من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الخامس أخبار في السّياسة والآداب
- لما وضع كسرى أنوشروان الخراج على الأرض وأحكم أمره وقرّر الإتاوات على مجاوري أطراف مملكته، وأتت عليه ثماني وعشرون سنة لملكه جدّد النظر في ولايته، والعدل على رعيته وانصافهم وإحصاء مظالمهم. وكان أنوشروان ملك على ضعف ممن كان قبله، ولين انتشر به حبل الفرس وغلب عليهم مجاوروهم، قال أنوشروان: فأمرت موبذ كلّ ثغر ومدينة وبلد وجند بانهاء حالهم إليّ، وأمرت بعرض الجند: من كان منهم بالباب بمشهد مني، ومن غاب في الثغور والأطراف بمشهد القائد وباذوسبان والقاضي وأمين من قبلنا، وأمرت بجمع أهل كور الخراج في كلّ ناحية من مملكتي إلى مصرها مع القائد وقاضي البلد والكاتب والأمين، وسرّحت من قبلي من عرفت صحّته وأمانته ونسكه إلى كلّ مصر ومدينة ليجمعوا بين العمال وبين أهل أرضهم وبين وضيعهم وشريفهم، وأن يرفع الأمر كلّه على حقّه وصدقه، فما نفّذ لهم فيه أمر، أو صحّ فيه القضاء ورضي به أهله فرغوا منه هنالك، وما أشكل عليهم رفعوه إليّ، وبلغ من اهتمامي بتفقّد ذلك ما لولا الذي أداري من الأعداء
والثغور لباشرت ذلك بنفسي وتصفّحت الخراج والرعية قرية قرية وكلمت رجلا رجلا، غير أني خفت أن يضيع بذلك ما هو أكثر منه، والأمر الذي لا يغني فيه غنائي أحد مع ما في الشخوص إلى قرية قرية من المؤونة على الرعية وجندنا، وكرهنا إشخاصهم إلينا تخوفا أن نشغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم، أو يكون فيهم من يدخل عليه في ذلك مؤونة، وبلغنا أن أولئك الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا في الرعية، فأمرت بالكتب إلى قاضي كلّ كورة أن يجمع أهل كورته بغير علم عاملهم وأولي أمرهم، ويسألهم عن مظالمهم وما استخرج منهم ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه ويكتب حال [رجل] رجل منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضى من أهل تلك الكورة، ويبعث به إليّ. ونظرت في الكتب والمظالم فأية مظلمة كانت من العمال أو من وكلائنا أو من وكلاء أولادنا ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بيّنة، لضعف أهل الخراج وظلم أهل القوة من السلطان لهم، ولم يجعل الله لذوي قرابتنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحقّ والعدل، وأية مظلمة كانت لبعض الرعية من بعض ووضحت لنا، أمرت بانصافهم قبل البراح، وما أشكل أوجب الفحص عنه بشهود البلد وقاضيه، فسرّحت أمينا من الكتّاب، وأمينا من فقهاء ديننا، وأمينا ممن وثقت به من حاشيتنا، حتى أحكمت ذلك إحكاما وثيقا.
- وقيل إنّ أنوشروان لما تقلّد المملكة عكف على الصّبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره يقول: إن في إدمان الملك الشرب ضررا على الرعية، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة. فوقّع على ظهر الرقعة بما ترجمته: إذا كانت سبلنا آمنة، وسيرتنا عادلة، والدنيا باستقامتها عامرة،
وعمالنا بالحق عاملة، فلم نمنع فرحة عاجلة؟
اعترض عليه في ذلك فقيل: أخطأ في وجوه أحدها أنّ الإدمان إفراط، والإفراط مذموم، والآخر أنه جهل أنّ أمن السّبل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحقّ متى لم يوكل به الطّرف الساهر ولم يحظ بالعناية التامة، ولم يحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظر، دبّ إليها النقص، والنقص مزيل للأصل، مزعزع للدعامة، والآخر أنّ الزمان أعزّ من أن يبذل كله للهو والتمتع، فإنّ في تكميل النفس باكتساب الرشد لها، وإبعاد الغيّ عنها ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرا أو كان ما يدعو إليه الهوى كثيرا، والآخر أنه ذهب عليه أنّ العامة والخاصة إذا وقفت على استهتار الملك باللذات وانهماكه في طلب الشهوات ازدرته واستهانت به وحدّثت عنه بالأخلاق المذمومة، واستهانتهم للناظر في أمورهم والقيّم بشأنهم، متى تكررت على اللسان انتشرت في المحافل والتفت بها بعضهم إلى بعض، وهذه مكسرة للهيبة، وقلة الهيبة رافعة للحشمة، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة، والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قطّ، وليس ينبغي للملك الحازم أن يظنّ أنه لا ضدّ له ولا منازع، فقد ينجم الضد والمنازع من حيث لا يحتسب، وما أكثر خجل الواثق. وعلى الضدّ متى كان السائس ذا تحفّظ وبحث وتتبّع وحزم وإكباب على لمّ الشّعث وتقويم الأود وسدّ الخلل وتعرّف المجهول وتحقق المعلوم ودفع المنكر وبثّ المعروف، احترست منه العامة والخاصة، واستشعرت الهيبة والتزمت بينها النّصفة، وكفّت كثيرا من معاناتها ومراعاتها، فإن كان للدولة راصد للعثرة، يئس من نفوذ الحيلة فيها، لأنّ اللصّ إذا رأى مكانا حصينا، وعهد حراسا لم يحدّث نفسه بالتعرّض له، وإنما يقصد قصرا فيه ثلمة، أو بابا إليه طريق. والأعراض بالأسباب، فإذا ضعف السبب ضعف العرض، وإذا انقطع العرض انقطع السبب.
- لما حارب الإسكندر دارا بن دارا تقرّب إليه قائدان من قواد دارا بقتله على شرط لهما وبذل، فلما قتلاه وفّى لهما بالشرط والبذل ثم قتلهما وقال: لم تكونا شرطتما أنفسكما، وليس لقتلة الملوك أن يستبقوا إلّا بذمّة لا تخفر.
- ولما ملك الاسكندر بلاد الفرس هاب رجالهم لما رأى من كلامهم وعقولهم فهمّ بقتل أكابرهم، وكاتب أرسطاطاليس يستشيره فيهم، فنهاه عن قتلهم وقال: هذا من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم لأنبتت أرض بابل أمثالهم، وأشار عليه بأن يفرّق المملكة بين أولاد الملوك لتتفرّق كلمتهم ولا يدين بعضهم لبعض، ففعل ذلك. حتى أمكنه تجاوز بلاد فارس إلى أرض الهند والصين، وكانت نتيجة هذا الرأي أن ملك الفرس تقسّم بعد موت الاسكندر، فصار في ملوك الطوائف مدة خمسمائة واحدى عشرة سنة، إلى أن قام بالملك أردشير بن بابك فجمع المملكة بعد معاناة شديدة ومشقة عظيمة، وقال أردشير: نحن نضرب بسيف أرسطاطاليس مذ هذه المدة البعيدة.
- وقيل جلس الاسكندر يوما مجلسا عاما، فلم يسأل حاجة، فقال لجلسائه: والله ما أعدّ هذا اليوم من أيام عمري في ملكي. قيل: ولم أيها الملك، دامت لك السعادة؟ قال: لأنّ الملك لا يوجد التلذذ به إلا بالجود للسائل، والا باغاثة الملهوف، وإلا بمكافأة المحسن، وإلّا بانالة الطالب وإسعاف الراغب. قيل له: إنا نظنّ أنك أتعب الخلق وأنك لا تنام الليل ولا تنعم النهار ولا تجد لذة طعام ولا شراب، فقال: ليس كما ظننتم، إنّ الأمور التي أليها قد انقسمت لي بين مسموع بالأذن، وبين ملحوظ بالعين،
وبين مصروف بالرويّة، وبين مدبّر باللسان، وعناية النفس السائسة قد دبرت هذه الأشياء كلها، فما ينساق منها بقوتها على المراد والايثار أكثر مما ينساق منها بالاجتهاد والإجبار، وإني لأهمّ بالشيء فأكون كأني قد باشرته، وأومىء إليه فأكون كأني قد تقدمت فيه، وآمر به فكأني قد كفيته، وألبسه فأكون كأني قد فرغت منه، وربما وجدت في أموري ما يسبق أمنيتي ويزيد على اقتراحي، ولقد بلغت ما ترون فما أعيتني إيالة ولا أعوزتني آلة، وما نفعني كلام ككلام كتبه إليّ أرسطو معلمي، فإنه قال في رسالة: أيها الملك لا تنخدع للهوى وإن خيّل إليك أنّ في انخداعك له خداعه، فقد يسترسل الانسان في بعض الأشياء، وهو يظنّ أنه متحفّظ ليظفر بمطلوبه، فيعود إليه ذلك الاسترسال بأعظم الوبال، ويضمحلّ ذلك التحفظ كأنه لم يخطر ببال. واجمع في سياستك بين بدار لا حدّة فيه وريث لا غفلة معه، وامزج كلّ شيء بشكله حتى تزداد قوة وعزّة من ضده حتى تتميز لك صورته، وصن وعدك من الخلف فإنه شين، وشب وعيدك بالعفو فإنه زين، وكن عبدا للحقّ فعبد الحقّ حرّ، وليكن وكدك الاحسان إلى جميع الخلق، ومن الاحسان وضع الإساءة في موضعها، فإن للاحسان أهلا وإن لضده أهلا، وكن نصيح نفسك فليس لك أرأف بك منك، وإذا أشكل عليك أمر، واعتاص على حولك وجه، فاضرع إلى الله الذي قادك إلى هذه الغاية، فإنه يفتح عليك المرتج، ويتمّ لك المخدج، ويجعل لك في كلّ أمر أسهل المدخل والمخرج. وإذا أفاتك الله شيئا فاستيقن أنّ ذلك لسهو عرض لك في الشكر على ما أفادك، والشكر على النعمة هو أن تعترف بالنعم لله أولا، ثم تشرك عباده فيها ثانيا، ومهما أخطأك شيء فلا يخطئنّك الفكر في الرحيل عن هذا الحرى، فإنك إذا فكّرت فيه سلوت عن الفائت، وقلّ اعتدادك بالحاصل، وكما يعجبك من غيرك أن يصدقك فليعجبك أن تصدق نفسك حتى يقبل منها صدقها لك. وإذا تظاهر
الصدق بينكما ظهرت على جميع أوليائك ورعيتك. واجتنب الشراب فإنه وقود الشرّ، واللهو فإنه فوت العمر، ولا تجعل إحسانك ضربة فإنّ ذلك مغراة بالمنهيّ عنه، ولكن بتدريج يحفظ عليك اعتدالك، ومداراة تظهر عنك جمالك، والزم الخمص فأنه أذكر بالخصاصة، وأجلب للاعتدال، وأبعد من شبه البهيمة، وأدخل في مشاكلة الأشخاص السماوية.
- كتب ملك إلى ملك: بم انتظمت مملكتك، واستقامت رعيتك؟ فقال في الجواب: بثماني خصال: لم أهزل في أمر ولا نهي، ولا أخلفت موعدا ولا وعيدا قطّ، وعاقبت للجرم لا للحقد، وولّيت للغناء لا للهوى، واستملت قلوب الرعية من غير كره، وسهّلت الإذن من غير ضعف، وعممت بالقوت، وحسمت الفضول.
- طلب أهل يونان رجلا يصلح للملك بعد ملك لهم فذكروا رجلا، فقال فيلسوف لهم: هذا الرجل لا يصلح للملك، قالوا: ولم؟
قال: لأنه كثير الخصومة، وليس يخلو في خصومته أن يكون ظالما أو مظلوما، فإن كان ظالما لم يصلح للملك بظلمه، وإن كان مظلوما لم يصلح لضعفه، قالوا: صدقت، فأنت أولى بالملك منه، فملكوه.
- وكان المنصور يقول: الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي، على ما نال عثمان، وما نيل منه أعظم، ولنعم الرجل عمر بن عبد العزيز. والملوك أربعة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه حجّاجه، وهشام وكفاه مواليه، وأنا ولا كافي لي. ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة، من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة. وكان معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لوضع الأمور مواضعها. ولقد شاركت عبد الملك في قول كثير:.
يصدّ ويغضي وهو ليث عرينةوإن أمكنته فرصة لا يقيلها
- قيل لعمر بن الخطاب ﵁: ما لك لا تنام بالليل؟
فقال: لئن نمت بالليل لأضيّعنّ نفسي، ولئن نمت بالنهار لأضيّعنّ الرعية.
- وكان عمر رضوان الله عليه يقول: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف، والقوة في غير عنف.
- وكلّم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلّم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم، فإنه قد أخافهم حتى أخاف الأبكار في خدورهنّ، فقال عمر:
إني لا أجد لهم إلّا ذلك، إنهم لو يعلمون ما لهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي.
- وقال عمر ﵁: دلّوني على أحد أستعمله، قالوا:
كيف تريده؟ قال: إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا
كان أميرهم كان كأنه رجل منهم، قالوا: ما نعلمه إلّا الربيع بن زياد الحارثي قال: صدقتم هو لها.
- استشار عمر ﵁ عليّ بن أبي طالب ﵇ في الشخوص بنفسه إلى قتال الفرس، فقال له عليّ كرم الله وجهه: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعزّه وأيده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمّه، فإن انقطع النظام تفرّق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا؛ والعرب اليوم، وإن كانوا قليلا، كثيرون بالاسلام وعزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمّ إليك مما بين يديك. إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشدّ لكلبهم عليك وطمعهم فيك، فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإنّ الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فانا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وانما كنا نقاتل بالنّصر والمعونة.
- ومثل هذا الرأي ما ذكر أنه كرم الله وجهه حضّ أصحابه على الجهاد، فسكتوا مليّا، فقال: ما لكم أمخرسون أنتم؟ قال قوم منهم: يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك. فقال ﵇: ما لكم لا سدّدتم لرشد، ولا هديتم لقصد، أفي مثل هذا ينبغي أن أخرج؟ إنما يخرج في مثل هذا رجل
ممّن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم، ولا لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين، ثم أخرج في كتيبة اتبع أخرى أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ، وإنما أنا قطب الرحى تدور عليّ وأنا مكاني، فإذا فارقته استحار مدارها، واضطرب ثفالها؛ هذا لعمر الله الرأي السوء.
- لما حصر عثمان الحصار الأول اجتمع ناس إلى طلحة وطمع في الخلافة، وكان عليّ كرم الله وجهه بخيبر، فلما قدم أرسل إليه عثمان فكلّمه وأذكره بحقّه من الاسلام والقرابة والصّهر، فقال له: صدقت، وسيأتيك الخبر، ثم دخل المسجد فرأى أسامة جالسا فدعاه، فاعتمد عليه وخرج يمشي إلى طلحة، فلمّا دخل عليه وجد داره ممتلئة بالرجال، فقام عليّ وقال: يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟ فقال: يا أبا حسن أبعد ما مسّ الحزام الطبيين؟ فسكت عليّ وانصرف حتى أتى بيت المال فقال: افتحوا هذا الباب فلم يقدر على المفاتيح وتأخر عنه صاحبها، فقال: اكسروه، فكسر باب بيت المال، وقال: أخرجوا المال، وجعل يعطي الناس، فبلغ الذين في دار طلحة ما يصنع عليّ فجعلوا يتسلّلون إليه حتى ترك طلحة وحده، ثم أقبل طلحة يمشي إلى دار عثمان، فلما دخل عليه قال: أستغفر الله يا أمير المؤمنين وأتوب إليه، أردت أمرا فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا، الله حسيبك يا طلحة.
- وروي أن عليا وجد درعا له عند يهوديّ التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل لي أورق. فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين، فاتيا شريحا، فلمّا رأى شريح عليا قد أقبل تحرّف عن موضعه وجلس عليّ ﵇ فيه، ثم قال: لو
كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تساووهم في المجلس وألجئوهم إلى أضيق الطريق، فإن سبّوكم فاضربوهم، وان ضربوكم فاقتلوهم. ثم قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين؟
قال: درعي سقطت منّي وعرفتها، قال شريح: يا يهوديّ ما تقول؟ قال اليهوديّ: درعي وفي يدي، فقال شريح: صدقت، والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ولكن لا بدّ من شاهدين، فدعا قنبرا مولاه والحسن ابنه فشهدا إنّها لدرعه، فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك فلا نجيزها. فقال علي: ثكلتك أمّك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة؟ قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنّة؟ والله لأوجهنّك إلى بانقيا تقضي بين أهلها أربعين ليلة، ثم قال لليهودي: خذ الدرع. فقال اليهوديّ:
أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى عليه ورضي، صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل أورق لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فوهبها له وأجازه بتسعمائة، وقتل معه يوم صفين. وهذا الخبر يجمع معناه سياسة الدين والدنيا.
- قال أبو حاتم: حضرت بعض ولاة البصرة وكان جبارا (ولم يسمّه) فسمعت رجلا في مجلسه يقول: الأتباع يؤنسهم البشر، ويوحشهم الازورار، ويلمهم لين الجانب، ويفرّقهم عنف المعشرة، وازدحام الآمال لديك نعمة من الله عليك، فقابل النعمة بحسن المعاشرة تستدم ورادها، وتستدع نافرها.
قال: فما زلت أعرف موقع هذا الكلام من ذلك الوالي حتى افترقنا.
- نظر رجل من قريش إلى صاحب له قد نام في غداة من
غدوات الصيف طيّبة النسيم، فركضه برجله وقال: مالك تنام عن الدنيا في أطيب أوقاتها؟ نم عنها في أخبث حالاتها، نم نصف النهار لبعدك من الليلة الماضية والجائية، ولأنها راحة لما قبلها من التعب، وجمام لما بعدها من العمل، نمت في وقت الحوائج وتنتبه في وقت رجوع الناس، وقد جاء: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل.
- وكان رجل من العرب في الجاهلية إذا رأى رجلا يظلم ويعتدي يقول: فلان لا يموت سويا فيرون ذلك، حتى مات رجل ممن قال فيه ذلك سويّا، فقيل له مات فلان سويا، فلم يقبل حتى تتابعت الأخبار، فقال: إن كنتم صادقين إن لكم دارا سوى هذه تجازون فيها.
- قال زياد: ما غلبني معاوية بشيء من أمر السياسة إلّا في شيء واحد، قيل ما هو؟ قال: وليت رجلا دستميسان فكسر عليّ الخراج، وهرب فلحق بمعاوية، فكتبت إليه أسأله أن يبعث به، فكتب إليّ: أما بعد، فإنه ليس لمثلي ومثلك أن نسوس الناس بسياسة واحدة، أن نشتدّ عليهم جميعا فنخرجهم، أو نلين لهم فنمرجهم، ولكن تلي أنت الفظاظة والغلظة، وألي أنا الرأفة والرحمة، فإذا هرب هارب من باب وجد بابا يدخل فيه؛ ولقد نظر معاوية لنفسه واختار أخفّ السياستين وأحبّهما إلى الناس.
- ويشبه هذا ما روي عنه أنه قال: إذا لم يكن الهاشميّ جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأموي حليما لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزوميّ تيّاها لم يشبه قومه. فبلغ ذلك الحسن بن عليّ فقال: ما أجود ما
نظر لقومه، أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه، وأن يتيه بنو مخزوم فيبغضوا، وأن يحلم بنو أمية فيحبوا.
- قدم قادم على معاوية فقال له: هل من مغرّبة خبر؟ قال:
نعم، نزلت بماء من مياه العرب، فبينا أنا عليه أورد أعرابيّ إبله، فلما شربت ضرب على جنوبها وقال: عليك زيادا، فقلت له: ما أردت بهذا؟ فقال:
هي سدى ما قام لها راع منذ ولي زياد. فسرّ معاوية بذلك وكتب به إلى زياد.
- قال معاوية: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كنت إذا مدّوها خلّيتها وإذا خلّوها مددتها.
- كان معاوية يأذن للأحنف في أول من يأذن له، فأذن له يوما، ثم أذن لمحمد بن الأشعث، فجاء محمد فجلس بين معاوية وبين الأحنف، فقال له معاوية: لقد أحسست من نفسك ذلّا، إني لم آذن له قبلك ليكون في المجلس دونك، وإنّا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا ما يراد بكم، فإنه أبقى لنعمكم وأحسن لأدبكم.
- لما مات زياد وفد ابنه عبيد الله على معاوية فقال له: من
استخلف أخي على عمله بالكوفة؟ قال: عبد الله بن خالد بن أسيد. قال:
فعلى البصرة؟ قال: سمرة بن جندب. فقال له معاوية: لو استعملك أبوك استعملتك، فقال عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها أحد لي بعدك: لو ولاك أبوك وعمّك وليتك، فولّاه خراسان وأوصاه فقال: اتّق الله ولا تؤثر على تقواه شيئا، وق عرضك من أن تدنّسه، وإذا أعطيت عهدا فف به، ولا تبيعنّ كثيرا بقليل، وخذ لنفسك من نفسك، ولا يخرجنّ منك أمر حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردنّ عليك، وإذا لقيت عدوك فغلبك على ظهر الأرض فلا يغلبنّك على بطنها، وإن احتاج أصحابك إلى أن تواسيهم بنفسك فواسهم، ولا تطمعنّ أحدا في غير حقّه ولا تؤيسنّ أحدا من حقّ هو له.
- ونظر إلى يزيد وهو يضرب غلاما له فقال: لا تفسد أدبك بتأديبه.
- وكان زياد يجلس في كلّ يوم إلّا يوما واحدا في الجمعة، فيبدأ برسل عماله فينظر فيما قدموا له، ويسألهم عن بلادهم ويجيبهم عن كتبهم، ثم ينظر في نفقاتهم وفي نفقاتهم وفي أعطيات رجاله، ثم فيما دخل فيه من البياعات وفي الأسعار، ويسأل عن الأخبار، وينظر فيما يحتاج إليه: من حفر نهر، وإصلاح قنطرة، أو تسهيل عقبة، أو نقل طريق إلى غيره، ثم يأخذ في كتب العمال فيمليها بنفسه. وكان معاوية يفعل مثل ذلك سواء ولا يخالفه حتى كبر، فكان الضحاك بن قيس يملي وهو يسمع.
- بعث زياد إلى معاوية بهدايا مع عبيد الله أخي الاشتر النخعي، وفي الهدايا سفط فيه جوهرة لم ير مثلها، فقدم عبيد الله بالهدايا ثم
قال: يا أمير المؤمنين إن زيادا بعث معي بسفط ما أدري ما فيه، وأمرني أن أدفعه إليك في خلاء، فقال: أحضره، فلما فتحه قال: ما أظنّ رجلا آثر هذا على نفسه إلا سيؤثره الله تعالى بالجنة، ارجع به إليه فإنّ من قبله من المسلمين أحقّ بهذا من معاوية، ثم كتب الى زياد: إنك رفعت عليّ راية الأشتر حين وضعها الله، بعثت مع أخيه بسفط يشهد به عليّ عند أهل العراق، فاردده إليّ مع رجل لا يفقه عنّي ولا أفقه عنه، فردّه إليه زياد مع غلام من غلمانه.
- دخل عبد الملك بن مروان على معاوية فتحدّث ونهض، فقال معاوية: إنّ لهذا الغلام همة، وخليق أن تبلغ به همته، وإنه مع ما ذكرت تارك لثلاث آخذ بثلاث، تارك مساءة الجليس جدّا وهزلا، تارك لما يعتذر منه، تارك لما يعيبه، آخذ بأحسن الحديث إذا حدّث، وأحسن الاستماع إذا حدّث، وبأهون الأمرين إذا خولف.
- ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد فقال ابن الزبير: أنا أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، وتفكّر قبل أن تندم، فإنّ النظر قبل التقدم والتفكّر قبل التندّم؛ فضحك معاوية وقال:
تعلمت أبا بكر الشجاعة عند الكبر.
- قدّم رجل خصما إلى زياد في حقّ له فقال: أصلح الله الأمير
إنّ هذا يدلّ بخاصة منك. قال صدق، وسأخبرك ما ينفعه عندي من مودته، إن يكن الحقّ له عليك آخذك به أخذا عنيفا، وإن يكن الحق لك عليه أقض عليه ثم أقضي عنه.
وهذا في ظنّ زياد غاية العدل، والمستحسن الخالص ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يديّ على أيهما كان الحقّ فلا تمهلني طرفة عين.
- كان المنصور داهيا أريبا سديد الرأي، وكان مقدّما في علم الكلام مكثرا من كتب الآثار، فلما همّ بقتل أبي مسلم سقط بين الاستبداد برأيه والمشاورة فيه، فأرق ليلته في ذلك، فلما أصبح دعا باسحاق بن مسلم العقيلي وقال له: حدّثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحرّان، قال: أخبرني أبي عن الحضين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور ذو الاكتاف كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا من أدب الملوك وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجّهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما عجما يعظّمون الدنيا جهالة بالدين، وكان يقال: لكلّ ضعيف صولة، ولكلّ ذليل دولة. فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقّح، استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها فانتقل العزّ إلى أذلّهم والنباهة إلى أخملهم، فاشربوا له حبا، فلمّا استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم و [ما] أحال عليه [من] طاعتهم، ثم لم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، وكان يقال:.
وما قطع الرجاء بمثل يأستبادهه القلوب على اغترار
فصمّم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه. فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه يقول:.
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علّم الانسان إلا ليعلما
وأمر إسحاق بالخروج ثم دعا بأبي مسلم، فلمّا دخل إليه نظر إليه وقال:.
قد اكتنفتك خلّات ثلاثجلبن عليك محذور الحمام
خلافك وامتنانك يزدهينيوقودك للجماهير العظام
ثم وثب إليه ووثب حشمه بالسيوف، فلما رآهم أبو مسلم وثب، فبدره المنصور فضربه ضربة طرحه ثم قال:.
اشرب بكأس كنت تسقي بهاأمرّ في الحلق من العلقم
زعمت أنّ الدّين لا يقتضىكذبت فاستوف أبا مجرم
ثم أمر فحزّ رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا جولة ساعة ثم ردعهم عن شغبهم انقطاعهم عن بلادهم وإحاطة الأعداء بهم، فذلّوا وسلموا له، وكان إسحاق إذا رأى المنصور قال:.
وما أحذو لك الأمثال إلّالتحذو إن حذوت على مثال
وكان المنصور إذا رآه قال:.
وخلّفها سابور للناس يقتدىبأمثالها في المعضلات العظائم
- وكان المنصور أنفذ يقطين بن موسى لإحصاء ما في خزائن عبد الله بن علي لما حاربه أبو مسلم وهزمه، فقال أبو مسلم ليقطين: أيأمننا ابن سلامة على الدماء ولا يأمننا على الأموال؟! فكتب يقطين إليه:.
أرى جذعا إن يثن لا يقو ريّضعليه، فبادر قبل أن يثني الجذع
وكتب عيسى بن علي إلى المنصور لما همّ بقتل أبي مسلم:.
إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبّرفإن فساد الرأي أن تتعجلا
فأجابه المنصور:.
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمةفإن فساد الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرةوبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
- وخلا المنصور بيزيد بن أسيد، فقال: يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين أن تقتله وتتقرب إلى الله ﷾ بدمه، فو الله ما يصفو ملكك ولا تهنأ بعيش ما بقي. قال يزيد: فنفر مني
نفرة ظننت أنه سيأتي عليّ ثم قال: قطع الله لسانك، وأشمت بك عدوك، أتشير بقتل أنصح الناس لنا وأثقله على عدوّنا؟! أما والله لولا ما سلف منك وأني أعدّها هفوة من رأيك لضربت عنقك، قم لا أقام الله رجليك. فقال يزيد: فقمت وقد أظلم بصري، وتمنيت أن تسيخ بي الأرض. فلما كان بعد قتله بدهر قال لي: يا يزيد أتذكر يوم شاورتك في أمر العبد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وما رأيتني قطّ أدنى إلى الموت مني يومئذ، قال: فو الله لكان ذلك رأيي وما لا أشك فيه، ولكني خشيت أن يظهر منك فيفسد عليّ مكيدتي.
- وإنما اقتدى المنصور في قتل أبي مسلم، وعسكره مطيفون به، بعبد الملك بن مروان في قتل عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، فإنه لما قوي أمر عمرو والتمس أن يبايع له عبد الملك بالعهد بعده خافه عبد الملك على نفسه فاستدعاه، فحضر مخفّا في نحو مائة رجل من مواليه لا يخاف غيلة من عبد الملك، فلما دخل عمرو على عبد الملك أغلق الباب دونه وحجب مواليه، ووثب عبد الملك إليه في أصحابه وأولاده فذبحه، وهو يقول:.
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتيأضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وثار الجيش فأحدقوا بالدار وحاربوا، وضرب الوليد بن عبد الملك على رأسه، فألقى إليهم عبد الملك بدر الدراهم فاشتغلوا بلقاطها عن الحرب، ثم تفرقوا. ولما هدأت الفتنة تتبع عبد الملك البدر ممن التقطها فاستعادها. ولما قتل عمرا أذن للناس إذنا عاما فدخلوا عليه، وجثة عمرو في ناحية البيت، فلما أخذوا مجالسهم تكلم عبد الملك، فقال: ارمقوا بأبصاركم نحو مصارع أهل
المعصية، واجعلوا سلفهم لمن غيّر منكم عظة، ولا تكونوا أغفالا من حسن الاعتبار، فتنزل بكم جائحة السطوة، وتجوس خلالكم بوادر النقمة، وتطأ رقابكم بثقلها المعصية فتجعلكم همدا رفاتا، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتا. إياي من قول قائل وسفه جاهل، فإنما بيني وبينكم أن أسمع النعرة، فأصمّم تصميم الحسام المطرور، وأصول صيال الحنق الموتور، إنما هي المصافحة والمكافحة بظبات السيوف وأسنّة الرماح والمعاودة لكم بسوء الصباح فتاب تائب أو هلك خائب، والتّوب مقبول، والاحسان مبذول لمن أبصر حظّه وعرف رشده، فانظروا لأنفسكم وأقبلوا على حظوظكم، وليكن أهل الطاعة منكم يدا على ذوي الجهل من سفهائكم، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغد عيشها ونفيس زينتها، فإنكم من ذاك بين فضلين: عاجل الخفض والدعة، وآجل الجزاء والمثوبة. عصمكم الله من الشيطان وفتنته ونزغه، وأيّدكم بحسن معونته وحفظه، انهضوا رحمكم الله لقبض أعطياتكم غير مقطوعة عنكم، ولا ممنوعة منكم، ولا مكدّرة عليكم، إن شاء الله.
- ولما قتل المنصور أبا مسلم خطّأه في الرأي الفرج بن فضالة، وكان يتقلّد له بيت المال، وقد كان عمل لعبد الملك بن مروان، فقال له: لم لم تخطّىء صاحبك لما قتل عمرا، يعني عبد الملك، قال: لأنه قتله ودونه أبوابه ومغالقه، وحوله اثنا عشر ألفا من جنوده ومواليه، وقتلت أبا مسلم وأنت في خرق، وكلّ من حواليك إليه ومنه وله، فتمثل أبو جعفر:.
وما إن شفى نفسا كأمر صريمةإذا حاجة في النفس طال اعتراضها
- واقتدى المهتدي بالمنصور فكان ذلك سبب هلاكه، فإنه لما
زاد تبسّط بايكباك وتسلّطه، قبض عليه ليواقفه على أفعاله وهو لا يريد قتله، فجاشت الأتراك وحضروا الباب يطلبونه، فاستشار المهتدي صالح بن عليّ بن يعقوب بن المهدي بن المنصور، وكان ذا قعددهم، فقال: يا أمير المؤمنين، هو حديث أبي مسلم والمنصور، فلو فعلت كما فعل لسكنوا، فأمر بضرب عنقه ورمى رأسه إليهم، فتناخروا وشدّوا على الذي ألقى الرأس فقتلوه، وأضرموا حربا أجلت عن هزيمة المهتدي، ثم ظفروا به وقد هرب إلى دار وغيّر زيه، فأردفوه سائسا على بغل وخلعوا أصابعه حتى خلع نفسه ثم قتلوه.
- وكان المهتدي أمير صدق وصاحب نسك، لبس الصوف، وهمّ بافاضة العدل فحالت دونه الأتراك، وقصرت أيامه فلم يتمكن من مرامه، وكان يسمّى راهب بني العباس؛ تظلّم إليه رجل من بعض أسبابه فاحضره وحكم عليه بما صحّ عنده، فقام الرجل وشكره وقال: أنت يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى:.
حكمتموه فقضى بينكمأبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمهولا يبالي غبن الخاسر
فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما شعر الأعشى فما رويته، ولكني قرأت اليوم قبل خروجي إلى هذا المجلس قول الله ﷾: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
(الأنبياء:) فما بقي أحد في المجلس إلّا بكى.
- وجلس المهتدي يوما للمظالم فرفع إليه في الكسور، فسأل الكتّاب عنها فأخبر بها، فقال: معاذ الله أن ألزم الناس ظلما تقدّم العمل به أو تأخر، أسقطوا هذا الظلم وهذه الكسور عن الناس، فقام الحسن بن مخلد فقال: إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من مال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم، ومدّ بها صوته، فقال المهتدي: قد عرفت مذهبك في هذا وتحريضك الموالي بما ينقص من أموالهم، وما أمتنع من أن أقيم حقا لله تعالى وأزيل مظلمة قد تقدمت بها الأيام، ولو كان في ذلك كلّ حيف على بيوت الأموال، ولو نظر الموالي في أمرك وأمر نظرائك لأخذوا منك ما خوّفتهم أن يذهب مقداره من مالهم. فارتعد الحسن وأبلس، ثم كلّم المهتدي بعد ذلك فيه فرجع له.
- قال المنصور لابنه المهدي: يا بنيّ أشبع العباس بن محمد فإنك إن لم تشبعه أكلك؛ وكان العباس بن محمد من رجال بني هاشم وذوي آرائهم، قال للرشيد: يا أمير المؤمنين، إنما هو درهمك وسيفك فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك.
- وكتب إليه صاحب أرمينية: إن الجند شغبوا عليّ وكسروا أبواب بيت المال ونهبوه، فأمر بعزله ووقع في كتابه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا.
- وشغب الجند على عهد المأمون فوقع: لا يعطون على
الشغب، ولا يحوجون إلى الطلب.
- وقال للمهديّ حين عقد له: يا بنيّ استدم النعم بالشكر، والمقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع، والرحمة من الله ﷾ بالرحمة للناس.
- وقال له الربيع: إن لفلان حقا، فإن رأيت أن تقضيه وتولّيه ناحية، فقال: يا ربيع إن لاتصاله بنا حقا في أموالنا لا في أعراض المسلمين وأموالهم، إنا لا نولّي للحرمة والرعاية بل للاستحقاق والكفاية، ولا نؤثر ذا النسب والقرابة على ذوي الدراية والكفاية، فمن كان منكم كما وصفنا شاركنا في أعمالنا، ومن كان عطلا لم يكن لنا عذر عند الناس في توليتنا إياه، وكان العذر في تركنا له، وفي خاصّ أموالنا ما يسعه.
- وقد قال المأمون في مثل ذلك: واقتصر الأعمال للكفاة من العمّال، وقضاء الحقوق على بيت المال.
- وقال المنصور: لا تنفّروا أطراف النعم بقلة الشكر فتحلّ بكم النقمة. ولا تسرّوا غشّ الأئمة فإنّ أحدا لا يسرّ منكرا إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه وطوالع نظره، وإنا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقّنا ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا عروة هذا القميص أوطأنا أمّ رأسه خبيء هذا الغمد.
- أهوى هشام بن عروة إلى يد المنصور ليقبّلها فقال له: يا أبا
المنذر إنا نكرمك عنها ونكرمها عن غيرك.
- وكان المأمون أفضل خلفاء بني العباس علما وحلما وبيانا وسياسة وجودا؛ قال سهل بن هارون: ما رأيت أنطق من المأمون، وقال سهل يوما، وهو عند المأمون: من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال، فقال المأمون: قد يسمّي الناس الشيء علما وليس بعلم، فإن كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه، ولو قلت: إنّ العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا تستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فإذا كان الأمر كذلك فابدأوا بالأهم فالأهم، وابدأوا بالفرض قبل النفل، كان ذلك عدلا وقولا قصدا. وقد قال بعض العلماء: اقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى إلى نفسك وأخفّ على قلبك، فإن نفاذك فيه على قدر شهوتك له وسهولته عليك. وقال بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته والوقوف على نهايته، ولكن التماس ما لا يسع جهله. وقال آخرون: علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه، وعلم التجار الحساب والكتاب، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير. فأما أن تسمّي الشيء علما ثم تنهى عنه من غير أن يكون يشغل عما هو أنفع منه، بل تنهى نهيا جزما وتأمر أمرا حتما، والعلم بصر وخلافه عمى، والاستبانة للشرّ ناهية عنه والاستبانة للخير آمرة به، فلا.
- ولما دخل عليه المرتدّ الخراسانيّ، وقد كان حمله معه من
خراسان حتى وافى به العراق، قال له المأمون: لأن أستحييك بحقّ أحبّ إليّ من أن أقتلك بحقّ، ولأن أقتلك بالبراءة أحبّ إليّ من أن أقتلك بالتهمة، وقد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيا، وكنت فيها أنتج وأيامك فيها أطول، فاستوحشت مما كنت به آنسا، ثم لم تلبث أن رجعت عنّا نافرا، فخبّرنا عن الشيء الذي أوحشك من الشيء الذي صار آنس لك من إلفك القديم وأنسك الأول، فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة، وان أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك باللائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، أو ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصّر في اجتهاد ولم تفرّط في الدخول في باب الحزم. قال المرتدّ: أوحشني كثرة ما رأيت من الاختلاف فيكم. قال المأمون: لنا اختلافان، أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك، وليس هذا باختلاف وانما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذّن مثنى وأقام مثنى لم يؤثّم من أذن مثنى وأقام فرادى، لا يتعايرون ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بيانا؛ والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا وتأويل الحديث عن نبينا ﷺ، مع إجماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والانجيل متفقا على تأويله، كما يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك ألا ترجع إلّا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا
من الدين والدنيا دفع لنا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله تعالى الدنيا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله واحد لا ندّ له ولا ولد، وأنّ المسيح عبده، وأنّ محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين حقا. فالتفت المأمون إلى أصحابه وقال: فروا عليه عرضه ولا تبرّوه في يومه هذا، ريثما يعتق إسلامه كي لا يقول عدوّه إنه أسلم رغبة، ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيسه ونصرته والعائدة عليه.
- وناظر المأمون يوما محمد بن القاسم النوشجاني، فجعل يصدّقه ويغضي له، فقال له المأمون: تنقاد إلى ما تظنّ أنه يسرني قبل وجوب الحجة عليك، ولو شئت أن أقيس الأمور بفضل بيان وطول لسان وأبهة الخلافة وسطوة الرئاسة لصدّقت وإن كنت كاذبا، وصوّبت وإن كنت مخطئا، وعدّلت وإن كنت جائرا، ولكنّي لا أرضى إلا بإزالة الشبهة وغلبة الحجّة، وإن شرّ الملوك عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم: صدق الأمير.
- وكان المأمون يقول: إذا وضحت الحجة ثقل عليّ استماع المنازعة فيها.
- وقال أحمد بن أبي دواد، قال المأمون: لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين ملوكهم وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة واجتهاد ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى لا يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا رغبة في ماله أو رغبة في بعض ما لا تجود النفس به،
ولعلّ الحسد والملالة وشهوة الاستبدال اشتركت في ذلك منه؛ وهناك جنايات في صلب الملك أو في بعض الحرم فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ويحتجّ لتلك العقوبة بما يستحقّ ذلك الذنب ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد، على علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة ولا معروف عند أكثر الخاصة.
ولعلّ المأمون أراد العذر بهذا الكلام عما كان يتّهم به من قتل الفضل بن سهل وينسب إليه من الوضع عليه. وان صحّ ذلك فمأخوذ من رأي رآه الرشيد في يحيى بن خالد فلم يتم له؛ قال يزيد بن مزيد، قال لي الرشيد: ما بقي في العرب من يفتك؟ قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: رجل يقتل لي يحيى ابن خالد، قال قلت له: أنا أقتله وآتيك برأسه. قال: ليس كذا أريد، إنما أريد أن يقتله رجل فأقتله به، قال: فحدّثت به الفضل بن سهل بمرو فوجم واغتمّ.
- نزل رجل من أهل العسكر فعدا بين يدي المأمون وشكا إليه مظلمته، فأشار بيده: حسبك، فقال له بعض من كان يقرب من المأمون:
يقول لك أمير المؤمنين اركب، قال له المأمون: لا يقال لمثل هذا اركب، إنما يقال له: انصرف.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع