تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الباب الحادي والثلاثون في المكاتبات والرسائل (٢) (٢)

علمتم بشهادة الآثار، وتظاهر الأخبار، ما أعدّ الله لأمير المؤمنين بطاعة وليّه المنصور، وصفيّه المبرور، عضد الدولة- أيده الله- من حام حقيقته، سادّ خلّته، راع سدّته ورعيته، لا يثنيه عن غاياته عارض السأم ولا يلهيه عن همّاته راحة الجمام:

مضاميره أعيت على من يرومهافكلّ مدى عن غايتيه قصير

وهو عين أمير المؤمنين إذا نظر، ولسانه إذا نطق، ويده إذا لمس، ألانت أم أمضّت، ووطّأت أم أقضّت.

- ومن كتاب في ذكر أبي تغلب: وقد كان الغضنفر بن حمدان حين نفضته المذاهب، ولفظته المهارب، وأجهضته عن مكامنه المكايد والكتائب، تطوّح في بلاد الشّام، يتنقّل بين مصارع يحسبها مرابع، ومجاهل يعدّها معالم، يروم انتعاشا والجدّ خاذله، ويبتغي انتياشا والبغي طالبه.

- وكتب إلى الصاحب ابن عباد:

وقف مولانا على ما كتب مولاي معرّضا بخدمته، ومجلّيا عن نيّته، فصدّقه وحقّقه، وقال أدام الله سلطانه: إنّ لسان أثره في الفصاحة كلسان قلمه، يتجاريان كفرسي رهان، وناهيك بالأوّل اشتهارا ووضوحا، وبالثاني غررا وحجولا. وكنا لمثل هذه الحال نعدّه ونعتدّه، ونتنجّز عدات الفضل منه، وحسبنا ما أفادتنا التجارب فيه، كافلا بالسعادة ودرك الإرادة، وما زالت مخايله وليدا وناشيا، وشمائله صغيرا ويافعا، نواطق بالحسنى عنه، ضوامن للنجح

منه، فقد أصبح الظنّ إيقانا، والضّمار عيانا، والتقدير بيانا، والاستدراك برهانا.

- كتب أبو إسحق الصابي مقاطعة:

هذا كتاب من عبد الله الفضل، الإمام المطيع لله أمير المؤمنين، لفلان بن فلان.

إنك رفعت قصّتك تذكر حال ضيعتك المعروفة بكذا وكذا، من رستاق كذا وكذا، من طسّوج كذا وكذا، وأنها أرض رقيقة قد توالى عليها الخراب وانغلق أكثرها [بالسدّ والدّغل]، وإنّ أمير المؤمنين أمر بمقاطعتك عن هذه الضّيعة على كذا من الورق المرسل [في كل سنة] على استقبال سنة كذا وكذا الخراجيّة، مقاطعة مؤبّدة، ماضية مقرّرة نافذة، يستخرج مالها في أوّل المحرّم من كلّ سنة، ولا تتبع بنقض ولا بتأوّل متأوّل فيها، ولا يعترض معترض في مستأنف الأيّام [إن] اجتهدت في عمارتها، وتكلّفت الإنفاق عليها، واستخراج سدودها، وقفل أراضيها، واحتفار سواقيها، واجتلاب الأكرة إليها، وإطلاق البذور والتقاوي فيها، وإرغاب المزارعين بتخفيف طسوقها بحقّ الرّقبة ومقاسماتها، وكان في ذلك توفير لحقّ بيت المال، وصلاح ظاهر لا يختلّ.

وسألت أمير المؤمنين الأمر والتقدّم بالإسجال لك به، وإثباته في ديوان السّواد ودواوين الحضرة وديوان الناحية، وتصييره ماضيا لك ولعقبك وأعقابهم، ولمن لعلّ هذه الضيعة أو شيئا منها ينتقل إليه ببيع أو ميراث أو صدقة أو غير ذلك من ضروب الانتقال: وإنّ أمير المؤمنين بإيثاره الصلاح، واعتماده أسبابه، ورغبته فيما عاد بالتّوفير على بيت المال والعمارة للبلاد والترفيه للرعية، أمر بالنّظر فيما ذكرته، واستقصاء البحث عنه، ومعرفة وجه التدبير، وسبيل الحظ فيه، والعمل بما يوافق الرّشد في جميعه. فرجع إلى الديوان في تعرّف ما

حكيته من أحوال هذه الضّيعة، فأنفذ منه رجل مختار ثقة مأمون من أهل الخبرة بأمور السواد وأعمال الخراج، قد عرف أمير المؤمنين أمانته وديانته، وعلمه ومعرفته؛ وأمر بالمصير إلى هذه الناحية، وجمع أهلها من الأدلّاء والأكرة والمزارعين وثقات التّناء والمجاورين، والوقوف على هذه الأقرحة، وإيقاع المساحة عليها، وكشف أحوال عامرها وغامرها، والمسير على حدودها، وأخذ أقوالهم وآرائهم في وجه صلاح وعمارة كلّ قراح منها، وما يوجبه صواب التدبير فيما التمسته من المقاطعة بالمبلغ الذي بذلته، وذكرت أنّه زائد على الارتفاع، والكتاب بجميع ذلك إلى الديوان ليوقف عليه، ورسم ما يعمل عليه، وينهى إلى أمير المؤمنين فينظر فيه: فما صحّ عنده منه أمضاه، وما رأى الاستظهار على نظر النّاظر فيه استظهر فيما يرى منه، حتى يقف على حقيقته، ويرسم على ما يعمل عليه.

فذكر ذلك الناظر أنه وقف على هذه الضّيعة وعلى سائر أقرحتها وحدودها، وطافها بمشهد من أهل الخبرة بأحوالها من ثقات الأدلّاء والمجاورين والأكرة والمزارعين والتّنّاء الذين يرجع إلى أقوالهم ويعمل عليها؛ فوجد مساحة بطون الأقرحة المزروعة من جميعها، دون سواقيها ومروزها وتلالها وجاريتها ومستنقعاتها، وما لا يعتمل من أراضيها، بالجريب الهاشمي الذي تمسح به الأرض في هذه الناحية كذا وكذا جريبا، منها [جميع] القراح المعروف بكذا وكذا، ومنها موضع الحصن والبيوت والساحات والراحات والبراحات والخرابات، ووجد حالها في الخراب

والانسداد وتعذّر العمارة والحاجة إلى عظيم المؤونة ومفرط النفقة على ما حكيته وشكوته. ونظر في مقدار أصل هذه الجربان من هذه الضّيعة، وما يجب عليها، وكشف الحال في ذلك.

ونظر أمير المؤمنين في ما رفعه هذا المؤتمن المنفذ من الديوان، واستظهر فيه بما رآه من الاستظهار، ووجب عنده من الاحتياط، فوجد ما رفعه صحيحا صحة عرفها أمير المؤمنين وعلمها، وقامت في نفسه وثبتت عنده، ورأى إيقاع المقاطعة التي التمسها على حقّ بيت المال في هذه الضيعة، فقاطعك عنه في كلّ سنة هلاليّة، على استقبال سنة كذا وكذا الخراجية، على كذا وكذا درهما براسم صحاحا مرسلة بغير كسر ولا كفاية ولا حقّ جزر ولا جهبذة، ولا محاسبة ولا زيادة، ولا شيء من جميع المؤن وسائر التّوابع والرسوم، تؤدى في أوّل المحرّم من كلّ سنة حسب ما تؤدّى المقاطعات، مقاطعة ماضية مؤبدة نافذة ثابتة على مضيّ الأيام وكرور الأعوام، لا تنقض ولا تفسخ ولا تتبع ولا يتأوّل فيها ولا تغيّر، على أن يكون هذا المال، وهو من الورق المرسل، كذا وكذا في كلّ سنة مؤدّى إلى بيت المال، ومصحّحا عند من يورّد عليه إلينا في هذه الناحية أموال خراجهم ومقاطعاتهم وجباياتهم، لا يعتلّ فيها بآفة تلحق الغلّات، سماوية ولا أرضية، ولا بتعطيل أرض، ولا نقصان ريع، ولا بانحطاط سعر، ولا بتأخّر قطر، ولا بشوب غلّة، ولا بحرق ولا سرق، ولا بغير ذلك من الآفات، بوجه [من الوجوه] ولا سبب من الأسباب؛ ولا يحتجّ في ذلك بحجّة يحتجّ بها التّنّاء والمزارعون وأرباب الخراج في الالتواء بما عليهم، وعلى أن لا تدخل عليك في

هذه المقاطعة يد ماسح ولا مخمّن ولا حازر، ولا مقدّر ولا أمين ولا خاطر ولا ناظر، ولا متتّبع ولا متعرّف لحال زراعة وعمارة، ولا كاشف لأمر زرع وغلة، ماضيا ذلك لك ولعقبك من بعدك وأعقابهم، وورثتك وورثتهم، أبدا ما تناسلوا، ولمن عسى أن تنتقل هذه الأقرحة أو شيء منها إليه بإرث أو بيع أو هبة أو نحل أو صدقة أو وقف أو مناقلة أو إجارة أو مهايأة، أو تمليك أو إقرار أو بغير ذلك من الأسباب التي تنتقل بها الأملاك من يد إلى يد، ولا ينقض ذلك ولا شيء منه ولا يغيّر ولا يفسخ، ولا يزال ولا يبدّل ولا يتعقّب، ولا يعترض فيه معترض بسبب زيادة عمارة، ولا ارتفاع سعر، ولا وفور غلّة، ولا زكاء ريع، ولا إحياء موات، ولا اعتمال معطّل، ولا عمارة خراب، ولا استخراج غامر، ولا إصلاح شرب، ولا استحداث غلّات لم يجر الرسم باستحداثها وزراعتها، ولا يعدّ ولا يمسح ما عسى أن يغرس في هذه الأقرحة من النخل وأصناف الشجر المعدود والكروم، ولا يتأوّل عليك بما لعلّ أصناف المساحة أن يزيد به فيما يعمّره ويستخرجه من الجبابين والمستنقعات، ومواضع المشارب المستغنى عنها، إذ كان أمير المؤمنين قد عرف ذلك، وجعل كل ما يجب على كلّ شيء منه عند وجوبه داخلا في هذه المقاطعة وجاريا معها. وعلى أنّك إن فضّلت شيئا من مال هذه المقاطعة على بعض هذه الأقرحة من جميع الضيعة، وأفردت باقي مال المقاطعة بباقيها عند ملك ينتقل منها عن يدك، أو فعل ذلك غيرك، ممن جعل له في هذه المقاطعة ما جعل لك، من ورثتك وورثتهم، وعقبك وأعقابهم، ومن لعلّ هذه الضيعة أو شيئا من هذه الأقرحة ينتقل إليه بضرب من ضروب الانتقال قبل ذلك التفضيل منكم عند الرضا، والاعتراف ممن تفضّلون باسمه، وتحيلون عليه، وعوملتم على ذلك، ولم يتأوّل عليكم في شيء منه. وعلى أنّك إن

التمست أو التمس من يقوم مقامك ضرب منار على هذه الضيعة تعرف به رسومها وطسوقها وحدودها، ضرب ذلك المنار أيّ وقت التمستموه، ولم تمنعوا منه، وإن تأخّر ضرب المنار لم يتأوّل عليكم به، ولم يجعل علّة في هذه المقاطعة، إذ كانت شهرة هذه الضّيعة وأقرحتها في أماكنها، ومعرفة مجاوريها بما ذكر من تسميتها ومساحتها، يغني عن تحديدها أو تحديد شيء منها، ويقوم مقام المنار في إيضاح معالمها، والدّلالة على حدودها وحقوقها ورسومها.

وقد سوّغك يا فلان بن فلان أمير المؤمنين وعقبك من بعدك وأعقابهم وورثتك وورثتهم أبدا ما تناسلوا، ومن تنتقل هذه الأقرحة أو شيء منها إليه، جميع الفضل بين ما كان يلزم هذه الضّيعة أو أقرحتها من حقّ بيت المال وتوابعه، على الوضيعة التّامّة وعلى الشّروط القديمة، وبين ما يلزمها على هذه المقاطعة، وجعل ذلك خارجا عن حاصل طسوج كذا وكذا، وعما يرفعه المؤتمنون، ويوافق عليه المتضمّنون، على غابر الدّهور ومرّ السنين وتعاقب الأيّام والشهور، فلا يقبل في ذلك سعاية ساع، ولا قدح قادح، ولا قرف قارف، ولا إغراء مغر، ولا قول معتب، ولا يرجع عليك فيما سوّغته ونظر إليك به بحال من الأحوال، ولا برجوع في التقديرات، ولا بنقض للمعاملات وردّها إلى قديم أصولها، ولا ضرب من ضروب الحجج والتأويلات، التي يتكلّم عليها أهل العدل على سبيل الحكم والنظر، وأهل الجور على سبيل العدوان والظّلم.

ولم تكلّف يا فلان بن فلان، ولا عقبك من بعدك ولا ورثتك وأعقابهم، ولا أحد ممّن تخرج هذه الضيعة أو هذه الأقرحة أو شيء منها إليه على الوجوه والأسباب كلّها، إخراج توقيع ولا كتاب مجرّد، ولا منشور بإنفاذ شيء من ذلك، ولا إحضار سجلّ به، ولا إقامة حجّة فيه في وقت من الأوقات. وعلى ألا يلزمك ولا أحدا ممّن يقوم في هذه المقاطعة مقامك مؤونة ولا كلفة ولا ضريبة ولا زيادة ولا بقسط كري ولا مصلحة ولا عمل بزند، ولا نفقة ولا مؤونة حماية ولا خفارة، ولا غير ذلك. ولا يلزم بوجه من الوجوه في هذه المقاطعة

زيادة على المبلغ المذكور المحدود المؤدّى في بيت المال في كلّ سنة خراجية، وهو من الورق المرسل كذا وكذا، ولا يمنع من روز جهبذ أو حجّة كاتب أو عامل بمال هذه المقاطعة إذا أدّيته وأدّيت شيئا منه أوّلا، حتى يتكامل الأداء وتحصل في يدك البراءة كلّ سنة بالوفاء لجميع المال لهذه المقاطعة، وعلى أن تعاونوا على أحوال العمارة وصلاح الشّرب، وتوفّر عليكم الصّيانة والحماية والذّبّ والرّعاية.

ولا يتعقّب ما أمر به أمير المؤمنين أحد من ولاة العهود والأمور والوزراء وأصحاب الدواوين، والكتّاب والعمّال والموفين والضمناء والمؤتمنين، وأصحاب الخراج والمعاون وجميع طبقات المعاملين وسائر ضروب المتصرّفين، لشيء يبطله أو يزيله عن جهته، أو ينقضه أو يفسخه أو يغيّره أو يبدّله، أو يوجب عليك أو على عقبك من بعدك وأعقابهم وورثتهم أبدا ما تناسلوا، و [من] تخرج هذه الضيعة أو شيء منها إليه، حجة على سائر طرق التأويلات، ولا يلزمكم شيئا ولا يكلّفكم عوضا من إمضائه؛ ولا ينظر في ذلك أحد منهم نظر تتبّع ولا كشف ولا فحص ولا بحث. وإن خالف أحد منهم ما أمر به أمير المؤمنين أو تعرّض لكشف هذه المقاطعة أو مساحتها أو تخمينها، أو اعتبارها أو الزيادة في مبلغ مالها، أو ثبّت في الدواوين في وقت من الأوقات شيء يخالف ما رسمه أمير المؤمنين فيها، إما على طريق السّهو والغلط أو العدوان والظّلم والعناد والقصد، فذلك كلّه مردود باطل منفسخ، وغير جائز ولا سائغ، ولا قادح في صحة هذه المقاطعة وثبوتها ووجوبها، ولا معطّلا لها، ولا مانعا من تلافي السّهو واستدراك الغلط في ذلك، ولا مغيّرا لشيء من شرائط هذه المقاطعة، ولا حجة تقوم عليك يا فلان بن فلان، ولا على كلّ من يقوم مقامك في هذه المقاطعة بشيء من ذلك، إذ كان يأمر به أمير المؤمنين في ذلك على وجه من وجوه الصلاح وسبيل من سبله، رآهما وأمضاهما، وقطع بهما كلّ اعتراض ودعوى،

واحتجاج وقرف، وأزال معهما كلّ بحث وصفح، وتبعة وعلاقة. وإن كان من الشرائط فيما سلف من السنين، وخلا من الأزمان، ما هو أوكد وأتمّ وأحكم، وأحوط لك، ولعقبك وورثتك وأعقابهم وورثتهم، ومن تنتقل هذه الأقرحة أو شيء منها إليهم، مما شرط في هذا الكتاب، لحال أوجبها الاحتياط على اختلاف مذاهب الفقهاء والكتّاب، وغيرهم مما للخلفاء أن يفعلوه وتنفذ فيه أمورهم، حملت وحملوا عليه، وهو لكم ومضاف إلى شروط هذا الكتاب التي قد أتى عليها الذكر، ودخلت تحت الحصر، ولم يكلّف أحد منكم إخراج أمر به. [وإن] التمست أو أحد من ورثتك وأعقابك، ومن عسى أن تنتقل هذه الضيعة أو هذه الأقرحة أو شيء منها إليه في وقت من الأوقات، تجديدا بذلك، أو مكاتبة عامل أو مشرف، أو إخراج توقيع أو منشور إلى الديوان بمثل ما تضمّنه هذا الكتاب، أجبتم إليه ولم تمنعوا منه.

وأمر أمير المؤمنين بإثبات هذا الكتاب في الدواوين، وإقراره في يدك، حجّة لك ولعقبك من بعدك وأعقابهم وورثتك وورثتهم، وثيقة في أيديكم، وفي يد من عسى أن تنتقل هذه الضّيعة إليه، أو الأقرحة أو شيء منها، بضرب من ضروب الانتقال التي ذكرت في هذا الكتاب والتي لم تذكر فيه، وأن لا تكلّفوا إيراد أمر بعده، ولا يتأوّل عليكم متأوّل فيه.

فمن وقف على هذا الكتاب وقرأه أو قرىء عليه من جميع الأمراء وولاة العهود والوزراء والكتّاب والعمّال والمشرفين والمتصرّفين والنّاظرين في أمور الخراج، وأصحاب السيوف على اختلاف طبقاتهم وتباين منازلهم وأعمالهم، فليمتثل ما أمر به أمير المؤمنين فيه ولينفّذ لفلان بن فلان ولورثته ولورثتهم وعقبه

وأعقابهم، ولمن تنتقل هذه الأقرحة أو شيء منها إليه، بهذه المقاطعة، من غير مراجعة فيها ولا استئمار عليها، ولا تكليف أحد ممّن يقوم بأمرها إيراد حجّة بعد هذا الكتاب، وليعمل بمثل ذلك من وقف على نسخة من هذا الكتاب في ديوان من دواوين الحضرة وأعمالها والناحية، وليقرّ في يد فلان بن فلان ويد من يورده ويحتجّ به ممّن يقوم مقامه، إن شاء الله تعالى.

وكتب الوزير فلان في تاريخ كذا.

فصل من كتاب لأحمد بن إسماعيل الكاتب، المعروف بنطاحة:

البليغ من عرف السّقيم من المعتلّ، والمقيّد من المطلق، والمشترك من المنفرد، والمنصوص من المتأوّل، والإيماء من الإيحاء، والفصل من الوصل، والأصل من الفصل، والتّلويح من التّصريح. ومن شروط البليغ أن يكون حادّ الفطنة، صحيح القريحة، صافي الذّهن، وأن يعرف في وجهه التحفظ وسجيّة المتحرّز، والخجل والوجل، ويتبيّن في لحظه الرضى والغضب، والسرور والحزن، والأمن والخوف، والأمر والنهي، والذكاء والغباء، والفكر والسهو.

وجدت كتابا منسوبا إلى ابن العميد كتبه إلى الصاحب أبي القاسم ابن عباد- وفيه ما يشكك في قبوله- وفيه اذكار بسياسة مستفادة: مولاي وإن كان سيدا بهرتنا نفاسته، وابن سيّد تقدّمت علينا رياسته، فإننا نعتدّه سندا ووالدا، وأعدّه ولدا واحدا، ومن حقّ ذلك أن يعضد رأيي رأيه ليزداد استحكاما، ويستمرّ عقدا وإبراما، وحضرة مجلس ركن الدولة تفاوضني ما جرى بينه وبين مولاي طويلا، ووصل به كلاما بسيطا، وأطلعني على أنّ مولاي لم يزد بعد الاستقصاء والاستيفاء على التقضي والاستعفاء وألزم عبده أنا أن أكره مولاي إكراه المسألة وأجبره إجبار الطلبة، علما بأنه إن دافع المجلس المعمور طلبا للتحرز، لم يزد وساطتي أخذا بالتطول. وأقول بعد أن أقدم مقدمة:

مولاي غني عن هذا بتصوّنه وتقلله وعزوفه بهمته عن تكاثر المال وتحصيله، ولكن العمل فقير إلى كفايته، محتاج إلى كفالته. وما أقول ومرادي ما يعقد من

حساب، وينشأ من كتاب، ويستظهر به من جمع، وعطاء ومنع. فكل ذلك وإن كان مقصودا، وفي آيات الوزارة معدودا، ففي كتّاب مولاي من يفي به ويستوفيه، ويوفي عليه بأيسر مساعيه، ولكن ولي النعمة يريده لتهذيب من هو وليّ عهده، والمأمول ليومه وغده، أيد الله أيامه وبلّغه فيه مرامه. فلا بدّ وان كان الجوهر كريما، والمجد صميما، والسنخ عظيما، ومركب العقل سليما، من مناب من يعلم ما السياسة والرئاسة، وكيف تدبّر العامّة والخاصة، وبماذا تعقد المهابة، ومن أين تجتلب الأصالة والإصابة، وكيف ترتّب ويعالج الخطب إذا ضاقت المذاهب، وتعصى الشهوة لتحرس الحشمة، وتهجر اللّذة لتحصيل الإمرة. ولا بدّ من محتشم يقوم في وجه صاحبه فيردّه إذا بدر منه الرأي المتقلّب، ويراجعه إذا جمح به اللّجاج المرتكب، ويعاوده إذا ملكه الغضب المنتشر. فلم يكن السبب في أن فسدت جهة وبلدان عدّة، إلا أن خفضت أقدار الوزارة فانقبضت أطراف الإمارة. ولن تفسد- على ما أرى- بقيّة الأرض إلا إذا استعين بالأذناب على هذا الأمر. فلا يبخلنّ مولاي على وليّ نعمته بفضل معرفته، فمن هذه الدولة جرى ماء فضله وفضل شيخه من قبله. فإن كان مسموعا كلامي، وموثوقا به اهتمامي، فلا يقعنّ انقباض عني، ولا إعراض عما سبق مني. ومولاي محكّم بعد الإجابة إلى العمل فيما يشترط، غير مراجع فيما يقترحه. وهذا خطي به، وهو على وليّ النعمة حجة، لا يبقى معها شبهة، وتتأصّل المكاتبة بالمشافهة إما بحضوري لديه، أو تجشّمه إلى هذا العليل الذي قد ألّح النقرس عليه، والسلام.

نسخة كتاب ورد من الصاحب إسماعيل بن عباد إلى أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان:

كتابي، أطال الله بقاء الأستاذ مولاي ورئيسي، أدام الله تأييده ونعماءه،

يوم كذا، ومولانا الأمير السيّد فخر الدولة شاهنشاه، أطال الله بقاه، وكبت أعداه، فيما يرفع الله من قواعد ملكه، ويعضد يمن سواعد عزه، ويعمّ من استظهاره، ويفسح من أفنية استيلائه واقتداره، على ما تقرّ به عيون أولياء الدولة، وأنصار البيضة، وحماة الحوزة، وثقات الدعوة. وأنا سالم والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين، وعندي للأستاذ مولاي كتب أنا رهين برّها، وعبد شكرها، وما عن تقصير في حقّها ذهبت عن الإجابة، ولا لاقصار عن فرضها قبضت يدي عن الكتابة. وكيف وقد علم من له الخلق والأمر، وسواء عنده السرّ والجهر، أنّي لم أستفد منذ دهر، لا أضبط أطرافه امتدادا، ولا أحصي أيامه تعدادا، موهبة في نفسي أكرم منبتا من ودّه، وفي صدري أوكد موثقا من عهده، ولكن حوادث اعترضت وأجحفت، وكوارث ألحّت فألحبت، وأتت الليالي بما لم يحسب طروقه، وهجمت الخطوب بما لم يرتقب حدوثه، ومضى أمير الأمراء وسعيد السعداء، رضوان الله عليه، فعاد النهار أسود، والعيش أنكد، والملك أغبر بل أربد، وأصبحت خصوما والحياة خصم يمال عليه، والموت سلّم نحن إليه. وقد كان قدّس الله مثواه وأكرم مأواه، عند بلوغ الأمر إلى حيث لا مطمع في العمر، أشار إلى مولانا الأمير السيّد فخر الدولة إشارة الناصّ، وعيّن على ذكره بالاسم الخاصّ، عالما بأنّه سداد الأمر، وسداد الثغر، والكافل معه بالشمل حتى يجتمع، وبالحبل حتى يتّصل، وبالشعث حتى يلمّ، وبالنشر حتى يضم. فحقق الله مخيلته في حياته، وحفظ حقيقته بعد وفاته. وقبل ذلك ما كان- سوّغه الله تعالى رضوانه- كلّفني الاستمالة به- أدام الله سلطانه- لتمار تلك الأحقاد عن الصدور، وتقارّ عواطف النفوس والقلوب، ويتساهم إحسان الله الموفور، لاسيما وقد تخوّن الدهر الملك السعيد طود الأطواد، وعضد الأعضاد، فوجب

أن يزاد في التناصر، ويحصّن الملك بالتظاهر. وبذلت جهد النّاصح، وهديت بالأدب الصالح، إلى الطريق الواضح، فثنى الأمير السيّد فخر الدولة عنانه عن نيسابور لإعادة الألفة، وجدّ على سمت جرجان ماحيا للنّبوة، إلا أنّ القضاء سبق فلم يلحق، وفرط فلم يدرك، وقبض أمير الأمراء- قدّس الله روحه- إلى قبضة الرحمة، والصلوات الجمّة، بعد أن ذلّل الخصوم، وأدال القروم، واسترقّ الأعداء، وساس الدّهماء، واستقلّ بالأعباء، وخلّف أطيب الأبناء.

فخدمت الدولة بالضبط بقدر ما استطعت، وتكلّفت بقدر ما كفلت له واتسعت، إلى أن عاد مولانا فخر الدّولة إلى منصبه الممهود، وسريره الموروث، ورواق عزّه الممدود، ومستقرّ ملكه المنصور، فتجلّت الغمم، ونهضت الهمم، وقويت المنن، وانزاحت الظّلم، وأصفقت الكافّة، ونزلت الرحمة والرأفة، وشفى الله صدور قوم مؤمنين، وقيل الحمد لله ربّ العالمين. ورأى أهل البصائر أن قد أعاد الله الدولة أجدّ ما شوهدت، وأشبّ ما عوهدت، نافضة غبارها، رافعة منارها، خافقة بلوائها، مستعلية على أعدائها، مرسية بدعامتها عند من يوفّيها نذورها، ومفوّضة زعامتها إلى من يحميها محذورها. فكان من أول ما فاتحته- حرس الله ملكه- فقرأت منه صحيفة السعادة، وأخذت منه بوثيق الإرادة، ما أعلمنيه من عكوف همّته على عمارة ما أثّله الأمراء السعداء بينهم قبل انخراطها في سلك الاتفاق، وانحطاطها في شعب الائتلاف، ودعا الأمراء السادة من أهله- بحق الكبر وفضل التجريب لأطوار الدّهر- إلى التّناصر والتناصف، والإعراض عن التّباعد والتّخالف، ورفض المنافسة التي تهيج كوامن النفوس، وتثير سواكن القلوب، فقد آتى الله تعالى في التماسك فسحة، ولم يوجد في المشاحنة المباينة رخصة. هذا ولو كانت على أشدّ تضايق وأتمّ تقارب، لوجب أن يتساهم عليها، فإنّ يسير الحظّ مع التعاون والتآزر خير من كثيره مع التقاطع والتّدابر. فإن كان منهم من تأخذه العزّة بالإثم، ويبغي تجاوز سابق الوصيّة والحكم، كانت الجماعة يدا عليه، إلى أن يفيء للحسنى، ويعود طوعا

أو كرها للطريقة المثلى. فأما الذي عنده- أعلى الله جدّه- لمولانا الأمير صمصام الدولة وشمس الملّة، فالانصباب بالمودّة التي لا مطلع من بعدها، ولا منزع من وراء حدّها، وبالإشفاق المتناهي إلى حيث لا اقتراح وراءه للمريد، ولا استزادة لملتمس المزيد، والله يمنع بعضا ببعض، ويمدّ هذه الظلال على بسيط الأرض، حتى لا يعرف لها من سواهم ملك يطاع، ولا مالك يقع عليه الإجماع، إنّ الله سميع مجيب.

وأرجع إلى ما افتتحت له المخاطبة. كان كتاب الأستاذ الأوّل قد ملأ اليدين فضلا، وحمّل الكاهل ثقلا، وأيقنت أنّ أولى المودّات بالثقة الوكيدة، وأحراها بالاستقامة الشديدة، مودّته التي طلعت من أفق فضل، وشيّدها كرم أصل، فأتت تبرّعا من غير استجلاب، وتطوّعا من دون استكراه، ورجوت أن أكون نعم الناهض بحقّ المقاطعة، وإن حاز بالمبرّة الرتبة السابقة، ووجدته قد بذل من نفسه في المشاركة، ما لو كلّفته إيّاه لكنت متحكّما، أو مائلا على جانبه، متسحّبا، فغدوت أرى الحال بيننا أولى ما أصرف الهمم إلى حفظه من جوانبه، وأوكل الفكر بحراسته، عن الدّهر ونوائبه. وليس ذلك إلا نتيجة ما قدّمه، وثمرة ما تجشّمه، وإلا فقد علم الأستاذ أنّ كثيرا ممّن سدّ خصاص المجلس الذي سدّه، وإن لم يسدّ في الكفاية والبراعة مسدّه، كاثرني فحققت، وباسطني فتقبضت، لا تقصيرا بالواحد، ولكن علما بالمصادر والموارد.

فلما وجدت من جمع مزيّة الاستقلال إلى كرم الخلال، وشرف النجار إلى من كان أهلا للإكبار، ومن هنئت به الأمور قبل أن يهنّا، وأولاه الله أدب الصدور قبل أن يولّى، أرسلت نفسي على سجيّتها، وأعدتها لفطرة أوّليتها، وظننت الله قد أنشر الفضلاء الأعيان الذين كنت أتجمّل بودادهم، وأتكثّر باعتقادهم، وآنست قلّة الصديق من بعدهم. والآن حين أعتب الزّمان فغفرت له أكثر جرائره، وسحبت ذيل التجاوز على معظم جرائمه، ورد بعده كتابان جعلا التفضّل منه عادة، والبرّ إبداء وإعادة. ولو قد وفيت بما سبق، لوفيت الحقّ في

ما لحق، إلا أني إلى الآن معذور أو معتذر، ومقصر أو مقتصر. ولئن كانت محامد الأستاذ مولاي تسابق يقين العارف، وتستغني عن لسان الواصف، إني قد خطبت في مجلس مولانا الأمير السيّد فخر الدولة فيها بخطب إن لم تفتتح بالتحميد فقد شحنت بالتعظيم، وإن لم تكن قرئت على درج المنابر، فقد تليت في أشرف المحاضر، وحقّقت عنده أنّ الأستاذ مولاي يرى الخدمتين خدمة واحدة، ويعدّ الغائبة شاهدة، واعتدّ لذلك أشدّ اعتداد، فأسلف عنه أتمّ إحماد.

وقد نفذ إليه عن حضرته العالية ما ليس بغاية يوقف عندها، حتى تردف مع استقرار المخاطبات بما يجب بعدها، بمشيئة الله. وإذ قد جمعنا الله على ما جمع فالانقباض هجنة، والاحتشام وصمة. وكنت- أدام الله تأييد الأستاذ- وقد يسّر الله من سدّ الثّلمة ما استدعت النفوس أن ينسدّ، وسهّل من ارتداد الظلمة ما استبعدت العقول أن يرتد، آمل ظفرا بما لم أزل أنازع إليه، وأقارع الآمال عليه، من اعتزال الأشغال التي كان يحسن الانقطاع إليها، وفي الأيام بقية، والعمر في إقباله، والنشاط في استقباله، والشباب بحاله، والأشدّ على استقلاله؛ إلا أنّ مولانا الأمير خاطبني في هذا الباب بمخاطبات لم أستطع معها أن أبلغ ما أردت، وأيمّم إلى حيث قصدت، وأنتهي في التعظيم إلى ما لا يقسم للمشارك القسيم، فلم أطق شكر نعمته إلا بأن أتطوّق فرض خدمته، وأوردت هذا الفصل اعتذارا إلى الوفاء وأهله، من النظر بعد ما لا تؤرّخ السّير بمثله، وإنه كان الله قد أدال من القنوط اللازم بالإحسان الفائض، وانتضى للملك أكمل سائس وأشرف رائض. وقد خاطبت أبا العلاء في كلّ باب بما يؤدّى فيه حق المناب، وعلى ذكره فإني أرعى له حقوقه التي لديّ ووسائله إليّ أن أدّى إليّ عن الأستاذ مولاي ما كتب بالإخلاص على سواد القلب، وجعل المودة شريعة لا تعقب بالنسخ؛ فإن رأى مولاي الأستاذ أن يخاطبني بما يخاطب الموثوق به، المسكون إليه، المعتمد منه ما لا استظهار عليه، ويقرر عند مولانا الأمير صمصام الدّولة وشمس الملّة، أني وإن غبت فخادم متصرّف بإخلاص حاضر، وعبد قد ورثه

كابرا عن كابر، ويصرفني بين أمره ونهيه، فعل، إن شاء الله تعالى.

نسخة الجواب من إنشاء أبي إسحاق الصابي:

كتابي، أطال الله بقاء سيّدنا الصاحب، وأدام عزّه وتأييده وعلوّه، ونعم الله عند مولانا الملك السيّد صمصام الدّولة وشمس الملّة- أطال الله بقاه، وأدام نصره وعلاه- سابغة راهنة، وأحوال مملكته- رعاها الله- مستقيمة منتظمة، والله جلّ اسمه متكفّل له بحفظ الحوزة وحياطتها، وإظهار الراية ونصرتها، والتمكين في الأرض بأفضل ما مكّن به للملوك المؤيّدين، وولاة الأمر المنتخبين المختارين، تصاعدا وسموّا وتزايدا ونموّا، وتوقّلا في هضبات الفخر والمجد، وترقّيا في درجات الحظّ والجدّ، وهو- أدام الله أيامه- مقابل لذلك بالشّكر لوليه، والاستمداد للطيف صنعه فيه، ومدّ الظّلّ الظّليل على كلّ عامّ وخاصّ، وإفاضة الفعل الجميل في كلّ دان وقاص، فالأولياء على طاعته مجمعون، وفيها مخلصون، والرعايا في كنف سياسته وإيالته ساكنون وادعون. وأما ما خصّني الله به من تفويضه إليّ وتعويله عليّ، وإنفاذه أمري في البسط عنه والقبض، والإعلاء والخفض، فلساني يقصّر عن ذكره موجزا مجملا، فكيف به مشروحا مفصّلا. والحمد لله على ذلك حمدا ينتهي باتّصاله وترادفه، وتوافيه وتضاعفه، إلى مجازاة هذه المنن كلّها، وإن كانت استطاعتنا متخلّفة عنها وواقفة دونها، وناقصة عن الوفاء بحقّها، حتى يتممه عفوه وفضله، وإحسانه وطوله. وفضل كتاب سيّدنا الصاحب، منصورا بنظير ما صدر كتابي هذا، من منائح الله الجليلة، لما في نفسه ولي فيه ولنا جميعا، في سلامة مولانا الأمير الأجلّ فخر الدولة، أطال الله بقاءه، وأدام تمكينه ونعماءه، وانتظام أحواله واطّراد شؤونه ونفاذ أمره، في ما أحسن الله توفيقه له، وإرشاده إليه من توفيته حقّه، وإنزاله

منزلته، وإيفائه به إلى أعلى مراقي الكمال والفضل، ومفيضا عليّ من صنوف البرّ والإكرام، وضروب المنن الجسام، ما يستعبد الأحرار بأقلّه، وتسترقّ الأعناق بأيسره، ومفوّضا إليّ من جلائل الأمور ومعاظم الشّؤون، ما يجب أن تكون المفاوضات بيننا فيه متردّدة، وسبل المواصلة به وبأمثاله معمورة، وفهمته.

فأما تذمّم سيّدنا الصاحب من تأخّر الأجوبة عن كتبي المتواترة إليه، واعتذاره من ذلك بما اعتذر به، فقد قام عندي إحضاره إياها، وحفظه عددها، وتوكّل فكره ومراعاته بها، وجمعه الجواب عنها في الكتاب الذي هذا جوابه، مقام المكاتبة الجارية على المواظبة، المستمرّة على المداومة، لاسيما مع ما تناولني به من لفظه الجميل، وبرّه الهني، ومطاولته البالغة، ومناقشته الشافية، وعلى حسب ظمأي- كان- إلى ذلك والتياحي، وسروري الآن به وارتياحي. وهذه حال تخفّف عنه كلفة الاعتذار، وتوجب له مزيدا في الاعتداد، لا أعدمني الله تحمّل عوارفه، وتطوّل مننه، مع الإنهاض بها، والمعونة على شكرها.

وأما ما ذكره سيّدنا الصاحب من الأثقال الفادحة التي حملها، والأمور المنتشرة التي نظمها، بين الرزيّة في أمير الأمراء مؤيّد الدولة، ﵁، التي نكأت القلوب وأقرحت الأكباد، وبين العطيّة في مولانا الأمير الأجلّ فخر الدولة التي أقرّت العيون، وأثلجت الصدور، فلقد كنت لجميع ذلك متصوّرا وبه محيطا، ولو لم أعلمه بالمراعاة، وأضرب فيه بسهم الموالاة، لعلمته بالقياس والاستدلال، لأني كافحت الثانية للأولى، ولاقيت الداهية الجلّى في الملك الأعظم، والسيّد المقدّم عضد الدولة وتاج الملّة، لقّاه الله روحه وريحانه، وبوّأه جنّته ورضوانه، وقاسيت شدائد متعبة فيما خدمته به أيام علّته المتطاولة، وفيما نفّذته بعده من وصاياه المؤكّدة. ولما انتقل إلى جوار ربّه وانقلب إلى كرامته

وعفوه، ثنيت وجهي إلى احتذاء مراسمه، وامتثال أوامره، فيما عقده من العهد للملك القائم بعده، السادّ ثلمة مكانه، الوارث شرف منزلته، المستقرّ في علياء رتبته، مولانا صمصام الدولة وشمس الملّة، مستمليا فيما أخذت وتركت، وأوردت وأصدرت، من سديد آرائه، ومستضيئا بوميض لألائه، وضاربا وجوه النوائب بيمن طائره، وسعادة طالعه، إلى أن تجلّت غماؤها، وأسمح إباؤها، وتذللت صعابها، وتفلّلت أنيابها، وضربت الدولة بجرانها، واستعلت بأركانها، واطمأنّت على مهادها، وطرف الله عين شنائها وحسّادها؛ هذا على شوائب كانت تعترض ثم تقلع، وتطلّ ثم لا تقشع، لا تخلو الدول المتجدّدة من اعتنان أمثالها وأشكالها، وأحسن بها مع حسن عقباها ومآلها. فلو وصفت لسيّدنا ما مرّ بي في هذه الأحوال من إصلاح الفاسد، وتقويم المائد، وقبض المنبسط، وإرضاء المتسخّط، وتألّف المخالف، واستقادة المتجانف، ومقابلة كلّ داء بدوائه، وتعديل كلّ أمر خيف من اضطرابه والتوائه، لطال الخطب واتصل القول. وأنا أحمد الله على أن جمع بيننا فيما تولّانا به من المعونة التي قضينا بها حق موالينا الأمراء السادة، صلوات الله على من مضى منهم وسلف، وأطال الله بقاء من قام بعدهم وخلف، وإيّاه أسأل إدامتهم والزيادة فيها، ليشار إلينا في المستقلّين بحمل أياديهم، كما يشار إليهم في الإنعام على مواليهم، بمنّه وطوله.

وأما ما أورده سيّدنا الصاحب في الحضّ على التآلف والتعطّف، والنهي عن التقاطع والتّدابر، فمثله- ولا مثل له- قال ذلك وأرشد إليه، وأشار به وحثّ عليه. وحقيق علينا فيما نلتزمه من شكر النّعم التي خصّتنا خصائصها، وتظاهرت علينا ملابسها، أن نكرّر على أسماع موالينا ما يعود عليهم وعلينا في ظلّهم، باجتماع الشّمل، واتّصال الحبل، والتعاضد الكابت لأعدائهم، الزّائد في عليائهم. وبالله ما أجد عند مولانا صمصام الدولة مستزادا في ذلك، ولا موضعا لبعث باعث عليه، إذ كان يرجع إلى أكرم طبيعة، وأشرف غريزة، وأفخر نجار، وأثقب رأي وأصحّ اختيار، ويرى

لمولانا وعمه وسيدنا الأمير الأجلّ فخر الدولة ما ينبغي أن يراه من الحق العظيم، والفضل الكبير، ويثق بما له عنده من مثل ذلك، ويعتقد في سيّدنا الصاحب ما يعتقد في أوّل الوزراء، وأجلّ الكبراء، والأوحد في الدولة، والمتفرّد بكلّ فضيلة، والمعوّل على رأيه، والمرجوع إلى تدبيره في ما خصّ وعمّ، وجلّ ودقّ، وما أخلّ برأب هذه الحال وعمارتها وحراستها، ونفي الأقذاء والشوائب عنها، وبلوغ كلّ غاية في تقريرها وتمهيدها، وتثبيتها وتوطيدها، غير موجب لنفسي فيها من الحمد إلا ما يجب للعارف بالحق والمؤدي للفرض.

وأما تمهيد سيّدنا الصاحب عذر مولانا الأجلّ فخر الدولة، وإصداره ما صدر إليّ عن حضرته، ووعده بما وعد به من مستأنف زيادته، فقد شكرت ذلك، وتحمّلت المنّة فيه، ووثقت من سيّدنا الصاحب بأنّ كرمه وكيل لي عليه، ونائب عني عنده، في توفيتي من جهتها جميعا، ما أستحقّ بالموالاة الممحوضة غير المشوبة، والطاعة المصدوقة غير المكذوبة، وبما وسمني به مولانا الملك السيّد صمصام الدولة وشمس الملّة من نعماه وأثرته، وفوّضه إليّ من وزارته ومظاهرته، مؤهّلا لي في ذلك التفرّد والاستبداد، وذاهبا بي عما كان أمر الوزارة جاريا عليه من الشركاء والأنداد. ولست أخاف وقد عرفت لسيّدنا الصاحب حقّ السابق المجلّي أن يمنعني حقّ التالي المصلّي، في ما تراه العيون ظاهرا، أو تتناقله الأخبار سائرا، ومن ورائه باطن مني في التعبّد له، والانحطاط عنه، أشهد الله على سماحة نفسي به، وانشراح صدري له، وصل الله ما تقرّر في قلبي من إعظامه، وتحصّل في يدي من عهده وذمامه، بأحسن ما اتّصلت به ذات بين، والتأم عليه شمل فريقين، بطوله ومنّه، ومشيئته وإذنه.

وقد سمعت من أبي العلاء ما أدّاه، وأجبت عنه بما اقتضاه، واعتددت له

شكر ما أشكره، وإن كنت لا أرضى حدّا أقف عنده في مراعاة مثله ممّن انتسب إلى جملته الجليلة، وفئته الشريفة، وكان مرسوما منها بالسفارة، موسوما بتحمّل الرسالة، وقبل ذلك وبعده، فإني أرغب إلى سيّدنا الصاحب في إمدادي بأمره ونهيه، وتصريفي في عوارض خدمته، واختصاصي بمفاوضته ومباسطته، واعتمادي بحاجاته وأوطاره، وإطلاعي على سائر أحواله وأخباره، ومتجدّد نعم الله عنده، ومواهبه له، فإن رأى أن يتوخّاني بالمنّة في ذلك، محقّقا سالف ظنّي به، ومنجزا آنف وعده، فعل، إن شاء الله تعالى.

كتب كاتب إلى خارجي:

استزلّك الشيطان بمكره وخديعته فأطعته، ودعاك بعداوته إلى ما فيه فساد دنياك فأجبته، وخرجت إلى المعصية وقد عرفت وعورة مركبها، وصعوبة مسلكها، وخشونة مصحبها، وسوء مصرعها، ثم فعلت ذلك حين استبصر المستبصرون، وأناب المنيبون، ونزع العارفون، لما أظهر الله من فضل إمامهم ونشر من عدله، وغمر به من إحسانه وفضله.

كتب بعض الكتّاب القدماء:

ليس لمن قد عرف مثل الذي عرفت من فضلك عذر في إضاعة حظّه منك، ولا حجّة في الإمساك عن إذكارك بالحقوق التي تربّها برعايتك. وإذا تأمّلت أمري وتصفّحت أحوال أهل دهري، علمت أنّ لكلّ رجل بضاعة ينفق بها، ووسيلة بها يتوسّل، وسوقا يجلب إليها تلك البضاعة، وأملا يقصده بتلك الوسيلة. وإنّك أولى الناس وأحقّهم بالإمساك عليّ، لأنّ سوقي ليست بنافقة عند

أحد نفاقها عندك، وبضاعتي ليست زاكية عند أحد كزكائها في حيزك. وأنا وإن كانت الأيّام دخلت بيني وبينك، وبين حظّي منك، وعارضتني في أملي فيك، فليس إلى أن أقطع أسباب رجائي منك، وأنصرف عن الأمور الداعية إليك سبيل. وليس إمساك السماء عن طالب الغيث في حال من الأحوال، بمانع من رجائها في مستقبل الأيّام، ولا داع إلى اليأس منها في غابر الدهر. وما منعني من الكتاب إليك منذ حدثت هذه الحوادث إلا الانتظار أن تسكن النائرة، فإنّ لكلّ شيء حمة، ولكلّ مكروه مدّة، ولكلّ حادث تناهيا، فالزوال أولى به، ولا خير في مساورة النوائب وهي مقبلة، ولا في معارضة الدهر في وقت حدّته وشدّته، وربّما تطأطأ المرء للمحنة فتخطّته، وعدل عن سنن الشرّ فنجا منه، وفارق مدرجته، فأمن معرّته. وإنّ هذه المحنة لمحنة ألمّت بي، وما أعرف للزّمان فيها عذرا، ولا لما جنى عليّ منها سببا، لأنه إن كان ذلك لحال كانت بيني وبين من كنت أواصل، فو الله ما ظننت المودّات بين الناس ذنبا عند السلطان فأجتنبه، ولا جرما محتسبا فأتنكّبه.

فصل من هذه المكاتبة:

فأنت العدّة على الزمان، والعون على الدهر المستنجد على الأيام. وقد قصدتك بكتابي هذا لتجدّد ما لعلّ الغيبة أخلقته من الحال، فإنها ربما أحدثت في القلوب النسيان، وقد قيل في ذلك:

إذا ما شئت أن تنسى خليلافأكثر دونه عدّ الليالي
فما أسلى فؤادك مثل نأيولا أبلى جديدا كابتذال

ولم يرد عليّ وارد هو أبلغ من تقوية أملي واستحكام رجائي من العلم بدوام ما كنت أعهد منك، وأنّ هذه المحنة لم تؤثر عليّ أثرا من رأيك.

وكتب أبو اسحاق الصابي إلى بعض إخوانه: وقد سألتني عن الفرق بين المترسل والشاعر، وكنت سألتني- أدام الله عزّك- عن السبب في أنّ أكثر المترسلين البلغاء لا يفلقون في الشعر، وأنّ أكثر الشعراء الفحول لا يجيدون في الترسّل. فأجبتك بقول مجمل، ووعدتك بشرح له مفصّل، وأنا فاعل ذلك بمشيئة الله فأقول: إنّ طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه، لأنّ أفخر الترسل هو ما وضح معناه، وأعطاك غرضه في أول وهلة سماعه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعط غرضه إلا بعد مماطلة منه لك، وعرض منك عليه. فلما صارت الإصابتان في الأمرين متراميتين على طريقين متباينين بعد على الفراغ أن تجمعهما، فشرّقت إلى هذا فرقة، وغرّبت إلى ذاك أخرى، ومال كلّ من الجميع إلى الجانب الموافق لطبعه. ثم ترتّبوا في المسافة بينهما، فكان الأفضل من أهل كل مذهب من وقع في الغاية أو قريبا منها، وجعل الوسط خاليا أو كالخالي لقلة عدد الواقعين فيه. فليس يكاد يوجد جامع بين الإحسانين إلا على شرط يزيد به الأمر تعذرا والعدد تنزرا، وهو أن يكون طبعه طائعا له، ممتدا معه، فإذا دعاه إلى التطرّف به إلى أحد الجانبين أطاعه وانقاد إليه، كابراهيم بن العباس الصولي وأبي علي البصير ومن جرى مجراهما؛ فهذا جواب مسألتك. وتبقى فيها زيادات وانفصالات لا بأس بإيرادها ليكون القول قد استغرق مداها، وتمت أولاه بأخراه؛ ذلك أنّ للسائل أن يقول: فمن أية جهة صار الأحسن في معاني الترسّل الوضوح وفي معاني الشعر الغموض؟

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.