تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الرابع في أخبار التّابعين وسائر طبقات الصالحين ﵃ وكلامهم ومواعظهم (٢)

ربّكم ولم تشكروها، والعاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم.

- وقال إبراهيم بن أدهم: لم يصدق الله من أحبّ الشهرة.

- وقال إبراهيم بن بشار: كنت يوما من الأيام مارا مع إبراهيم ابن أدهم في الصحراء، فأتينا على قبر مسنّم، فترحم عليه وبكى، فقلت:

قبر من هذا؟ قال: هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلّها، كان غريقا في بحار الدنيا ثم أخرجه الله منها واستنقذه، ولقد بلغني أنه مرّ ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته، ثم نام في مجلسه مع من يخصّه من أهله، فرأى رجلا واقفا على رأسه بيده كتاب، فناوله إياه فإذا فيه مكتوب بالذهب: لا تؤثرنّ فانيا على باق، ولا تغترنّ بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أنّ بعده الهلك، وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله تعالى فإن الله تعالى قال:

وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

(آل عمران:). قال: فانتبه فزعا وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة، فخرج من ملكه لا يعلم به أحد، وقصد هذا الجبل فتعبد فيه، فلما بلغني قصته وحدّثت بأمره قصدته، فحدثني ببدء أمره وحدثته ببدء أمري، فما زلت أقصده حتى مات ودفن ها هنا، ﵀.

قال إبراهيم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة؛ فالفرض الزهد في الحرام، والفضل الزهد في الحلال، والسلامة الزهد في الشبهات.

- ومن كلام الحسن البصري: يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشرّ فلا تغبطهم به. الثواء ها هنا قليل والبقاء هناك طويل، وأمتكم آخر الأمم، وأنتم آخر أمتكم، وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ المعاينة فكأن قد، هيهات هيهات! ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الاعمال قلائد في أعناق بني آدم، فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة! إنه والله لا أمة بعد أمتكم، ولا نبيّ بعد نبيكم، ولا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأوّلكم أن يلحق بآخركم. من رأى محمدا صلى الله عليه فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، فالوحى الوحى والنجاء النجاء. على ما تعرّجون؟ أتيتم وربّ الكعبة. إن الله بعث محمدا على علم به، اختاره لنفسه، وبعثه برسالاته، وأنزل عليه كتابه، وكان صفوته من خلقه، ورسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض، وآتاه منها قوتا وبلغة، ثم قال

لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

(الأحزاب:) فرغب أقوام عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم الله وسحقهم. ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك. رحم الله رجلا نظر فتفكر وتفكر فاعتبر واعتبر فأبصر وأبصر فصبر، فقد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم فلم يدركوا ما طلبوا، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا. يا ابن آدم اذكر قوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً

(الإسراء:

). عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. لقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن تردّ عليهم منكم من سيئاتكم أن تعذّبوا عليها وكانوا فيما أحلّ الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم عليكم. يا ابن آدم ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب وصدّقته الأعمال.

- وكان يقول: لا يستحقّ أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدا بعيب هو فيه، ولا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك في نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عملا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي أن يصلحه، فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره. وإنك ناظر إلى عملك خيره وشرّه فلا تحقرنّ شيئا من الخير وان صغر، فانك إذا رأيته سرّك مكانه، ولا تحقرنّ شيئا من الشرّ وإن صغر، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه.

- وكان يقول: كان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح أهل العلم اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في

دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم وزهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم.

- وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري عنّي غناه، ويبدي لي فقره، ويغلق دوني بابه، ويمنعني ما عنده، وأدع من يفتح لي بابه، ويبدي لي غناه، ويدعوني إلى ما عنده.

- دخل أبو حازم الأعرج على بعض ملوك بني مروان، فقال: يا أبا حازم، ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: تنظر إلى ما عندك فلا تضعه إلا في حقه وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه، قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنّة والناس أجمعين، قال: ما مالك؟ قال:

مالان، قال: ما هما؟ قال: الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس، قال: ارفع إلينا حوائجك، قال: هيهات رفعتها إلى من هو لا تختزل الحوائج دونه، فإن أعطاني منها شيئا قبلت، وإن زوى عنّي منها شيئا رضيت.

- ومن كلام الفضيل بن عياض: يا ابن آدم إنّما يفضلك الغنيّ بيومك، أمس قد خلا وغد لم يأت، فإن صبرت يومك أحمدت أمرك، وقويت على غدك، وإن عجزت عن يومك ذممت أمرك وضعفت عن غدك.

وإنّ الصبر يورث البرء، وان الجزع يورث السّقم، وبالسقم يكون الموت، وبالبرء تكون الحياة.

- وقال بكر بن عبد الله المزني: الدنيا ما مضى منها فحلم، وما بقي منها فأمانيّ.

- وقال عامر بن عبد قيس: الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم، مرتجعة للعطيّة، وكلّ من فيها يجري إلى ما لا يدري، وكلّ مستقرّ فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار.

- وقيل: من تذكّر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباده.

- قال هانىء بن قبيصة لحرقة بنت النعمان ورآها تبكي: مالك تبكين؟ قالت: رأيت لأهلك غضارة، وقلّما امتلأت دار فرحا، إلا امتلأت حزنا.

- ونظرت امرأة إلى أعرابية حولها عشرة من بنيها، كأنهم الصقور، فقالت: لقد ولدت أمكم حزنا طويلا.

- وباع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا، قال: أنا أجعل هذا المال ذخرا عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال.

- قال الحسن: ما أعطي رجل من الدنيا شيئا إلا قيل: خذه ومثله من الحرص.

- وقال قتادة: يعطي الله العبد على نيّة الاخرة ما شاء من الدنيا والآخرة ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.

- وقيل: ثلاثة أشياء يستوي فيها الملوك والسوقة والعلية والسفلة: الموت والطلق والنزع، ويشبه هذا المعنى قول عبد الله بن الزبعرى

والعطيات خساس بينهموسواء قبر مثر ومقلّ
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

- سأل الحجاج أعرابيا عن أخيه محمد بن يوسف، فقال: كيف تركته؟ قال: عظيما سمينا: قال: ليس عن هذا أسألك، قال: تركته ظلوما غشوما، قال: أوما علمت أنه أخي؟ قال: أتراه بك أعزّ منّي بالله.

- قال مطرّف بن عبد الله بن الشخّير لابنه: يا بنيّ لا يلهينّك الناس عن نفسك، فإنّ الأمر خالص إليك دونهم. إنك لم تر شيئا هو أشدّ طلبا ولا أسرع دركا من توبة حديثة لذنب قديم.

- وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أصلح ما بقي يغفر لك ما مضى.

- قال المكيّ: كنت عند سفيان بن عيينة وجاءه رجل فقال:

إن جاري قد آذاني، وقد روي عن رسول الله ﷺ، أنه قال: من آذى

جاره ملّكه الله داره فقال: إن هذا لفي كتاب الله ﷿، قال الرجل:

وأين ذلك رحمك الله؟ قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ

(ابراهيم:) فقام المكيّ فقبل رأسه.

- قال حذيفة المرعشيّ: دخلت مكة مع إبراهيم بن أدهم فإذا شقيق البلخي قد حجّ في تلك السنة، فاجتمعنا في شقّ الطواف، فقال إبراهيم لشقيق: على أي شيء أصّلتم أصلكم؟ قال: أصّلنا أصلنا على أنا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا، فقال إبراهيم: هكذا تفعل كلاب بلخ، قال له شقيق: فعلى ماذا أصّلتم؟ قال أصّلنا على أنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا وحمدنا، فقام شقيق فجلس بين يدي إبراهيم بن أدهم وقال: أنت أستاذنا.

- قال محمد بن أبي عمران: سمعت حاتما الأصم، وكان من جلّة أصحاب شقيق البلخي، وسأله رجل فقال: على ما بنيت أمرك هذا في

التوكّل على الله؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنّت به نفسي، وعلمت أن عليّ دينا لا يعلمه غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله حيث كنت فأنا مستحي منه.

- ومرّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلّم في مجلسه فقال:

يا حاتم تحسن تصلّي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلّي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالتوكل والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتّمام، وأسلّم بالسبيل والسنة، وأسلّمها بالإخلاص إلى الله، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت، قال: تكلم فأنت تحسن تصلي.

- قال الفضيل بن عياض: إذا أراد الله أن يتحف العبد سلّط عليه من يظلمه.

- وقال: أعلم الناس بالله أخوفهم له.

قال الفضل بن الربيع: حجّ هارون الرشيد، فاتاني فخرجت إليه مسرعا فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: ويحك قد حلّ في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله؛ فقلت: [هاهنا] سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا الباب فقال: من ذا؟ فقلت:

أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، قال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدّثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: يا عباسيّ اقض دينه، فلما خرجنا، قال: ما أغنى عنك صاحبك شيئا، انظر لي رجلا أسأله، قلت: ها هنا عبد الرزاق بن همّام، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فكانت حاله كحال سفيان بن عيينة، فقلت له: ها هنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلّي يتلو آية من القرآن يردّدها، فقرعت الباب فقال: من ذا؟

فقلت: أجب أمير المؤمنين، قال: مالي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة لبشر؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول البيت عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون الرشيد إليه قبلي فقال: يا لها من كفّ ما ألينها إن نجت من عذاب الله، فقلت في نفسي ليكلمنّه الليلة بكلام من قلب نقيّ، فقال له: خذ لما جئناك له يرحمك الله، فقال: [إن] عمر بن عبد العزيز لما ولي

الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ، فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم الدنيا وليكن إفطارك فيها الموت، وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم أخا، وأصغرهم ولدا، فوقّر أباك وأكرم أخاك وتحنّن على ولدك، وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة من عذاب الله فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك أو اكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت فإني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزلّ الأقدام. فهل معك مثل هذا، أو من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن أمّ الربيع تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا؟! ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه كثرة النوم فكتب إليه عمر: يا أخي أذكّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإنه يطرد بك إلى ربك نائما أو يقظان، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، ولا أعود لولاية حتى ألقى الله تعالى، قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عمّ المصطفى جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله أمّرني على إمارة؟ فقال له النبي ﷺ: إنّ الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل، فبكى هارون بكاء شديدا،

وقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فان استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لأحد من رعيتك، فإن النبيّ ﷺ قال:

من أصبح لهم غاشّا لم يرح رائحة الجنة، فبكى هارون وقال له: عليك دين؟

قال: نعم، دين لربّي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن ساءلني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجّتي، قال: إنما أعني من دين العباد؛ قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدّق وعده وأطيع أمره، فقال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ

(الذاريات:)، فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك، وتقوّ بها على عبادتك، فقال له: سبحان الله أنا أدلّك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا، سلّمك الله ووفقك؟ ثم صمت فلم يكلّمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب، قال هارون: يا عباسي إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا، فهذا سيد المسلمين. فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرّجنا به، فقال لها:

مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلّمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف يرحمك الله، فانصرفنا.

- قال زهير بن عباد: كان فضيل بن عياض، ووهيب بن الورد

وعبد الله بن المبارك جلوسا فذكروا الرّطب، فقال وهيب: وقد جاء الرطب؟

فقال ابن المبارك: يرحمك الله، هذا آخره أولم تأكله؟ قال: لا، قال:

ولم؟ قال وهيب: بلغني أن عامة أجنّة مكة من الصوافي والقطائع فكرهتها، فقال عبد الله: يرحمك الله أو ليس قد رخّص في الشراء من السوق إذا لم تعرف الصوافي والقطائع منه وإلّا ضاق على الناس خبزهم، أو ليس عامة ما يأتي من قمح مصر إنما هو من الصوافي والقطائع؟ ولا أحسبك تستغني عن القمح فسهّل عليك، قال: فصعق، فقال فضيل لعبد الله: ما صنعت بالرجل؟ فقال ابن المبارك: ما علمت أنّ كل هذا الخوف قد أعطيه، فلما أفاق وهيب قال: يا ابن المبارك، دعني من ترخيصك، فلا جرم لا آكل من القمح إلّا كما يأكل المضطر من الميتة، فزعموا أنه نحل جسمه حتى مات هزالا.

- قال عبد الله بن المبارك: رب عمل صغير تعظّمه المنية، وربّ عمل كبير تصغره المنية.

- قال محمد بن صبيح بن السماك: كتب إليّ أخ من إخواني من أهل بغداد: صف لي الدنيا، فكتبت إليه: أما بعد فإنه حفّها بالشهوات وملأها بالآفات، مزج حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتبعات، حلالها حساب وحرامها عذاب [والسلام].

قال يوسف بن أسباط: لو أنّ رجلا في ترك الدنيا مثل أبي ذرّ وسلمان وأبي الدرداء ما قلنا إنه زاهد، لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض، والحلال المحض لا يعرف اليوم.

- كان عبد الله بن عبد العزيز العمري يلزم الجبّان كثيرا، وكان لا يخلو من كتاب يكون معه ينظر فيه، فقيل له في ذلك فقال: إنه ليس شيء أوعظ من قبر، ولا أسلم من وحدة، ولا آنس من كتاب.

- قال بشر بن الحارث: بلغني أن بنتا لفتح الموصلي عريت، فقيل له: ألا تطلب من يكسوها؟ قال: أدعها حتى يرى الله عريها وصبري عليها. قال: فكان إذا كانت ليالي الشتاء جمع عياله ومال بكسائه عليهم ثم قال: اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي، وجوّعتني وجوّعت عيالي، وأعريتني وأعريت عيالي، بأي وسيلة أتوسّل إليك، وإنما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك، فهل أنا منهم حتى أفرح؟.

- قال بشر بن الحارث الحافي: إذا أعجبك الكلام فاصمت،

وإذا أعجبك الصمت فتكلم. وقد روي هذا الكلام بعينه عن ابن عباس أو غيره.

- وقال بشر سمعت خالدا الطحان وهو يذكّر ويقول: إياكم وسرائر الشرك فقيل: وكيف سرائر الشرك؟ قال: أن يصلّي أحدكم فيطوّل في ركوعه وسجوده حتى تلحظه الحدق.

- وقال بشر: اكتم حسناتك كما تكتم سيّئاتك.

- قال إبراهيم الحربي: حملني أبي إلى بشر بن الحارث فقال:

يا أبا نصر، هذا ابني مستهتر بكتابة الحديث والعلم، فقال لي: يا بنيّ هذا العلم ينبغي أن تعمل به، فإن لم تعمل به كله فمن كل مائتين خمسة مثل زكاة الدراهم، فقال له أبي: يا أبا نصر تدعو له؟ قال: دعاؤك له أبلغ، فإن دعاء الوالد للولد كدعاء النبي لأمته، قال إبراهيم: فاستحليت كلامه واستحسنته، فأنا مارّ إلى صلاة الجمعة فإذا بشر يصلي في قبة الشعر فقمت وراءه أركع إلى أن نودي بالأذان، فقام رجل رثّ الحال والهيئة، فقال: يا قوم احذروا أن أكون صادقا وليس مع الاضطرار اختيار، ولا يسع السكوت عند العدم، ولا السؤال مع الوجود، وثمّ فاقة رحمكم الله، قال: فرأيت بشرا أعطاه قطعة وزنها دانق، قال إبراهيم: فقمت إليه فاعطيته درهما وقلت:

أعطني القطعة، فقال: لا أفعل، فقلت: هذان درهمان، فقال: لا

أفعل، قال: ومعي عشرة دراهم صحاحا، قلت: هذه عشرة دراهم، قال لي: يا هذا وأيّ شيء رغبتك في دانق تبذل فيه عشرة صحاحا، فقلت: هو رجل صالح، فقال لي: أنا في معروف هذا أرغب، ولست أستبدل النعم نقما، وإلى أن آكل هذا فرج عاجل أو منيّة قاضية. قال إبراهيم فقلت:

انظروا معروف من بيد من، وقلت: يا شيخ دعوة، فقال: مرّ أحيا الله قلبك ولا أماته حتى يميت جسمك، وجعلك ممن يشتري نفسه بكلّ شيء ولا يبيعها بشيء.

- وروي أن أخت بشر بن الحارث قصدت أحمد بن حنبل فقالت: إنّا قوم نغزل الليل ومعاشنا منها، وربما تمرّ بنا مشاعل بني طاهر ولاة بغداد ونحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين، أفتحلّه لنا أم تحرّمه علينا؟ فقال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر، قال: آه يا آل بشر لا عدمتكم، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم.

- قال معروف لأبي توبة وقد حضرت الصلاة: صلّ بنا؟

فقال: إن صلّيت بكم هذه الصلاة لا أصلي بكم الثانية، فقال معروف:

وأنت تطمع أن تعيش إلى الصلاة الثانية؟! نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.

- وعنه قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل

وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل.

- وقيل له في علته: أوص، فقال: إذا متّ فتصدقوا بقميصي هذا فإني أحبّ أن أخرج من الدنيا عريان كما دخلت إليها عريان.

- قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: من وثق بالله في رزقه زاد في حسن خلقه، وأعقبه الحلم، وسخت نفسه في نفقته، وقلّت وساوسه في صلاته.

- قال منصور بن عمار: سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية الذكر، وقلوب أهل الدنيا أوعية الطمع، وقلوب الزاهدين أوعية التوكل، وقلوب الفقراء أوعية القناعة، وقلوب المتوكلين أوعية الرضا.

- وقال: سلامة النفس في مخالفتها، وبلاؤها في متابعتها.

- وقال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك

الكوفة، فخرجت في ليلة مظلمة طخياء، فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي، وغرّني سترك المرخى عليّ وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك مني؟ واشباباه واشباباه. فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله ﷿:

ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ

(البقرة:) الآية، فسمعت دكة لم أسمع بعدها حسّا، فمضيت، فلما كان من الغد رجعت من مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد أخرجت، وإذا عجوز قد ذهبت منّتها- يعني قوّتها- فسألتها عن الميت ولم تكن عرفتني، فقالت: هذا رجل لا جزاه الله خيرا مرّ بابني البارحة وهو قائم يصلّي فتلا آية من كتاب الله ﷿ فتفطرت مرارته فوقع ميتا، ﵀.

- فقد الحسن بن حي شابا كان ينقطع إليه، فخرج الحسن حتى أتى منزله فدقّ عليه الباب فخرج إليه الشابّ، فقال له: يا أخي مالك لم أرك منذ أيام؟ فقال له: يا أخي إن هذه الدار ليست هي دار ليست هي دار لقاء، إنما هي دار عمل، واللقاء ثمّ، أغلق الباب في وجهه فما رآه الحسن بعد ذلك اليوم حتى أخرجت جنازته.

- قال محمد الكندي: سمعت أشياخنا يقولون: إذا عرض لك

أمران لا تدري في أيهما الرشاد، فانظر أقربهما إلى هواك فخالفه، فإن الحقّ في مخالفة الهوى.

- قال أبو الحسن السري بن المغلّس السقطي، وهو خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه: كلّ الدنيا فضول إلا خمس خصال: خبز يشبعه، وماء يرويه، وثوب يستره، وبيت يكنّه، وعلم يستعمله.

- وقال: من استعمل التسويف طالت حسرته يوم القيامة.

- قال أبو علي الروذباري: في اكتساب الدنيا مذلّة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلّة في طلب ما يفنى، على العزّ في طلب ما يبقى.

- وكان يقول: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه.

- وقال بديل بن ميسرة العقيليّ: من أراد بعمله وجه الله أقبل الله عليه بوجهه، وأقبل بقلوب العباد إليه، ومن عمل لغير الله صرف الله عنه وجهه وصرف قلوب العباد عنه.

قال أبو يزيد البسطاميّ: إنّ في الطاعات من الآفات ما لا تحتاجون معه إلى أن تطلبوا المعاصي.

- وقال: ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبر.

- وقال: من سمع الكلام ليتكلّم به مع الناس رزقه الله فهما يكلّم به الناس، ومن سمعه ليعامل الله به رزقه الله فهما يناجي به ربّه.

- وقال أبو حازم الأعرج: إن عوفينا من شرّ ما أعطينا لم يضرّنا فقد ما زوي عنّا.

- قيل لرابعة القيسية: لو كلّمنا رجال عشيرتك فاشتروا لك خادما تكفيك مهنة بيتك، قالت: والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟!.

- دخل ناسك على صاحب له وهو يكيد بنفسه، فقال له:

طب نفسا فإنك تلقى رحيما، قال: أما ذنوبي فأرجو أن يغفرها الله لي،

وليس اهتمامي إلا لمن أدع من بناتي، قال له صاحبه: الذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.

- قال بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم.

- قال ابن أبي عدي: صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله وكان خرّازا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدّق به في الطريق، ويرجع عشاء فيفطر معهم.

- قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها، قال: فصلّى بالناس الظهر، ثم فتح باب المقصورة وقد استند إلى المحراب، واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم الزهري عن غير معرفة، فقال: يا عمر من هذا؟ ما رأيت سمتا أحسن منه، قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم، قال: يا غلام كيس فيه خمسمائة دينار، فأتي به فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلّي؟ فوصفه للغلام حتى أثبته، قال: فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان، فلمّا نظر صفوان إليه ركع وسجد ثم سلّم، فأقبل عليه وقال: ما حاجتك؟ قال: أمرني أمير

المؤمنين، وهو ذا ينظر إليك وإليّ، أن أدفع إليك هذا الكيس، ويقول لك: استعن بهذه على زمانك وعلى عيالك، فقال صفوان للغلام: ليس أنا الذي أرسلت إليه، قال الغلام: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى أنا صفوان بن سليم، قال فإليك أرسلت، قال: اذهب فاستثبت فإذا أثبتّ فهلمّ، فقال الغلام: أمسك الكيس معك وأذهب أنا، قال: لا إذا أمسكت فقد أخذت، ولكن اذهب واستثبت وأنا ها هنا جالس، فولّى الغلام، وأخذ صفوان نعليه وخرج، فلم ير بها حتى خرج سليمان من المدينة.

- وكان أبو مسلم الخولاني يقول: كان الناس ورقا لا شوك فيه، وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه.

- قال أبو حازم سلمة بن دينار: عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح.

- وقال: كلّ نعمة لا تقرّب من الله فهي بلية.

- وقال: قاتل هواك كما تقاتل عدوّك.

وقيل له: ما مالك؟ قال: ثقتي بالله ويأسي مما في أيدي الناس.

- وقال: قليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة، وإن كثيرها ينسيك قليلها، وإن كنت تطلب من الدنيا ما يكفيك فأدنى ما فيها يجزيك، وإن كنت لا يغنيك ما يكفيك فليس فيها شيء يغنيك.

- ودخل سليمان بن عبد الملك المدينة حاجّا فقال: هل بها أحد أدرك عدّة من الصحابة؟ قيل: نعم أبو حازم، فأرسل إليه، فلما أتاه قال:

يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟

قال: وأيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني ولم تأتني، قال: والله ما عرفتني قبل يومي هذا ولا أنا رأيتك فأيّ جفاء رأيت مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا، ثم قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: عمرتم الدنيا وخرّبتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب. قال: صدقت يا أبا حازم، ليت

شعري ما لنا عند الله غدا؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله ﷿، قال: أين أجده في كتاب الله؟ قال: قال الله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ

(الانفطار:)، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

(الاعراف:) قال سليمان: ليت شعري كيف العرض على الله غدا؟ قال أبو حازم: أما المحسن كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء كالآبق يقدم به على مولاه، فبكى سليمان حتى علا نحيبه واشتدّ بكاؤه، وقال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصّلف، وتقسمون بالسّويّة وتعدلون في القضيّة، قال: وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه بحقّه وتضعه لحقّه في أهله، قال: يا أبا حازم من أفضل الخلائق؟ قال: أولو المروءة والنهى، قال: فما أعدل العدل؟ قال:

كلمة صدق عند من ترجوه أو تخافه، قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال:

دعاء المحسن للمحسن، قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقلّ إلى البائس الفقير لا يتبعها منّ ولا أذى، قال: يا أبا حازم من أكيس الناس؟

قال: رجل ظفر بطاعة الله فعمل بها ثم دلّ الناس عليها، قال: فمن أحمق الناس؟ قال: رجل اغتاظ في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنياه، قال: يا أبا حازم هل لك أن تصحبنا وتصيب منا ونصيب منك؟ قال:

كلّا، قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تكون لي منه نصيرا، قال: يا أبا حازم ارفع إليّ حاجتك، قال: نعم تدخلني الجنّة وتخرجني من النار، قال ليس ذلك إليّ، قال: فما لي حاجة سواها، قال: يا أبا حازم فادع الله لي، قال:

نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسّره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان

من أعدائك فخذ بناصيته إلى ما تحبّ وترضى، قال سليمان: عظني، قال:

قال: قد أكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فماذا حاجتك أن ترمي على قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان: يا أبا حازم ما تقول فيما نحن فيه؟

قال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين، قال: بل نصيحة تلقيها إليّ، قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر عنوة بالسيف عن غير مشورة ولا إجماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا، فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلساء سليمان: بئس ما قلت، قال أبو حازم: كذبت، إنّ الله أخذ على العلماء الميثاق ليبيننّه للناس ولا يكتمونه. قال: يا أبا حازم أوصني، قال:

نعم أوصيك وأوجز، نزّه الله وعظّمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، ثم قام، فلما ولّي قال: يا أبا حازم هذه مائة أنفقها ولك عندي أمثالها كثير، فرمى بها وقال: ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي، إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إيّاي هزلا وردّي عليك بذلا، إن موسى بن عمران ﵇ لما ورد ماء مدين: فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

(القصص:) فسأل موسى ربّه ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان ولم يفطن الرّعاء لما فطنتا له، فأتتا أباهما، وهو شعيب ﵇، فاخبرتاه خبره، قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعا، ثم قال لاحداهما: اذهبي ادعيه، فلما أتته أعظمته وغطّت وجهها ثم قالت: (إنّ أبي يدعوك ليجزيك) فلما قالت: ليجزيك أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا

(القصص:) كره موسى ﵇ ذلك، وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدّا من أن يتبعها لأنه كان في أرض مسبعة وخوف، فخرج معها وكانت امرأة ذات عجز، وكانت الرياح تضرب ثوبها فتصف لموسى ﵇ عجزها فيغضّ مرّة ويعرض أخرى، فقال: يا

أمة الله كوني خلفي، فدخل إلى شعيب والعشاء مهيأ، فقال: كل، فقال موسى: لا، قال شعيب: ألست جائعا؟ قال: بلى ولكنني أنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا، وأخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما. قال شعيب لا يا شابّ، ولكن هذا عادتي وعادة آبائي، قرى الضيف وإطعام الطعام، قال: فجلس موسى فأكل، فإن كانت هذه المائة دينار عوضا مما قد حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلّ منه، وإن كانت من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم وإلّا فلا حاجة لي فيها. إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتّقى، حيث كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلمّا نكسوا وتعسوا وسقطوا من عين الله وآمنوا بالجبت والطّاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم، وشاركوهم في دنياهم وشركوا معهم في فتنتهم. قال ابن شهاب: يا أبا حازم، وإياي تعني أو بي تعرّض، قال: ما إياك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع، قال سليمان: يا ابن شهاب تعرفه؟ قال: نعم جاري منذ ثلاثين سنة ما كلّمته كلمة واحدة قط، قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أحببت الله لأحببتني، قال ابن شهاب: يا أبا حازم تشتمني؟ قال سليمان:

ما شتمك ولكن أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقا كحقّ القرابة؟ فلما ذهب أبو حازم قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟ قال: لا.

- جاء ابن لسليمان بن عبد الملك حتّى جلس إلى جنب طاووس

ابن كيسان، فلم يلتفت إليه فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، فقال: أردت أن يعلم إنّ لله عبادا يزهدون فيما في يديه.

- قال مورق العجليّ: ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه.

- استقبل عامر بن عبد قيس رجل في يوم حلبة، فقال: من سبق يا شيخ؟ قال: المقرّبون.

- قال محمد بن واسع: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث، بلغة من عيش ليس لأحد عليّ فيها منّة ولا لله عليّ فيها تبعة، وصلاة في جماعة أكفى سهوها ويذخر لي أجرها، وأخ إذا ما اعوججت قوّمني.

- قال مكحول: إن كان في الجماعة الفضيلة، فإنّ في العزلة السلامة.

- قال واصل بن عطاء: المؤمن إذا جاع صبر وإذا شبع شكر.

- قال الحسن: إنكم ما تنالون ما تحبّون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تأملون إلّا بالصبر على ما تكرهون.

- وقال: إنّ أهل الدنيا وإن دقدقت بهم الهماليج ووطىء الناس أعقابهم، فإنّ ذلّ المعصية في قلوبهم.

- وقال: لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيم أبلاه، وعمره فيم أفناه، وماله فيم أنفقه ومن أين اكتسبه.

- قال محمد بن عمرو بن علقمة: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو يقول: ما أنعم الله على عبد بنعمة فانتزعها منه فعاضه في ذلك الصبر إلا كان ما عاضه الله أفضل مما نزع، ثم قرأ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ

(الزمر:).

- وكتب عمر إلى الجّراح بن عبد الله الحكمي، وهو عامله: إن استطعت أن تترك مما أحلّ الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرّم الله فافعل، فإنه من استوعب الحلال كلّه تاقت نفسه إلى الحرام.

- وقال عمر لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال خالد: يا أمير المؤمنين إن أقواما غرّهم ستر الله وفتنهم حسن الثّناء فلا يغلبنّك جهل غيرك بك علمك بنفسك، أعاذنا الله وإياك أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعمّا افترض الله تعالى متخلفين ومقصرين، وإلى الأهواء مائلين؛ فبكى ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى.

- قال جحدر بن ربيعة العكليّ:.

إذا انقطعت دنيا الفتى وأجنّهمن الأرض رمس ذو تراب وجندل
رأى أنّما الدنيا غرور وأنماثواب الفتى في صبره والتوكل
للشاعر جُحدُر العُكَلي، اقرأ القصيدة

- وقال الأخطل:

والناس همّهم الحياة ولا أرىطول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجدذخرا يكون كصالح الأعمال
للشاعر الأخطل، من قصيدة «لمن الديار بحائل فوعال»

- وقال آخر:

يعلّل والأيام تنقص عمرهكما تنقص النيران من طرف الزّند
للشاعر عبد هند الثعلبي، اقرأ القصيدة

- وقال آخر:

لكلّ أناس مقبر بفنائهمفهم ينقصون والقبور تزيد
هم جيرة الأحياء أما محلّهمفدان ولكنّ اللقاء بعيد

- وقال بشار:.

كيف يبكي لمحبس في طلولمن يبكّي لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلاعن وقوف برسم دار محيل

- وقال آخر:.

كل امرىء مصبّح في أهلهوالموت أدنى من شراك نعله
للشاعر أبو بكر الصديق، اقرأ القصيدة

- وقال عروة بن أذينة:.

نراع إذا الجنائز قابلتناويحزننا بكاء الباكيات
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
كروعة ثلّة لمغار سبعفلمّا غاب عادت راتعات
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

- وكان محمد بن إدريس الشافعي ﵁ من زهاد الفقهاء، روي عنه أنه قال: ما حلفت بالله قطّ لا صادقا ولا كاذبا.

- وروي عنه أنه كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلث للعلم، وثلث

للصلاة، وثلث للنوم.

- أما أبو حنيفة فكان يحيي نصف اللّيل، فلم يزل بعد ذلك يحيي كلّ الليل، وقال: أنا أستحيي من الله أن أوصف بما ليس فيّ من عبادته.

- وقال الربيع: كان الشافعيّ يختم القرآن في شهر رمضان ستين مرّة كل ذلك في الصلاة.

- وقال الشافعيّ: ما شبعت منذ ستّ عشرة سنة، لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.

- وسئل عن مسئلة فسكت فقيل له: ألا تجيب رحمك الله؟

فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب.

- وروي عن عبد الله بن محمد البلوي قال: كنت أنا وعمر بن نباتة جلوسا نتذاكر العبّاد والزهّاد فقال لي عمر: ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي، خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصّفا، وكان الحارث تلميذا لصالح المرّي، فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت، فقرأ:

هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ

(المرسلات:) فرأيت الشافعيّ وقد تغيّر لونه واقشعرّ جلده، فاضطرب اضطرابا شديدا وخرّ مغشيا عليه، فلمّا أفاق جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكذابين، وإعراض

الغافلين، اللهم لك خضعت قلوب العارفين، وذلّت هيبة المشتاقين، إلهي هب لي جودك وجللني بسترك، واعف عن تقصيري بكرم وجهك، قال: ثم قمنا وانصرفنا، فلمّا دخلت بغداد، وكان هو بالعراق، فقعدت على الشطّ أتوضأ للصلاة إذ مرّ بي رجل فقال لي: يا غلام أحسن وضوءك أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة، فالتفتّ فإذا أنا برجل يتبعه جماعة، فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو أثره، فالتفت إليّ فقال: هل لك من حاجة؟ فقلت:

نعم تعلّمني مما علّمك الله شيئا، فقال لي: اعلم أنّ من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرّت عيناه بما يرى من ثواب الله غدا، أفلا أزيدك؟ قلت: بلى، قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: من أمر بالمعروف وائتمر، ونهى عن المنكر وانتهى، وحافظ على حدود الله تعالى؛ ألا أزيدك؟ قلت: بلى، قال: كن في الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا، واصدق الله في جميع أمورك تنج مع الناجين، ثم مضى فسألت عنه من هذا؟ فقالوا: هو الشافعي.

- وسئل عن الرياء فقال على البديهة: الرياء فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء، فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم.

- وقال الشافعي ﵁ أيضا: إذا خفت على عملك العجب فاذكر رضا من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، وأي عقارب ترهب، وأي عافية تشكر، وأي بلاء تذكر، فإنك إذا فكرت في واحد من هذه الخصال صغر في عينك عملك.

- وكان الشافعيّ ممن يريد بالفقه وجه الله لا السمعة والرئاسة،

ولذلك قال: وددت أنّ الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إليّ منه شيء.

- وقال: ما كلّمت أحدا قطّ إلا أحببت أن يوفّق ويسدّد ويعان ويكون عليه رعاية من الله ﷿ وحفظ، وما كلمت أحدا قط وأنا أبالي أن يبيّن الله الحق على لساني أو على لسانه.

- وكان أبو حنيفة ﵁ طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة للناس؛ وذكر عند ابن المبارك فقال: أتذكرون رجلا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففرّ منها.

- قال الربيع بن عاصم: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى فضربه عشرين سوطا.

- وقيل لأبي حنيفة: قد أمر لك أبو جعفر أمير المؤمنين بعشرة آلاف درهم، قال: ما رضي أبو حنيفة. فلما كان في اليوم الذي توقّع أن يؤتى بالمال صلّى الصبح ثم تغشّى بثوبه فلم يتكلّم، فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال فدخل عليه فلم يكلّمه، فقال من حضر: ما يكلّمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة، أي هذه عادته، فقال: ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت، ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته، فقال لابنه: إذا متّ فادفنوني، وخذ هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن بن قحطبة فقل له: هذه

وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة، قال ابنه: ففعلت ذلك فقال الحسن: رحمة الله على أبيك لقد كان شحيحا على دينه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.