تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الأول من كلام الرّسول ﷺ (٢)

- ومما ينسب إليه قوله: المدة وإن طالت قصيرة. والماضي للمقيم عبرة، والميت للحيّ عظة، وليس لأمس إذا مضى عودة، ولا أنت من غد على ثقة، وكلّ لكلّ مفارق، وكلّ بكلّ لاحق، واليوم الهائل لكلّ آزف، وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، اصبروا على عمل لا غنى بكم عن ثوابه، وارجعوا عن عمل لا صبر لكم على عقابه، فإن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه، واعلموا أنكم في نفس معدود، وأمل محدود، وأجل ممدود، ولا بدّ للأجل [من] أن يتناهى، وللنّفس أن يحصى، وللأمل أن يطوى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ

(الانفطار:،).

- قال سويد بن غفلة: دخلت على عليّ ﵇ بعد ما

صار إليه الأمر، فإذا هو جالس في مصلّى ليس في داره سواه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ملك الاسلام ولا أرى في بيتك أثاثا ولا متاعا سوى مصلّى أنت جالس عليه؟! فقال: يا ابن غفلة إن البيب لا يتأثث في دار النقلة، وأمامنا دار هي دار المقامة، وقد نقلنا إليها حرّ المتاع؛ ونحن إليها منتقلون.

- ومما ينسب إليه من:

إذا عقد القضاء عليك أمرافليس يحلّه غير القضاء
فما لك قد أقمت بدار ذلّودار العزّ واسعة الفضاء
تبلّغ باليسير فكلّ شيءمن الدنيا يؤول إلى انقضاء

- ومن كلام له في صفة فتنة: يكيلكم بصاعها، ويخبطكم بباعها، قائدها خارج من الملّة، قائم على الضلّة، فلا يبقى يومئذ منكم إلا ثفالة كثفالة القدر أو نفاضة كنفاضة العكم، تعرككم عرك الأديم، وتدوسكم دوس الحصيد، وتستخلص المؤمن منكم استخلاص الطير الحبة البطينة من بين هزيل الحب.

- ومن كلامه: ما قال الناس لشيء طوبى له، إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء.

- ووقف عليه سائل فقال لأحد ولديه: قل لأمك هاتي درهما من ستة دراهم. فقالت: هي للدقيق، فقال: لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يديه فيتصدق به، ثم مرّ به رجل يبيع جملا

فاشتراه بمائة وأربعين درهما وباعه بمائتين، فجاء بالستين إلى فاطمة ﵍، فقالت: ما هذا؟ قال: هذا ما وعدنا الله على لسان أبيك: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها

(الأنعام:).

- ومن كلامه: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: محسن يزداد كلّ يوم إحسانا ومسيء يتدارك بالتوبة.

- وقال: أعظم الذنوب ما استخفّ به صاحبه.

- وقال: العلم في غير طاعة الله مادّة الذنوب.

- ومن كلامه ﵇: ليخزن الرجل لسانه، فإن هذا اللسان جموح بصاحبه، والله ما أرى عبدا يتّقي تقوى تنفعه حتى يخزن لسانه، وإن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب الكافر من وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبّره في نفسه، فإن كان خيرا أبداه، وإن كان شرا واراه، وإنّ المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه. ولقد قال رسول الله ﷺ: لا يستقيم إيمان عبد [حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه] حتى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى الله وهو نقيّ الراحة من

دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللسان من أعراضهم فليفعل.

- ومن كلامه ﵇: أين الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا [وله] اللقاح [إلى] أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا وصفا صفّا؟ بعض هلك وبعض نجا، لا يبشّرون بالأحياء، ولا يعزّون عن القتلى، مره العيون من البكاء، خمص البطون من الطّوى، ذبل الشفاه من الظما، صفر الألوان من السّهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ، ونعضّ الأيدي على فراقهم.

- ومن كلامه كرّم الله وجهه: واعلموا أنّ المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبّارون المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ والمتجر المربح.

- ومنه: اتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم.

- وقال ﵇: كانت العلماء والحكماء والأتقياء يتكاتبون

بثلاث ليس معهن رابعة: من أحسن سريرته أحسن الله علانيته، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن كانت الآخرة همّه كفاه الله همّه من الدنيا.

- ومن كلامه ﵇: عليك بكتاب الله، فإنه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والريّ الناقع، والعصمة للمتمسّك، والنجاة للمتعلّق، لا يعوجّ فيقام ولا يزيغ فيستعتب، ولا تخلقه كثرة الردّ وولوج السمع، من قال به صدق، ومن عمل به سبق.

- وكان علي كرم الله وجهه يخرج في الشتاء والبرد الشديد في إزار ورداء خفيفين، وفي الصيف في القباء المحشوّ والثوب الثقيل لا يبالي، فقيل له في ذلك، فقال، إن رسول الله ﷺ يوم خيبر حين أعطاني الراية وكنت أرمد تفل في عينيّ، وقال: اللهم اكفه الحرّ والبرد، فما آذاني بعده حرّ ولا برد.

- عاد علي ﵇ العلاء بن زياد الحارثي فرأى سعة داره، فقال: ما كنت تصنع في سعة الدار في الدنيا؟ أنت إليها في الآخرة أحوج؛ بلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرّحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة.

- ووقف على خيّاط، فقال: يا خيّاط ثكلتك أمّك، صلّب

الخيوط، ودقّق الدّروز، وقارب الغرز، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول:

يحشر الله الخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاط وخان فيه، واحذر السقاطات فإن صاحب الثوب أحقّ بها، ولا تتخذ بها الأيادي تطلب بها المكافأة.

- قال نافع بن أبي نعيم: كان أبو طالب يعطي عليا قدحا من لبن يصبّه على اللات، فكان عليّ يشرب اللبن ويبول على اللات، حتى سمن فأنكر ذلك أبو طالب حتى عرف القصة فولّى ذلك عقيلا.

- نزل بالحسن بن علي ضيف فاستسلف درهما اشترى له به خبزا، واحتاج إلى الادام فطلب من قنبر أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءت من اليمن، فأخذ منه رطلا، فلما قعد علي ﵁ ليقسمها، قال: يا قنبر قد حدث في هذا الزقّ حدث، فقال: صدق فوك، وأخبره الخبر، فغضب وقال: عليّ به، فرفع عليه الدرة، فقال: بحقّ عمي جعفر، وكان إذا سئل بحقّ جعفر سكن، وقال: ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة؟

قال: إنّ لنا فيه حقا فإذا أعطيتناه رددناه، قال: فداك أبوك، وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبل ثنيّتيك لأوجعتك ضربا، ثم دفع إلى قنبر درهما وقال: اشتر به أجود عسل تقدر عليه، قال الراوي: فكأني أنظر إلى يدي عليّ على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه، ثم شدّه وجعل يبكي ويقول: اللهم اغفرها للحسن فإنه لم يعلم.

- قال علي ﵇: ولقد كنا مع رسول الله ﷺ نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا فما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيّا على اللّقم، وصبرا على مضض الألم. ولقد كان الرجل منا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما، أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا ومرّة لعدوّنا منّا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت وأنزل علينا النصر، حتى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه، متبوئا أوطانه.

ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضرّ للإيمان عود، وايم الله لتحتلبنّها دما ولتتبعنّها ندما.

- استعدى رجل عمر على علي ﵄، وعليّ جالس، فالتفت عمر إليه وقال: يا أبا الحسن قم فاجلس مع خصمك، فقام فجلس مع خصمه، فتناظرا وانصرف الرجل، ورجع علي إلى مجلسه فتبيّن عمر التغيّر في وجه علي فقال: يا أبا الحسن مالي أراك متغيّرا؟ أكرهت ما كان؟ قال:

نعم، قال: وما ذاك؟ قال: كنّيتني بحضرة خصمي فألّا قلت: قم يا عليّ فاجلس مع خصمك، فأخذ عمر برأس عليّ فقبّل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنتم بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظّلمات إلى النور.

- ومن كلامه: إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكّله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة ودعاء

ضلالة، ورجل قمش جهلا، موضع في جهّال الأمة، غارّ في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه الناس عالما وليس به، تكثّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل، جلس للناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، فإن نزلت به إحدى المهمات هيأ له حشوا رثّا من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشهوات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، خبّاط جهالات، ركّاب عشوات، لم يعضّ على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعجّ منه المواريث إلى الله.

- قال الربيع بن زياد الحارثي لعلي ﵇: أعنّي على أخي عاصم، قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك، قال: عليّ به، فأتي به مؤتزرا بعباءة مرتديا بأخرى أشعث الرأس واللحية، فعبس في وجهه وقال: ويحك أما استحييت من أهلك، أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح

لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله، أما سمعت الله تعالى في كتابه يقول: وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ

إلى قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ

(الرحمن:)، أفترى الله أباح هذه لعباده ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه فيثيبهم، وإن ابتذالك نعم الله بالفعال خير منه بالمقال، قال: عاصم: فما بالك في جشوبة مأكلك وخشونة ملبسك، فإنما تزييت بزيك، قال: ويحك إن الله فرض على أئمة الحقّ أن يقدروا نفسهم بضعفة الناس لئلا يتبيّغ بالفقير فقره.

- قال ابن عبّاس: دخلت على علي ﵇ بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال:

والله هي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا.

- ومن كلام له: ولقد كان ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار المعرّى، ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بيته فيه التصاوير فيقول: يا فلانة غيّبيه عنّي فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها، فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحبّ أن يغيّب زينتها عن عينيه.

ولقد كان في رسول الله ﷺ ما يدلّك على مساوئها وعيوبها إذ جاع فيها مع خاصّته، وزويت عنه مع عظم زلفته، فلينظر ناظر بعقله: أأكرم الله محمدا بذلك أم أهانه؟ فإن قال: أهانه فقد كذب والعظيم، وإن قال أكرمه، فليعلم أن الله قد أهان غيره حين بسط الدنيا له وزواها عن اقرب الناس إليه:

خرج من الدنيا خميصا، وورد الآخرة سليما، لم يضع حجرا على حجر، فما أعظم منّة الله عندنا حين أنعم به علينا سلفا نتّبعه، وقائدا نطأ عقبه. والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل ألا تنبذها، فقلت: اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى.

- روي عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال: مرض الحسن والحسين وهما صبيّان، فعادهما رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ﵄، فقال عمر: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذرا إن عافاهما الله، فقال: أصوم ثلاثة أيّام شكرا لله تعالى وكذلك قالت فاطمة، وقال الصبيّان: نحن كذلك أيضا نصوم ثلاثة أيّام، وكذلك قالت جاريتهما فضّة، فألبسهما الله تعالى عافيته، فأصبحوا صياما وليس عندهم طعام، فانطلق عليّ إلى جار له يهوديّ اسمه شمعون، فأخذ منه جزّة صوف تغزلها فاطمة بثلاثة أصوع شعير، فكانوا كلما قدّموا طعامهم جاءهم مسكين فآثروه به ليالي صومهم، حتى نزلت: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ

(الدهر:).

- وقال: لو رأى العبد الأجل ومصيره لأبغض الأمل وغروره.

- وقال: الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر.

- وقال من كلام له ﵇: الأقاويل محفوظة، والسرائر

مبلوّة؛ وكلّ نفس بما كسبت رهينة. معاشر الناس اتقوا ربكم فكم من مؤمّل ما لا يبلغه، وبان ما لا يسكنه، وجامع ما سوف يتركه، ولعلّه من باطل جمعه، أصابه حراما، واحتمل به آثاما، فباء بوزره، وقدم على ربه أسفا لاهفا، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ

(الزمر:

).

- وقال: من علم أن كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.

- وقال ﵇: أيها الناس، ليركم الله من النعمة وجلين، كما يراكم من النقمة فرقين: إنه من وسّع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا، ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيّع مأمولا.

- وقال: الفكر مرآة صافية، والاعتبار منذر ناصح، وكفى أدبا لنفسك تجنّبك ما كرهته لغيرك.

- وروي أنه قل ما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته: أيها الناس اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه التي

تحسّنت له بخلف من الآخرة التي قبّحها سوء النظر عنده، وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همّته كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته.

- وقال: ربّ مستقبل يوما ليس بمستدبره، ومغبوط في أوّل ليله قامت بواكيه في آخره؛ كما قال الشاعر:

يا راقد الليل مسرورا بأوّلهإنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة

أنشد ذلك ابن السكيت، وتمام الشعر:

أفنى القرون التي كانت مسلّطةمرّ الجديدين إقبالا وإدبارا
يا من يكابد دنيا لا مقام بهايمسي ويصبح في دنياه سيارا
كم قد أبادت صروف الدهر من ملكقد كان في الأرض نفّاعا وضرارا
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

- وقال ﵇: الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل، والتقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن، والطمأنينة إلى كلّ أحد قبل الاختبار عجز.

- وقال لقائل قال بحضرته، استغفر الله: ثكلتك أمك، أتدري

ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العليّين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على ما فعل، والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا، والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة، والرابع أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقّها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السّحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم زائد، والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.

- وقال ﵇: الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن، قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ

(الحديد:) ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.

- ومن كلام له لما قبض رسول الله ﷺ: أيها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المناظرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح؛ ماء آجن ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا:

حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيا

والتي!! والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة.

- ومن خطبة له ﵇: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم، إنّ من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحّم الشبهات.

ومنها: ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها وقحمت بهم في النار. ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمّتها فأوردتهم الجنّة، حق وباطل، ولكلّ أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قلّ الحقّ فربّما ولعلّ، ولقلما أدبر شيء فأقبل.

- ومن كلام له ﵇: فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة وتظهر فيخشع لها إذا ذكرت ويغرى به لئام الناس، كان كالفالج الياسر الذي ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم، فيرفع عنه بها المغرم، وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة، ينتظر إحدى الحسنيين: إما داعي الله فما عند الله خير له، وإما رزق الله فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه؛ إن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، قد يجمعها الله لأقوام، فاحذروا من الله ما حذّركم من نفسه، واخشوه خشية ليست بتعذير، واعملوا في غير رياء ولا سمعة، فإنه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له.

- ومن مواعظه: واتقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم، وترحّلوا فقد جدّ بكم، واستعدّوا للموت فقد أظلكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا، وعلموا أنّ الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به، وإنّ غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحريّ بسرعة الأوبة، وإن قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فاتّقى عبد ربه: نصح نفسه، قدم توبته، غلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به يزين له المعصية ليركبها، ويمنّيه التوبة ليسوّفها حتى تهجم منيته عليه أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على كلّ ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة، وان تؤديه أيامه إلى شقوة، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعة ربه غاية، ولا تحلّ به بعد الموت ندامة ولا كآبة.

- ومن مواعظه: رحم الله عبدا أسمع حكما فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربّه، وخاف ذنبه، قدّم صالحا، وعمل خالصا، اكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا، وأحرز عوضا، كابر هواه، وكذّب مناه، جعل الصبر مطيّة نجاته، والتقوى عدّة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجّة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل.

- ومنها: فاتعظوا عباد الله بالعبر النوافع، واعتبروا بالآي السّواطع، وازدجروا بالنّذر البوالغ، وانتفعوا بالذّكر والمواعظ، فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة، ودهمتكم مفظعات الأمور، والسياقة إلى الورد المورود، وكل نفس معها سائق وشهيد: سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها.

- ومن كلامه ﵇ في صفة الدنيا: ما أصف من دار أوّلها عناء وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عذاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر حزن، ومن سعى لها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن أبصر بها بصّرته، ومن أبصر إليها أعمته.

- وله ﵇ كلام يصف فيه المتقين نبه فيه على آداب، أفلح من استضاء بنورها، أوله: أما بعد فإن الله تعالى خلق الخلق حيث خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا لمعصيتهم، لأنه سبحانه لا تضرّه معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم

الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففادوا أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالون لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يحزّنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، فظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: قد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم بالقليل ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكّي أحد منهم خاف مما يقال له، فيقول: ربي أعلم بنفسي مني، وأنا أعلم بنفسي من غيري، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون. فمن علامة أحدهم: أنك ترى له

قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدّة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرّجا عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل يمسي وهمّه الشكر، ويصبح وهمّه الذّكر، يبيت حذرا ويصبح فرحا، حذرا من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ، قرّة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره، حريزا دينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه؛ الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه، لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شرّه، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحبّ، يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه، لا يضيّع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكّر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضرّ بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحقّ، إن صمت لم يغمّه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنّوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنّوه بمكر وخديعة.

وسمع قوما من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال لهم: إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به.

- ومن كلام له ﵇: وحقا أقول ما الدنيا غرّتك ولكن بها اغتررت، ولقد كاشفتك الغطاء، وآذنتك على سواء، ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك وتغرّك، ولربّ ناصح لها عندك متّهم، وصادق من خبرها مكذّب، ولئن تعرفتها في الديار الخاوية والربوع الخالية، لتجدنّها من حسن تذكرك وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك والشحيح بك، ولنعم دار من لم يرض بها دارا، ومحلّ من لم يوطنها محلا، وإن السعداء بالدنيا [غدا] هم الهاربون منها اليوم، إذا رجفت الراجفة وحقّت بجلائلها القيامة.

منها: فكم حجّة يوم ذاك داحضة، وعلائق عذر متقطعة، فتحرّ من أمرك ما يقوم به عذرك، وتثبت به حجّتك، وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له، وتيسّر لسفرك، وشم برق النجاة، وارحل مطايا التشمير.

ومن كلام له ﵇: والله أبيت على حسك السّعدان مسهّدا، وأجرّ في الأغلال مصفّدا، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحدا والنفس يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها؟! والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من برّكم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم، كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرّر عليّ القول مردّدا، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل أتئنّ من حديدة أحماها إنسان للعبه، وتجرّني إلى نار سجّرها جبارها لغضبه؟ أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى؟! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت فقال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هديّة، فقلت له: هبلتك الهبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أنت أم ذو جنّة أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضّمتها، ما

لعليّ ونعيم يفني؟! نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل، وبه نستعين.

- ومن كلام له: فاحذروا عباد الله الموت وقربه، وأعدّوا له عدّته، فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل، بخير لا يكون معه شرّ أبدا، وشرّ لا يكون معه خير أبدا، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها؟ ومن أقرب إلى النار من عاملها؟ وإنكم طرداء الموت: إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم. الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم، واحذروا نارا قعرها بعيد، وحرّها شديد، وعذابها جديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرّج فيها كربة، وإن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من الله وأن يحسن ظنكم به، فاجمعوا بينهما، فإن العبد إنما يكون حسن ظنّه بربه على قدر خوفه من ربه، وإن أحسن الناس ظنّا بالله أشدّهم خوفا لله.

- ومن كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على البصرة، وبلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: أما بعد يا ابن حنيف، قد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل عليك الجفان. وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ، وغنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.

ألا وإن لكلّ مأموم إماما يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبيّ طمرا؛ بلى، كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين. ونعم الحكم الله؛ ما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر، وسدّ فرجها التراب المتراكم؛ وإنما هي نفس أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر منها. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشّبع؛ أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنةوحولك أكباد تحنّ إلى القدّ

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدّهر؟ أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها، والمرسلة شغلها تقمّمها.

- ومن كلام له ﵇: فلا يكن أفضل ما نلت من

دنياك في نفسك بلوغ لذة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل وإحياء حقّ، وليكن سرورك بما قدّمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت.

- وقال كرم الله وجهه: ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله.

- وقال: إن أخسر الناس صفقة وأخيبهم سعيا رجل أخلق بدنه في طلب آماله، ولم تساعد المقادير على إرادته، فخرج من الدنيا بحسرته، وقدم على الآخرة بتبعته.

- وقال كرم الله وجهه: اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات.

- ودخل عليه قوم فقالوا: يا أمير المؤمنين لو أعطيت هذه الأموال وفضّلت بها هؤلاء الأشراف ومن تخاف فراقه، حتى إذا استتب لك ما تريد عدت إلى أفضل ما عوّدك الله تعالى من العدل في الرعية والقسم بالسوية، فقال:

تأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الإسلام ؟ والله لا أفعل ذلك ما سمر ابنا سمير، وما آب في السماء نجم، لو كان هذا المال لي لسوّيت بينهم، وكيف وإنما هي أموالهم ؟

ثم أرم طويلا ثم قال: من منكم له مال فاياه والفساد، فإن إعطاء المال في غير حلّه تبذير وإسراف وفساد، وهو يرفع ذكر صاحبه ويضعه عند الله ﷿، ولن يضع امرؤ ماله في غير حقّه وعند غير أهله إلا حرمه الله تعالى شكرهم، وكان لغيره ودّهم، فإن بقي معه منهم من [يبدي له] الود ويظهر له الشكر فإنما هو ملق وكذب، فإن زلّت بصاحبه النّعل واحتاج إلى معونته ومكافأته فشرّ خليل والأم خدين، فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة وليحسن فيه الضيافة، وليفكّ به العاني والأسير، وليعط منه الغارم وابن السبيل والفقراء والمجاهدين، وليصبر نفسه على الحقوق ابتغاء الثواب، فإنه ينال بهذه الخصال مكارم الدنيا وفضائل الآخرة، إن شاء الله.

- وقال: يوشك أن يفقد الناس ثلاثة: درهم حلال، ولسان صادق، وأخ يستراح إليه.

- وكان الحسن بن علي ﵉ يقول في مواعظه: يا ابن آدم عفّ عن محارم الله تكن عابدا، وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحبّ أن يصاحبوك بمثله تكن عدلا. إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا، ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا، أصبح جمعهم بورا، وعملهم غرورا، ومساكنهم قبورا، يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ مما في يديك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع. وكان يتلو بعد هذه الموعظة: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى

(البقرة:).

ومن كلام الحسين بن علي ﵇: أيها الناس نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجّلوه، واكتسبوا الحمد بالنّجح، ولا تكتسبوا بالمطل ذمّا: فمهما يكن لأحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فالله مكاف له، فإنه أجزل عطاء وأعظم أجرا. اعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، ولا تملّوا النعم فتحور نقما، واعلموا أنّ المعروف مكسب حمدا ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسرّ الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رجلا رأيتموه سمجا مشوّها تنفر منه القلوب وتغضّ دونه الأبصار. أيها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وإن أعفى الناس من عفا عن قدرة، وإنّ أوصل الناس من وصل من قطعه، والأصول على مغارسها بفروعها تسمو. من تعجّل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا، ومن أراد الله تعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومن نفّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كرب الدنيا والآخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه، والله يحبّ المحسنين.

- ومن كلام محمد بن علي المعروف بابن الحنفية: أيها الناس

إنكم أغراض تنتضل فيكم المنايا. لن يستقبل أحد منكم يوما بدأ من عمره إلا بانقضاء آخر من أجله، فأية أكلة ليس معها غصص، أو أية شربة ليس معها شرق؟ أيها الناس استصلحوا ما تقدمون عليه مما تظعنون عنه، فإن اليوم غنيمة وغدا لا يدرى لمن هو. أهل الدنيا أهل سفر يحلّون عقد رحالهم في غيرها، قد خلت من قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله؟ أين الذين كانوا أطول منّا أعمارا وأبعد منّا آمالا؟! أتاك يا ابن آدم ما لا تردّه، وذهب عنك ما لا يعود، ولا تعدّنّ عيشا منصرفا، عيشا ما لك منه إلا لذّة تزدلف بك إلى حمامك وتقرّبك من أجلك، وكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم، فعليك بذات نفسك ودع عنك ما سواها، واستعن بالله يعنك.

- وقال جعفر بن محمد: المرء بين ذنب ونعمة، لا يصلحه غير استغفار من هذا وشكر على هذا.

- قيل لعبد الله بن العبّاس: أيما أحبّ إليك رجل يكثر من الحسنات ويكثر من السيئات، أم رجل يقلّ من الحسنات ويقلّ من السيئات؟ قال: ما أعدل بالسلامة شيئا.

- وقال عبد الله قال لي أبي العبّاس: يا بني إن أمير المؤمنين قد

اختصّك من دون من أرى من المهاجرين والأنصار، فاحفظ عني ثلاثا ولا تجاوزهنّ: لا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تغتب عنده أحدا، ولا تفشينّ لأحد سرّا.

- وقال العبّاس ﵁: شهدت مع النبيّ ﷺ حنينا، فلمّا انهزم الناس، قال: ناد يا أصحاب السّمرة، فناديت، فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي كعطفة البقر على أولادها.

- وقال العبّاس لابنه ﵄: تعلّم العلم ولا تعلّمه لتماري به ولا لتباهي به، ولا تدعه رغبة في الجهل وزهادة في العلم واستحياء من التعلم.

- أتي زيد بن ثابت بدابته، فأخذ عبد الله بن عبّاس بركابه، فقال زيد: دعه بالله، فقال عبد الله: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال

زيد: أخرج يدك، فأخرجها فقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا ﵇.

- وكان عبد الله يقول: تواعظوا وتناهوا عن معصية ربكم تعالى، فإن الموعظة تنبيه للقلوب من سنة الغفلة، وشفاء من داء الجهالة، وفكاك من رقّ ملكة الهوى.

- وقال أيضا: من استؤذن عليه فهو ملك.

- وقيل له: أنّى لك هذا العلم؟ قال: قلب عقول ولسان سؤول.

- وقال: من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله.

- وجاء إليه رجل فقال: أريد أن أعظ ؟ فقال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى قوله ﷿: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ

، (البقرة:). وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ

(الصف:)، وقول العبد الصالح شعيب:

وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ

(هود:). أأحكمت هذه الآيات؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك إذن.

- وقال: ملاك أموركم الدين، وزينتكم العلم، وحصون أعراضكم الأدب، وعزكم الحلم، وصلتكم الوفاء، وطولكم في الدنيا والآخرة المعروف، فاتقوا الله يجعل لكم من أمركم يسرا.

- وسمع كعبا يقول: مكتوب في التوراة من يظلم يخرب بيته، فقال ابن عبّاس: تصديق ذلك في كتاب الله ﷿: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا

(النمل:).

- وقال: كل ما شئت. والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان:

سرف ومخيلة.

- وقال إنكم مرّ الليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة.

من زرع خيرا أوشك أن يحصد رغبة، ومن عمل شرا أوشك أن يحصد ندامة، ولكلّ زارع، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدّر له بحرصه. ومن أوتي خيرا فالله آتاه، ومن وقي شرّا فالله وقاه، المتقون سادة والعلماء قادة.

- وقال: ذللت للعلم طالبا فعززت مطلوبا.

- وقال علي بن عبد الله بن عبّاس: من لم يجد مسّ نقص الجهل في عقله، وذلة المعصية في قلبه، ولم يستبن موضع الخلّة في لسانه عند كلال حدّه عن حدّ خصمه، فليس ممن ينزع عن ذنبه ولا يرغب عن حال معجزة، ولا يكترث لفضل ما بين حجّة وشبهة.

- وقال: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء.

- وكان علي بن عبد الله سيدا شريفا، يقال إنه كان له خمسمائة أصل زيتون، يصلي في كل يوم إلى كل أصل منها ركعتين. وكان علي بن أبي طالب بشّر أباه حين ولد بانتقال الخلافة إلى ولده وقال: خذ إليك أبا الأملاك؛ وله في ذلك حكايات كثيرة منها أنه دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس وأبو جعفر، فلما ولّى قال هشام: إن هذا الشيخ قد أخلّ وأسنّ وصار يقول: إنّ هذا الأمر سينتقل إلى ولده، فسمع ذلك عليّ فالتفت إليه وقال: أي والله ليكوننّ ذلك وليملكنّ هذان.

- ومن كلام عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉: لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وشفاعة رسول الله ﷺ، وسعة رحمة الله ﷿. خف الله لقدرته عليك واستحي لقربه منك. إذا صليت فصلّ صلاة مودّع، وإيّاك وما

يعتذر منه، وخف الله خوفا ليس بالتعذّر. إيّاك والابتهاج بالذنب فإنّ الابتهاج بالذنب أعظم من ركوبه.

- وقال: أعجب لمن يحتمي من الطعام لمضرّته، ولا يحتمي من الذنب لمعرّته - وقال أبو حمزة الثّمالي: أتيت باب عليّ بن الحسين فكرهت أن أصوّت، فقعدت حتى خرج، فسلمت عليه ودعوت له، فردّ عليّ السلام ودعا لي، ثمّ انتهى إلى الحائط فقال لي: يا أبا حمزة، ترى هذا الحائط؟

قلت: بلى يا ابن رسول الله، قال فإني اتكأت عليه يوما وأنا حزين، فإذا رجل حسن [الوجه حسن] الثياب ينظر في اتجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا؟ أعلى الدنيا، فهي رزق حاضر يأكل منها البرّ والفاجر. فقلت: ما عليها أحزن [لأنه] كما تقول. فقال: أعلى الآخرة؟

فهي وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر. قلت: ما عليها أحزن لأنه كما تقول. فقال: وما حزنك يا علي بن الحسين؟ قلت: الخوف من فتنة ابن الزبير. فقال: يا علي بن الحسين، هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟

قلت: لا، قال: فخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا؛ ثم غاب عنّي، فقيل لي: يا عليّ هذا الخضر ناجاك.

- قال ابن شهاب الزهري شهدت عليّ بن الحسين يوم حمله إلى عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأثقله حديدا، ووكل به حفّاظا في عدّة وجمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي، فذخلت عليه وهو في قبّة والقيود في رجليه والغلّ في يديه، فبكيت وقلت: وددت أني مكانك وأنت سالم، فقال: يا زهري أوتظنّ هذا مما ترى عليّ وفي عنقي يكربني؟ أما لو شئت ما كان، فإنه إن بلغ منك ومن أمثالك ليذكرني عذاب الله، ثم أخرج يديه من الغلّ ورجليه من القيد، ثم قال: يا زهري لا جزت معهم على ذا ميلين من المدينة. قال: فما لبثت إلّا أربع ليال حتّى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة، قال: فلمّا وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنا نراه متبوعا، إنه لنازل ونحن حوله لا ننام لنرصده، إذ أصبحنا نفتقده فما وجدنا بين محمليه إلا حديده. قال الزهريّ: وقدمت بعد ذلك على عبد الملك، فسألني عن عليّ بن الحسين فأخبرته، فقال: إنه قد جاء في يوم فقده الأعوان، فدخل عليّ فقال: ما أنا أنت، فقلت: أقم عندي، قال: لا أحبّ، ثم خرج فو الله لقد امتلأ ثوبي منه خيفة؛ قال الزهريّ فقلت: يا أمير المؤمنين ليس عليّ بن الحسين حيث يظنّ، إنه مشغول بنفسه، قال: حبذا شغل مثله. قال: وكان الزهريّ إذا ذكر عليّ بن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين.

- ولمّا مات عليّ بن الحسين غسلوه، ثمّ جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة.

- وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلمّا مات زين العابدين فقدوا ما كانوا يؤتون به باللّيل.

- وكان نافع بن جبير يقول لزين العابدين: غفر الله لك، أنت سيد الناس وأفضلهم تذهب إلى هذا العبد فتجلس معه؟! يعني زيد بن أسلم، فقال: إنه ينبغي للعلم أن يتّبع حيث كان.

- قال محمد بن عليّ بن الحسين: ندعو الله فيما نحبّ فإذا وقع الذي نكره لم نخالف الله فيما أحبّ.

- وقال: توقي الصرعة قبل الرجعة.

- وقال لابنه جعفر: يا بني إنّ الله تعالى خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة

أشياء: خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعلّ رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا فلعلّ سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرنّ أحدا فلعلّ ذلك الوليّ.

- وقال جعفر بن محمد بن علي: تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على الله ﷿ هلكة، والإصرار [على الذنب] أمن: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ

(الأعراف:).

- وقال: ما كلّ من أراد شيئا قدر عليه، ولا كلّ من قدر على شيء وفّق له، ولا كلّ من وفّق أصاب له موضعا، فإذا اجتمع النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهناك تمّت السعادة.

- وقال: صلة الرّحم تهوّن الحساب يوم القيامة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ

(الرعد:).

- وممّا ينسب إليه: الصلاة قربان كلّ تقيّ، والحجّ جهاد كلّ ضعيف، وزكاة البدن الصيام، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، واستنزلوا

الرزق بالصدقة، وحصّنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتقدير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن حزّن والديه فقد عقّهما، والصنيعة لا تكون صنيعة إلّا عند ذي حسب أو دين، الله ينزل الصبر على قدر المصيبة، وينزل الرزق على قدر المؤونة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذّر معيشته حرمه الله.

- وكان عليّ بن الحسين إذا رأى مبتلى أخفى الاستعاذة، وكان لا يسمع من داره: يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا، وكان يقول: سمّوهم بأحسن أسمائهم.

- وقيل له: من أعظم قدرا؟ قال: من لا يرى بالدنيا لنفسه قدرا.

- وقالوا: قارف الزهريّ ذنبا فاستوحش من الناس وهام على وجهه، فقال له زيد بن عليّ بن الحسين: يا زهريّ لقنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أشدّ عليك من ذنبك، فقال الزهريّ: الله يعلم حيث يجعل رسالاته.

- وقال موسى بن جعفر: وجدت علم الناس في أربع: أولها أن

تعرف ربك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد بك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من ذنبك. معنى هذه الأربع، الأولى: وجوب معرفة الله تعالى التي هي اللطف، الثانية: معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعيّن عليك لأجلها الشكر والعبادة، الثالثة: أن تعرف ما أراد منك فيما أوجبه عليك وندبك إلى فعله على الحدّ الذي أراده منك فتستحق بذلك الثواب، الرابعة: أن تعرف الشيء الذي يخرجك عن طاعة الله فتجتنبه.

- وقال علي بن موسى بن جعفر: من رضي من الله ﷿ بالقليل من الرزق رضي منه بالقليل من العمل.

- وقال: لا يعدم المرء دائرة السّوء مع نكث الصفقة، ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادّراع البغي.

- وقال: الناس ضربان: بالغ لا يكتفي وطالب لا يجد.

- وقال محمد بن علي بن موسى: كيف يضيع من الله كافله، وكيف ينجو من الله طالبه؟ ومن انقطع إلى غير الله وكله الله تعالى إليه، ومن عمل على غير علم أفسد أكثر مما يصلح.

- وقال: القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.

- كتب المنصور إلى جعفر بن محمد: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه: ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما

نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها، ولا تراها نقمة فنعزّيك بها، فما نصنع عندك؟ قال فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا، فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك. فقال المنصور: والله لقد ميّز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة، وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا.

- قال سفيان الثوري لجعفر بن محمد: حدثني، قال جعفر: أما إنّي أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير، يا سفيان: إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت تمامها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر فإن الله تعالى قال في كتابه المبين: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

(إبراهيم:). وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ

يعني في الدنيا والآخرة، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً

(نوح:). يا سفيان إذا حزبك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من لا حول ولا قوة إلّا بالله، فإنها مفتاح للفرج وكنز من كنوز الجنّة. فعقد سفيان بيده وقال:

ثلاث وأي ثلاث، قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله ولينفعنه بها.

- سقط ابن لعلي بن الحسين ﵉ في بئر، فتفرغ أهل المدينة لذلك حتى أخرجوه، وكان قائما يصلّي فما زال عن محرابه، فقيل له في ذلك، فقال: ما شعرت، كنت أناجي ربّا كريما.

- وكان عليّ بن الحسين يأتي ابن عم له بالليل متنكرا فيناوله شيئا من الدنانير، فيقول: لكن عليّ بن الحسين لا يصلني، لا جزاه الله خيرا، فيسمع ذلك ويحتمله ويصبر عليه ولا يعرّفه نفسه، فلمّا مات عليّ بن الحسين ﵇ فقدها، فحينئذ علم أنه هو كان، فجاء إلى قبره وبكى عليه.

- وقيل له: ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة؟

فقال: أكره أن آخذ برسول الله ﵇ ما لا أعطي مثله.

- قال طاووس: رأيت رجلا يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب ويدعو ويبكي في دعائه فتبعته حين فرغ من الصلاة فإذا هو عليّ بن الحسين، فقلت: يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا وكذا، ولك ثلاثة أرجو أن تؤمّنك من الخوف أحدها: أنك ابن رسول الله، والثانية: شفاعة جدك، والثالثة: رحمة الله. فقال: يا طاووس أما أني ابن رسول الله فلا يؤمنني، وقد سمعت الله ﷿ يقول: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ

، (المؤمنون:)، وأما شفاعة جدّي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول: لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى

(الأنبياء:)، وأما رحمة الله فإن الله ﷿ يقول: انها قريب من المحسنين، ولا أعلم أني محسن.

- وقال أيضا: كلّ عين ساهرة يوم القيامة إلّا ثلاث عيون:

عين سهرت في سبيل الله تعالى، وعين غمضت عن محارم الله، وعين فاضت من خشية الله.

- سئل محمد بن علي بن الحسين: لم فرض الله تعالى الصوم على عباده، فقال: ليجد الغنيّ من الجوع فيحنو على الضعيف.

- قرّب إلى عليّ بن الحسين طهوره في وقت ورده، فوضع يده في الإناء ليتوضأ، ثم رفع رأسه فنظر إلى السماء والقمر والكواكب، فجعل يفكّر في خلقها حتى أصبح، وأذّن المؤذّن ويده في الإناء.

- كان زيد بن موسى بن جعفر خرج بالبصرة ودعا إلى نفسه وأحرق دورا وعاث، ثمّ ظفر به وحمل إلى المأمون، قال زيد: لما دخلت إلى المأمون نظر إليّ ثمّ قال: اذهبوا به إلى أخيه أبي الحسن علي بن موسى الرضا، وتركني بين يديه ساعة، ثمّ قال: يا زيد سوأة لك، ما أنت قائل لرسول الله ﷺ إذ سفكت الدماء وأخفت السبيل وأخذت المال من غير حلّه؟

لعلّه غرّك حديث حمقى أهل الكوفة أن النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: إن فاطمة أحصنت فرجها وذريتها عن النار، إنّ هذا لمن خرج من بطنها، الحسن والحسين فقط، والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة الله، فلئن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوا بطاعته إنك إذا لأكرم على الله منهم.

- نظر عليّ بن الحسين ﵉ إلى الناس يضحكون في يوم فطر، فقال: إنّ الله ﷿ جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه إلى مرضاته، فسبق أقوام ففازوا وقصّر آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاهي في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخيب فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء باساءته عن تجديد ثوب وترجيل شعر.

- قال جعفر بن محمد: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.