلى المصلوب، وأكل الكزبرة الخضراء، وأكل الخبز الحار يورث النسيان، وأكل الحلوى وشرب العسل، وأكل الخبز البارد، يورث الذكاء، والعامة تزعم أن لبس النعال السود يورث النسيان.
وإذا أردت أن تعلم هل المرأة حامل بذكر أم أنثى؟ فخذ قملة واحلب عليها من لبنها في كف إنسان، فإن خرجت القملة من اللبن فهي حامل بجارية، وإن لم تخرج فهي حامل بذكر! وإن احتبس على إنسان بوله فخذ قملة من قمل بدنه، واجعلها في إحليله فإنه يبول من وقته.
وإن غسلت المرأة أصول شعرها بماء السلق منع القمل. ودهن القرطم إذا دهن به إنسان مات قمله، وإن غسل البدن بخل وماء البحر قتل القمل، وإذا مسح الرأس والبدن بزئبق مقتول بدهن سمسم منع القمل من الرأس والثياب.
التعبير : القمل في المنام على وجوه: فإذا كان في قميص جديد فإنه مال وهو للسلطان جند وأعوان، وللوالي زيادة في ماله. ومن رأى القمل في ثوب خلق، فهو دين يخشى زيادته، والقمل على الأرض قوم ضعاف، فإن دب إلى جانب إنسان فإنه يخالطهم، ومن رأى القمل وكرهه فإنه يرى أعداء ولا يقدرون له على مضرة، ومن رأى أنه قرصه القمل، فإن قوما ضعفاء يرمونه بكلام، ومن حكه القمل، فلا بد أن يطالب بدين. والقملة تعبر بامرأة، لأن ابن سيرين أتاه رجل، فقال: رأيت كأن إنسانا أخذ من كمي قملة فألقاها. فقال ابن سيرين: تطلق زوجتك على يده، فكان كذلك. ومن رأى قملة طارت من صدره فإن أجيره أو غلامه أو ولده قد هرب، والقمل الكثير مرض أو حبس، لأنها أكثر ما تحدث على هؤلاء القوم. وربما دلت رؤية القمل على العيال. وتعبر رؤية القمل للملك بجيشه وأعوانه وللوزير بشرطته، وللقاضي بالمتوصلين إليه.
ومن رأى أنه رمى قملة، فإنه مخالف لسنة من السنن، لأن النبي ﷺ «نهى عن رمي القمل» ومن أكل قملة فإنه يغتاب إنسانا فإن وجد لها دما، فإنه يغتاب رجلا ذا مال. والقمل يعبر بأقوام يمشون بالنميمة بين الأقرباء، وقتل القمل في المنام قهر الأعداء. وقال جاماست: من التقط القمل فإنه يكذب عليه كذب فاحش والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع