تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الليث

الأسد، وجمعه ليوث. وهو أيضا ضرب من العناكب يصطاد الذباب، وهو أصغر من العنكبوت. والليث من الرجل: الشجاع وبنو ليث بطن من العرب، وبه سمي ليث بن سعد بن عبد الرحمن بن الحارث، إمام أهل مصر في الفقه. ولد بقلقشندة وهي قرية في أسفل مصر سنة أربع وتسعين. قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال عثمان بن صالح: كان أهل مصر ينتقصون عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، حتى نشأ فيهم الليث بن سعد فحدثهم بفضائل عثمان رضي الله تعالى عنه. فكفوا عن ذلك.

وكان أهل حمص ينتقصون عليا رضي الله تعالى عنه، حتى نشأ فيهما اسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائل علي رضي الله تعالى عنه فكفوا عن ذلك.

وحج الليث، فقدم المدينة فبعث إليه الإمام مالك بن أنس بطبق رطب، فجعل على الطبق ألف دينار ورده إليه، وكان الليث ﵀ يستغل في كل سنة عشرين ألف دينار فينقفها وما وجبت عليه زكاة قط. وقالت له امرأة: يا أبا الحارث إن لي ابنا عليلا واشتهى عسلا، فقال: يا غلام اعطها مطرا من عسل، والمطر مائة وعشرون رطلا. فقيل له في ذلك، فقال: سألت على قدر حاجتها، ونحن أعطيناها على قدر نعمتنا. واشترى قوم منه ثمره ثم استقالوه، فأقالهم وأعطاهم خمسين دينارا، وقال: إنهم كانوا قد أملوا فيها أملا فأحببت أن أعرضهم عن أملهم.

وكان رضي الله تعالى عنه حنفي المذهب، وولي القضاء بمصر وتوفي بها في شعبان سنة خمسن وسبعين ومائة. وقبره في القرافة الصغرى مشهور. وقلقشندة بفتح القاف ولام وقاف وشين معجمة مفتوحة ونون ساكنة ودال مهملة وهاء آخرها بينها وبين مصر مقدار ثلاثة فراسخ كذا قاله ابن خلكان.

وحكى: عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: كان بأرض اليمامة رجل من ربيعة يقال له جحدر بن مالك العجلي، وكان شاعرا فحلا فاتكا قد أمر على أهل حجر وما يليها، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عامله على اليمامة يوبخه ويلومه على تغلب جحدر في ولايته ويأمره بالتجرد في طلبه والبعث به إليه، إن ظفر به. فلما أتى العامل كتابه دس إليه فتية من قومه، ووعدهم أن يوفدهم معهم، فمكثوا لذلك أياما حتى إذا أصابوا منه غرة شدوا عليه فأوثقوه، وقدموا به على العامل. فبعث به إلى الحجاج فلما جاوزوا بجحدر حجرا أنشأ يقول:

لقد ما هاجني فازددت شوقابكاء حمامتين تغردان
تجاوبتا بلحن أعجميعلى غصنين من غرب وبان
للشاعر جُحدُر العُكَلي، اقرأ القصيدة
فقلت لصاحبي وكنت أحزوببعض القول ماذا تحزوان
فقالا: الدار جامعة قريبافقلت وأنتما متمنيان
فكان البان أن بانت سليمىوفي الغرب اغتراب غير دان
للشاعر جُحدُر العُكَلي، اقرأ القصيدة
إذا جاوزتما نخلات حجروأندية اليمامة فانعياني
وقولا جحدر أمسى رهينايعالج وقع مصقول يماني
كذا المغرور بالدنيا سيردىوتهلكه المطامع والأماني

فلما قدم به على الحجاج، قال له: أنت جحدر؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير. قال: فما حملك على ما صنعت؟ قال: جراءة الجنان، وكلب الزمان، وجفوة السلطان. قال: وما الذي بلغ من أمرك فيجرأ جنانك، ويكلب زمانك ويجفوك سلطانك؟ قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وأهم الفرسان، وأما جراءة جناني فإني لم ألق فارسا قط، إلا كنت عليه في نفسي

مقتدرا، فقال له الحجاج بن يوسف: إنا قاذفون بك في جب ليث، فإن هو قتلك كفانا مؤنتك، وإن أنت قتلته خلينا عنك وأحسنا جائزتك! قال: نعم، أصلح لله الأمير قربت المحنة، وأعظمت المنة، أنت أهل ذلك، إذا شئت فأمر به. فقيد وحبس.

وكتب إلى عامله على كسكر يأمره بالبعثة إليه بأسد ضار، فبعث إليه بأسد قد أضر بأهل كسكر، في صندوق يجره ثوران، فلما قدم به على الحجاج، أمر به فأدخل في جب وسد بابه وجوعه ثلاثة أيام، ثم أتى بجحدر وأمكن من سيف قاطع، وجلس الحجاج والناس ينظرون إليهما فلما نظر الأسد إلى جحدر، وقد أقبل ومعه السيف يرسف في قيوده، تهيأ وتمطى فأنشد جحدر يقول:

ليث وليث في مجال ضنككلاهما ذو أنف وفتك
وسورة في وصلة ومحكأن يكشف الله قناع الشك
من ظفري بحاجتي ودركيفذاك أحرى منزل بترك

فوثب إليه الأسد وثبة شديدة فتلقاه جحدر بالسيف، فضرب هامته ففلقها حتى خالط ذباب السيف لهواته، وتخضبت ثيابه من دمه، فوثب وهو يقول:

يا جمل إنك لو رأيت كريهتيفي يوم هيج مسدف وعجاج
وتقدمي لليث أرسف موثقاكيما أكابره على الإحراج
للشاعر جُحدُر العُكَلي، اقرأ القصيدة
جهم كأن جبينه لما بداطبق الرحا متعجّر الأثباج
للشاعر جُحدُر العُكَلي، اقرأ القصيدة
يسمو بناظرتين تحسب فيهمالما أجالهما شعاع سراج
فكأنما خيطت عليه عباءةبرقاء أو قطع من الديباج
قرنان مختصران قد مخضتهماأمّ المنية غير ذات نتاج
ففلقت هامته فخر كأنهأطم تساقط مائل الأبراج
ثم انثنيت وفي ثيابي شاهدمما جرى من شاخب الأوداج
أيقنت أني ذو حفاظ ماجدمن نسل أملاك ذوي أتواج
مما يغار على النساء حفيظةإذ لا يثقن بغيرة الأزواج

فقال له الحجاج: يا جحدر إن أحببت المقام معنا فأقم، وإن أحببت الانصراف إلى بلادك فانصرف. فقال: بل أختار صحبة الأمير والكينونة معه، ففرض له في شرف العطاء، وأقام ببابه فكان من خواص أصحابه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الهاء في الهزبر ما قاله بشر بن أبي عوانة، لما قتل الأسد، وقد أحسن إبراهيم بن محمد المغربي ﵀ حيث قال:

حملنا من الأيام ما لا نطيقهكما حمل العظم الكثير العصائبا
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة
وليل رجونا أن يهبّ عذارهفما اختطّ حتى صار بالفجر شائبا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.