من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الورقاء
الحمامة التي يضرب لونها إلى خضرة، والورقة سواد في غبرة، ومنه قيل للرماد:
أورق وللذئبة ورقاء والجمع ورق كأحمر وحمر.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل من بني فزارة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال له النبي ﷺ: «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فما ألوانها» ؟ قال: حمر. قال: «فهل فيها من أورق؟» قال: إن فيها الورقاء قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: «هو ذاك».
قال السهيلي، في قصة سواد بن قارب: ومن هذا الباب خبر سوداء بنت زهرة بن كلاب، وذلك أنها حين ولدت ورآها أبوها ورقاء، أمر بوأدها، وكانوا يئدون من البنات ما كان على هذه الصفة، فأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك. فلما حفر لها الحافر، واراد دفنها سمع هاتفا يقول: لا تدفن الصبية وخلها في البرية، فالتفت فلم ير شيئا فعاد لدفنها، فسمع الهاتف فعاد إلى أبيها وأخبره بما سمع، فقال: إن لها لشأنا وتركها. فكانت كاهنة قريش. فقالت يوما: يا بني زهرة إن
فيكم نذيرة تلد نذيرا، فاعرضوا عليّ بناتكم. فعرضوا عليها، فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر عليها بعد حين، حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب، فقالت: هذه النذيرة وستلد نذيرا. وهو خبر طويل ذكر الزبير بن بكار منه يسيرا. وقال الغزالي، في الإحياء: روي أن أبا الحسين النوري كان مع جماعة في دعوة فجرت بينهم مسألة في العلم، وأبو الحسين ساكت ثم رفع رأسه وأنشدهم:
ربّ ورقاء هتوف في الضحيذات شجو هتف في فنن
ذكرت إلفا وخدنا صالحافبكت حزنا فهاجت حزني
فبكاي ربما أرقهاوبكاها ربما أرقني
ولقد تشكو فما أفهمهاولقد أشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفهاوهي أيضا بالجوى تعرفني
قال: فما بقي أحد من القوم، إلا قام وتواجد، ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم، الذي خاضوا فيه وإن كان العلم حقا، وقد شبه بها الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن سينا النفس حيث قال:
هبطت إليك من المحلّ الأرفعورقاء ذات تعزز وتمنع
محجوبة عن كل مقلة عارفوهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربماكرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما ألفت فلما واصلتألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهودا بالحمىومنازلا بفراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطهامن ميم مركزها بذالت الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحتبين المعالم والطلول الخضع
تبكي وقد نسيت عهودا بالحمىبمدامع تهمي ولما تقلع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمىودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهقوالعلم يرفع كلّ من لم يرفع
وتعود عالمة بكلّ خفيةفي العالمين فخرقها لم يرقع
فهبوطها إذا كان ضربة لازبلتكون سامعة لما لم تسمع
فلأي شيء أهبطت من شاهقسام إلى قعر الحضيض الأوضع
إن كان أهبطها الإله لحكمةطويت عن الفطن اللبيب الأروع
أو عاقها الشرك الكثيف وصدّهاقفص عن الأوج الفسيح الأرفع
فكأنها برق تألّق بالحمىثم انطوى فكأنه لم يلمع
وكان الرئيس أبو علي نادرة عصره وعلامة دهره وهو أحد فلاسفة المسلمين وله وصايا في الطب، كثيرة، نظما ونثرا فمن المنسوب إليه من ذلك:
اسمع بني وصيتي واعمل بهافالطبّ معقود بنص كلامي
لا تشربن عقيب أكل عاجلافتقود نفسك للأذى بزمام
واجعل غذاءك كل يوم مرةواحذر طعاما قبل هضم طعام
واحفظ منيك ما استطعت فإنهماء الحياة يراق في الأرحام
وينسب إليه أيضا:
لقد طفت في تلك المعاهد كلهاوسرحت طرفا بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كفّ حائرعلى ذقن أو قارعا سنّ نادم
قال الشيخ كمال الدين بن يوسف: إن مخدومه سخط عليه، فاعتقله ومات في السجن سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع