من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الخامس أخبار في السّياسة والآداب (٢)
- بينا الحسن اللؤلؤيّ يحدّث المأمون ليلا بالرقّة، وأطال الحسن
الحديث فنعس المأمون، فقال الحسن: نعست يا أمير المؤمنين، ففتح المأمون عينه وقال: سوقيّ وربّ الكعبة، يا غلام خذ بيده.
ولولا أن يخرج الكتاب عن فنّه لذكرت من محاسن المأمون في أخباره وأفعاله ما يغني عن أخبار غيره، ولكني أورد من أخبار كلّ ذي أدب وسياسة طرفا.
- لما ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان، قال له: إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا، فلا تتكلنّ على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك، وإياك منّي قبل أن أقول إياي منك، فإن الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك، وأنت في أدنى حظّك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك فلا تريحنّ نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك حديث غدك.
- بلغ عبد الملك بن مروان أنّ عاملا له قبل هدية، فسأله عن ذلك فقال: بلادك عامرة، وخراجك وافر، ورعيتك راضية؛ قال:
أخبرني عمّا سألتك، قال: قد قبلت، قال: لئن كنت قبلتها ولا تنوي لصاحبها مكافأة إنك للئيم، وإن كنت قبلتها لتستكفي رجلا عاجزا إنك لخائن، ولئن كنت قبلتها وأنت مضمر تعويض صاحبها لقد بسطت ألسن أهل عملك بالقدح فيك، وذلك جهل، وما في من أتى أمرا لم يخل فيه من لؤم وخيانة وجهل مصطنع؛ وعزله.
- شبب النّمريّ بزينب بنت يوسف أخت الحجاج، وله فيها أشعار وأخبار ليس هذا موضعها، فكتب إليه عبد الملك: قد بلغني ما قال هذا الخبيث، فإياك أن تقرّبه فتطمعه، أو تعاقبه فتصدقه، ولكن اله عنه وتناس أمره. وما أحسن ما لقنه السياسة في هذا المضيق.
- وقد فعل معاوية بأبي دهبل الجمحيّ لما شبّب بابنته مأثورا من السياسة أيضا. وكان أبو دهبل ألحّ على عاتكة بنت معاوية بالشعر حتى سارت الرواة بما قال فيها، فأشار عليه يزيد بقتله، فقال معاوية: أفّ لك، أنا أرشّحك للخلافة وأنت تشير بهذا الرأي، وإن عملت به حققت عليها قوله.
ثم حجّ معاوية فلما دخل عليه الناس أمر بالعطاء لهم، وفرّق فيهم الصلات وفيهم أبو دهبل، فلما أراد الخروج استعاده بعد خروج الناس، وقال له: مالي رأيت أبا خالد- يعني يزيد ابنه- متغيّظا عليك لأبيات لا تزال تأتي منك إلى حصاننا؟! فأسقط في يده وأنكر، فقال له معاوية: أما أنا فلا بأس عليك مني، ولكني أحذّرك يزيد فله سورة الشباب، ثم قال له: هل لك زوجة؟
قال: لا، قال: فأيّ بنات عمّك أحبّ إليك أزوجكها؟ قال: فلانة، فما برح حتى زوّجه إياها وساق مهرها من ماله، فحلف أبو دهبل ألا يذكر عاتكة في شعره أبدا. وله مع عاتكة هذه أخبار ليس هذا موضعها.
- لما ندب الفضل بن سهل طاهر بن الحسين للشخوص إلى الريّ عند حرب عليّ بن عيسى بن ماهان رآه متثاقلا فقال له: أمنيتك؟
قال: أمنيتي أن أخطب على منبر بوشنج، ويكون في صندوقي مائة ألف درهم، فولاه بوشنج وأمر له بمائة ألف درهم، وتركه أياما ثم دعاه إلى الشخوص فأجابه، قال الفضل: إذا نال الرجل المنى خاض الدماء.
- لما ولي يزيد بن الوليد بن عبد الملك الخلافة خطب يستميل الناس فقال، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الوليد ومعايبه: أيها الناس، إن لكم عليّ أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا أجمّركم على بعوثكم فأفتنكم وأفتن عليكم أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما عليهم عن بلادهم، وإن لكم أعطياتكم عندي في كلّ سنة، وأرزاقكم في كلّ شهر، حتى تستدرّ المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أوف فلكم أن تخلعوني، إلّا أن تستتيبوني، فإن تبت قبلتم مني، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته. أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد، وانما الطاعة طاعة الله ورسوله، فمن أطاع فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى معصيته فهو أهل أن يعصى ويقتل. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
هذا قول حسن وإنصاف فيما له وعليه إلّا أنّ فيه لمن يريد الملك ويقتل عليه ابن عمه ويطلب الخلافة بغير حقّها ضعفا وعجزا.
- قال الحجاج: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافهم.
(وما أحسن هذا الكلام لو كان من أهله).
- وقد فعل الوليد بن يزيد، وهو الذي شهد عليه أهل عصره بالمروق عن الدين، حين ولي أصناف الخير من بثّ الصّلات والزيادة في الأعطيات، وأجرى على الزّمنى والعميان وأخدمهم وأجرى على خدمهم الأرزاق. وكذاك كانت سياسة الملوك والولاة وإفضالهم رأيا وحزما إذا لم يكن دينا وورعا.
- أول ظهور أبي مسلم صاحب الدولة باسفيذنج من أرض خراسان ندب إليه نصر بن سيار عامل خراسان مولى له يقال له يزيد في عسكر كثيف، فأنفذ إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعيّ ومصعب بن قيس في مائتي رجل، وأمدّهم من بعد بمدد آخر، فلما وقعت الحرب كسر جيش نصر بن سيار، وأخذ يزيد أسيرا، فأتى به أبو مسلم فداواه أبو مسلم من جراحه، وأحسن إليه وردّه إلى مولاه، وأحلفه أن لا يحاربه أبدا، وأن لا يكذب عليهم وقال: هذا يردّ عنا أهل الورع والصلاح فانا عندهم على غير الاسلام، فكان كما قال وظنّ، وكان هذا الفعل يعدّ من تدبير أبي مسلم الصائب، وكتب نصر ابن سيار إلى بني أمية حينئذ:
أرى خلل الرماد وميض جمروأحسب أن سيتبعه ضرام
فإن النار بالعودين تذكىوإن الحرب أوّلها كلام
فقلت من التعجب ليت شعريأأيقاظ أميّة أم نيام
- قال مروان بن الحكم لابنه يوصيه: آثر الحقّ وحصّن مملكتك بالعدل فإنه سورها المنيع الذي لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق.
- وروي أن عامل عمر بن عبد العزيز على حمص كتب إليه:
إن سورها قد استهدم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في عمارته، فكتب إليه عمر: أما بعد، فحصّنها بالعدل، والسلام.
- وذكر عمر بن الخطاب ﵁ عند عبد الملك فقال:
قللوا من ذكره فهو طعن على الأئمة، حسرة على الأمة.
- وقالت له حبّى المدنيّة: أقتلت عمرا؟ فقال: قتلته وهو أعزّ عليّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول.
- ومثله ما قال معاوية لعبيد الله بن زياد: يا ابن أخي، احفظ عني، لا يكوننّ معك في عسكرك أمير غيرك، ولا تقولنّ على منبرك قولا يخالفه فعلك.
- وأقبل رجل من خاصّة عبد الملك يعيب مصعبا، فنظر إليه عبد الملك نظر كراهة لما قال، ثم قال: أمسك، أما علمت أنّ من صغّر مقتولا فقد أزرى بقاتله؟!
- تغدّى سليمان بن عبد الملك عند يزيد بن المهلب فقيل له:
صف لنا أحسن ما كان في منزله، فقال: رأيت غلمانه يخدمون بالاشارة دون القول.
- لما ولي مروان بن محمد الخلافة أرسل الى ابن رغبان الذي نسب إليه بعد ذلك مسجد ابن رغبان ليولّيه فرأى له سجّادة مثل ركبة البعير، فقال له: يا هذا إن كان ما بك من عبادة فما يحلّ لنا أن نشغلك، وإن كان من رياء فما يحلّ لنا أن نستعملك.
- وقال عدي بن أرطاة لإياس بن معاوية: دلّني على قوم من القراء أولّهم؟ فقال له إياس: القراء ضربان: فضرب يعملون للآخرة ولا يعملون لك، وضرب يعملون للدنيا، فما ظنّك بهم إذا أنت أمكنتهم منها؟
قال: فما أصنع؟ قال: عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولّهم.
- أحضر الرشيد رجلا ليوليه القضاء، فقال: إنّي لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه، فقال الرشيد: فيك ثلاث خلال، لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولك حلم يمنعك من العجلة، ومن لم يستعجل قلّ خطؤه، وأنت رجل تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فسنضمّ إليك من تفقه به. فولي فما وجدوا فيه مطعنا.
- كلّم المنصور أبا العباس السفاح في محمد بن عبد الله بن الحسن وأهله فقال: يا أمير المؤمنين أنّسهم بالإحسان، فإن استوحشوا فالشرّ يصلح ما عجز عنه الخير، ولا تدع محمدا يمرح في أعنّة العقوق. فقال: يا أبا جعفر أنا كذلك، ومن شدّد نفّر ومن لان تألّف، والتغافل من سجايا الكرام.
وما أحسن ما قال الأعشى.
مغض على العوراء لولا الحلم غيّرها انتصاره
- كان المهديّ يحب الحمام، فأدخل عليه عتاب بن إبراهيم، فقيل له حدّث أمير المؤمنين، وكان قد بلغه استهتار المهدي بالحمام فقال:
حدثني فلان عن فلان عن أبي هريرة رفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: لا سبق إلّا في حافر أو جناح، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام [قال] المهدي وهو ينظر في قفا عتّاب: أشهد أن قفاك قفا كذّاب على رسول الله ﷺ، وإنما استحليت ذلك أنا، وأمر بالحمام فذبحت.
- اعتلت الخيزران فأراد الهادي ابنها الركوب إليها، فقال له عمر ابن بزيع: ألا أدلّك يا أمير المؤمنين على ما هو أنفع من عيادتها وأجلب لعافيتها؟ قال: بلى، قال: تجلس للمظالم، فقد احتاج الناس إلى ذلك.
فرجع وجلس ووجّه إليها: إني أردتك اليوم فعرض من حقّ الله ما هو أوجب فملت إليه، وأنا أجيئك في غد، إن شاء الله.
- وكانت الخيزران تتشبّه بالرجال وتحبّ الأمر والنهي، وأن يكون لها باب يقصد بالرغبات والمدائح، فقال لها الهادي لما ولى الخلافة: إن الأمر والنهي لا يبلغه قدر النساء، فلا تخرجي من خفر الكفاية الي بذلة التدبير، واختمري بخمرتك وعليك بسبحتك، ولا أعلمك تعدّيت ذلك إلى تكليف يضرّك وتعنيف يلزمك، ولك بعد هذا عليّ الطاعة التي أوجبها الله تعالى لك، في غير كفر ولا مأثم ولا عار.
- شغب الجند على الرشيد ثم سكنوا بعد إيقاع بهم، فصعد المنبر وقال بعد حمد الله والصلاة على رسوله: اما بعد، فقد كان لكم ذنب وكان منّا عتب، وكان منكم اصطلام ومنّا انتقام، وعندي بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين، والإحسان إلى المحسنين، والتغمّد لإساءة المسيئين، وأن لا يكفر لكم بلاء، ولا يحبس عليكم عطاء، وعليّ بذلك الوفاء، ثم نزل.
- كان سبب خروج المعتصم إلى سرّ من رأى أن غلمانه الأتراك كثروا ببغداد، فتولعوا بحرم الناس وأولادهم، فاجتمع إليه جماعة منهم وقالوا: يا أمير المؤمنين ما أحد أحبّ إلينا مجاورة منك، لأنك الامام والمحامي عن الدين، وقد أفرط علينا أمر غلمانك، فاما منعتهم منّا أو نقلتهم عنّا، قال: نقلهم لا يكون إلا بنقلي، ولكنّي افتقدهم وأزيل ما شكوتم منه، فنظر فإذا الأمر قد زاد وعظم وخاف أن يقع بينهم حرب، وعاودوه بالشكوى وقالوا: إن قدرت على نصفتنا وإلا فتحوّل عنّا، فقال، أتحول وكرامة، فرحل إلى سرّ من رأى واتخذها دارا.
- لما أقطع المعتصم أشناس ضياع الحسن بن سهل، وجّه الحسن بقبالاتها إلى أشناس، وكتب إليه: قد عرفت رأي أمير المؤمنين في إخلاصك بهذه الضياع وأحببت أن لا يعترض على عقبك عقبي، فأنفذت إليك قبالاتهم معتدّا في قبولكها بإسباغ النعمة عليّ، وادخار الشكر لديّ، ومتقرّبا به إلى سيدي أمير المؤمنين، فرأيك في الامتنان عليّ بقبولها، موفقا إن شاء الله. فلما قرأ الكتاب أنفذه إلى المعتصم فوقّع فيه: ضيم فصبر، وسلب فعذر، فليقابل بالشكر على صبره، وبالاحسان على عذره، وتردّ عليه ضياعه، ويرفع عنه خراجه، ولا أؤامر فيه إن شاء الله.
- وكان المعتصم يقول: الفضل بن مروان عصى الله وأطاعني، فسلّطني الله عليه.
- وقال لأحمد بن [أبي] دواد لما كان [من] التياث العباس ابن المأمون ما كان: يا أبا عبد الله أكره أن أحبسه فأهتكه، وأكره أن أدعه فأهمله، فقال أحمد: الحبس، أصلح الله أمير المؤمنين فإن الاعتبار خير من الاغترار.
- وقيل ما رؤي أشدّ تيقظا في حرب من المعتصم، كانت الأخبار ترد عليه من أرض بابل إلى سرّ من رأى في ثلاثة أيام على خيل عتاق مضمّرة، قد أقام على كلّ فرسخين فرسين. واحتاج الناس في حصار عمورية
إلى ماء فمدّ لهم حياضا من أدم عشرة أميال. ولما دخل عليه المازيار، وكان شديد الغيظ عليه، قيل له: لا تعجل عليه فإن عنده أموالا جمّة، فأنشد بيتا لأبي تمام.
إن الأسود أسود الغاب همّتهايوم الكريهة في المسلوب لا السّلب
- قال إبراهيم بن المدبّر: قال لي المتوكل: إذا خرج توقيعي إليك بما فيه مصلحة الناس ورفق بالرعية فأنفذه ولا تراجعني فيه، وإذا خرج إليك فيه حيف على الرعية فراجعني فإنّ قلبي بيد الله ﷿.
- كتب الاسكندر إلى أرسطاطاليس يذكر أن في عسكره جماعة من خاصته وذوي حشمه وأهل الحرمة، وأنه لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعد هممهم وقوة شجاعتهم وأنه لا يجد لهم عقولا تفي بالفضائل التي فيهم، ويكره الإقدام بالقتل عليهم بالظنّة مع واجب الحرمة، وسأله عن الرأي في أمرهم، فكتب إليه أرسطاطاليس: أما بعد فإن الوفاء من بعد الهمة، وأما شجاعتهم ونقصان عقولهم عن الوفاء بها، فمن كانت هذه حاله فرفّهه في معيشته وقوله، وخوّله حسان النساء، فإنّ رفاهة العيش توهي العزم وتكسر حميّة الشجاعة، ومحبة النساء تحبّب السلامة وتباعد من ركوب المخاطر، وليكن خلقك خلقا حسنا تستدع به صفو النية وخلوص المقة، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوسط أصحابك تناول مثله، فليس مع الاستئثار محبة ولا مع المواساة بغضة.
- غضب الاسكندر على شاعر فأقصاه وفرّق ماله في الشعراء،
فقيل له في ذلك فقال: أما إقصائي إياه فلجرمه، وأما تفريقي ماله في الشعراء فلئلا يشفعوا فيه.
- كتب الاسكندر إلى أرسطاطاليس يعلمه بما افتتح من البلاد ويعجّبه من قبّة الذهب، وجدها في بلاد الهند، فأجاب: إني رأيتك تعجب من قبة عملها الآدميون، وتدع التعجب من هذه القبّة المرفوعة فوقك، وما زيّنت به من الكواكب وأنوار الليل والنهار. وأما البلدان فليكن ملكك فيها بالتودّد إلى أهلها، لا كقهر الراعي غنمه بالعصا، فإنك في طاعة المودة أحمد بدنا وعافية من طاعة القهر والاستطالة، فحدّث به المأمون فقال: لقد حثّ على التودّد فأحسن، فلقد أدّبنا الله قبل معرفتنا بحكمة أرسطاطاليس: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
(آل عمران:).
- لما قتل شيرويه بن كسرى أباه أبرويز، وقف له رجل من الرعية يوما وقد رجع من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يديك، وملّكك ما كنت أحقّ به منه، وأراح آل ساسان قتل من جبروته وعتوّه وبخله ونكده، فإنه كان ممن يأخذ بالحبة ويقتل بالظنّ، ويخيف البريء ويعمل بالهوى؛ فقال للحاجب: احمله إليّ، فقال: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز؟ قال: في كفاية من العيش. قال: فكم رزقك اليوم؟ قال: ما زيد في رزقي شيء، فقال: هل وترك أبرويز فأبصرت منه مما سمعت من كلامك؟
قال: لا، قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك رزقا، ولا وترك في نفسك؟ وما للعامة وهم رعية والوقوع بالملوك؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: بحقّ ما يقال: ان الخرس خير من البيان بما لا يجب.
- ولما أتي المنصور برأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فوضع بين يديه جاء بعض الراوندية فضرب الرأس بعمود في يده، فقال المنصور للمسيّب: سوّ وجهه، فدقّ المسيّب أنفه حتى سطّحه مع وجهه، ثم قال:
يا ابن اللخناء تجيء إلى رأس ابن عمي وقد صار إلى حال لا يدفع عن نفسه ولا ينفع فتضربه بعمود، كأنك رأيته يريد نفسك أو نفسي فدفعته عني؟! اخرج إلى لعنة [الله] وأليم عقابه.
- قال حسن بن رجاء: لما ورد الخبر على المأمون بقتل أبي السرايا لم يكن في بيت ماله إلا ألف ألف ومائتا ألف درهم، قال ذو الرياستين للمأمون: هذا لا يسع الناس، ولكن صل بهذا المال حتى أخرج إلى الناس فآمر لهم به على قدر مراتبهم، فيكون القليل مني أحمد منه منك، ويكون الناس يتوقعون فضلك إلى أن تأتي الأموال فترى رأيك. ففعل فوقع أحسن موقع.
- أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتابا، فالتفت الحسن إلى الوزير ينتظر الإذن منه، ففهمها عنه المأمون فقال: يعطى الحسن مائة ألف لانتظاره إذن صاحبه.
- ركب زياد يوما بالسوس فرأى عمارة حسنة، فخاف أهلها أن يزيد في خراجها، فقال لهم: بارك الله عليكم قد وضعت عنكم مائة ألف لما رأيت عمارة بلدكم.
- دعا الواثق إسحاق بن إبراهيم المصعبي إلى منادمته فامتنع،
فتلاحيا في ذلك إلى أن تغيّر الواثق لإسحاق وأمر بحجابه، فكتب إليه إسحاق: يا أمير المؤمنين لئن أطلقتني الحشمة التي عقد بها لساني عن الانبساط لتغيره علي، لقد كان فيما عقد لي عليه قلب أمير المؤمنين ذبّ ان كان يؤمنني من امتهان العامة إياي. فرمى الواثق بكتابه إلى أحمد بن أبي دواد وقال: انظر ذا، فنظر ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما على من كانت هذه همته بذبّه عن أمير المؤمنين عتب، وهو يجد من أشخاص عوضا في منادمته، [فأبقاه] على رسمه وأعفاه من المنادمة.
- قال معاوية لسعيد بن مرة الكنديّ: أنت سعيد؟ قال:
أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرّة.
- وقال المأمون للسيّد بن أنس: أنت السيّد؟ فقال: أمير المؤمنين لسيد وأنا ابن أنس.
- وقال الحجاج للمهلب وهو يماشيه: انا أطول أم أنت؟
قال: الأمير أطول وأنا أبسط قامة.
- قال رجل لأبي خليفة الجمحي: ما أحسبك تثبتني؟
فقال: وجهك يدلّ على سنك، والإكرام يمنع من مسألتك، فأوجد السبيل إلى معرفتك.
- قال العتبيّ لأحمد بن أبي خالد الأحول: هل أنكرت عليّ يوم دخولي على المأمون شيئا؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: ضحك من شيء فكان ضحكك أكثر من ضحكه.
- قال محمد بن عبيد الله [بن يحيى] بن خاقان: بعثني أبي إلى المعتضد في شيء فقال لي: اجلس، فاستعظمت ذلك فقلت: إنه لا يجوز، فقال: يا محمّد، أدبك في القبول مني خير لك من أدبك في قيامك.
- قال المأمون لثمامة بن أشرس: ارتفع؟ قال: يا أمير المؤمنين لم يف شكري بموضعي هذا، وأنا أبعد عنك إعظاما لك، وأقرب منك شحا عليك.
- ومن أدب العلماء: قال بعض أصحاب أبي حنيفة، قال أبو حنيفة: لا تسألني عن أمر الدين وأنا ماش، ولا تسألني وأنا أحدّث الناس، ولا تسألني وأنا قائم، ولا تسألني وأنا متكىء، فإن هذه أماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل. قال: فخرج يوما فتبعته من حرصي أسائله ومعي دفتر، وأنا أمشي في الطريق، فلما خلوت عقلت ما يقول، فلما كان من الغد واجتمع إليه أصحابه سألته عن تلك المسائل فغيّر الجواب، فأعلمته ذلك
فقال: ألم أنهك عن السؤال وعن الشهادات في دين الله إلا في وقت جمام العقول؟
- وقيل: أراد أحمد بن طولون أن يكتب وثائق بأحباسه التي حبسها على البيمارستان والمسجد والسّقاية بمصر، فتولّى له كتب ذلك أبو حازم قاضي دمشق، فلما جاءت الوثائق أحضر لها علماء الشروط لينظروا هل فيها شيء يفسدها، فنظروها فقالوا: ما فيها شيء، ونظر فيها أبو جعفر أحمد بن محمد ابن سلامة الطحاوي الفقيه، وهو يومئذ شابّ، فقال: فيها غلط؛ فأحضره.
ابن طولون وسأله عن الغلط فقال: حتى أعرف من عملها، فقيل له: أبو حازم القاضي، فقال: ما يمكنني أن أذكر الغلط الذي فيها، فقال له أحمد ابن طولون: إن أنت لم تذكره لرسلي فاذكره لي، فقال: ما أفعل، قال:
ولم؟ قال: لأنّ أبا حازم رجل عالم وعسى أن يكون الصواب معه وقد خفي عليّ، فأعجب ذلك أحمد بن طولون وقرّبه وأجازه وقال له: فتخرج إلى أبي حازم لتواقفه، فخرج وواقفه عليه واعترف أبو حازم بالغلط، ثم رجع الطحاويّ إلى مصر وأدخل إلى ابن طولون، فقال: كان الصواب مع أبي حازم وقد رجعت إلى قوله، وستر ما كان، فذكر لابن طولون فزاد في نفسه.
- كان أحمد بن طولون شديد الاهتمام بأمر رعيته، وكان يجلس في الليل في قبة عالية من داره يتسمّع ويراعي أحوال مصر، فبينا هو ذات ليلة إذ سمع صياح كلب يصيح صياحا شديدا، فدعا بغلمانه وقال:
اسمعوا، فقالوا: نسمع صياح كلب. فقال: انظروا أين، فلم يزالوا ينظرون حتى قالوا: في ناحية كذا وكذا، فقال: عليّ بالكلب الساعة وسببه، فمضى الغلمان فلم يزالوا ينظرون حتى عرفوا الموضع فأخذوا الكلب، وإذا برجل نائم
في الظلام معه سكين، وإذا قوم يصيحون، فقالوا لهم: ما خبركم؟ فخرج إليهم شيخ فقال: هذا رجل يتعرّض ببعض حرمي، فأخذوا الكلب والرجل والشيخ وجاءوا بهم إلى أحمد بن طولون، فقال: اضربوا الكلب فضربوه فصاح فقال: هو هو، وأمر بالرجل فغرّق وانصرف الشيخ إلى منزله.
- وقال أحمد بن طولون لبعض كتابه: اختر لي كاتبا ترضاه وأتني به، قال: فأتيته به وتركته عنده ولم أعرف له خبرا، فلما كان بعد شهر جاءني، فقلت: من أين؟ قال: من أمر عظيم، لما انصرفت أرسلني إلى المطبق وقال لي: احفظ ما يقولون وإلى من يكتبون ومن يكتب إليهم. فأقمت شهرا بالمطبق حتى عرفت جميع ما كانوا فيه، ثم أحضرني اليوم وحدثته بكلّ شيء فأمر لي بجائزة وقال لي: انصرف.
- رفع إلى المعتضد أنّ طائفة من الناس يجتمعون في دكان رجل شيخ تبّان، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الأحاديث، وفيهم سراة وكتّاب وأهل بيوتات سوى من يسترق السمع منهم من داصة الناس، فلما عرف المعتضد ذلك حرج صدره وامتلأ غيظا، ودعا بعبيد الله بن سليمان ورمى بالرقعة إليه وقال له: انظر فيها وتفهمها، ففعل، ورأى من تربّد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره، وقال: قد فهمت يا أمير المؤمنين، قال: فما الدواء؟ قال: تتقدّم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم، فإن العقوبة إذا اختلفت كان الهول أشدّ والهيبة أفشى، والزجر أنجع، والعامّة أخوف، فقال المعتضد: لقد برّدت لهب غضبي بقسوتك هذه، ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة، وحضضت على الرفق من حيث أشرت
بالخرق، وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك، ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكفّ وتبعثني على الحلم وتحبّب إليّ الصفح، وترغّبني في فضل الاغضاء على هذه الاشياء، وقد ساءني جهلك بحدود العقاب، ولقد عصيت الله بهذا الرأي ودللت على قسوة القلب وقلّة الرحمة ويبس الطينة وقلّة الديانة. أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأن الله سائله عنها كيف سستها ولعله لا يسألها عنه، فإن سألها فلتوكيد الحجّة عليه منها؟ ألا تدري أن أحدا من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلم لحقه، أو داهية نالته أو نالت صاحبا له؟ وكيف نقول لهم كونوا أتقياء صالحين مقبلين على معاشكم غير خائضين في حديثنا ولا سائلين عن أمرنا، والعرب تقول في كلامها: غلبنا السلطان فلبس فروتنا وأكل خضرتنا، وحنق المملوك على المالك معروف، وإنما يحتمل السيد على ضروب تكاليفه ومكاره تصاريفه إذا كان العيش في كنفه رافغا، والأمل فيه قويا، والصدر عليه باردا، والقلب معه ساكنا، أتظن أنّ العلم بالجهل يدفع والعذر به يسع؟ لا والله، ما الرأي ما رأيت ولا الصواب ما ذكرت، وجّه صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق، معروفا بتحرّ وصدق، حتى يعرف حال هذه الطائفة ويقف على شان كل واحد منها في معاشه وقدر ما هو [متقلب فيه و] منقلب إليه، فمن كان منهم يصلح لعمل فعلّقه به، ومن كان سيء الحال فصله من بيت المال بما يعيد نضرة حاله، ويفيد طمأنينة باله، ومن لم يكن من هذا الرهط بل هو غنيّ مكفيّ، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبّان البطر والزهو فادع به وانصحه ولاطفه، وقل له: إن لفظك مسموع وكلامك مرفوع، ومتى وقف أمير المؤمنين على كنه ذلك منك لم تجدك إلّا في عرصة المقابر، فاستأنف لنفسك سيرة تسلم بها من سلطانك وتحمد بها عند إخوانك، وإياك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعد ما كان غيرك عظة لك، ولولا أن الأخذ بالجريرة الأولى مخالف
للسيرة المثلى لكان هذا الرأي الذي تسمعه ما تراه، تودّ لو أنك سمعته قبل أن تراه، فإنك يا عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة، وملكت طرفي المصلحة، وقمت على سواء السياسة، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة، ففعل عبيد الله ما أمره به.
- قال عبد الملك بن عمر الليثي: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، أتانا آت، فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرا على أهل العراق، فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامته قد غطّى بها أكثر وجهه، متقلّدا سيفا، متنكبا قوسا، يؤمّ المنبر، فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلّم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبّح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق، حتى قال عمير بن ضابىء البرجمي، ألا أحصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال:.
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني
وقال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى:
هذا أوان الشدّ فاشتدي زيمقد لفّها الليل بسّواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنمولا بجزّار على ظهر وضم
قد لفّها الليل بعصلبيّأبيض خرّاج من الدويّ
مهاجر ليس بأعرابيّ
قد شمّرت عن ساقها فشدّواوجدّت الحرب بكم فجدّوا
والقوس فيها وتر عردّمثل ذراع البكر أو أشدّ
إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز البنان. ولقد فررت عن ذكاء، وفتّشت عن تجربة، وإنّ أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجم عيدانها عودا عودا، فوجدني أمرّها عودا وأصلبها مكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضّلال. والله لأحزمنّكم حزم السّلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وإني والله ما أقول إلا وفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلّب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلّف بعد أخذ عطائه ثلاثة أيام إلا ضربت عنقه، يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين، فقرأ:
بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم، فلم يقل أحد شيئا، فقال الحجاج:
قف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال: أسلّم عليكم أمير المؤمنين فلم تردّوا عليه شيئا؟ هذا أدب ابن نهية، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمنّ الطريق، اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال:
أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني أفتقبله بدلا؟ فقال له الحجاج: نفعل يا شيخ، فلما ولّى قال له قائل:
أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا، قال: هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي يقول أبوه:.
هممت ولم أفعل وكدت وليتنيتركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان وهو مقتول فوطىء بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال: ردّوه. فلما ردّ قال الحجاج له: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين بدلا يوم الدار؟ إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين، يا حرسيّ اضربا عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزّبير الأسدي:.
تجهّز فاما أن تزور ابن ضابىءعميرا، وإما أن تزور المهلّبا
تفسير كلمات غريبة من هذا الخبر: أراد بابن جلا الفعل، فحكى، فلذلك لم يصرفه، والبيت لسحيم بن وثيل؛ طلاع الثنايا: جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها. حطم لا يبقي من السير شيئا وكذلك الذي يأتي على الزاد فيأكله حطم، والنار التي لا تبقي حطمة والوضم [ما] يوضع عليه اللحم من [صخر] أو خشب. والعصلبيّ: الشديد؛ الدويّ: كلّ غماء شديدة، ويقال للصحراء دوّيّة، وهي التي لا تكاد تنقضي، وهي منسوبة إلى الدوّ، وهو الصحراء الملساء التي لا أمارة بها، والداوية: المتسعة التي تسمع لها دويا بالليل، وإنما ذلك الدويّ من أخفاف الإبل تنفسح أصواتها فيها وتقول جهلة الاعراب ذاك عزيف الجن؛ والعردّ: الشديد ويقال في معناه عرند، والذكاء ها هنا تمام السنّ وهو في غير هذا حدّة القلب.
- ومن سياسة زياد المستحسنة أنه ألزم كلّ قبيلة بمن يخرج من الخوارج منهم وأخذهم بهم، فكانت كل قبيلة إذا أحسّت بخارجية منها شدّتهم وأتت بهم زيادا. وله أخرى في الخوارج، وأخرجوا معهم امرأة فظفر بها فقتلها ثم عرّاها، فلم تخرج النساء بعد ذلك على زياد، وكنّ إذا دعين إلى الخروج يقلن: لولا التعرية لسارعنا. وكنّ بعد زياد يخرجن مع الخوارج فيحاربن ويبارزن الرجال.
- نصب معاوية قميص عثمان على المنبر فبكى أهل الشام فقال:
هممت أن أدعه على المنبر، فقال له عمرو بن العاص: إنه ليس بقميص يوسف، وانهم إن طال نظرهم إليه وبحثوا عن السبب، وقفوا على ما لا تحبّ ولكن لذّعهم بالنظر إليه في الأوقات.
- ووصّى عمرو معاوية بالسياسة فقال: لا يكون شيء آثر عندك من أمر رعيتك، وتكون له أشدّ تفقدا منك لخصاصة الكريم أن تعمل في سدّها، ولطغيان اللئيم أن تقمعه، واستوحش من الكريم الجائع ومن اللئيم الشبعان، فإن الكريم يصول إذا جاع واللئيم يصول إذا شبع.
- كان الرشيد أخذ ضيعة من صالح صاحب المصلّى ودفعها إلى أم جعفر، فلما ولي الأمين سأله الفضل بن الربيع ردّها على صالح، فقال:
أنا أعوّضه ولا أظلم أمّي ولا أعقّ أبي.
- وقّع المأمون في قصة متظلم من أبي عيسى بن الرشيد فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
(المؤمنون:).
- قال المعتزّ لأحمد بن وزير البصريّ لما ولاه القضاء: يا أحمد قد ولّيتك القضاء وإنما هي الدماء والفروج والأموال تنفذ فيها حكمك ولا يردّ أمرك، فاتّق الله ﷿ وانظر ما أنت صانع.
- ولما جيء إليه بأمان وصيف وبغا من بغداد على دمائهم وأموالهم وأجاز ذلك، وقّع في الكتاب بخطه بين الأسطر: خلا ما فيها من حقّ لمسلم أو معاهد.
- دخل أبو مجلز على قتيبة وهو بخراسان، وهو يضرب رجلا بالعصا فقال: أيها الأمير إن الله جعل لكلّ شيء قدرا، ووقّت له وقتا، فالعصا للأنعام والهوامّ والبهائم العظام، والسوط للحدود والتعزير، والدرّة للأدب، والسيف لقتال العدوّ والقود.
- قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: وافاني كتاب المعتزّ وكتاب أحمد بن إسرائيل مع رسول ومعه رأس بغا، وفي الكتب أن أنصبه على الجانبين، فلم أفعل وكتبت: قد أوجب الله تعالى عليّ نصح أمير المؤمنين من جهات منها ما تقتضيه الديانة وتوجبه الأمانة، ومنها اصطناع آبائه لخدمهم من أسلافي، ومنها اختصاصه إياي بجميل رأي، ومع هذا فلم أكن لأذخر عنه رأيا مع ما أنا عليه من المناصحة والشكر، وإن الكتب وردت عليّ بنصب رأس بغا في الجانبين، وقد أخّرت ذلك إلى أن يعود إليّ الأمر بما أعمل عليه، وبغا فقد علمت أنه عدوّ أمير المؤمنين وعدوّك، وقد أراح الله تعالى منه بحيث لم تتّهموا فيه، وأخاف أن يتبعكم الأتراك عند أوّل شغبة به، ويطالبوكم بدمه، ويجعلوا ذلك ذريعة إلى إيقاع سوء. وكان الصواب عندي أن يغسله أمير المؤمنين ويصلّي عليه ويدفنه ويظهر حزنا ويقول: ما أحبّ أن يصاب صغير منكم ولا كبير، وقد غمّني أمر بغا، ولو وصل إليّ لزدت في مرتبته، وما يشبه هذا.
فورد عليّ كتاب أحمد بن إسرائيل يشكر ما كان منّي، ويحلف أنه سبقني إلى هذا الرأي واجتهد فيه، فما أمكنه إلا أن يفعل ما فعل، ولم يقبل قوله، وفي آخر كتابه: واعلم أنه قد حدث بعدك، وهو مما لا نعرفه نحن ولا أنت، رأي للحرم والخدم يقبل ويعمل عليه، وهذا فتح للخطأ وإغلاق للصواب، فانصب الرأس قليلا ثم أنفذه إلى خراسان.
- كتب الفضل بن الربيع إلى عبد الله بن سوار يسأله أن يشتري
له ضيعة فكتب إليه: إن القضاء لا يدنّس بالوكالة.
- قال بعض صحابة أبي العباس السفاح: غضب أبو العباس السفاح على بعض أصحابه فأبعده، فذكره ليلة من الليالي، فقلت: لو رآه أعدى خلق الله له لرحمه، قال: ممّ ذلك؟ قلت: لغضب أمير المؤمنين عليه، فقال: ما له من الذنب ما تبلغ به العقوبة هذا المبلغ، قلت: فمنّ عليه يا أمير المؤمنين برضاك، قال: ما هذا وقت ذاك. قلت: إنك يا أمير المؤمنين لما صغّرت ذنبه طمعت في رضاك. قال: إنه من لم يكن بين غضبه ورضاه مدة طويلة لم يحسن أن يغضب ولا يرضى.
- قال عبيد الله بن سليمان: كنت أكتب بين يدي أبي سليمان داود بن الجراح، فقال لي يوما: اكتب: أطال الله بقاءك وأعزّك وأكرمك وأتمّ نعمته عليك وإحسانه إليك، كتب الوكيل- أعزك الله- متّصلة بشكرك، والضيعة ضيعتك، وكلّ ما تأتيه في أمرها فموقعه يحسن منّي، وشكري يتضاعف عليه، وخطابا في هذا المعنى، وكانت هذه المخاطبة لا يخاطب بها إلا صاحب مصر أو فارس، فقلت: قد ابتاع ضيعة بأحد الموضعين؛ ثم أصلح الكتاب فقال: عنونه إلى الرخّجي، وكان يتقلّد النهروان الأوسط. ثم رمى إليّ كتابا لصاحب بريد فقال: وقّع عليه: أنت أعزّك الله تقف على ما تضمّنه هذا الكتاب، ولئن كان ما تضمنه حقا لأفعلنّ ولأصنعنّ، وخطابا أغلظ فيه، ثم قال عنونه إلى الرخّجي، فعجبت من الكتابين، وفطن لما في نفسي فقال: أظنّك قد أنكرت الخطابين، هذه ثناءتي خدمتها، وهذا حقّ سلطاني استوفيته.
- قال عليّ بن مخلد: كنت واقفا على رأس المنصور وأنا
غلام، فما رأيت ملكا ولا سوقة كان أفسح منه أخلاقا، ولا أقلّ ضربا وشتما لملك يمين، وكان ربّما دعا الغلام من غلمانه لبعض ما يحتاج إليه فيسمع نداءه فلا يجيبه، قال: فسمعته يوما يقول للربيع: ما أدري كيف أصلح غلماني وخدمي؟
أصوّت للواحد منهم أصواتا فلا يجيبني وأنا أعلم أنه قد سمع. قال: يا أمير المؤمنين، لنت لهم غاية اللين فلو غلظت عليهم بعض الغلظة استقاموا. فقال:
ابغني سوطا ومسمارا، فأتاه بهما فعلّق السوط تجاه مجلسه فكان إذا صاح بالخادم وافاه عشرون في لحظة، فقال: قاتل الله القائل:.
العبد يقرع بالعصاوالحرّ تكفيه الملامه
- قال الفضل بن يحيى لرجل استبطأ عدة الرشيد، وكان من أهل بيته: إنما شغل عنك أمير المؤمنين حقوق أهل الطاعة دونك، ولو فرغ منهم إليك لم يؤثر من دونك عليك، فقام أبوه يحيى فقبل رأسه.
- كان المعتضد بالله من ساسة الخلفاء وذوي التدبير، وسمّي السفاح الثاني لأنه جدّد الدولة العباسية بعد دروسها، ولي بعد المعتمد عمّه وكان مستضعفا حتى أنه طلب ما يراعي به مغنّية عنده، فلم يعط وقصرت يده عنه فقال:.
أليس من العجائب أنّ مثلييرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاوما من ذاك شيء في يديه
وكان تؤخذ جواريه غصبا فلا يقدر على الامتناع وليس هذا موضع أخباره. فلما ولي المعتضد لم يجد في بيت المال غير سبعة وعشرين درهما زائفة،
ووجد الدنيا خرابا فعمرها بالعدل، حتى صار دخل المملكة يزيد على الخرج في كلّ سنة ألف ألف دينار، بعد الخرج والنفقات على التمام والكمال، واستيفاء الجيوش وسائر المرتزقة جاريهم على الإدرار من غير مطالبة او إذكار بسببه، وكان هذا الفاضل في بيت مال الخاصّة لا ينفق منه شيء البتة، ولا يحتاج إليه في وجه من الوجوه، وأخّر النوروز إلى أحد عشر يوما من حزيران حيث تتكامل جميع الغلّات الشتوية والثمار، فيأخذ الخراج في أوانه من غير إضرار بتقديمه، وأمر بالزيادة في المسجد الجامع بمدينة أبي جعفر، وأمر بتسهيل عقبة حلوان وقال: هذا طريق الملك. فسهّلت إلى الموضع المعروف بدهليزان، وأنفق عليها عشرون ألف دينار، وأمر بردّ المواريث على ذوي الأرحام، ولما أراد بناء قصره بالشمّاسية بأعلى بغداد، استزاد في الذّرع بعد أن فرغ من تقدير جميع ما أراده للقصر، فسئل عما يريد ذلك له، فذكر أنه يريده ليبني فيه دورا ومساكن ومقاصير، يرتّب في كلّ موضع منها رؤساء كلّ صناعة ومذهب، من كلّ مذاهب العلوم النظريّة والعملية، ويجري عليه الأرزاق السنيّة، ليقصد كلّ من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه. ولو مدّ له في العمر حتى يفعل هذا، لظهر فضل هذه الأمة على سائر الأمم، ولكن حالت المنية دون الأمنية، ولله أمر هو بالغه وهو أعرف بمصالح عباده.
- وكان عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد من العقلاء ورجال التدبير. قال علي بن عيسى بن داود بن الجراح: دخلنا إليه لما فتح هو وبدر المشرق، وفتح المعتضد والقاسم بن عبيد الله معه ديار بكر، وذلك في آخر سنة ستّ وثمانين ومائتين، وكنت أنا وعمّي محمّد بن داود والقاسم، فجعل القاسم ونحن بعده نهنّىء عبيد الله باستمرار الصلاح في جميع البلاد، وسكون النفوس، وسقوط جميع الأعداء في أقطار المملكة، قال: وعبيد الله يسمع وهو مطرق، ثم رفع طرفه وجعل ينظر إلى ابنه القاسم نظر متعجب، ثم
قال: الساعة والله يا بنيّ وقعنا نحن في الشّغل والخوف، لأنّ عادة هؤلاء القوم، يعني الخلفاء، إذا خلص لهم الملك وانتظم، الفكر في أقرب الناس منهم والإقدام على الإيقاع بهم وهم الوزراء، وحقّ الوزير أبدا أن يشغل قلب سلطانه بالشيء بعد الشيء يلقيه إليه مما يحذره ويخشى سوء عاقبته، فتدعوه الضرورة عند ذلك إلى اتصال الفكر فيه والاعتماد على وزيره في تلافيه، فإذا خلا من ذلك صرف همّه وفكره إلى الأقرب فالأقرب منه، فلم تؤمن بادرته ولم يسلم من معرّته وتغيير أمره وملالته، إما ضجرا باتصال خدمته وطول معاملته، وإما طمعا في ماله وحاله وشرها إلى نعمته. قال: فورد على القاسم من قول أبيه وعلينا ما علمنا أنّه قال الحقّ، مع ممارسته للأمور، وما شوهد ونقل من الأخبار في ذلك.
- وقال المحسّن بن علي بن محمد بن الفرات، قال لي أبي: يا بنيّ إن خدمت هؤلاء الخلفاء، فلا تترك حالا تقدر عليها في إزعاجهم وإرهابهم إلّا اجتلبتها وأوردت خبرها عليهم، حتى يكون قلب من تخدمه أبدا مشغولا منخوبا غير مفكر فيك، فإنه إذا فرغ قلبه مما يتخوّفه عاد بالمكروه عليك وانصرف به إليك ولم يفكّر إلا فيك.
- لما أسرف الحجاج في القتل بالعراق وإعطاء أصحابه الأموال، كتب إليه عبد الملك بن مروان: أما بعد فقد بلغني سرفك في الدماء وتبذير الأموال، ولا أحتمل هاتين لأحد من الناس، وقد حكمت عليك في الدّم بالقود في العمد، والدّية في الخطأ، وأن تردّ الأموال إلى مواضعها، فإنما المال مال الله ونحن أمناؤه، وسيّان منع حقّ وإعطاء باطل، فلا يؤمّننك إلا الطاعة ولا يخيفنّك إلا المعصية، وكتب في أسفل كتابه:.
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتهاوتطلب رضائي بالذي أنت طالبه
وتخشى الذي يخشاه مثلك هارباإلى الله منه ضيّع الدرّ حالبه
وإن تر منّي غفلة قرشيّةفيا ربّما قد غصّ بالماء شاربه
وإن تر منّي وثبة أمويّةفهذا وهذا كلّه أنا صاحبه
فلا تعد ما يأتيك مني، فإن تعدتقم فاعلمن يوما عليك نوادبه
- ومن الآراء السديدة ما فعله أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات بعد فتنة ابن المعتز فإن ابن المعتز لما تفرّق أصحابه وهلك، واستقام الأمر للمقتدر في ملكه استوزر أبا الحسن ابن الفرات فظفر بصندوقين عظيمين فيهما جرائد بأسماء من بايع ابن المعتز فلم يفتحهما ولا قرأ الجرائد، ودعا بنار عظيمة، وألقى الصندوقين فيها وقال: لا حاجة بنا إلى الوقوف على ما فيها فتفسد نية أمير المؤمنين في [كلّ] أوليائه، ويستشعرون هم الخوف منه، وقد عفا أمير المؤمنين عن كل من كان له في أمر ابن المعتز فعل أو قول. واقتدى في هذا الفعل بأخيه أبي العباس ابن الفرات.
- وكان عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد لما عاد من الجبل حضر عنده أبو العباس فسلّم إليه أضابير وقال له: يا أبا العباس سعايات وصلت إلينا بالجبل من أسبابك ووكلائك وأصحابك، فقف عليها لتعرف وليّك منهم وناصحك من عدوّك والغاشّ لك، فابتدا أخوه أبو الحسن يقرأها، فجذبها أبو العباس من يده ومنعه من قراءتها وقال: لا حاجة بي إلى الوقوف عليها، ولست أقابل نعمة الله في التفات الوزير إليّ ورأيه فيّ وحراسته إياي بفساد نيّتي في أسبابي وأصحابي ومقابلتهم على فعلهم. وفعل أبي الحسن هذا
مجرّد سياسة ونظر للملك، وفعل أبي العباس مع أنه ما خلا من سياسة وأدب فهو بكرم الأخلاق أليق وأولى.
- ومن صائب الرأي ما كان يفعله أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي فإن صاحبه معزّ الدولة أبا الحسين أحمد بن بويه، كان حديدا سريع الغضب بذيء اللسان يشتم وزراءه ويسبّهم، وكان المهلبيّ مع فضله وعلمه وكمال مروءته وأدبه، يصبر من ذلك على ما لا يصبر عليه أحد، ولا ينكسر لما يبدو منه في حقّه. فقيل له: لو أظهرت الانخزال والانكسار لكان أصلح لئلا يظنّ بك تهاونا بأمره. فقال: ليس يخفى عليّ ذلك، ولكنّ هذا الأمير خرق عجول لا يملك لسانه، فإن ذهبت أظهر الاستيحاش من هذيانه، وقع له أني قد تنكّرت له وأنّي لا أناصحه، ولعله يتّهمني بما لا يدور في فكري فيكون سببا لجائحة ونكبة، وليس له غير التغافل والتبسّم في وجهه إذا أمكن، فإن لم يمكن ذلك خوفا من غضبه فليس إلا قلة الفكر فيه.
- ذكر أنّ فاطمة بنت الحسين بن علي ﵉ أعطت ولدها من الحسن بن الحسن ما ورثته منه، وأعطت ولدها من عبد الله بن عمرو بن عثمان موروثها منه، فوجد ولد الحسن بن الحسن في أنفسهم، لأن ما ورثت من عبد الله بن عمرو كان أكثر، فقالت: يا بنيّ، إني كرهت أن يرى أحدكم شيئا من مال أبيه بيد أخيه فيجد من ذلك في نفسه فلذلك فعلت ما فعلت.
- وكان عضد الدولة أبو شجاع فنّاخسرو بن الحسن بن بويه من ساسة الملوك، وله في ذلك أخبار مشهورة وأفعال مستحسنة، ولما ملك
بغداد والعراق وجدها خرابا، والأسواق بعضها تلول بالحريق، والجوامع خراب، فبدأ بعمارتها وعمارة الأسواق، وألزم أرباب العقار بالعمارة، فمن قصّرت قدرته عن النفقة اقترض من بيت المال ما ينفقه عليها وذلك في الأسواق والدور، وكان ببغداد أنهار كثيرة فيها مرفق للمحالّ البعيدة عن دجلة قد انقطعت ودرست فابتدأ بحفرها مثل نهر العبارة ونهر مسجد الأنباريين ونهر البزازين ونهر الدجاج ونهر طابق ونهر القلائين ومسراها إلى دجلة والصراة ونهر اشتقّ من دجيل إلى الحربية وعمر القناطر ورتّب أمر الجسر وجعل له الدرابزينات تحفظ من يجتاز به ووكّل به الحفظة واستقصى في عمارة السواد، وعمر طريق مكة ورفع الجباية عنها، وأطلق الصدقات والصلات لسائر طبقات الناس من المسلمين، ثم تجاوز ذلك إلى الذمة.
التذكرة
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع