من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الهجرس
ولد الثعلب والجمع هجارس، وقيل: هو ولد الدب، وقال أبو زيد: هو القرد، وفي الحديث أن عيينة بن حصن الفزاري مد رجله بين يدي رسول الله ﷺ، فقال أسيد بن حضير ﵁: يا عين الهجرس، أتمد رجلك بين يدي رسول الله ﷺ؟
وفي الاستيعاب، في ترجمة أسيد بن حضير، قال: جاء عامر بن الطفيل وأربد إلى رسول الله ﷺ، فسألاه أن يجعل لهما نصيبا من تمر المدينة، «فأبى رسول الله ﷺ»، فقال عامر بن الطفيل: لأملأنها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا! فقال ﷺ: «اللهم اكفني شر عامر بن الطفيل». فأخذ أسيد بن حضير الرمح، وجعل يقرع رؤوسهما ويقول: أخرجا أيها الهجرسان، فقال عامر: من أنت؟ قال: أنا أسيد بن حضير، فقال: أبوك خير منك، فقال: بل أنا خير منك ومن أبي، مات أبي وهو كافر. فقيل للأصمعي: ما الهجرس؟ قال: الثعلب.
فلما رجع عامر وأربد، من عند رسول الله ﷺ، وكانا ببعض الطرق، أرسل الله على أربد صاعقة فأحرقته وأحرقت بعيره، وبعث الله على عامر الطاعون في عنقه، فقتله في بيت امرأة سلولية، من بني سلول. فجعل يقول: يا بني عامر «غدة كغدة البعير، وموتا في سلولية».
وذكر سيبويه قول عامر: غدة كغدة البعير وموتا في بيت سلولية، في باب ما ينصب على
إضمار الفعل المتروك، كأنه قال: اغد غدة. قلت: ومن الأوهام أن المستغفري ذكر في كتابه معرفة الصحابة عامر بن الطفيل، وقال: إنه أسلم وسأل النبي ﷺ أن يعلمه كلمات يعيش بهن، فقال ﷺ: «يا عامر أفش السلام وأطعم الطعام واستحي من الله حق الحياء، وإذا أسأت فأحسن، فإن الحسنات يذهبن السيآت» انتهى.
والصواب أن عامر بن الطفيل لم يؤمن بالله طرفة عين، ولم يختلف أحد من أهل النقل، في ذلك. وأما أربد المذكور، فهو أخو لبيد الشاعر الذي عاش في الإسلام ستين سنة لم يقل فيها شعرا، سأله عمر رضي الله تعالى عنه عن تركه الشعر؟ فقال: ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران. فزاد عمر في عطائه خمسمائة درهم من أجل هذا القول. فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة، فلما كان زمن معاوية أراد أن ينقصه الخمسمائة، فقال له: ما بال العلاوة فوق الفودين؟
فقال له لبيد رضي الله تعالى عنه: آن أن أموت ويصير لك العلاوة والفودان. فرق له معاوية وتركها له، ومات لبيد بعد ذلك بأيام قليلة، وقد قيل: إنه قال في الإسلام بيتا واحدا وهو:
الحمد لله إذ لم يأتني أجليحتى لبست من الإسلام سربالا
وقيل: قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولهاوسؤال هذا الناس كيف لبيد
الأمثال : قالوا: «اسفد من هجرس» «وأغلم وأنزى».
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع