تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

القنفذ

بالذال المعجمة وبضم الفاء وفتحها البري منه، كنيته أبو سفيان وأبو الشوك، والأنثى أم دلدل، والجمع القنافذ. ويقال لها: العساعس لكثرة ترددها بالليل، ويقال للقنفذ:

أنقد وهو صنفان قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفار، ودلدل يكون بأرض الشام والعراق في قدر الكلب القلطي، والفرق بينهما كالفرق بين الجرذ والفأر.

قالوا: إن القنفذ، إذا جاع يصعد الكرم منكسا، فيقطع العناقيد ويرمي بها، ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق، فإن كان له فراخ تمرغ في الباقي ليشتبك في شوكه ويذهب به إلى أولاده وهو لا يظهر إلا ليلا قال الشاعر:

قنافذ هداجون حول بيوتهمبما كان إياهم عطية عودا

وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم لها، وإذا لدغته الحية أكل السعتر البري، فيبرأ وله خمسة أسنان في فيه، والبرية منها تستفد قائمة وظهر الذكر لاصق ببطن الأنثى.

وروى الطبراني في معجمه الكبير والحافظ بن منير الحلبي وغيرهما، عن قتادة بن النعمان، قال: كانت ليلة شديدة الظلمة والمطر، فقلت: لو أني اغتنمت الليلة شهود العتمة مع رسول الله ﷺ، ففعلت، فلما رآني قال ﷺ: «قتادة». قلت: لبيك يا رسول الله، ثم قلت:

علمت أن شاهد الصلاة هذه الليلة قليل، فأحببت أن أشهدها معك. فقال رسول الله ﷺ: «إذا انصرفت فائتني». فلما فرغت من الصلاة أتيت إليه فأعطاني عرجونا كان في يده، وقال: «هذا يضيء أمامك عشرا ومن خلفك عشرا». ثم قال ﷺ: «إن الشيطان قد خلفك في أهلك، فاذهب بهذا العرجون فاستضىء به حتى تأتي بيتك فتجده في زاوية البيت فاضربه بالعرجون». قال:

فخرجت من المسجد، فأضاء العرجون مثل الشمعة نورا، فاستضأت به وأتيت أهلي فوجدتهم قد

رقدوا، فنظرت إلى الزاوية فإذا فيها قنفذ، فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج. ورواه الإمام أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.

فائدة : روى البيهقي، في أواخر دلائل النبوة، عن أبي دجانة واسمه سماك بن خرشة قال:

شكوت إلى النبي ﷺ، أني نمت في فراشي، فسمعت صريرا كصرير الرحى ودويا كدوي النحل، ولمعا كلمع البرق، فرفعت رأسي فإذا أنا بظل أسود يعلو ويطول في صحن داري فمسست جلده، فإذا هو كجلد القنفذ فرمى في وجهي مثل شرر النار. فقال ﷺ: «عامر دارك يا أبا دجانة». ثم طلب ﷺ دواة وقرطاسا، وأمر عليا رضي الله تعالى عنه أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول رب العالمين إلى من يطرق الدار من العمار والزوار، إلا طارقا يطرق بخير أما بعد فإن لنا ولكم في الحق سعة فإن كنت عاشقا مولعا، أو فاجرا مقتحما، فهذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، ورسلنا يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام، وإلى من يزعم أن مع الله إلها آخر، لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه، له

الحكم وإليه ترجعون حم لا ينصرون حم عسق تفرق أعداء الله وبلغت حجة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسيكفيهم الله وهو السميع العليم.

قال أبو دجانة ﵁: فأخذت الكتاب، وأدرجته وحملته إلى داري وجعلته تحت رأسي فبت ليلتي، فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة أحرقتنا بهذه الكلمات فبحق صاحبك إلا ما رفعت عنا هذه الكلمات، فلا عود لنا في دارك ولا في جوارك ولا في موضع يكون فيه هذا الكتاب، قال أبو دجانة: فقلت: والله لا أرفعه حتى أستأذن رسول الله ﷺ، قال أبو دجانة: فلقد طالت علي ليلتي بما سمعت، من أنين الجن وصراخهم وبكائهم، حتى أصبحت فغدوت فصليت الصبح مع رسول الله ﷺ وأخبرته بما سمعت من الجن ليلتي، وما قلت لهم؛ فقال رسول الله ﷺ: يا أبا دجانة ارفع عن القوم، فو الذي بعثني بالحق نبيا إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة. قال البيهقي: وقد ورد في حرز أبي دجانة ﵁ حديث طويل، غير هذا موضوع، لا تحل روايته. وهذا الذي رواه البيهقي، رواه الديلمي الحافظ في كتاب الإنابة، والقرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار.

الحكم

: قال الشافعي: يحل أكل القنفذ لأن العرب تستطيبه، وقد أفتى ابن عمر بإباحته وقال أبو حنيفة والإمام أحمد: لا يحل لما روى أبو داود وحده أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سئل عنه، فقرأ: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً

الآية فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: ذكر القنفذ عند رسول الله ﷺ، فقال: «خبيث من الخبائث». فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: إن كان قد قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال. قلت: والجواب أن رواته مجهولون. قال البيهقي: ولم يرو إلا من وجه واحد ضعيف لا يجوز الاحتجاج به. وما روي عن سعيد بن جبير، أنه قال: جاءت أم حفيد رضي الله تعالى عنها بقنفذ إلى رسول الله ﷺ، فوضعته بين يديه، فنحاه رسول الله ﷺ، ولم يأكله فهو مرسل. وقد روي مسندا

وليس فيه ذكر القنفذ. وقيل: أراد أنه خبيث الفعل دون اللحم، لما فيه من إخفاء رأسه عند التعرض لذبحه، وابداء شوكه عند أخذه، وسئل مالك عنه، فقال: لا أدري. وقال القفال: إن صح الخبر فهو حرام، وإلا رجعنا إلى العرب هل تستطيبه أم لا. وقال الرافعي: يقال إن له كرشا ككرش الشاة.

الأمثال : قالوا: «أسرى من قنفذ» وقالوا: «ذهبوا إسراء قنفذ»، يعني ذهبوا ليلا، لأن القنفذ يسري في الليل كثيرا وقد تقدم هذا في باب الهمزة في لفظ أنقد.

الخواص : مرارة البري منه، إذا طلي بها موضع الشعر المنتوف، لا ينبت فيه شعر أبدا.

وإذا اكتحل بها أزالت البياض من العين، وإذا خلطت بشيء من الكبريت وطلي بها البهق أزالته وإن شرب من مرارته نفع من الجذام والسل والزحير، وإن خلطت بدهن ورد وقطر في أذن من به صمم قديم أبرأه إذا داوم عليه أياما، ولحمه إذا أكل نفع من السل والجذام والبرص والتشنج ووجع الكلى، وإن مسح بشحمه ودمه وبراثنه المعقود عن النساء حله، وطحاله يسقى لمن به وجع الطحال، بشراب العسل فإنه يبرئه، وكليته تجفف ويسقى منها وزن درهم، مسحوقا بماء الحمص الأسود، من به عسر البول فيبرأه سريعا. وإن قتل قنفذ، وقطع رأسه بسيف لم يقتل به إنسان، وعلق على المجنون والمصروع والمختل أبرأه. وإن قطع طرف رجله اليمنى وهو حي وعلقت على صاحب الحمى الحارة والباردة، من غير أن يعلم ما هو، مربوطا في خرقة كتان، أبرأه. وعينه اليمنى تغلى بشيرج، وتجعل في إناء نحاس، فمن اكتحل به لم يخف عليه شيء في الليل، بل يراه كأنه نهار، وشطار العيارين يفعلون ذلك. وعينه اليسرى تغلى بزيت وترفع في قارورة، فإذا أردت أن تنوم إنسانا فخذ منه بطرف الميل، وادنه إلى أنفه، فإنه ينام من ساعته. وأظفار يده اليمنى يبخر بها المحموم، فتذهب حماه. وطحاله إذا شوي وأكله من به وجع الطحال أبرأه، والأول أسرع وهو ما تقدم. ومرارته تعجن بسمن عتيق، وتتحمل بها المرأة في قبلها، فإنها تلقي ما في جوفها. ودمه يطلى به على عضة الكلب، يسكن ألمها، ولحمه المملح ينفع من داء الفيل والجذام، وهو جيد لمن يبول في فراشه. وجميع أصناف القنافذ بيضها أصفر جدا لا يؤكل، وإذا أخذ بول القنفذ وسقي بشراب لمن أعياه مرضه ثلاثة أيام أبرأه. وإن علق قلبه على من به حمى الربع أبرأه، وإذا طلي المجذوم بشحمه نفعه.

وأما رؤيته في المنام فإنه يدل على المكر والخداع والتجسس، والاحتقار والشر، وضيق القلب وسرعة الغضب وقلة الرحمة، وربما يدل على فتنة يشهر فيها السلاح، والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.