تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الهر

ماس:

بكسر الهاء من اسماء الأسد، وقيل: هو الشديد من السباع، والهرماس بن زياد الباهلي من الصحابة سكن البصرة وطال عمره، وروى عن النبي ﷺ حديثين أحدهما عن أبي داود والآخر رواه النسائي. والهرميس بكسر الهاء أيضا الكركدن عند ابن سيده. قال: وهو أكبر من الفيل قال الشاعر:

والفيل لا يبقى على الهرميس

الهر:

السنور، والجمع هررة، كقرد وقردة، والأنثى هرة وتقدمت في خواص الأسد في

الكلام على الفأرة، أن الهرة خلقت من عطسة الأسد. روى الإمام أحمد والبزار ورجال الإمام أحمد ثقات، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ رأى رجلا يشرب قائما فقال ﷺ: «قه أيسرّك أن يشرب معك الهر» قال: لا. قال: «فقد شرب معك الشيطان». وفي تاريخ ابن النجار، في ترجمة محمد بن عمر الحنبلي، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كنت جالسا عند عائشة رضي الله تعالى عنها أبشرها بالبراءة، فقالت: والله لقد هجرني القريب والبعيد، حتى هجرتني الهرة، وما عرض علي طعام ولا شراب، فكنت أرقد وأنا جائعة، فرأيت الليلة في منامي فتى فقال: ما لك حزينة؟ فقلت: مما ذكر الناس. فقال: ادعي بهذه الكلمات يفرج عنك. فقلت: وما هي؟ فقال: قولي: دعاء الفرج يا سابغ النعم، ويا دافع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، ويا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا ولي من ظلم، ويا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، ويا من له اسم بلا كنية، أجعل لي من أمري فرجا ومخرجا.

قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة، وقد أنزل الله براءتي وجاءني الفرج. وفي الحديث الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن الشيطان عرض للنبي ﷺ في صلاته، قال عبد الرزاق: في صورة هر، قال ﷺ: «فشد علي يقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فذعته أي خنقته ولقد هممت أن أوثقه في سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه. فذكرت قول أخي سليمان: رب أغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرده الله خاسئا».

وروى ابن أبي خيثمة، عن ميمونة بنت سعيد، مولاة رسول الله ﷺ، وهو في الاستيعاب، عن سليمان الفارسي، خادم رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ أوصى بالهر، وقال: «إنّ امرأة عذبت في هرة ربطتها» الحديث، وهو في الصحيحين.

وفي الزهد للإمام أحمد: رأيتها في النار وهي تنهش قبلها ودبرها. والمرأة المعذبة كانت كافرة، كما رواه البزار في مسنده، والحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان، ورواه البيهقي في البعث والنشور، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فاستحقت التعذيب بكفرها وظلمها.

وقال القاضي عياض في شرح مسلم: يحتمل أن تكون كافرة. ونفى النووي هذا الاحتمال، وكأنهما لم يطلعا على نقل في ذلك.

وفي مسند أبي داود الطيالسي، من حديث الشعبي، عن علقمة قال: كنا عند عائشة رضي الله تعالى عنها، ومعنا أبو هريرة، فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث عن رسول الله ﷺ أن امرأة عذبت بالنار من أجل هرة؟ قال أبو هريرة: نعم سمعته من رسول الله ﷺ. فقالت عائشة: المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه من أجل هرة، إنما كانت المرأة مع ذلك كافرة يا أبا هريرة، إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث. وقد تقدم في الفرس، ما أنكرته عائشة على أبي هريرة.

وروى ابن عساكر، في تاريخه عن بعض أصحاب الشبلي، أنه رآه في النوم، بعد موته فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا أبا بكر أتدري بماذا غفرت لك؟

فقلت: بصالح عملي. فقال: لا. قلت: باخلاصي في عبوديتي، قال: لا. قلت: بحجي وصومي وصلاتي. قال: لم أغفر لك بذلك. فقلت: بهجرتي إلى الصالحين، وإدامة أسفاري في طلب العلوم. فقال: لا. فقلت: يا ربي هذه المنجيات التي كنت أعقد عليها خنصري، وظني أنك بها تعفو عني وترحمني. فقال: كل هذه لم أغفر لك بها، فقلت: إلهي فبماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي في دروب بغداد، فوجدت هرة صغيرة، قد أضعفها البرد، وهي تنزوي من جدار إلى جدار من شدة البرد والثلج، فأخذتها رحمة لها، فأدخلتها في فرو كان عليك وقاية لها من ألم البرد؟

فقلت: نعم. فقال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك.

وأبو بكر الشبلي اسمه دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس الخراساني، كان سيدا صالحا محدثا، مالكي المذهب، صحب الجنيد رضي الله تعالى عنه، وكان في ابتداء أمره واليا على دنباوند، فتاب في مجلس خير النساج، وكانت له خطفات وسكرات وغرقات توجب تلك الغرقات شطحات، فقام عذره فيها ودخل على الجنيد يوما فوقف بين يديه وصفق وأنشد يقول:.

عودوني الوصال والوصل عذبورموني بالصدّ والصدّ صعب
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة
زعموا حين أزمعوا أن ذنبيفرط حبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحقّ الخضوع عند التلاقيما جزا من يحب ألا يحب

فأجابه الجنيد رحمه الله تعالى:

وتمنيت أن أراكفلمّا رأيتكا
غلبت دهشة السرورفلم أملك البكا

ومن شعر الشبلي رحمه الله تعالى:

مضت الشبيبة والحبيبة فانبرىدمعان في الأجفان يزدحمان
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة
ما أنصفتني الحادثات رميننيبمودعين وليس لي قلبان
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «مضت الشبيبة والحبيبة فالتقى»

توفي الشبلي، ﵀ في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وله سبع وثمانون سنة.

وفي كامل ابن عدي، في ترجمة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، أنه روى عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: كان النبي ﷺ تمر به الهرة فيصفي لها الإناء فتشرب، ثم يتوضأ بفضلها. قال: وكان أبو يوسف يقول: من طلب غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء افتقر، ومن طلب الدين بالكلام تزندق.

وفي آخر كتاب مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه، للحاكم أبي عبد الله، بإسناده إلى محمد بن عبد الله بن عبد

الحكم ، قال: سمعت الشافعي يقول: اختصم رجلان إلى بعض القضاة، في هرة ادعى كل منهما أنها له، وأن عنده أولادها، فحكم القاضي أن توسط بين داريهما ثم ترسل فأي دار دخلت فهي لصاحبها. قال الشافعي: فانجفل الناس، وانجفلت معهم، فلم تدخل الهرة دار واحد منهما. قال الشافعي: فبطل قضاؤه.

غريبة : ذكر أن مروان الجعدي المنبوز بالحمار، آخر خلفاء بني أمية، لما ظهر السفاح بالكوفة، وبويع له بالخلافة، وجهز العساكر إليه، فانهزم منهم، حتى وصل إلى أبي صير، وهي قرية عند الفيوم.. قال: ما اسم هذه القرية؟ قيل: أبو صير. قال: فإلى الله المصير، ثم دخل الكنيسة التي بها، فبلغه أن خادما له نم عليه، فأمر به فقطع رأسه، وسل لسانه وألقي على الأرض، فجاءت هرة فأكلته. ثم بعد أيام، هجم على الكنيسة التي كان نازلا بها عامر بن إسماعيل، فخرج مروان من باب الكنيسة، وفي يده سيف، وقد أحاطت به الجنود، وخفقت حوله الطبول، فتمثل ببيت الحجاج بن الحكم السلمي وهو:

متقلدين صفائحا هنديةيتركن من ضربوا كأن لم يولد

ثم قاتل حتى قتل، فأمر عامر برأسه فقطع في ذلك المكان، وسل لسانه وألقي على الأرض، فجاءت تلك الهرة بعينها فخطفته فأكلته. فقال عامر: لو لم يكن في الدنيا عجب إلا هذا، لكان كافيا، لسان مروان في فم هرة! وقال في ذلك شاعرهم:

قد يسّر الله مصرا عنوة لكموأهلك الكافر الجبار إذ ظلما
فلاك مقوله هرّ يجر جرّهوكان ربّك من ذي الظلم منتقما

ودخل عامر بعد قتله الكنيسة، فقعد على فرش مروان، وكان مروان، حين الهجوم على الكنيسة، يتعشى، فلما سمع الوجبة، وثب عن عشائه، فأكل عامر ذلك الطعام، ودعا بابنة مروان، وكانت أسن بناته، فقالت: يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه، وأقعدك عليه، حتى تعشيت بعشائه، واستصبحت بمصباحه، ونادمت ابنته، لقد أبلغ في موعظتك، وأجمل في إيقاظك.

فاستحيا عامر وصرفها وكان قتل مروان في سنة ثلاث وثلاثين ومائة.

الحكم

: يحرم أكل الهر على الصحيح، والثاني، وبه قال الليث بن سعد، يحل أكله.

واختاره أبو الحسن البوشنجي، وهو من أئمة أصحابنا، وهو حيوان طاهر لما روى الإمام أحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ دعي إلى دار قوم فأجاب، ودعي إلى دار آخرين فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقال: «إن في دار فلان كلبا». فقيل له: وإن في دار فلان هرة، فقال ﷺ: «الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين

عليكم والطوفات».

قال الإمام النووي، في شرح المهذب: وبيع الهرة الأهلية جائز بلا خلاف عندنا، إلا ما حكاه البغوي، في شرح مختصر المزني، عن ابن القاص، أنه قال: لا يجوز، وهذا شاذ باطل مردود، والمشهور جوازه وبه قال جماهير العلماء.

قال ابن المنذر: أجمعت الأمة على جواز اتخاذها، ورخص في بيعها ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة، وسائر أصحاب الرأي.

وكرهت طائفة بيعها منهم: أبو هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد.

وقال ابن المنذر: إن ثبت عن النبي ﷺ النهي عن بيعه، فبيعه باطل، وإلا فجائز.

احتج من منعه بحديث ابن الزبير، قال: سألت جابرا رضي الله تعالى عنه عن ثمن الكلب والسنور، فقال: نهى النبي ﷺ عن ذلك. رواه مسلم.

وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «نهى عن ثمن الهر».

واحتج أصحابنا بأنه طاهر منتفع به ووجد فيه جميع شروط البيع، فجاز بيعه كالحمار والبغل، والجواب عن الحديثين من وجهين أحدهما: جواب أبي العباس بن القاص والخطابي والقفال وغيرهم، أن المراد الهرة الوحشية، فلا يصح بيعها، لعدم الانتفاع بها، إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها، والثاني أن المراد نهي تنزيه. فهذان الجوابان هما المعتمدان. وأما ما ذكره الخطابي وابن عبد البر، أن الحديث ضعيف فغلط منهما لأن الحديث في صحيح مسلم بإسناد صحيح كما تقدم بيانه، في باب السين المهملة.

وفي السنن الأربعة، من حديث كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة، أن أبا قتادة رضي الله تعالى عنه، دخل فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصفى لها الإناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟

فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات». والطوافون الخدم، والطوافات الخادمات، جعلها بمنزلة المماليك في قوله تعالى:

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ

. ومنه قول إبراهيم النخعي: إنما الهرة كبعض أهل البيت.

كذا نقله الزمخشري.

وفي المستدرك وسنن ابن ماجه وكامل بن عدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «الهرة لا تقطع

الصلاة إنما هي من متاع البيت».

فرع : إذا كان للإنسان هرة تأخذ الطيور، وتقلب القدور، فأفلتت وأتلفت، فهل على صاحبها ضمان ما أتلفت؟ وجهان، أصحهما: نعم. سواء أتلفت ليلا أو نهارا، لأن مثل هذه الهرة ينبغي أن تربط ويكف شرها. وكذا الحكم في كل حيوان يولع بالتعدي، أما إذا لم يعهد منها ذلك، فالأصح لا ضمان،، لأن العادة جرت بحفظ الطعام عنها، لا بربطها. وأطلق إمام الحرمين في ضمان ما تتلفه الهرة أربعة أوجه: أحدها يضمن، والثاني لا، والثالث يضمن ليلا لا نهارا، والرابع عكسه: لأن الأشياء تحفظ عنها ليلا.

وإذا أخذت الهرة حمامة أو غيرها وهي حية، جاز فتل أذنها وضرب فمها، لترسلها فإذا قصدت الحمام فأهلكت بالدفع، فلا ضمان. فإذا كانت الهرة ضارية بالإفساد فقتلها إنسان في حال إفسادها دفعا جاز ولا ضمان عليه، كقتل الصائل دفعا، وينبغي تقييد ذلك، بما إذا لم تكن حاملا لأن في قتل الحامل قتل أولادها، ولم يتحقق منهم جناية.

وأما قتلها في غير حالة الإفساد، ففيه وجهان: أصحهما عدم الجواز ويضمنها. وقال القاضي حسين: يجوز قتلها ولا ضمان عليه فيها، وتلحق بالفواسق الخمس فيجوز قتلها، ولا يختص بحال ظهور الشر، وسؤرها طاهر لطهارة عينها، ولا يكره، فلو تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل، فثلاثة أوجه: الأصح أنها إن غابت واحتمل ولوغها في ماء يطهر فمها، ثم ولغت لم تنجسه، والثاني تنجسه مطلقا، والثالث عكسه وغير الماء من المائعات كالماء.

الأمثال : قالوا: «أبر من هرة» أرادوا بذلك أنها تأكل أولادها من شدة الحب لهم قال الشاعر:

أما ترى الدهر وهذا الورىكهرة تأكل أولادها

وقالوا: «فلان لا يعرف هر من بر» قال ابن سيده: يعني لا يعرف الهر من الفار. وقال الزمخشري: لا يعرف من يكرهه ممن يبره، وما أحسن قول أحمد بن فارس صاحب المجمل في اللغة، وكانت وفاته سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة:

إذا ازدحمت هموم الصدر قلناعسى يوما يكون لها انفراج
للشاعر أحمد بن فارس، اقرأ القصيدة
نديمي هرتي وأنيس نفسيدفاتر لي ومعشوقي السراج
للشاعر أحمد بن فارس، اقرأ القصيدة

قال شيخنا اليافعي رحمه الله تعالى: أخبرني بعض الصالحين من أهل اليمن، أن هرة كانت تأتي الشيخ العارف الأهدل بالدال المهملة، فيطعمها من عشائه، وكان اسمها لؤلؤة، فضربها خادم الشيخ ذات ليلة فماتت، فرمى بها الخادم في خرابة، لئلا يعلم الشيخ بذلك، فلما جاء الشيخ سكت عنه ليلتين أو ثلاثا، ثم قال: أين لؤلؤة؟ فقال: ما أدري، فقال الشيخ: ما تدري، ثم ناداها

لؤلؤة لؤلؤة، فجاءت تجري إليه، فأطعمها على العادة. والخواص تقدمت في باب السين في لفظ السنور.

تتمة : قال الصاحب بن عباد أنشدني أبو الحسن بن أبي بكر الحسن بن علي العلاف البغدادي المقري الأديب قصيدة والده في الهر الذي كنى به عن ابن المعتز حين قتله المقتدر، فخشي من المقتدر ونسبها إلى الهر، وعرض به في أبيات منها.

وقيل: إنما كنى بالهر عن المحسن بن الوزير أبي الحسن علي بن الفرات أيام محنته لأنه لم يجسر أن يذكره ويرثيه، وقيل: كان له هر يأنس به، فكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بقصيدة. وقال ابن خلكان: وهي من أحسن الشعر وأبدعه. وعددها خمسة وستون بيتا، وطولها يمنع من الإتيان بجميعها، فنأتي بمحاسنها، وفيها أبيات مشتملة على حكم فنأتي بها وأولها:

يا هرّ فارقتنا ولم تعدوكنت عندي بمنزلة الولد
فكيف ننفك عن هواك وقدكنت لنا عدة من العدد
تطرد الأذى وتحرسنابالغيب من حية ومن جرد
وتخرج الفأر من مكامنهاما بين مفتوحها إلى السّدد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
يلقاك في البيت منهمو مددوأنت تلقاهمو بلا مدد
لا عدد كان منك منفلتامنهم ولا واحد من العدد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
لا ترهب الصيف عند هاجرةولا تهاب الشتاء في الجمد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
وكان يجري ولا سداد لهمأمرك في بيتنا على سدد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
حتى اعتقدت الأذى لجيرتناولم تكن للأذى بمعتقد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
وحمت حول الردى لظلمهمومن يحم حول حوضه يرد
وكان قلبي عليك مرتعداوأنت تنساب غير مرتعد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
تدخل برج الحمام متئداوتبلغ الفرخ غير متئد
وتطرح الريش في الطريق لهموتبلع اللحم بلع مزدرد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
أطعمك الغي لحمها فرأىقتلك أربابها من الرشد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
حتى إذا داوموك واجتهدواوساعد النصر كيد مجتهد
كادوك دهرا فما وقعت وكمأفلت من كيدهم ولم تكد
فحين أخفرت وانهمكت وكاشفت وأسرفت غير مقتصد
صادوك غيظا عليك وانتقموامنك وزادوا ومن يصد يصد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
ثم شفوا بالحديد أنفسهممنك ولم يرعووا على أحد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
فلم تزل للحمام مرتصداحتى سقيت الحمام بالرصد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة

ومنها:

لم يرحموا صوتك الضعيف كمالم ترث منها لصوتها الغرد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
أذاقك الموت ربّهن كماأذقت أفراخه يدا بيد
كأنّ حبلا حوى بجودتهجيدك للخلق كان من مسد
كأن عيني تراك مضطربافيه وفي فيك رغوة الزبد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
وقد طلبت الخلاص منه فلمتقدر على حيلة ولم تجد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
فما سمعنا بمثل موتك إذمتّ ولا مثل عيشك النكد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
فجدت بالنفس والبخيل بهاأنت ومن لم يجد بها يجد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
عشت حريصا يقوده طمعومت ذا قاتل بلا قود
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
يا من لذيذ الفراخ أوقعهويحك هلّا قنعت بالغدد
ألم تخف وثبة الزمان كماوثبت في البرج وثبة الأسد
عاقبة الظلم لا تنام وإنتأخرت مدة من المدد
أردت أن تأكل الفراخ ولايأكلك الدهر أكل مضطهد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
هذا بعيد من القياس وماأعزّه في الدنو والبعد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
لا بارك الله في الطعام إذاكان هلاك النفوس في المعد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
كم دخلت لقمة حشا شرهفأخرجت روحه من الجسد
ما كان أغناك عن تسوّرك البرج ولو كان جنة الخد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة

ومنها:

قد كنت في نعمة وفي دعةمن العزيز المهيمن الصّمد
تأكل من فأر بيتنا رغداوأين بالشاكرين للرغد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
وكنت بددت شملهم زمنافاجتمعوا بعد ذلك البدد
فلم يبقوا لنا على سبدفي جوف أبياتها ولا لبد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
وفرغوا قعرها وما تركواما علقته يد على وتد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة
وفتتوا الخبز في السلال وكمتفتتت للعيال من كبد
ومزقوا من ثيابنا جددافكلنا في المصائب الجدد
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة

وكان ابن العلاف ينادم المعتضد بالله، فبات ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فجاء خادم ليلا فقال: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة فقلت:

ولما انتبهنا للخيال الذي سرىإذ الدار قفرى والمزار بعيد

وقد ارتج علي تمامه فمن أجازه بما يوافق غرضي أجزته فارتج على الجماعة، وكانوا كلهم أفاضل، فقال ابن العلاف:

فقلت لعيني عاودي النوم واهجعيلعلّ خيالا طارقا سيعود
للشاعر ابن العلاف، اقرأ القصيدة

فعاد الخادم إلى المعتضد، ثم رجع إلى ابن العلاف، وقال: يقول أمير المؤمنين: أحسنت، وأمر لك بجائزة سنية وكانت وفاة ابن العلاف سنة ثماني عشرة وثلاثمائة وعمره مائة سنة.

التعبير : الهر في الرؤيا خادم حافظ، فان خطف شيئا فهو لص الدار، وخدشه وعضه خيانة الخادم، وقال ابن سيرين: عض الهر مرض سنة، وكذلك خدشه، والهر إذا لم يكن يأمو فهو سنة فيها راحة لمن رآه، والهر الوحشي سنة فيها تعب ونصب، ومن باع هرة فإنه ينفق ماله، وقالت اليهود: الهر يعبر بالغمازين واللصوص لأن فيها المنفعة والمضرة.

وقال أرطاميدورس: الهر في المنام امرأة خداعة صخابة، وعض الهر مرض في تلك السنة.

ومن الرؤيا المعبرة أن ابن سيرين أتته امرأة فقالت: رأيت كأن سنورا أدخل رأسه في بطن زوجي فأخذ منه قطعة، فقال ابن سيرين: قد سرق لزوجك ثلاثمائة درهم وستة عشر درهما، قالت:

صدقت، فمن أين لك هذا؟ قال: من هجاء حروفه في حساب الجمل فالسين ستون والنون خمسون والواو ستة والراء مائتان، فصار المبلغ ثلاثمائة وستة عشر درهما، فاتهموا عبدا كان في جوارهم، فضربوه فأقر بالمال، ومن رأى كأنه أكل لحم سنور، فإنه يتعلم السحر والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.