من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الناقة
الأنثى من الإبل، قال الجوهري: الناقة تقديرها فعلة بالتحريك، لأنها جمعت على نوق مثل بدنة وبدن، وخشبة وخشب، وفعلة بالتسكين لا تجمع على ذلك، وقد جمعت في القلة على أنوق. ثم استثقلوا الضمة على الواو فقدموها. فقالوا: أونق. حكاها يعقوب عن بعض الطائيين، ثم عوضوا من الواو ياء، فقالوا: أينق ثم جمعوها على أيانق. وقد تجمع الناقة على نياق مثل ثمرة وثمار إلا أن الواو صارت ياء لكسرة ما قبلها، وأنشد أبو زيد للقلاخ بن حزن:
أبعدكن الله من نياقإن لم تنجين من الوثاق
وبعير منوق أي مذلل مروض، وناقة منوقة اهـ.
وكنية الناقة أم بو وأم حائل وأم حوار وأم السقب وأم مسعود ويقال لها بنت الفحل وبنت الفلاة وبنت النحائب. روى الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: كان النبي ﷺ يسير في سفر، فلعن رجل ناقة، فقال ﷺ: «أين صاحب هذه الناقة؟» فقال الرجل: أنا. فقال ﷺ: «أخّرها فقد أجبت فيها».
وروى مسلم وأبو داود والنسائي، عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، قال: بينما
النبي ﷺ في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة». قال عمران: فكأني أراها الآن ورقاء تمشي في الناس، ما يعرض لها أحد. وفي رواية: لا تصحبنا ناقة عليها لعنة الله. قال ابن حبان: إنما أمر ﷺ بإرسالها، لأنه ﵇ تحقق إجابة الدعوة فيها، فمتى علم استجابة الدعاء من لاعن ما أمرناه بإرسال دابته، ولا سبيل إلى علم هذا لانقطاع الوحي فلا يجوز استعمال هذا الفعل لأحد أبدا. وقيل: إنما قال ﷺ هذا زجرا لها ولغيرها. وقد كان سبق نهيها ونهي غيرها عن اللعن، فعوقبت بإرسال الناقة. والمراد النهي عن مصاحبته لتلك الناقة في الطريق.
وأما بيعها وذبحها وركوبها في غير تلك الطريق، وغير ذلك من التصرفات، التي كانت جائزة قبل هذا فهي باقية على الجواز، لأن النهي إنما ورد في المصاحبة، فيبقى الباقي كما كان.
والورقاء بالمد التي يخالط بياضها سواد، والذكر أورق.
وقد ورد في النهي عن اللعن أحاديث، منها ما روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا».
وفي رواية الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذي».
وفي سنن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، فتهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا لذلك نزلت عليه وإلا رجعت إلى قائلها». وفي شعب البيهقي، أن عبد الله بن أبي الهذيل كان إذا لعن شاة لم يشرب من لبنها، وإذا لعن دجاجة لم يأكل من بيضها.
فائدة : وأما قوله تعالى: ناقَةُ اللَّهِ
فهو إضافة خلق إلى خالق تشريفا وتخصيصا، قيل:
إن صالحا ﵊ أتى بالناقة من قبل نفسه، وقال الجمهور: بل سألوه أن يدعو ربه أن يخرج لهم آية من صخرة يقال لها الكائبة ناقة عشراء، فدعا الله فانشقت عن ناقة عظيمة، يروى أنها كانت حاملا، فولدت وهم ينظرون إليها سقبا قدرها، فعقرها قدار بن سالف، وهو أشقى الأولين. فَتَعاطى فَعَقَرَ
أي قام على أطراف أصابع رجليه، ثم رفع يديه فضربها.
روي أن سيد ثمود جندع بن عمرو قال: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة، لصخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها الكائبة، ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء. فصلى صالح ركعتين، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت فانصدعت عن ناقة مخترجة
جوفاء وبراء وعشراء، كما وصفوا، لا يعلم ما بين جنبيها عظما إلا الله تعالى، وهم ينظرون ثم نتجت سقبا مثالها في العظم فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه. فقال لهم صالح ﵇: هذه ناقة الله لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم. فمكثت الناقة، ومعها سقبها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد الماء غبا، فإذا كان يوم شربها، وضعت رأسها في بئر في الحجر، يقال لها بئر الناقة لا ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها، فلا تدع فيها قطرة، ثم ترفع رأسها فتتفحج لهم، فيحلبون منها ما شاؤوا من لبن، فيشربون ويدخرون ويملؤون أوانيهم كلها. ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه، لأنها لا تقدر أن تصدر من حيث جاءت. فإذا كان الغد كان يومهم، فيشربون من الماء ما شاؤوا، أو يدخرون ما شاؤوا فهم من ذلك في بر ودعة.
وكانت الناقة تصيف، إذا كان الحر، بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي إلى بطن الوادي، في حره وجدبه، وتشتو إذا كان الشتاء ببطن الوادي، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم، وحملهم ذلك على عقر الناقة، فعقرها قدار بن سالف، وهو أشقى الأولين. وكان أحمر أزرق قصيرا ملتزق الخلق، واسم أمه قديرة. روي أنه ولد على فراش سالف، ولم يكن من ظهره، فدعته امرأة يقال لها عنيزة، وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وذات مال من إبل وبقر وغنم.
وكان قدار عزيزا منيعا في قومه، فقالت له: أعطيك أي بناتي شئت، على أن تعقر الناقة.
فانطلق قدار فكمن لها في أصل شجرة على طريقها، فلما مرت به شد عليها بالسيف فعقرها، فذلك قوله تعالى: فَتَعاطى فَعَقَرَ
أي قام على أطراف أصابع رجليه، ثم رفع يديه فضربها، فجرت ورغت رغاءة واحدة تحذر سقبها، فانطلق السقب حتى أتى جبلا منيعا، يقال له صنو.
وأتى صالح ﵇ فقيل له: أدرك الناقة، فقد عقرت، فأقبل وخرجوا يتلقونه يعتذرون إليه. ويقولون له: يا نبي الله إنما عقرها فلان، لا ذنب لنا. فقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول في السماء حتى ما يناله الطير.
وقدار بضم القاف ثم دال مهملة مخففة ثم ألف ثم راء مهملة هكذا ذكره جميع أهل التواريخ وغيرهم. ووقع في المهذب، في باب الهدنة، أن اسمه العيزار بن سالف، وهو وهم بلا خلاف. وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة، كأنما طليت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وإنثاهم فأيقنوا بالعذاب، وكان صالح ﵊ قد أخبرهم بذلك. وخرج هاربا منهم فشغلهم عنه ما نزل بهم، من عذاب الله، فجعل بعضهم يخبر بعضا ما يرون في وجوههم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل، فلما أصبحوا يوم الجمعة إذا وجوههم محمرة، كأنما خضبت بالدماء، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل، فلما أصبحوا يوم السبت إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فلما
أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى الأجل وحضركم العذاب، فلما كان يوم الأحد، لما اشتد الضحى، أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له صوت يصوت به في الأرض، فقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وكان الذي آمن بصالح ﵊ من ثمود أربعة آلاف، فخرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما حضرها صالح مات، فسميت حضرموت. ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضور. كذا قاله محمد بن اسحاق ووهب وجماعة. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة.
وروى أحمد والطبراني والبزار بإسناد صحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تسألوا نبيكم الآيات فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية فبعث الله لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم ورودها وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروا الناقة، فقيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام أو قيل لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام، ثم جاءتهم الصيحة فأهلكت من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا كان في حرم الله تعالى فمنعه من عذاب الله ﷿». قالوا: يا رسول الله من هو؟ قال: «أبو رغال». قيل: ومن أبو رغال؟ قال: «جد ثقيف». وفي رواية فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن معه غصن من ذهب. وأراهم ﷺ قبر أبي رغال، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم وحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن.
وروى الطبراني عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود وابن آدم الأول الذي قتل أخاه، ما سفك على الأرض دم إلا لحقه منه إثم، لأنه أول من سن القتل وقاتل علي بن أبي طالب». رضي الله تعالى عنه.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر، في غزوة تبوك، أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم ﵊ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. وفي رواية جابر أنه ﷺ قال لأصحابه: «لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم».
وروى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله تعالى، فقال له ﷺ: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة».
وروى أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن أبي بن كعب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم
عاملا فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدّ ابنة مخاض، فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية سمينة فخذها فامتنع أبي بن كعب، وترافعا إلى رسول الله ﷺ فقال له: «ذاك الذي عليك فإن تطوعت فخير أجرك الله فيه وقبلناه منك». قال: ها هي يا رسول الله قد جئتك بها فخذها، فأمره رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة.
وفي كامل ابن عدي وسنن البيهقي وشعب الإيمان عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل، أم أعقلها وأتوكل؟
فقال ﷺ: «بل اعقلها وتوكل».
وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: إن رجلا ادعى عليه عند النبي ﷺ بسرقة ناقة، فقال: ما سرقتها. فقال ﷺ: «احلف» فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما سرقتها. فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: إنه سرقها، ولكن غفر الله له كذبه، بصدقه بلا إله إلا هو. فقال له النبي ﷺ: «أخذتها فردها إليه» فردها إليه. وفي رواية قال له النبي ﷺ: «إن الله غفر لك كذبك بصدقك بلا إله إلا الله».
وروى الحاكم عن النعمان بن سعد قال: كنا جلوسا عند علي رضي الله تعالى عنه، فقرأ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
فقال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يساقون سوقا، ولكن يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة. ثم قال: صحيح الإسناد.
وروى الحاكم أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ إذ دخل أعرابي جهوري الصوت بدوي على ناقة حمراء، فأناخها بباب المسجد، ودخل فسلم على النبي ﷺ ثم قعد فلما قضى نحبه، قالوا: يا رسول الله إن الناقة التي تحت الأعرابي سرقة قال ﷺ: «أثمّ بينة» قالوا: نعم يا رسول الله. فقال ﷺ: «يا علي خذ حق الله من الأعرابي إن قامت عليه البينة، وإن لم تقم فرده إلي» فأطرق الأعرابي ساعة، فقال له النبي ﷺ:
«قم يا أعرابي لأمر الله وإلا فأدل بحجتك». فقالت الناقة من خلف الباب: والذي بعثك بالحق والكرامة يا رسول الله إن هذا ما سرقني وما ملكني أحد سواه. فقال له النبي ﷺ: «يا أعرابي بالذي أنطقها بعذرك ما الذي قلت» ؟ قال: قلت: اللهم إنك لست برب استحدثناك، ولا معك إله أعانك على خلقنا ولا معك رب فنشكّ في ربوبيتك، أنت ربنا كما نقول، وفوق ما يقول القائلون أسألك أن تصلي على محمد وأن تريني براءتي. فقال له النبي ﷺ: «الذي بعثني بالكرامة يا أعرابي لقد رأيت الملائكة يبتدرون أفواه الأزقة يكتبون مقالتك فأكثر الصلاة علي». ثم قال الحاكم: رواته ثقات، لكن فيهم يحيى بن عبد الله المصري، لست أعرفه بعدالة ولا جرح. وقد تقدم في البعير حديث رواه الطبراني قريب من هذا.
وفي المستدرك أيضا، في ترجمة صهيب ﵁، عن كعب الأحبار، عن صهيب بن سنان، قال: كان النبي ﷺ يدعو: «اللهم إنك لست بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه، ونذرك ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه معك، تباركت وتعاليت» قال كعب الأحبار: كان نبي الله ﷺ يدعو به، ثم قال: صحيح الإسناد.
في المستدرك أيضا، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ نزل بأعرابي فأكرمه، فقال له النبي ﷺ: «يا أعرابي سل حاجتك». فقال: يا نبي الله ناقة نرحلها، وأعنزا يحلبها أهلي. فقال ﷺ: «أعجز هذا أن يكون مثل عجوز بني إسرائيل». قالوا: يا رسول الله، وما عجوز بني إسرائيل؟ قال ﷺ: «إن بني إسرائيل خرجوا من مصر، فضلوا الطريق، وأظلم عليهم، فقالوا: ما هذا؟ قال علماؤهم: إن يوسف ﵊، لما حضرته الوفاة، أخذ علينا موثقا من الله، أن لا نخرج حتى ننقل عظامه معنا، فقال موسى ﵊: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: عجوز لبني إسرائيل، فبعث إليها فأتته فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: وتعطيني ما أسألك؟ فقال: وما سؤالك؟ قالت: أكون معك في الجنة. فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، ففعل». ورواه الطبراني وأبو يعلى الموصلي بنحوه.
وفي رواية، في غير المستدرك أنها كانت مقعدة عمياء، وأنها قالت لموسى: لا أخبرك عن موضع قبره حتى تعطيني أربع خصال: تطلق رجلي وبصري وشبابي وأكون معك في الجنة. فأوحى الله إليه أن أعطها ما سألتك، فإن ما تعطي علي، ففعل. فانطلقت بهم إلى مستنقع ماء، فاستخرجته من شاطىء النيل، في صندوق من مرمر، فلما فكوا تابوته طلع القمر، وأضاءت الطريق مثل النهار، فاهتدوا وحملوه معهم إلى الشام فدفنه موسى ﵇ عند آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. وعاش يوسف بعد أبيه يعقوب ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وفي المستدرك وغيره، عن معاذ رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من قاتل في سبيل الله قدر فواق ناقة وجبت له الجنة». وفواق الناقة ما بين الحلبتين من الراحة وتضم فاؤه وتفتح.
وفي الحديث أيضا: «عيادة المريض قدر فواق الناقة». وفي أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية. ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوبا يحمل عليه غير هذا لحملتك عليه. وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس. ولو علمنا شيئا آخر يتخذ من الخز غير هذا لأعطيناك إياه. قال بعضهم: رحم الله معنا، لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر له به، ولكنه كان عربيا محضا لم يتدنس بقاذورات العجم. وذكر ابن خلكان في ترجمته أنه جلس يوما فرأى راكبا فقال: ما أحسب هذا يريد غيري، فلما وصل أنشد قائلا:
أصلحك الله قلّ ما بيديفما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر رمى بكلكلهفأرسلوني إليك وانتظروا
فقال: يا فلان ناقتي الفلانية وألف دينار، فدفعهما إليه وهو لا يعرفه. ومحاسن معن كثيرة، وتولى الولايات العظيمة، وتولى في آخر عمره سجستان، فبينما هو ذات يوم في داره والصناع يعملون بين يديه، اندس بينهم قوم من الخوارح فقتلوه وهو يحتجم وهربوا، فتبعهم ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة فقتلهم عن آخرهم. وكان قتله في سنة إحدى أو اثنتين أو ثمان وخمسين ومائة ﵀. ورثاه الشعراء بمراث كثيرة، فمن المراثي النادرة أبيات الحسن بن مطر الأزدي، وهي في الحماسة منها:
ألما على معن وقولا لقبرهسقتك الغوادي مربعا ثم مربعا
فيا قبر معن كيف واريت جودهوقد كان منه البرّ والبحر مترعا
ويا قبر معن أنت أول حفرةمن الأرض خطّت للمكارم مضجعا
بلى وقد وسعت الجود والجود ميتولو كان حيا ضقت حتى تصدّعا
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مربعا
ولما مضى معن مضى الجود وانقضىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
وحكمها : كالإبل.
الأمثال : قالوا: «لا ناقتي فيها ولا جملي» وأصل المثل للحارث بن عبادة. وقيل: أول من قاله صدوف بنت حليس العذرية، وخبرها مشهور في الأمثال. ومما أنشد في ذلك قول الراعي:
وما هجرتك حتى قلت معلنةلا ناقة لي في هذا ولا جمل
وقال الطغرائي في لاميته:
فيم الإقامة بالزوراء لا سكنيبها ولا ناقتي فيها ولا جملي
يضرب عند التبري من الظلم أو الإساءة وأطال فيه أصحاب الأمثال، وقالوا: «استنوق الجمل» أي صار ناقة، يضرب للرجل يكون في حديث أو صفة شيء ثم يخلطه بغيره. وينتقل
منه إليه. قال الجوهري: وأصله أن طرفة بن العبد، كان عند بعض الملوك، والمسيب بن عبس ينشد شعرا في وصف جمل، ثم حوله إلى نعت ناقة، فقال طرفة: قد استنوق الجمل.
وخواصها : كالإبل أيضا.
التعبير : الناقة في الرؤيا امرأة، فإن كانت من البخت فهي أعجمية، وإن كانت غير بختية فهي امرأة عربية. فمن رأى كأنه حلب ناقة تزوج امرأة صالحة، ومن كان متزوجا وحلب ناقة رزق ولدا ذكرا، وربما رزق بنتا. ومن رأى ناقة ومعها فصيلها، فإنه يدل على ظهور آية وفتنة عامة. وقال ابن سيرين: الناقة المحدوجة سفر في بر، ومن ركب ناقة مهرية في منامه سافر وقطع عليه الطريق. ومن حلب النوق في منامه فإنه يلي ولاية يجمع فيها الزكاة.
ومن الرؤيا المعبرة أن ابن سيرين ﵀، أتاه رجل فقال له: رأيت رجلا يحلب من النوق البخت لبنا، ثم حلبها دما. فقال ابن سيرين: هذا رجل يتولى على الأعاجم ويجيبهم الزكاة وهي اللبن، ثم يظلمهم ويأخذ أموالهم غصبا، وهو الدم، فكان كذلك. ولحم النوق يدل على وفاء النذر لقول الله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ
وهو لحم الجزور. وقيل: لحم الجزور في الرؤيا مصيبة، وقيل مرض، وقيل: رزق، لقول الله تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ
ومن عقر ناقة في منامه ندم على أمر فعله، وناله منه مصيبة لقول الله تعالى: فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ.
وقيل: ركوب الناقة نكاح امرأة، فإن ركبها مقلوبا أتى امرأة في دبرها. ومن رأى ناقة صارت بغلة أو بعيرا، فإن زوجته لا تحمل أبدا. ومن ماتت ناقته ماتت امرأته، أو بطل سفره، وربما دلت الناقة على امرأة كثيرة الخصام، لكثرة رغائها. ومن رأى ناقة دخلت مدينة، فإنها فتنة لقول الله تعالى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ
فإذا عقرت ناقة في مدينة، أصاب أهلها نكبة والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع