تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الباب الحادي والثلاثون في المكاتبات والرسائل (٢) (٣)

فالجواب أنّ الشعر بني على حدود مقرّرة وأوزان مقدّرة، وفصّل أبياتا كلّ واحد منها قائم بذاته وغير محتاج إلى غيره إلا ما يتفق أن يكون مضمنا بأخيه، وهو عيب فيه. فلما كان النفس لا يمكنه أن يمتدّ في البيت الواحد بأكثر من مقدار عروضه وضربه، وكلاهما قليل، احتاج إلى أن يكون الفضل في المعنى، فاعتمد أن يلطف ويدق، ليصير المفضي إليه والمطلّ عليه بمنزلة الفائز بذخيرة خافية استفادها، والظافر بخبيئة دفينة استخرجها واستنبطها. ثم إنّ للمتأمّل

وقفات على أعجاز الأبيات، وقد وضعت لإدراك المعنى والفطنة للمغزى، وفي مثل ذلك تحسن خفايا الأثر وبعد المرمى. والترسّل مبنيّ على مخالفة هذه الطريقة ومعاكستها، إذ كان كلاما واحدا لا يتجزّأ ولا ينفصل إلا فصولا طوالا. وهو موضوع وضع ما يهذّ هذّا أو يقرأ متصلا، ويمر على أسماع شتى الأحوال: من خاصّة ورعية، وذوي أفهام ذكية وغبيّة. فإذا كان متسهّلا ومتسلسلا ساغ فيها وقرب إذنه في أفهامها، وتساوقت الألسن في تلاوته، والألباب في درايته.

فجميع ما يستحبّ في الأول يستكره في الثاني، وجميع ما يستحبّ في الثاني يستكره في الأول، حتى إن ما قدّمناه من عيب في التضمين في الشعر هو فضيلة في فصول الرسائل. ألا ترى أن حسنها ما كان متعلّقا بعضه ببعض، ومقتضيا تعطّفا من الهوادي على التوالي، وردّا من الأواخر على المبادي. فمتى خرج الشعر على سنن الابتداع والاختراع فكان ساذجا مغسولا، فقائله معيب غير مصيب، والترك له أدلّ على العقل وأولى بذوي الفضل. ومتى خرج الترسّل عن أن يكون جليّا سلسا تعثرت الأسماع في حزونته، وتحيّرت الأفهام في مسالكه، فأظلم مشرقه، وتكدّر رونقه، وكان صاحبه مستكره الطريقة، مستهجن الصناعة.

وقد بقيت في الباب زيادة أخرى: وهي الإخبار عن سبب قلة المترسلين وكثرة الشعراء، وعن العلّة في نباهة أولئك وخمول هؤلاء. فالجواب عن ذلك أنّ الشاعر إنما يصوغ قصيدته بيتا [بيتا]، فهو يجمع قريحته وقدرته على كلّ بيت منها، فيقرّره ويبلغ إرادته منه، وله من الوزن والقافية قائد وسائق يقومان له بأكثر حدود الشعر، فكأنه إنما يحذوه على مثال، أو يفرغه في قالب مماثل.

والمترسّل يصوغ رسالته متّحدة متجمّعة، ويضمّها من أقطار متراخية متسعة، وربما أسهب حتى تستغرق الواحدة من رسائله أقدار القصائد الطوال الكثيرة.

هذا إلى ما يتعاطاه من فخامة الألفاظ اللائقة بأن يصدر مثلها عن السلطان وإليه، والتصرّف فيها على ضروب ما تتصرّف عليه أحوال الزّمان وعوارض الحدثان.

فلذلك صار وجود المضطلعين بجودة النثر أعزّ، وعددهم أنزر. فأما ارتفاع

طبقتهم على تلك الطبقة، فإنّ المترسّلين إنما يترسّلون في جباية خراج، أو سدّ ثغر، أو عمارة بلاد، أو إصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو احتجاج على فئة، أو مجادلة لملّة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة بغبطة، أو تعزية على رزيّة، أو ما شاكل ذلك من جلائل الخطوب ومعاظم الشؤون التي يحتاجون فيها أن يكونوا ذوي أدوات كثيرة، ومعرفة مفنّنة. وقد وسمتهم الكتابة بشرفها، وبوّأتهم منزلة رياستها، فأخطارهم عالية بحسب علوّ خطر ما يفيضون فيه ويذهبون إليه. والشعراء إنما أغراضهم التي يرتمون نحوها، وغاياتهم التي يجرون إليها، وصف الدّيار والآثار، والحنين إلى الأهواء والأوطار، والتشبيب بالنساء، والطلب والاجتداء، والمديح والهجاء. فليس يجرون مع أولئك في مضمار، ولا يقاربونهم في الاقتدار. وهذا قول فيما أردناه إن شاء الله تعالى.

- وكتب أبو اسحاق الصابي من كتاب إلى رعية خرجت عن الطاعة:

أما بعد، أحسن الله توفيقكم؛ إنّ الشيطان لا يزال يكسو الخدع والشبهات سرابيل الحجج والبيّنات ليشعل بها الأحلام، ويستزلّ الأقدام، وتتّجه له المداخل على عقول ربما استضعفها، ومال بها إلى موارد غوايتها، وأزلها عن سنن هدايتها، وأراها الحقّ محالا، والرّشد ضلالا، والخطأ إصابة، والخطل أصالة. بذلك جرت منه العادة، وقامت عليه الشهادة، واستحقّ أن تعصب به اللعنة، وتتوقّى منه الفتنة. وإذا كان ذلك كذلك، فحقيق على كلّ ناظر لنفسه، وحافظ لدينه، أن يتحرّز من الوقوع في أشراكه المبثوثة، وحبائله المنصوبة،

وخطاطيفه الحجن التي تجتذب القلوب، وتغتال الألباب، وتورد الموارد التي لا صدر عنها، ولا انفكاك منها، وأن يتّهم هواجس فكره، ووساوس صدره، ويعرضها على نظره وفحصه، وتأمّله وبحثه.

ومنه: وقد علمتم- رعاكم الله - أنّ هذا الشيطان اللعين نازغ لكم منذ حين، وأنكم على ثبج من خطّة فتنة قد برقت بوارقها، وزمجرت رواعدها، وجرّت الفرقة التي لا شيء أضرّ منها، ولا أنفع من تجنّبها، والنزوع عنها. قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين، وأكرم المنعمين: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها

(آل عمران:). ومن خالف آدابه وسننه فقد خسر دنياه وآخرته، وأضاع عاجلته وآجلته، وتبوّأ مقعده من النار، واستحقّها استحقاق الكفّار الأشرار، والله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء.

ومنه: وأمير المؤمنين يستعيذ بالله لنفسه ولكم من زلّة القدم، وعاقبة الندم، ويسأله أن يردّكم إلى الأولى ويلهمكم التقوى، ويصدف بكم عن المناهج الغويّة والموارد المخزية، بمنّه وحوله وطوله.

وكتب عن نفسه إلى الصاحب ابن عباد: كتابي- أطال الله بقاء مولانا - عن حظّ من السلامة وافر، وظلّ من الكفاية ساتر، والحمد لله رب العالمين. وقد كنت فيما قبل أقلّ من مكاتبة مولانا إقلال المخلّ بحقّ يجب، والمقارف لذنب ينكر، وأسكن مع ذاك إلى أنّ معرفته الثّاقبة تستنبط عذري وإن غمض، ومعدلته الفائضة تمحّص ذنبي وإن ظهر. ومع تقابل فطنته وإشارتي، وتوارد صفحه ومعذرتي، فلا بأس بأن أوضح الأمر لغيره، ممّن عسى أن يكون خفي عنه لأسلم عليه من التعجب، سلامتي على مولانا الصاحب من التعتّب،

وهو أنني كنت منذ سنين كثيرة مرميّا بعطلة، وموسوما بعزلة، فتخوّفت أن يتطرّق لبعض المنحرفين عني، والباغين عليّ، قول ربما تطرّق مثله على من نبا به زمانه، وهرّته أوطانه، فأكون قد أبديت لمراصده عن مقاتلي، ولمخاتله عن حزّ مفاصلي، فلزمت التقيّة، وكرهت الأذيّة، وانتظرت الإمكان، وتوقّعت دورة الزمان، وعلى ذاك فو الله- أطال الله بقاء مولانا - ما فارقت منذ عرضت بيني وبينه الشّقّة، وأبعدتني عنه الشّقوة، ذكره وشكره، والثناء عليه والاعتداد به؛ وإنّ محاسن وجهه لنصب عيني، ومخارج لفظه حشو سمعي، ونوادر فضله جلّ أدبي، والإسناد عنه كنه فخري. هذا وإنما خدمته أيّام كانت رياسته سرّا في ضمير الزمان، ودينا في ضمان الأيام، فكيف لو رأيته آمرا ناهيا بين وسادتيه، ورأى خادما ماثلا بين يديه؟ وما يمكنني أن أهجو دهرا قصّر خطوتي عنه، وقد أعطاه من استحقاقه ما أعطى، ولا أن أمدحه وقد حرمني من جواره ما حرم.

فإن أوجبت له شكرا فلعظم بلائه عنده، وإن ألحقت به ذمّا فلاتّصال القواطع عنه، ولا سيما وإنما حماني عن ورود بحر زاخر، وحجبني عن ضياء بدر زاهر، ومنعني من بلال نوء ماطر، وأخرجني عن غمرة غيث قاطر، وحال بيني وبين من إليه الشكوى له، ومنه العدوى عليه، حتى خلا بي فأفرط ظلمه، وتحكّم فيّ فجار حكمه.

وكتب إلى صديق له: وصل كتاب مولاي وفهمته. فأما ما شكاه من الشوق إليّ، فأحلف بالله إنه صادق فيه، مستغن عندي عن إقامة شاهد بما أجده من مثله. كيف لا يكون كذلك وقد أوحشنا الزمان من الإخوان، وأفردنا دون الأقران، فصار كلّ منّا بضاعة صاحبه المزجاة الواحدة، وذخيرته الشاذّة للشدة الفاردة. ومنذ فرق الدهر بين دارينا، فقد دانى بين قلبينا، وعرّفنا فضل صنيعه إلينا، بأن أبقانا من بين من أفنى، وأخّرنا عمّن مضى وأودى. وحياة

مولاي- أطالها الله- ما تتعلّل عيني إلا بتصوّره، ولا قلبي إلا بتذكّره، ولا قطعت كتبي عنه إلا بنيّة واصلة له، ومودّة مواظبة عليه، ومخالصة لا ينقصها الإغباب، ولا يزيد فيها الإدمان. وأرجو أن يزول بنا دوران الزمان، وكرّات الليالي والأيّام، إلى اتصال حبل وانتظام شمل، واستقرار دار، وتداني جوار.

وكتب عن قاضي القضاة محمد بن معروف إلى الوزير أبي منصور محمد بن الحسين:

الدنيا- أطال الله بقاء سيدنا الوزير- مذمومة ممّن تساعد، فضلا عمّن تعاند. وقد علم الله أنني لم أزل زاهدا فيها، ذاهبا عنها، أيام الإقبال والشبيبة، فكيف عند وشك الرحيل والمفارقة؟! ولو سلم الأحرار فيها من دواعي الحاجة، وعوارض الخلّة، لهانت عليهم مقاطعتها ومصارمتها، واستتبّ طريقهم إلى متاركتها ومفارقتها، وخاصة من كان مثلي في تداني المدى، وتقاصر الخطى، والتوجه إلى الدار الأخرى. لكنه لا بدّ فيها للمجتاز، وإن كان لابثا على أوفاز من مادة تسبل ستر التجمّل عليه، وتمنع من ظهور الخصاصة به. ولمولانا الملك عليّ نعم سوابغ، وأياد سوابق، وقد كان سبيلي أن أشتغل بشكرها، وأستمرّ على نشرها، والحديث بها، وأتوقّف عن استضافة غيرها إليها لولا المعذرة التي قدّمتها، والضرورة التي أومأت إليها، ومن تمام هذه النّعم أن يكون الوجه مصونا والقوت موجودا.

وكتب عن ابن بقية إلى عضد الدولة: فأما اعتقاده- أطال الله بقاءه- حفظ الألفة، ودحض ما ألّم بها من الوحشة، فمشاكل لآرائه الصحيحة وأخلاقه السجيحة، ولما لم أزل أبعث وأحثّ عليه، وأدعو وأرشد إليه. وإذا كان هذا رأيه، وكان عند مولانا الأمير عزّ الدولة مثله، وكنت بينهما مسديا ملحما فيه، وباذلا وسعي في تقرير أواخيه، فما ينبغي أن تقعد بنا حال عن الجمع بين القول والفعل، والمساواة بين الشاهد والغائب، والمطابقة بين البادي والخافي. وأمّا اللزوم لسنن موالينا الماضين- ﵃ أجمعين- فمولانا

أولى من حافظ عليها، وتمسّك بها، وكلّ من بعده من موال- أدام الله نعماءهم- فبهم يقتدى، وبآدابهم يهتدى. وما يخالف في ذلك إلا من الحقّ خصمه، والحجة عليه، والله تعالى من وراء معونته إن انثنى وراجع، أو المعونة عليه إن أصرّ وتتايع. وهاهنا- أيّد الله مولانا- أحوال أخر، ودواع إلى اعتقاد هذه الألفة لو لم تسبق الوصيّة بها من القرن الخالف: فمنها أنّ الأدوات التي أدّت الماضين إلى تلك الآراء السديدة الرشيدة، هي في الغابرين الباقين- مدّ الله في أعمارهم- أوجد، وعليهم أحسن، وهم بأن يستأنفوها ويستقبلوها أولى من أن يتعلّموها ويتقيّلوها، لارتفاع العصابة التي مولانا وسيّدنا زعيمها، واللحمة التي هو كبيرها وعظيمها؛ ومنها أنّ انتشار التّظالم إن بدا- والعياذ بالله- لم يقف عند الحدّ الذي يقدّر أن يقف عنده، ولم يخصّ الجانب الذي يظنّ أنه يلحقه وحده، بل يدبّ دبيب النار في الهشيم، ويسري كما يسري النغل في الأديم. وكثيرا ما يعدي الصحاح مبارك الجرب، ويتخطى الأذى إلى المرتقى الصعب، في مثل ذلك، وانعكاس المتحمّلات في مثل ذلك أقرب من استتبابها، والتواؤها أسرع من اعتدالها.

وكان أبو إسحاق الصابي محبوسا في دار المطهّر بن عبد الله، وصودر على مال أجحف به، وكان المطهر يراعي حاله، وكان معه ابناه محبوسين، ويخرج كلّ واحد منهما في نوبة له. واتّفق أنّ المطهّر تفقّد حال أبي إسحاق في مطعمه ومشربه، فأنكر خللا رآه، وضرب الطبّاخ ومنع المستخرج من مطالبته ببقيّة كانت عليه، وحال بينه وبين مخاطبته، وكان ذلك في نوبة ابنه الأصغر أبي عليّ المحسن، فكتب إليه:

يا أبا عليّ، جعلني الله فداك، عشنا بعدك ما شينا، وشبعنا وروينا، وأرخت السماء عزاليها، واثعنجرت بما فيها، فغمر الماء الزّبى، ونقع من الصّدى، ولبست الأرض قناعها الأخضر، ونضت شعارها الأغبر، وعاضنا الغضّ العميم من المصوّح الهشيم، وجزأنا الرّطب المخضوم من اليابس المقضوم، فعاشت العاملة والماشية، وهاجت الآبية الغاشية، وارتجعت روايا المطايا، ما أخذت منها المخارم والثنايا، مستردّة بمشافرها ما جذب البرى بمناخرها، سائمة بين الكثيف الكثّ، من الطّبّاق والشث، وسارحة في المناخ الفسيح، من القيصوم والشّيح، فنحن في سوابغ من النّعم، نرتع فيها رتعة النّعم، قد عزّ عندنا أن يستضاف [لدينا] ضيف كريم، واستغنى أن يرتضع لئيم، وأترعت الجفان وذما، واستحال القرم بشما وحالت البطنة دون الفطنة، ومنع الطعام دون تراجع الكلام، فلو أنّ قسّا بيننا لخرس، أو دغفلا لأبلس، وكأنّ الشاعر إنما أراد أحدنا بقوله:

أتانا ولم يعدله سحبان وائلبيانا وعلما بالّذي هو قائل
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أتى يخبط الظلماء والليل دامس»
فما زال عنه اللّقم حتّى كأنّهمن العيّ لما أن تكلّم باقل
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أتى يخبط الظلماء والليل دامس»

فهزيلنا بحمد الله سامن، وضئيلنا بإذن الله بادن، وأخلافنا دارّة، وغلّاتنا مترعة، ورياضنا مخصبة، وعرصاتنا معشبة، ومشاربنا متأقة، وأنهارنا متدفّقة، وأشجارنا مورقة مرجحنة، وأطيارنا مغرّدة، وريحنا رخاء، وعيشنا سرّاء، وزماننا ربيع كلّه، وليلنا سحر من أوّله، ونهارنا ضحى إلى آخره. وقد أخرجنا الله من شدّة إلى بلهنية، ومن ضغطة إلى رفاهية، ومن شقوة إلى سعادة، نأكل الطيّب المستمرأ بعد الخبيث المستوبأ، ونشرب البارد العذب، بعد الآجن الملح. وأدركتنا هزّة الرعاية، وأطّت بنا عند سلاطيننا- أطال الله بقاءهم-

رحم الولاية، وأبدلنا من الاطّراح محافظة وعناية، ومن الإدالة صونا ووقاية، وحصلنا في ضيافة سيّدنا الأستاذ الكريمة، واستنقذنا من ملكة المستخرج السيئة اللئيمة، فها هو ذا يكذب دوننا إذا حمل، ويغني عنّا إذا نظر، ويتعزّل بيتنا تعزّل الأحوص بيت عاتكة، يرانا منه بنجوة، وكنّا له بالأمس طعمة، ويصرف أنيابه حسرة، وكنّا له قبل اليوم مضغة، ويهرّ على غيرنا مع الأحرار هريرا، ويملأ أسماعنا فيهم زئيرا، قد ذلّت لنا من بينهم صعبته، ولانت في أيدينا صعدته، وجار على عجمنا عوده، ومال على غمرنا عموده، فطرفه مغضوض، وإبهامه معضوض، ومنار عظمته مخفوض، ومبرم هيبته منقوض. قد شكل عنّا بشكال، ونشطنا على رغمه من عقال، فهو بالصغر باشّ بنا بعد اكفهرار، وهاشّ لنا بعد اقشعرار، ومتبسّم في وجوهنا بعد تجهم، ومقيّد ألفاظه عنا بعد تهجّم، ومتثعلب في مخاطبتنا بعد تقسور، ومصانع بعد تغشمر، وذلك ما ألبسناه الله من عزّ الرّضى وصلاح المنقلب والمفضى. والحمد لله ربّ العالمين، وإيّاه نسأل أن يبلغنا منتهى آمالنا، والغاية من اقتراحنا في هذه الدولة التي تقادمت فيها علائقنا، واستحكمت وثائقنا، ولم تزل نعمها متوقّعة مضمونة، ونقمها مصلحة مأمونة، ونحن الآن طلائح نكبة، وطرائح محنة، قد أوجب الله لنا فيها الثواب بعد العقاب، والجنّة بعد الحساب، والتعويض بعد التمحيص، والتأنيب بعد التخصيص، وبالله التوفيق.

فأجابه أبو علي: وصلت رقعة سيّدي- أطال الله بقاءه- مبشّرة بالغيث الذي غمر الورى، وروّى الثرى، وبلغ الزبى، ونقع الصّدى، وحرش الضّباب، وأهاج الذئاب، وأسال التلاع، وملأ البقاع:

فمن بمخلفه كمن بنجوتهوالمستكنّ كمن يمشي بقرواح

قد لبست الأرض أفخر حللها، وتحلّت بعد عطلها، وابتسمت عن نوّارها، وضحكت عن زوارها، وثقلت بعد خفّها، وتضوّعت عن نسيم عرفها، بالكلأ

الذي طبّق البلاد، وعلا الوهاد، وعمّ السّهوب، وشفى القلوب، فالحاطب بطيء الأوبة، والقابس قرين الخيبة، قد جنّ ذبابه، ونعب غرابه، وسمنت حواشيه، وغزرت مواشيه، فكأنّ الثلج في مواطنها، والقطن المندوف بين معاطنها، يتطرف ولا يتنحّى، ويتتبع ولا يستقصى. قد أكثبها السّعدان، وأحسبها المكر والضّيمران، فما تبرح عن مأوى ولا تنزح عن طلب مرعى، قد ألقت رعاتها عصيّها، واستوقفت مضاجعها، وجعلت حبالها على غواربها، وأهملتها في مسارحها، فانداحت بطونها، وانبسطت غضونها، واستحشت أكرعها، واستحنت أضلعها، فكأنّ القائل لها وصف، وإيّاها عنى، في قوله:

إبلي الإبل لا يحوّزها الراعون مجّ النّدى عليها الغمام
للشاعر خالد الفرج، اقرأ القصيدة
سمنت فاستحشّ أكرعها لا الننيّ ولا السّنام سنام
للشاعر ابو دُاود الإيادي، من قصيدة «منع النوم ماوي التهمام»

وما ألبسه- أدام الله تأييده- من سوابغ النّعم، ومنحه من مطايب الطّعم، وأترع له من الجفان الرّذم، وشمله من أريحيّات الكرم، حتى كظّ البشم، وذهب القرم، وأودت الفطن، وعييت اللّسن، وصار قسّ في خطابته كباقل، إذ عيّ عن حسابه، ودغفل كبعض الأعراب وقد سئل عن النّضناض ففتح عن فيه، وأدار لسانه فيه، أو كأحمد بن هشام الذي استطرد القائل عليه بقوله:

وصافية تعشي العيون رقيقةرهينة عام في الدّنان وعام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وصافية تعشي العيون رقيقة»
أدرنا بها الكأس الرّويّة بيننامن الليل حتى انجاب كلّ ظلام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وصافية تعشي العيون رقيقة»
فما ذرّ قرن الشّمس حتّى كأنّنامن العيّ نحكي أحمد بن هشام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «وصافية تعشي العيون رقيقة»

أو كأنا في إجابته التي بعد منها المرام، وتقاصرت دونها الأفهام، فهي كالسّماك في علوّه، والعيّوق في سموّه، تحرن في يد مقتادها، وتعزّ على مرتادها، محاولها مقهور، والسالك إليها حسير. وضربت معه- أدام الله تأييده- بالسهم الفائز، وأخذت بالنصيب الوافر، في كلّ ما عدّد ووصف، وأبان وعرف، من إطلال السّعود، وكبت الحسود، وانحسار النوائب، وإسعاف المطالب، وعود السلطان- أطال الله بقاءه- إلى ما يوجبه علاه، ويقتضيه إياه، من قديم الحرمة، وسالف الموالاة والخدمة، له، من المحافظة على الوليّ المخلص، والعبد المتحقّق، بعد التهذيب والتأديب، اللذين لم يعدوا الإصلاح ولم يتجاوزا الإرشاد؛ والحصول في كنف سيّدنا ومولانا الأستاذ الجليل- أطال الله بقاءه- الذي من تبوّأه سلم ونجا، ومن تنكّبه هلك وهوى؛ وضيافته التي وضحت سبلها، واشتهرت طرقها، وجواره العزيز الذي لا تستطيعه النوائب، ولا تتخوّنه الحوادث، والانقاذ من ملكة المستخرج، القصير النسب، الدقيق الحسب، الذي لا يراقب، ولا يخاف العواقب، ولا تدركه هزّة، ولا تعطفه أريحيّة، والخروج عن يده الكزّة الأصابع، القليلة المنافع، اللئيمة الظّفر، الكثيرة الضّرّ، التي لا مخلّص لمن وقع بين أناملها، ولا منتزع لمن نشب في مخالبها.

فالحمد لله الذي كفّها عنا بعد الانبساط، وقصرها بعد الاشتطاط، وجعل مقلّها يكدمها دوننا عضّا، ويبدّلها بالبسط علينا قبضا، قد ذلّلته الهيبة، وقيّدته الطاعة، فأنس بعد نفاره، وعدل عن ازوراره، حمدا يقضى له الحق، ويؤدّى الفرض، ويمترى المزيد من النّعم، ويؤمّن نوازل النّقم؛ وإيّاه أسأل أن يجعل سيّدي في حماه الذي لا يرام، ويلحظه بعينه التي لا تنام، ويجريه على العادة، ولا يقطع عنه المادّة، بمنّه وقدرته.

لما قبض هلال بن بدر بن حسنويه على أبيه بدر، وقال الناس في ذلك ما شاءوا، فمن منكر لفعله مستفظع، ومن مصوّب له عاذر، سئل أبو الحسن عليّ بن نصر الكاتب إنشاء كتاب يبين فيه عن عذر هلال ويحسّن أثره، فكتب:

إنّ أولى ما استمع، وأحرى ما اقتفي واتبع، كتاب الله تعالى المنزل على قلب نبيّه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم، وأزلف محلّه لديه إذ يقول ﷻ وصدق مقاله، مؤدّبا للخلق، وحاضّا على قول الحقّ، ومخوّفا من الإثم المكتسب، ومحذّرا من الوزر المحتقب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ

(الحجرات:) ويقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً

(الأحزاب:)، فجعل التقوى له منوطة بالقول السّديد، والنّطق الرّشيد. فلا يجب لأحد من الخاصّة والعامّة، وجد الرّياء في خليقته، وشيئا باين طبعه وسليقته، أن يحكّم التّهم عليه، ويوجّه الظنن إليه، استنكارا لظاهره المستهجن، دون استشفاف باطنه المستحسن، لا سيما إن صدر من ذي رئاسة، وبصير بسياسة، قد لابس الخير والشرّ، ومارس النفع والضّرّ، وعلم كيف تصرّف الأمور، وتقلّب الأيّام والدهور. فإنّ لكلّ بدء خاتمة يورد عليها، وعاقبة يفضى إليها، ولربّ جميل انكشف عن القبيح غطاؤه، وقبيح انحسر عن الجميل غشاؤه، ولا يعلم الإنسان ما في المغيّب. وإنّ الله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، جعل الإسلام دينا قيّما يهدي إليه من الجهالة، وطريقا مستقيما أوضح عليه الدّلالة، وسببا مبينا استنقذ به من الضّلالة، ختم به الأديان والملل، وحتّم أتباعه على كافّة الشرائع والنحل، وجعل العاجلة لمن جهل واضح حجّته، وعدل عن لائح محجته، وبغى الفساد فيه، وخالف أوامره

ونواهيه، واستحلّ ما حرّم الله تعالى من أهليه، سفكا للدماء المحقونة، وهتكا للمحارم المصونة، وفتكا بالنفوس المحرّمة، ونهكا للأموال المجتمعة، سيفا يحصد شوكته، وحقّا يقصم شرّته، وخوفا يشرّد طمأنينته، وأصاره في الآجلة إلى نار تلظّى، لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذّب وتولّى. ثم وعد غير الراضي بفعله، والجاري في مذاهبه وسبله، جزاء الأسف والنّدامة، وردّاه برداء الخزي يوم القيامة، قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ

(آل عمران:)، وقال: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً

(النساء:). وخبّر نبيّه ﷺ بصورة المؤمنين وصفة المتّقين، فقال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ

(المجادلة:). فحقّ لمن عقّ في الله أباه، وهجر في مرضاته زوجه وأخاه، وقطع في طاعته رحمه، وحادّ في ذاته عشيرته ولحمه، أن يلحقه بعباده الذين ارتضى فعلهم، وشكر سعيهم وعملهم، وأعدّ الجنّة ثوابا لهم، إذ كان ما يتكلّفه من هذه الحال التي تأباها الطّباع، وتنفر منها القلوب والأسماع، مبالغة في القربة إلى ربّه، وحرصا على تحصيل ثوابه وأجره.

ومنها: وإنّا لما وجدنا أبانا- هداه الله إلى الهدى وعدل به إلى السبيل المثلى- قد استمرّ على مزلقة مردية، ومدرجة مودية، مع تخلّق العمر، ونزول الأمر، ومشارفة حلول القبر، رأينا له الكفّ عن غربه أصلح، والتخفيف عن ذنبه أربح، وقصره عن استزادة السيّئات أكمل في برّه، وحصره عن الاستكثار من الموبقات أفضل في شكره، فقبضنا يده المبسوطة بالشّرّ، وكففنا سهامه المبثوثة بالضّرّ، وأخفناه على نفسه خيفة تردعه، وتلجمه وتزعه، عسى الله أن يهديه لرشده، ويردّه إلى سواء قصده، فيطفو من غمرته، ويصحو من سكرته، ويرجع إلى ربّه رجوع المضطر، وينزع نزوع الذي مسّه الضّرّ، ومعه بقيّة من

عمره، يتدارك بها الفائت من أمره، بتوبة متحنّف ضاجّ، ودعوة متلهّف راج، فإنه تعالى يقول: ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ

(النحل:)، فنكون لحقّ تربيته قاضين، ولحرمة أبوّته حافظين، باجتذابنا إيّاه إلى مصلحته، واستلابنا له من ضلالته وفتنته، قبل فوت وقته ومدّته. ونسأل الله تعالى توفيقا لما قرّب منه، وأزلف عنده ولديه، وله- جلّ ثناؤه- الحمد الطويل، والشّكر الجزيل، على ما أنعم به علينا، وأزلّه من منحه إلينا، وسبّبه بتوفيقه لنا من إصلاح الفاسد، وردّ الحائد، وتقويم الزائل، وتعديل المائل، ورمّ الثّلم وزمّ الكلم، وإمرار حبل الدّين، ونظم شمل المسلمين، حمد من قدر منحته بقدرها، وعرف لها حقّ شكرها، وإليه الرغبة في الإمتاع بجميل الموهبة، وإلهام الصّبر على ما امتحنّا به من مكافحة شيخنا، في اتّباع دينه وكتابه، واجتناب جوالب سخطه وعقابه. فليعلم الخاصّ والعامّ ممّن انتهى إليه هذا الأثر، وقرىء عليه هذا الخبر، أنّ النّعمة إن لم تخصّه في ما فعلناه، فلم تبعده بمشاركة الكافة في ما أرغناه، ومساهمة الجماعة في ما آثرناه من مصالحهم وابتغيناه. فلينصف من نفسه، وليصرف عنها وساوس هجسه، وما يخطر لها من تخيّل أبنّا خلله، وأوضحنا بطوله وزلله، ليسرّ الطاعة في قلبه، وليظهرها في فعله ونطقه، يجد من الله هاديا رؤوفا، ومن سائسه راعيا عطوفا، ومن الرّشد طريقا مهيعا، ومن القصد سبيلا متّبعا، فإنّ الله مع المؤمنين، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

وعمل فصولا على ألسنة جماعة من المتقدّمين، عرضت على الوزير أبي العباس، فلما قبلت ومدحت كتب مقرّا بها فيما بعد:

الألفاظ- أطال الله بقاء الوزير- نتائج الأفكار، وحالّة من القلوب محلّ

الأولاد: يكون منهم القرّة والعرّة، وبكليهما يقع الافتتان والمسرّة، وليس يصحّ لأحد علم جميلها من قبيحها، ومعرفة سقيمها من صحيحها، إلّا بأن يسلّط عليها ثواقب الأفهام، وجهابذة الكلام، ثم يتخلّى عنها، ويتبرّأ منها، ليسلم ذامها من المراقبة والمحاباة، ويبعد مما اصطلحت عليه الطّباع، واتفقت عليه الأسماع، من مقابلة ما يورده المتأخّر بالرّدّ، أمام التّصفّح له والنقد، واستشعاره تقصيره فيه، قبل تأمّل ألفاظه ومعانيه. فإنّ المحدث مظلوم، والمحدث خاصة مفهوم، وفي ذلك أخبار متعالمة، وأحاديث متعارفة متداولة. ولا عذر لمن شافهه من الوزير- أطال الله بقاءه- لسان البلاغة، وواجهه إنسان عين الفصاحة، وقوّمه شخص الكتابة، واستخدمه ملك الخطابة، ألّا يجري بالسّداد قلمه، والصواب كلمه؛ كما لا حرج عليه مع تشبّث الهموم بفكره، وتمكّنها من صدره، أن يكثر خطأه وخطله، ويتّصل عثاره وزلله. وكنت خدمته بفصول مختلفة المباني والأصول، تقلّبت فيها تقلّبي في إحسانه، ونشرت مطويّها نشري لإنعامه وامتنانه، ونحلت حملا منها من لا يتجمّل بملكه، وإن تحمّلت بانخراطها في نظمه وسلكه، متعمّدا بذلك ما قدّمته، معتقدا فيه ما قرّرته، وما أنشط الآن مع نفاقها في سوق مجده، ابتعاثها شرارة من زنده، لتركها، ومن لم يعرق في استنباطها جبينه، ولا درّ لاستخراجها وتينه، وأرجو أن لا يجلب هذا الإقرار تغييرا، ولا يولّد على السنّة المألوفة نقيصة ولا تقصيرا.

وهذه ظلامة لا يسع العادل تركها، ولا يسوغ في النّصفة العدول عنها، وليس تجري المطالبة بها مجرى الرجوع في الهديّة، وإنما هو كاسترداد القرض والعاريّة. والله يحسن توفيقي لطاعته، ولا يسلبني حسن تثقيفه وهدايته، بمنّه وقدرته، وهو حسبي ونعم الوكيل.

وكتب إلى صديق له:

قد عرفت، أيها الأخ، الدّهر وتبدّله، والزّمان وتنقّله، وأنه غير ملتزم لوتيرة، ولا مبرم الفتل على مريرة، بينا هو مقبل حتى يعرض، ومنبسط حتى ينقبض، ومعط حتى يحرم، ومعاف حتى يسقم، وعادل حتى يظلم، وبان حتى يهدم؛ الغدر سجيّته ودأبه، والفتك بغيته وطلابه. فالعاقل غير ساكن إلى حبائه، والحازم غير واثق بوفائه. لا يجد الإنسان عليه ظهيرا، ولا من نوائبه نصيرا، إلا أخا ادّخره في رخائه لشدّته، وذا ودّ اعتقده بأصالة رأيه لفاقته، فعساه أن يلطف لإزالة بلواه، إذا غاض صبره على سكون من النّفس إليه، وأمان من الشماتة بما يقف من حاله عليه. فكثيرا ما خرج الأحرار بأحزانهم مستروحين بنفثها، وباحوا بأشجانهم بائحين ببثها، إلى مستبشر بما لحقهم، وإن كتم استبشاره وحزنه، ومبتهج بما طرقهم وإن ستر ابتهاجه وشجنه، وما أحسن وصية المتنبي، سقى الله صداه، في قوله:

لا تشك يوما إلى خلق فتشمتهشكوى الجريح إلى الغربان والرّخم

فليس بقليل الحظّ من ظفر بخلّ أمن سرّه وجهره، وعلم خيره وشرّه، وطعم حلوه ومرّه. وما زلت على مرّ الليالي والأزمان، أنتقي الأخلّاء والإخوان لأضيف إليك آخر أعضدك ونفسي باختصاصه، ويشدّ عضدك ويدي باستخلاصه، حتى طلع في السنين المتطاولة، وبعد ليّ الأيام المماطلة، في أفق المودّة والإخاء، وسماء المخيلة والرّخاء، السيّد أبو فلان، وألفيته متخلّصا من شوائب القتام، موفيا في رضاع سخيله على بدر التمام. فأوّلت رؤيته أمرا مقبلا وسللت على عنق الأيام منه منصلا، وما زالت الخبرة توفي على الخبر، والتجربة تزيد في حسن الأثر، إلى أن استحكمت قواعد الوداد، وضربت الثقة

دون سداده بالأسداد، ثم أراني الحظّ الآن أمرا مخالفا لما كنت به عارفا، وأسمع لفظا منافيا ما كنت له آلفا، من إخلال بوصال أحال فيه على موجب الحال، وقوة من خطاب كانت لا تخطر قديما له ببال، وتنزّه عن الاعتذار عند الفرطات كان مبذولا على مرّ الساعات، وأمارات بعد هذا وأمارات؛ وأنا لطبيّ أطبّ العلّة بالصبر، ولسوء ظنّي أستجيب لما أسامه من أمره وفساد مثله، حرسه الله، غير مسموح به. وتغيّر العادة على مثلي أبلغ شيء في أذى قلبه، فأنا بين مصابرة ومساترة، ومواربة

ومساورة:

يقولوا تجنّب عادة ما عرفتهاشديد على الإنسان ما لم يعوّد

فإن رأيت أن تقف على هذه الجملة سرّا، وتوسعها تدبيرا وفكرا، وتسبل عليها من كتمانك جناحا وسترا، وتهدي لرأي تعمله لأعمله، وتمثّله لأمتثله، فعلت، إن شاء الله تعالى.

ومن كلام له:

ومثله- أدام الله تأييده- ممّن تراعى حسناته وتلحظ، وتزوى زلّاته وتحفظ، ويثنى عليه بصحّة العهد والذّمام، ويسرع إليه قدح العيب والملام، يجعل الأناة زماما لأعماله، والرّويّة رائدا لأفعاله، فيسيء بالعجلة ظنّا، ويقلب الرأي ظهرا وبطنا، حتى إذا صفا من الشوائب، وشفّ له عن غيب العواقب، أبداه عن يقين لا يطور به الشّكّ، وأمضاه على تحقيق لا يسوغ معه الترك، والله- عزّ اسمه- يهديه للأوفق، ويرشده إلى الأحرى بفضله والأليق، إنه على كل شيء قدير.

وكتب إلى دار الخلافة في معنى سقوط فرس:

انتهى إلينا نبأ شغل القلب وروّعه، وقسم الفكر ووزّعه، وجلب الاهتمام ودعاه، وأوجب الإزعاج واقتضاه، وتعقّبه خبر دفع الكربة وصرفها، ورفع الغمّة وكشفها، وطرد المساءة بالمسرّة، وأبدل الإشفاق بالحبرة، من عثرة زلّت لها يد الجواد، وكبوة كانت والسلامة على ميعاد، وإنما قرنها الله تعالى بها ملاحظة، وأجراها معها محافظة، لتصرف روعة باديها، وتكفى عاقبة عواديها، وتحسم مادة الأذى والضّرر فيها. وإن كان ما يتّخذ من المراكب للخدمة الشريفة كريما نسبه وعرقه، مهذبا مذهبه وخلقه، أمينا خببه وركضه، وثيقة سماؤه وأرضه، فإنه يتضاءل عند أعباء المجد، ويضعف عند امتطاء الشرف العدّ، ويري أنّ عليه من عزّ الخلافة وفخارها، وحكم الإمامة ووقارها، ما تزلّ معه الأطواد الفارعة، وتضيق به الأقطار الواسعة. فذنبه بعذره ممزوج، وعثاره لاستقلاله موهوب. والحمد لله الذي كمّل لدينا البرّ والإنعام، وكفى المسلمين والإسلام، وجعل المخافة بالنّعمة مقرونة، والسلامة مع الحذر مضمونة، وإليه الرغبة في حراسة الحضرة النّبويّة، من عوارض المحذور، وطوارق الدهور، وأن يجعل أيّامها موصولة بالأمن واليمن، وسعادتها منظومة بين الإحسان والحسن، فلا تتخلّلها شائبة، إنه على كلّ شيء قدير.

أنبأناك هذه الجملة لتقوم بإنهائها على عادة منابتك، وتشفي اختصارها بإسهابك وإطالتك، وتجيئنا بما نسكن إليه. ونشكر الله الكريم عليه، ونعتدّه منك ولك، إن شاء الله تعالى.

كتب أبو القاسم الحسين بن علي المغربي إلى أبي القاسم سليمان بن فهد، وقد أهدى إليه خمسة أقلام في يوم نيروز:

للناس- أطال الله بقاء الأستاذ الجليل- عادة في مثل هذا اليوم بتهادي الأقلام، وقد كان يجب أن يكون هذا الفعل محظورا إلا عليه، وممنوعا إلا منه،

لأنّ الأقلام إذا أهديت إليه قد أعطيت قوس البلاغة باريها، وأعلمت أفراس الكتابة مجريها، وأنصفت هذه الآلة ولم تظلم، وأكرمت هذه الأداة الخطرة ولم تهتضم. وإذا عدل عنه- حرسه الله- فقد أنزلت دار غربة، وأحلّت منزل هوان وذلّة، وشتّتت عن أوطانها، وشرّدت عن ميدانها، وفرّق بينها وبين من يستخدمها في توشية برود المجد، وتسهيم ملابس الحمد، وتأنّق روض الفصاحة، واستثمار جنى البلاغة، وما أحقّ هذا المعنى بما قيل:

إقرأ على الوشل السّلام وقل لهكلّ المشارب مذ هجرت ذميم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «اقرأ على الوشل السلام وقل له»
لو كنت أملك منع مائك لم يذقما في قلاتك ما حييت لئيم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «اقرأ على الوشل السلام وقل له»

ولكن لو ملكت إمارة هذه الصناعة، لحميت منابت اليراع، وصنت مغارس الغياض، ولمنعتها إلا من كلّ صنع اللسان واليد، كريم القول والفعل، ولخصصته- أدام الله تأييده- بأبيات ابن عنمة كلّها:

أنت خير من ألف ألف من الناس إذا ما كبت وجوه الرجال
عندك البرّ والتقى وأسى النّفسوحمل لمضلع الأثقال
وصلات الأرحام قد علم اللهوفكّ الأسرى من الأغلال

وعلى هذه المقدمات التي طغى بها اللفظ، ولم أعتمد فيها إلا ما بيّن عن القصد، فقد نفذت خمسة أقلام لا أصفها بالجودة ولا الجود، فأطعن على فروسيّة يده التي تمتطي الصعب والذّلول، وتمرّ في الوعث والسهول، وهو- أدام الله تأييده- يشفّع في قلّتها نيّة منفذها، إن شاء الله تعالى.

ومن كلام أخي أبي نصر الحسن بن الحسن بن حمدون:

وقد كان الاحتياط من طعن الغائب يقتضيني إخلاء هذا الجمع مما يتّهم هواي فيه، وحكم الإنصاف عليّ بأن أوفّيه حقّه إذ كان لاحقا بالقدماء في صناعته؛ تشهد له بذلك رسائله.

رسالة كتبها جوابا عن تاج الدولة أبي طالب بن الطاهر نقيب الطالبيين إلى أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمّر:

أوصل إليّ فلان- أدام الله علوّ الجانب الفلاني وقدرته، ورفع في الآخرة كما رفع في الدنيا درجته، وكمّل بنيل الأماني جذله ومسرّته، وأضاء باتّصال البشائر والتهاني لديه أسرّته، وجمّل بطول بقائه عترته الطاهرة وأسرته- كتابا كريما يشتمل على ضروب من البرّ وفنون، وأبكار من الطّول المتتابعة أمداده اليّ وعون، وفضل يذعن له بالسبق كلّ ذي براعة وخطّ، يهزأ حسنا بما تخطّه يد كلّ ذي يراعة وتصرّف في العبارة، لم يكن للصّاحب ولا ابن العميد، وتمكّن في البلاغة لم يعطه مولى العلاء بن وهب عبد الحميد؛ ويقسم للمعاني التي ركّبت في جسد الكلام روحا، وجعلت صدر قارئها وسامعها بالالتذاذ بها مشروحا.

ووقفت عليه مجيلا في ميدان الثناء بأياديه المتتالية جوادي، وشاكرا لما نزله إليّ من عوارفه شكر الرّياض المجودة منن الغوادي، ومعترفا بآلاء البيت الكريم المعضودة عوائدها عندي بالبوادي، السائرة أخبارها في الحواضر والبوادي.

وعرفت ما تضمّنه من الإشارة إلى غزير فضله الذي نحلنيه، ووصفه الجميل الذي أعارنيه، وعلمه الذي لا يساجله فيه مساجل ولا يدانيه، والشهادة لي من ذلك تمريه، لولا جلالة قدره، وشرف عنصره الزاكي ونجره، لقلت دافعا ما شهد لي به، وكساني حلل الفخر: بحسبه أنّ الفضائل لا يسعها إلا أوعية حامليها، والعلوم تفضح عند الاختبار منتحلها كاذبا ومدّعيها، لكن إذا شهد لي مثله من الأماجد وفرسان الأدب، الذين يقرّ ببراعتهم فيه كلّ جاحد، فليس إلا التلقي بيد القابل الشاكر، واستخدام الأفكار في الثناء على معاليه والخواطر.

فأما ما كلّف موصل الخطاب حمله، وأوعز إليه بالمشافهة به تفصيلا وجملة، فقد أورد ما عزاه إلى التقدّم التاجي وأسنده، وحقّق القول فيه وأكّده، وجلا وجود العوائق للنفوس عن راحتها، وأزال المكاره المناسبة لأحوال الوقت بساحتها، فالفرصة في قصد تلك الخدمة منتهزة، والغنيمة بالفوز بها- إن شاء

الله- مع وجود السبيل محرزة.

وكتب إلى صديق له من البغداديين انتقل إلى الموصل وصار إليها، وعرّض فيها بذكر الجمال محمد بن علي الأصبهاني، وزير الشام والموصل، المشهور بالأفضال والجود:

سيّدنا- أطال الله بقاءه، وأدام ارتفاعه إلى فلك المعالي وارتقاءه، ويسّر له كلّ أرب تسمو نحوه همّته- وصل النجح ولقاءه، وضاعف عناء حسوده الرّاغم وشقاءه- حجّة بغداد على من جحد فضلها، ولسانها المجادل بالحقّ لمن عاند أهلها، وعنوان ما خصّها الله به من المحاسن التي لا ينكرها إلا ظالم معتد، ولا يخالف عليها إلا كلّ جائر عن القصد غير مهتد، فإنه البارع في كرمه، الفارع هضاب الانفراد عن الأقران بشيمه، الحاوي قصب السبق بما اشتهر من مروءته، المغبّر في أوجه الكهول في ريعان شبيبته، الجامع أشتات المحامد بأخلاقه الممدوحة بكلّ لسان، المحبوبة إلى كلّ إنسان، فقد رفع عنا في المحاجّة دونها كلفة المقال، ووضع عنا وزر المراء المنهيّ عن المباهاة به وإثم الجدال. وصارت الموصل تزهى به وتدّعيه، وتقول لنفسها إن همّ بفراقك فلا تدعيه، فقد ازدانت بسداده عرصتك، وذهب كمدك بحلول من مثله وغصّتك، واتسع لك في مفاخرة بغداد بادّعائك إياه ضيق المجال، ووجدت به ضالتك في زمان أضحى وهو محطّ الرحال. هذه إشارة لا ينكر ذوو الألباب، العالمون بدليل الخطاب، أنّ لسان الحال بها من لسان المقال أفصح، وميدان المستدلّ عليها أفسح، وميزانه أوفى عند إثبات البيّنات وأرجح، وحجّته أظهر يومئذ وأوضح.

وعرض عليّ فلان فصلا كريما من حضرته، يتضمّن إهداء السلام إليّ وشكر ما تأدّى إليه من ثنائي لمحاسنه التي لا منّة لي في وصفها المتعيّن عليّ، فوقفت منه مع اختصاره على بلاغة في إيجاز، وعبارة تستدعي من متدبّرها نشوة

طرب واهتزاز. وسرّحت سوام طرفي من خطّه في رياض مونقة، وحدائق بالأزهار مشرقة:

كتفتح النوار فتّقه الحياأو كالصبّاح فرى الدجى بعموده
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أثر الهوادج في عراص البيد»

وما زلت قبل وروده أناجي نفسي بقرع باب المكاتبة وأحدّثها، وأحملها على عمارة سبيل المواصلة وأبعثها، وأهجّن عندها المقاطعة المتصلة، والمصارمة المستعملة، مهما تأكّد في سالف الأيام بين الأسلاف، من الوداد الجميل الأوصاف، وكون ذلك عند الأبناء قرابة مرعية ونسبا، وإلى تقارض المودّة في ذات بينهم سببا. فتقول لي: العادات سنن متبوعة، وملل مشروعة، والذي استمرّ به العرف أن يكون ابتداء المكاتبات من المسافر، والمفاتحة بها من الظاعن عن وطنه السائر، فلا تثريب عليك في الانقباض ولا ملام، ولا مقال للزّاري عليك في ترك المباسطة ولا كلام. لكن لما استمرّت مدة الانقباض المستهجن وطالت، وأسهبت المحافظة في توبيخها على تراخي هذه الحال وأطالت، ووصلني الفصل الذي وفر حبرتي واغتباطي، وحرّك لتلافي فارط التقصير نشاطي، رأيت أنّ مثله- وإن عزّ وجوده- يحتسب له ولا يحاسب، وتبذل له العتبى ولا يعاتب. فنشطت قلمي من عقاله، وعجت عن هجر الاسترسال إلى وصاله، مشعرا له- أدام الله علوّه- أنّ كثيرا من الأجانب، ومن لم يرني من الجوانب، يقلّدني نجاد المنة بخير ينبي عند ذكري، وقول جميل أبناؤه نحوي تسري، أو كتاب يصدره إليّ مفتتحا، أو يشكر به خدمة رأى تقرّبي بها متضحا، فكيف لي أن يقتدي في حقي بالبعداء من يحلّ مني محلّ الأعزة والأقرباء، إما بمواصلة جميلة، أو نيابة بتحسين الذكر كفيلة. وهذا مقام لا يستغنى فيه عن الإفصاح بالحقيقة التي يمنع الحزم من التصريح بها، وألمعيّته كافية في لمحها، والاستدلال بجملتها على شرحها.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.