من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الورشان
والحمام، وله غرابة لون وظرافة قد قاله الجاحظ.
الورشان:
بالشين المعجمة هو ساق حر المتقدم في باب السين المهملة، وهو ذكر القمارى، والجمع وراشين ويجمع أيضا على ورشان بكسر الراء ككروان جمع للطائر، وقيل: إنه طائر يتولد بين الفاختة والحمامة وبعضهم يسميه الورشين وفي ذلك يقول ابن عنين ملغزا:
يا علماء القريض إنيأعجزني في القريض كشف
فخبروني عن اسم طيرالنصف ظرف والنصف حرف
وكنيته أبو الأخضر وأبو عمران وأبو النائحة. وهو أصناف منها: النوبي وهو أسود حجازي، إلا أنه أشجى صوتا منه، ومزاجه بارد رطب بالنسبة إلى مزاج الحجازيات، وصوته بين أصواتها كصوت العود بين الملاهي، والورشان يوصف بالحنو على أولاده، حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القانص. قال عطاء: إنه يقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب. وهذه لام العاقبة مجازا قال الشاعر:
له ملك ينادي كلّ يوملدوا للموت وابنوا للخراب
حكى القشيري، في رسالته، في باب كرامات الأولياء، أن عتبة الغلام كان يقعد فيقول: يا ورشان إن كنت أطوع لله مني فتعال فاقعد على كفي فيجيء الورشان فيقعد على كفه.
وحكمه : حل الأكل لأنه من الطيبات.
تتمة : كان عثمان بن سعيد أبو سعد المقرىء المصري المعروف بورش، قصيرا سمينا أشقر أزرق العينين، شديد البياض، حسن الصوت بالقراءة، ولذلك لقبه شيخه نافع بالورشان، فكان يقول له: اقرأ يا ورشان افعل يا ورشان وكان لا يكرهه ويعجبه، ويقول: استاذي نافع سماني به فغلب عليه، ثم حذف بعض الاسم فقيل له ورش. قال ورش: خرجت من مصر لأقرأ على نافع فلما دخلت المدينة، فإذا به لا يطيق أحد القراءة عليه لكثرة الطلبة، وكان لا يقرىء أحدا إلا ثلاثين آية.
قال: فتوسلت إليه ببعض أصحابه، فجئت إليه معه، فقال: هذا رجل جاء من مصر ليقرأ
عليك خاصة، لم يجىء تاجرا ولا حاجا، فقال له نافع: أنت ترى ما ألقى من أبناء المهاجرين والأنصار، فقال: أريد أن تحتال له في وقت، فقال لي نافع: يا أخي يمكنك أن تبيت في المسجد؟
قلت: نعم. فبت فيه. فلما كان الفجر جاء نافع فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: نعم ها أنا ذا يرحمك الله. فقال: اقرأ فقرأت، وكنت حسن الصوت بالقراءة، فاستفتحت أقرأ فملأ صوتي مسجد رسول الله ﷺ فلما انتهيت إلى رأس الثلاثين آية، أشار إليّ أن أسكت، فسكت، فقام إليه شاب من الحلقة فقال: يا معلم الخير نحن معك بالمدينة، وهذا هاجر إليك ليقرأ عليك، وقد وهبته من نوبتي عشر آيات، وأنا أقتصر على عشرين. فقال: اقرأ، فقرأتها. ثم قام فتى أخر فقال كقول صاحبه، فقرأت عشر آيات وقعدت حتى إذا لم يبق أحد ممن له قراءة، قال لي: اقرأ فقرأت خمسين آية حتى قرأت عليه ختمات قبل أن أخرج من المدينة.
وتوفي ورش بمصر سنة سبع وتسعين ومائة ومولده سنة عشرين ومائة.
الأمثال : قالوا: «بعلة الورشان يأكل رطب المشان» بالإضافة، «ولا تقبل الرطب المشان» وهو نوع من التمر، والمشان ضرب من الرطب، والسبب في ذلك أن قوما استحفظوا عبدا لهم رطب نخلهم، فكان يأكله، فإذا عوتب على سوء الأثر فيه يقول: أكله الورشان، فقيل ذلك يضرب لمن يظهر شيئا، والمراد منه شيء آخر.
الخواص : دمه يقطر في العين التي أصابتها طرفة أو ضربة فيحلل دمها المجتمع، وكذلك يفعل دم الحمام أيضا وقال هرمس: من داوم على أكل بيضه زاد جماعه وأورثه العشق.
التعبير : الورشان رجل غريب مهين، ويدل على أخبار ورسل، لأنه أخبر نوحا ﵊ بنقص الماء، لما كان في السفينة. وقيل: الورشان امرأة صدوق والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع