من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الوزغة
بفتح الواو والزاي والغين المعجمة دويبة معروفة، وهي وسام أبرص جنس، فسام أبرص كباره واتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات، وجمع الوزغة وزغ وأوزاغ ووزغان وازغان على البدل حكاه ابن سيده.
روى البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، عن أم شريك رضي الله تعالى عنها، أنها
استأمرت النبي ﷺ في قتل الوزغان، «فأمرها بذلك». وفي الصحيحين أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ، وسماه فويسقا. وقال: «كان ينفخ النار على إبراهيم ﵊». وكذلك رواه الإمام أحمد في مسنده.
وفي الحديث الصحيح، من رواية أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: «من قتل وزغة من أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية، فله كذا وكذا حسنة دون الأولى، ومن قتلها في الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الثانية». وفيه أيضا «إن من قتلها في الأولى فله مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك».
وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أقتلوا الوزغة ولو في جوف الكعبة» لكن في اسناده عمر بن قيس المكي، وهو ضعيف. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، لما أحرق بيت المقدس وكانت الأوزاغ تنفخه.
وفي سنن ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان في بيتها رمح موضوع، فقيل لها: ما تصنعين بهذا؟ فقالت: أقتل به الوزغ، فإن النبي ﷺ اخبرنا أن إبراهيم ﵊، لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه النار، فأمر ﷺ بقتله. وكذلك رواه الإمام أحمد في مسنده.
وفي تاريخ ابن النجار في ترجمة عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم الفقيه الشافعي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل وزغة محا الله عنه سبع خطيآت».
وفي الكامل، في ترجمة وهب بن حفص، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «من قتل وزغة فكأنما قتل شيطانا».
وروى الحاكم في كتاب الفتن والملاحم من المستدرك، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به للنبي ﷺ فيدعو له، فأدخل عليه مروان بن الحكم فقال: «هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون». ثم قال: صحيح الإسناد.
وروى بعده بيسير عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر! فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك والذي قال لوالديه أف لكما! فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: كذب والله ما هو به، ولكن رسول الله ﷺ، لعن أبا مروان ومروان في صلبه.
ثم روى الحاكم عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنه، وكانت له صحبة، قال: إن الحكم بن أبي العاص استأذن على رسول الله ﷺ، فعرف صوته فقال ﷺ: «ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم، وقليل ما هم يشرفون في الدنيا، ويضيعون في الآخرة ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق» قال ابن ظفر. وكان الحكم بن أبي العاص يرمى بالداء العضال وكذلك أبو جهل.
وأما تسمية الوزغ فويسقا، فنظيره الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم، وأصل الفسق الخروج، وهذه المذكورات خرجت عمن خلق معظم الحشرات ونحوها بزيادة الضرر والأذى.
وأما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة، وفي الثانية بسبعين، كما في بعض الروايات، فجوابه أنه كقوله في صلاة الجماعة بسبع وعشرين وبخمس وعشرين، وأن مفهوم العدد لا يعمل به فذكر السبعين لا يمنع المائة فلا تعارض بينهما. أو لعله ﷺ أخبر أولا بالسبعين، ثم تصدق الله تعالى بالزيادة علينا، فأعلم به ﷺ حين أوحى الله إليه بعد ذلك، أو أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ، بحسب نياتهم وإخلاصهم، وكمال أحوالهم ونقصها، فتكون المائة للأكمل منهم والسبعون لغيره.
قال يحيى بن يعمر: لأن أقتل مائة وزغة أحب إليّ من اعتق مائة رقبة، وإنما قال ذلك لأنها دابة سوء، زعموا أنها تسقى من الحيات وتمج في الإناء فينال الإنسان المكروه العظيم بسبب ذلك، وسبب كثرة الحسنات في المبادرة أن تكرر ضربات في القتل، يدل على عدم الاهتمام بأمر صاحب الشرع، إذ لو قوي عزمه وأشتدت حميته، لقتلها في المرة الأولى لأنه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة مؤنة في الضرب، فحيث لم يقتلها في المرة الأولى دل ذلك على ضعف عزمه، فلذلك نقص أجره من المائة إلى السبعين. وعلل عز الدين بن السلام كثرة الحسنات في الأولى بأنه إحسان في القتل فيدخل تحت قوله ﷺ «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة». أو أنه مبادرة إلى الخير فيدخل تحت قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
قال: وعلى كلا المعنيين فالحية والعقرب أولى بذلك لعظم مفسدتهما.
وذكر أصحاب الآثار أن الوزغ أصمّ قالوا: والسبب في صممه ما تقدم من نفخه النار على إبراهيم ﵊، فصم لأجل ذلك وبرص. ومن طبعه أنه لا يدخل بيتا فيه رائحة الزعفران، وتألفه الحيات كما تألف العقارب الخنافس، وهو يلقح بفيه ويبيض كما تبيض الحيات، ويقيم في جحره زمن الشتاء، أربعة أشهر لا يطعم شيئا.
وقد تقدم في حرف السين المهملة ما يتعلق بأحكامها وخواصها وقد أحسن في وصف الوزغة وغيرها الأديب الشاعر كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى، صاحب
المقامة البحرية، ووفاته في المحرم سنة اثنتين وتسعين وستمائة. وكان والده خطيب بيت المقدس حيث قال يذم دار سكناه:
دار سكنت بها أقلّ صفاتهاأن تكثر الحشرات في حجراتها
الخير عنها نازح متباعدوالشرّ دان من جميع جهاتها
من بعض ما فيها البعوض عدمتهكم أعدم الأجفان طيب سناتها
وتبيت تسعدها براغيث متىغنت لها رقصت على نغماتها
رقص بتنقيط ولكن قافهقد قدمت فيه على أخواتها
وبها ذباب كالضباب يسدعين الشمس ما طربي سوى غناتها
أين الصوارم والقنا من فتكهافينا وأين الأسد من وثباتها
وبها من الخطاف ما هو معجزأبصارنا عن حصر كيفياتها
تغشى العيون بمرها ومجيئهاوتصم سمع الخلد من أصواتها
وبها خفافيش تطير نهارهامع ليلها ليست على عاداتها
شبهتها بقنافذ مطبوخةنزع الطهاة بنضجها شوكاتها
فاقت على سمر القنا في لونهاوسماتها وشياتها وصفاتها
وبها من الجرذان ما قد قصرتعنه العتاق الجرد في حملاتها
فترى أبا غزوان منها هارباوأبا الحصين يروغ عن طرقاتها
وبها خنافس كالطنافس أفرشتفي أرضها وعلت على جنباتها
لو شمّ أهل الحرب منتن فسوهاأردى الكماة الصيد عن صهواتها
وبنات وردان وأشكال لهامما يفوت العين كنه ذواتها
متزاحم متراكم متحاربمتراكب في الأرض مثل نباتها
وبها قراد لا اندمال لجرحهالا يفعل المشراط مثل أداتها
أبدا تمص دماءنا فكأنهاحجامة لبدت على كاساتها
وبها من النمل السليماني ماقد قل ذر الشمس عن ذراتها
لا يدخلون مساكنا بل يحطمونجلودنا فالعفو من سطواتها
ما راعني شيء سوى وزغاتهافنعوذ بالرحمن من نزغاتها
سجعت على أوكارها فظننتهاورق الحمام سجعن في سحراتها
وبها زنابير تظن عقاربالا برء للمسموم من لدغاتها
وبها عقارب كالأقارب رتعافينا حمانا الله لدغ حماتها
وكأنما حيطانها كغرابلأطلعن أرؤسهن من طاقاتها
كيف السبيل إلى النجاة ولا نجاة ولا حياة لمن رأى حياتها
السمّ في نفساتها والمكر فيلفتاتها والموت في لسعاتها
منسوجة بالعنكبوت سماؤهاوالأرض قد نسجت ببراقاتها
فلقد رأينا في الشتاء سماءهاوالصيف لا تنفك من صعقاتها
فضجيجها كالرعد في جنباتهاوترابها كالوبل من حسياتها
والبوم عاكفة على أرجائهاوالآل يلمع في ثرى عرصاتها
والنار جزء من تلهب حرهاوجهنم تعزى إلى لفحاتها
قد رممت من قبل يلقى آدممع أمنا حواء في عرفاتها
شاهدت مكتوبا على أرجائهاورأيت مسطورا على عتباتها
لا تقربوا منها وخافوها ولاتلقوا بأيديكم إلى هلكاتها
أبدا يقول الداخلون ببابهايا رب نج الناس من آفاتها
قالوا: إذا ندب الغراب منازلايتفرق السكان من ساحاتها
وبدارنا ألفا غراب ناعقكذب الرواة فأين صدق رواتها
دار تبيت الجنّ تحرس نفسهافيها وتنذر باختلاف لغاتها
صبرا لعلّ الله يعقب راحةللنفس إذ غلبت على شهواتها
كم بتّ فيها مفردا والعين شوقا للصباح تسحّ من عبراتها
وأقول: يا ربّ السموات العلايا رازقا للوحش في فلواتها
أسكنتني بجهنم الدنيا ففيأخراي هب لي الخلد في جناتها
واجمع بمن أهواه شملي عاجلايا جامع الأرواح بعد شتاتها
والوزغ في الرؤيا رجل معتزلي يأمر بالمنكر وينهي عن المعروف، خامل الذكر، وكذلك العظاء.
وربما دل الوزغ على العدو المجاهر بالشر، والكلام السوء، والتنقل من الأمكنة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع