تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

مقدمة الباب (٦)

(الباب الثالث والثلاثون في الحجج البالغة والأجوبة الدامغة) في الكتاب العزيز من الحجج القاطعة ما يكون غاية لمن تمثّل به، وكيف لا يكون ذلك وهو برهان الشريعة ودليلها، ومحجّة الهداية وسبيلها، فمن ذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ

(يس:) وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى

(القيامة:) وقوله ﷿: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ

(الروم:) أي في تقدير عقولكم وقياس ظنونكم المأخوذين من معارفكم. وقوله ﷿ حكاية عن إبراهيم ﵇:

وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

(الأنعام:).

ومن آيات الحجاج القاطع في إقامة التوحيد وتوهين الشرك قوله سبحانه:

قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا

(الاسراء:

) وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ

(المؤمنون:) وقوله تعالى في تفرّده بخلق البريّة: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا

ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

(الحج:

) ومن الحجة في أمر كتابه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ

(البقرة:) وقال في الدلالة على إثبات نبوّة رسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بتأمّل أحواله وتدبّر ما جاء به: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ

(المؤمنون:) فإنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعرف في قريش قبل البعثة بالصادق والأمين. وقوله تعالى: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ

(يونس:).

ولما بعث رسول الله ﷺ قام فقال: «يا معشر قريش، لو قلت لكم إنّ خيلا تطلع عليكم من هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فلما أقرّوا بصدقه خاطبهم بالإنذار ودعاهم إلى الإسلام.

والآن نذكر ما تحاور به الناس فيما بينهم، وتحاجّوا به بعضهم على بعض في خطابهم ومقاصدهم.

»

- قال عثمان بن عفّان ﵁ لعامر بن عبد قيس العنبري ورآه ظاهر الأعرابية: يا أعرابي أين ربك؟ قال: بالمرصاد.

- استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلا من آله على الطائف، فظلم رجلا من أزد شنوءة، فأتى الأزديّ عتبة فمثل بين يديه فقال:

أمرت من كان مظلوما ليأتيكمفقد أتاكم غريب الدار مظلوم

ثم ذكر ظلامته فقال عتبة: إني أراك أعرابيا جافيا. والله ما أحسبك تدري كم تصلّي في كلّ يوم وليلة. فقال: أرأيتك إن أنبأتك ذاك أتجعل لي عليك مسألة؟

قال: نعم، فقال الأعرابي:

إن الصلاة أربع وأربعثم ثلاث بعدهنّ أربع

ثم صلاة الفجر لا تضيع

قال: صدقت، فسل، قال الأعرابي: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري، قال الأعرابي: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ قال: ردوا عليه ظلامته.

- لما انتهى إلى علي ﵇ يوم السقيفة أنّ الأنصار قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال ﵇: فهلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله ﷺ وصّى بأن نحسن إلى محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم. قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم.

- ومما ينظر إلى هذا المعنى وإن كان مخرجه مخرج علوّ الهمة وارتفاعها قول عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، وقد دخل بعد موت أبيه على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟

قال: إنّ أبي أوصى إليّ ولم يوص بي.

- وفي يوم السقيفة أيضا قال الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب، إن شئتم كررناها جذعة، منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجريّ شيئا في الأنصار ردّه عليه الأنصاريّ، وإن عمل الأنصاريّ شيئا في المهاجرين ردّه عليه المهاجريّ، فأراد عمر الكلام فقال أبو بكر ﵁:

على رسلك، نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس

حسبا وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم رحما بالرسول ﷺ، أسلمنا قبلكم وقدّمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدّين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ؛ آويتم وآسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ نحن الأمراء وأنتم الوزراء؛ لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، وأنتم محقوقون أن لا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم. قالوا: فإنّا قد رضينا وسلّمنا.

- وقال عيسى بن يزيد: قال أبو بكر ﵁: نحن أهل الله وأقرب الناس بيتا من بيت الله، وأمسّهم رحما برسول الله؛ إن هذا الأمر إن تطاولت له الخزرج لم تقصّر عنه الأوس، وإن تطاولت له الأوس لم تقصّر عنه الخزرج، وقد كان بين الحيّين قتلى لا تنسى، وجراح لا تداوى، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي أسد: يضغمه المهاجريّ ويخرجه الأنصاري.

قال ابن دأب: فرماهم والله بالمسكتة.

- قال رجل للربيع بن خثيم وقد صلّى ليلة حتى أصبح: أتعبت نفسك فقال: راحتها أطلب، إن أفره العبيد أكيسهم.

ب- وهذا قول حقّ في مقام صدق، أخذه روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب في مقام الباطل، ونظر إليه رجل واقفا بباب المنصور في الشمس فقال له: قد طال وقوفك في الشمس، قال روح: ليطول وقوفي في الظّلّ.

رؤي عبيد الله بن الحسن القاضي على باب جعفر بن سليمان، والشمس تنقله من ظلّ إلى ظلّ، فقيل له: أمثلك في علمك ومكانك يقف هذا

الموقف؟ فقال:

أهين لهم نفسي لأكرمها بهمولا يكرم النفس الذي لا يهينها

وكأن هذه المعاني تنظر إلى قول الأعشى:

تقول سليمى لو أقمت لسرّناولم تدر أنّي للمقام أطوف
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «أرى أم حسان الغداة تلومني»

وقول عنترة:

ولقد أبيت على الطّوى وأظلّهحتى أنال به كريم المأكل
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طال الثواء على رسوم المنزل»

- قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبي مريم السلولي: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم، قال: أفتمنعني حقّا؟ قال: لا، قال: لا بأس، إنما يأسى على الحبّ النساء.

- دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان قبيحا، فلما رآه سليمان، قال: قبح الله رجلا أجرّك رسنه وأشركك في أمانته، فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، رأيتني والأمر عنّي مدبر، ولو رأيتني وهو عليّ مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت، واستعظمت مني ما استحقرت، فقال: أترى الحجّاج استقرّ في قعر جهنم بعد؟ قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك في الحجاج، فإن الحجاج وطّأ لكم المنابر، وذلّل لكم الجبابرة، وهو يأتي يوم القيامة عن يمين أبيك وعن يسار أخيك، فحيث كانا كان.

- أرسل أهل البصرة رجلا يقال له كليب الجرمي إلى عليّ بن أبي

طالب ﵇ لما قرب منها ليعلم لهم حقيقة حاله ورأيه في أهل الجمل، فبيّن له من أمرهم ما علم أنّه على الحقّ، ثم قال له: تبايع؟ قال: إني رسول قوم، ولا أحدث حدثا حتى أرجع إليهم، فقال له: أرأيت لو أنّ الذين وراءك بعثوك رائدا لهم تبتغي مساقط الغيث فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلأ والماء، فخالفوا إلى المعاطش والمجادب، ما كنت صانعا؟ قال: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء، فقال له: فامدد إذن يدك، فقال الجرميّ: فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة عليّ، فبايعته.

- قال بعض اليهود لعليّ ﵇: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم، فقال له: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ

(الأعراف:).

- قال معاوية لأبي الأسود: بلغني أنّ عليا أراد أن يدخلك في الحكومة، فعزمت عليك أيّ شيء كنت تصنع؟ قال: كنت آتي المدينة فأجمع ألفا من المهاجرين وألفا من الأنصار، فإن لم أجدهم تمّمتهم من أبنائهم، ثم أستحلفهم بالله العظيم: المهاجرون أحقّ أم الطّلقاء؟ فتبسّم معاوية وقال: إذن والله ما كان اختلف عليك اثنان.

- كتب عليّ ﵇ إلى معاوية جوابا عن كتاب منه: وأمّا طلبك الشّام فإني لم أكن لأعطيك اليوم شيئا منعتكه أمس، وأما قولك: إنّ الحرب قد أكلت العرب إلّا حشاشات أنفس بقيت: ألا ومن أكله الحقّ فإلى

النار، وأما استواؤنا في الحرب والرجال: فلست بأمضى على الشكّ منّي على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك إنا بنو عبد مناف: فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطّليق، ولا الصريح كاللصيق، ولا المحقّ كالمبطل، ولا المؤمن كالمدغل، ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنّم، وفي أيدينا بعد فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز، ونعشنا بها الذليل. ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا، وأسلمت له هذه الأمّة طوعا وكرها، كنتم ممن دخل في الدين إمّا رغبة وإما رهبة، على حين فاز أهل السّبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم، فلا تجعلنّ للشيطان فيك نصيبا وعليك سبيلا.

- وكتب إليه أيضا، وهو من محاسن الكتب، أخذ عليه فيه بالحجة ورماه بالمسكتة: أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمدا ﷺ لدينه، وتأييده إيّاه بمن أيّده الله به من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا إذ طفقت تخبرنا بآلاء الله عندنا ونعمه علينا في نبيّنا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر، أو داعي مسدّدة إلى النضال. وزعمت أنّ أفضل الناس في الإسلام فلان وفلانّ، فذكرت أمرا إن تمّ اعتزلك كلّه، وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس، وما للطّلقاء وأبناء الطّلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد حنّ قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها. ألا تربع على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخّر حيث أخرّك القدر؟! فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك

لذهّاب في التيه، روّاغ عن القصد. ألا ترى غير مخبر لك، لكن بنعمة الله أحدّث:

أن قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين، ولكلّ فضل، حتى إذا استشهد شهيدنا قيل سيّد الشهداء، وخصّه رسول الله ﷺ بسبعين تكبيرة حين صلّى عليه؟ أو لا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله، ولكلّ فضل، حتى إذا فعل بواحد منّا كما فعل بواحدهم قيل: الطيّار في الجنة وذو الجناحين؟ ولولا ما نهى الله ﷿ عن تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة تعرفها قلوب المؤمنين ولا تمجّها آذان السامعين. فدع عنك من مالت به الرّيبة فإنّا صنائع ربّنا، والناس بعد صنائع لنا، لم يمنعنا قديم عزّنا وعاديّ طولنا على قومنا أن خلطناهم بأنفسنا فنكحنا وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك، وأنّى يكون ذلك كذلك ومنّا النبيّ ومنكم المكذّب، ومنّا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب، في كثير مما لنا وعليكم؟

فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنا، وقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ

(الأنفال:) وقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

(آل عمران:). فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة.

ولما احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله ﷺ فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.

وزعمت أني لكلّ الخلفاء حسدت وعلى كلّهم بغيت: فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.

وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله، لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا بيقينه، وهذه حجّتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها.

ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان: ولك أن تجاب عن هذه لرحمه منك: فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقالته؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفّه؟ أم من استنصره فتراخى عنه وبثّ المنون إليه، حتى أتى قدره عليه؟

كلّا والله. لقد علم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا، وما كنت أعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثا، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فربّ ملوم لا ذنب له.

وقد يستفيد الظنّة المتنصّح

وما أردت إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

(هود:).

وذكرت أنه ليس لي عندك ولأصحابي إلا السيف: فلقد أضحكت بعد استعبار: متى ألفيت بنو عبد المطلب عن الأعداء ناكبين، وبالسيوف مخوّفين؟

فالبث قليلا يلحق الهيجا حمل، فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم، قد صحبتهم ذرّية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدّك وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد.

كان قبيصة بن جابر ممن كثّر على الوليد بن عقبة لما ولي الكوفة، فقال معاوية يوما والوليد وقبيصة عنده: يا قبيصة، ما كان شأنك وشأن الوليد؟

قال: خير يا أمير المؤمنين في أول وصل الرحم وأحسن الكلام، فلا تسأل عن شكر وحسن ثناء، ثم غضب على الناس وغضبوا عليه، وكنّا منهم، فإما ظالمون فنستغفر الله، وإما مظلومين فيغفر الله له، وخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين فإن الحديث ينسي القديم. قال: ولم؟ فو الله لقد أحسن السيرة وبسط الخير وكفّ الشرّ، قال: فأنت أقدر على ذلك منه يا أمير المؤمنين، فافعل، قال: اسكت لا سكتّ. فسكت وسكت القوم، ثم قال له معاوية: ما لك لا تتحدث؟ قال:

نهيتني عما أحبّ فسكتّ عما أكره.

- قال معاوية للأحنف حين وبّخه بتخذيله عن عائشة ومشهده صفّين: فعلت وفعلت. فقال: يا أمير المؤمنين لم تردّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إنّ القلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، وإنّ السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت يدا بشرّ من غدر لنمدّن باعا من ختر، وإن شئت لتستصفينّ كدر قلوبنا بصفو حلمك، قال: فإني بها أفعل.

- روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم إلى الشام ومعه عبد الرحمن بن عوف ﵀ وهما على حمارين قريبين من الأرض، فتلقاهما معاوية في كبكبة حسناء، فثنى وركه فنزل وسلّم عليه بالخلافة فلم يردّ عليه، فقال له عبد الرحمن أو أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أحصرت الفتى فلو كلّمته، فقال: إنك لصاحب الجيش الذي أرى؟ قال: نعم، قال: مع شدّة احتجابك ووقوف ذوي الحوائج ببابك؟ قال: أجل، قال: ولم ويلك؟ قال: لأنّا في بلاد يكثر فيها جواسيس العدوّ، فإن نحن لم نتّخذ العدّة والعدد استخفّ بنا، وهجم على عوراتنا، وأنا- بعد- عاملك، فإن وقفتني وقفت، وإن استزدتني زدت، وإن استنقصتني نقصت؛ قال: فو الله لئن كنت كاذبا إنه لرأي أريب، وإن كنت

صادقا إنه لتدبير أديب، ما سألتك عن شيء قطّ إلا تركتني منه في أضيق من رواجب الضرس، لا آمرك ولا أنهاك. فلما انصرف قال أبو عبيدة أو عبد الرحمن: لقد أحسن الفتى في إصدار ما أوردت عليه، قال: لحسن إصداره وإيراده جشّمناه ما جشّمناه.

- روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يعسّ بالمدينة في الليل، فسمع صوت رجل في بيته فارتاب بالحال، فتسوّر فوجد رجلا عنده امرأة وخمر، فقال: يا عدوّ الله، أكنت ترى أنّ الله يسترك وأنت تعصيه ؟ فقال الرجل: لا تعجل عليّ يا أمير المؤمنين، إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيته في ثلاث، قال الله ﷾: وَلا تَجَسَّسُوا

(الحجرات:) وقد تجسّست، وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها

(البقرة:)، وقد تسوّرت، وقال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا

(النور:) وما سلّمت.

فقال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: بلى والله يا أمير المؤمنين، لئن عفوت عني لا أعود لمثلها أبدا، فعفا عنه.

- خطب رجل إلى عبد الله بن عباس يتيمة كانت في حجره، فقال: لا أرضاها لك، قال: ولم؟ قال: لأنها تشرّف وتنظر، وهي مع ذلك بذيئة، قال: فإني لا أكره ذلك، فقال ابن عباس: أمّا الآن فإني لا أرضاك لها.

- قيل وقع بين عليّ وعثمان كلام فقال عثمان: ما أصنع بكم إن كانت قريش لا تحبّكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين كأنّ وجوههم شنوف

الذهب تشرب آنفهم قبل شفاههم.

- قدم حماد بن جميل من فارس فنظر إليه يزيد بن المنجاب وعليه جبّة وشي، فقال: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً

(الإنسان:)، فقال حماد: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ

(النساء:).

- دخل وفد على عمر بن عبد العزيز فأراد فتى منهم الكلام، فقال عمر: ليتكلّم أسنّكم، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إنّ قريشا لترى فيها من هو أسنّ منك، فقال: تكلّم يا فتى.

- قال معاوية يوما: الأرض لله وأنا خليفته، فما أخذت فلي حلال، وما تركت للناس فلي عليهم فيه منّة، فقال صعصعة: ما أنت وأقصى الأمّة فيه إلا سواء، ولكن من ملك استأثر. فغضب معاوية وقال: لقد هممت، قال صعصعة: ما كلّ من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبين ذلك؟ قال: الذي يحول بين المرء وقلبه.

- وجّه معاوية رجلا إلى ملك الرّوم ومعه كتاب تصديره: «إلى طاغية الرّوم»، فقال ملك الرّوم للرجل: ما لذي الفخر بالرسالة والمتسمّي بخلافة النبوّة والسّفه؟ أظنكم ولّيتم هذا الأمر بعد إعواز، لو شئت كتبت: من ملك الروم إلى غاصب أهل بيت نبيّه، العامل بما يكفّره عليه كتابه، لكني أتجالل عن ذلك.

روي أنّ عائشة ﵂ بعثت إلى معاوية وهو بالمدينة تذكر حاجة من آل أبي بكر، فأرسل إليها بثلاثين ألف درهم صلة لها وبمثلها لآل أبي

بكر، وبعث إلى أمّ حبيبة أخته عشرين ألف درهم، فقالت: أتفضّل عليّ وأنا أختك، وحقّي ما تعلم؟ فقال: إني آثرت هوى رسول الله ﷺ واقتديت به فيكما، فقالت: إن كنت صادقا فاعتزل ما أنت فيه، وخلّ بينه وبين من أدخلك في الإسلام، فو الله لهوى رسول الله ﷺ فيه كان فوق هواه فيك، فقال معاوية:

لله درّ الحقّ ما أقمعه.

- سمع زياد امرأة تقول: اللهم اعزل عنا زيادا فقال: يا أمة الله، زيدي في دعائك: وأبدلنا به من هو خير لنا منه.

- قال الأصمعي: ناظر قوم من الخوارج الحسن البصريّ فقال: أنتم أصحاب دنيا، قالوا: وكيف؟ قال: أيمنعكم السلطان من الصلاة؟ قالوا: لا، قال: أفيمنعكم من الحجّ؟ قالوا: لا، حتى عدّد وجوه البرّ ويقولون لا، قال:

فأراه إنّما منعكم الدرهم فقاتلتموه.

قال حاطب بن أبي بلتعة: بعثني رسول الله ﷺ إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته بكتاب النبيّ ﷺ فأبلغته رسالته، فضحك ثم قال:

كتب إليّ صاحبك يسألني أن أتبعه على دينه، فما يمنعه إن كان نبيّا أن يدعو الله فيسلّط عليّ البحر فيغرقني فيكفى مؤونتي ويأخذ ملكي؟ قلت:

فما منع عيسى ﵇ إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل وجعلوا عليه إكليلا من شوك، وحملوا خشبته التي صلبوه عليها على عنقه، ثم أخرجوه وهو يبكي حتى نصبوه على الخشبة، ثم طعنوه حيّا بحربة حتى مات- هذا على زعمكم- فما منعه أن يدعو الله فيجيبه فيهلكهم ويكفى مؤونتهم،

ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة الملك الملك أن يقتله، فقتله وبعث برأسه إليها حتى وضع بين يديها، أن يسأل الله أن ينجيه ويهلك الناس؟ فأقبل على جلسائه وقال: والله إنه لحكيم، وما يخرج الحكيم إلّا من عند الحكماء.

قال خالد بن يزيد القرشي: كانت لي حاجة بالجزيرة فاتخذتها طريقا مستخفيا، قال: فبينا أنا أسير بين أظهرهم إذا أنا بشمامسة ورهبان- وكان خالد رجلا لبيبا لسنا ذا رأي- فقلت لهم: ما جمعكم ها هنا؟ قالوا: إن لنا شيخا سيّاحا نلقاه كلّ عام في مكاننا هذا مرّة فنعرض عليه ديننا وننتهي فيه إلى رأيه، قال: وكنت رجلا معنيا بالحديث فقلت: لو دنوت من هذا فلعلّي اسمع منه شيئا أنتفع به، قال:

فدنوت منه، فلما نظر إليّ قال لي: من أنت؟ أأنت من هؤلاء؟ قلت: أجل، قال:

من أمّة أحمد ؟ قلت: نعم، قال: من علمائهم أنت أو من جهالهم؟ قلت: لست من علمائهم ولا من جهالهم، قال: ألستم تزعمون في كتابكم أنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون؟ قال، قلت: نعم نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت مثل هذا الصبي في بطن أمه يأتيه رزق الرحمن بكرة وعشية ولا يبول ولا يتغوّط، فتربّد وجهه وقال لي: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟ قلت: بلى ما أنا من علمائهم ولا من جهّالهم، ثم قال: ألستم تزعمون أنكم تأكلون وتشربون ولا ينتقص ما في الجنة شيء؟ قال: نقول ذلك وهو كذلك، قال: فإن لهذا مثلا في الدنيا، فما هو؟ قلت: مثل هذا مثل رجل أعطاه الله علما وحكمة في الدنيا وعلّمه كتابه، فلو اجتمع من خلق الله فتعلّموا منه ما نقص ذلك من علمه شيئا، قال: فتربّد وجهه وقال: ألم تزعم أنّك لست من علمائهم؟

قال، قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال: ألستم تقولون في

صلواتكم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؟ قال: قلت نعم، قال: فلها عنّي ثم أقبل على أصحابه وقال: ما بسط لأحد من الأمم ما بسط لهؤلاء من الخير، إنّ أحدهم إذا قال في صلواته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لم يبق عبد صالح في السموات والأرض إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم قال: ألستم تستغفرون لأنفسكم وللمؤمنين والمؤمنات؟ قال، قلت بلى، فقال لأصحابه: إن أحد هؤلاء إذا استغفر للمؤمنين والمؤمنات لم يبق عبد لله مؤمن في السموات والأرض من الملائكة والمؤمنين ولا من كان على عهد آدم أو كائن إلى يوم القيامة إلا كتب الله له به عشر حسنات، ثم أقبل عليّ فقال لي: إن لهذا مثلا في الدنيا فما هو؟ فقلت: كمثل رجل مرّ بملأ كثيرا كانوا أو قليلا، فسلّم عليهم فردّوا عليه، أو دعا لهم فدعوا له، قال:

فتربّد وجهه ثم قال: أتزعم أنك لست من علمائهم؟ قلت: أجل ما أنا من علمائهم ولا من جهالهم، فقال لي: ما رأيت من أمّة محمد من هو أعلم منك، سلني عما بدا لك؟ فقلت: كيف أسأل من يزعم أنّ لله ولدا؟ قال: فشقّ عن مدرعته حتى أبدى بطنه، ثم رفع يديه فقال: لا غفر الله لمن قالها، منها فررنا واتخذنا الصّوامع، وقال:

إني سائلك عن شيء فهل أنت مخبري؟ قال، قلت: نعم، قال: أخبرني هل بلغ ابن القرن فيكم أن يقوم إليه الناشىء والطفل فيشتمه ويتعرض لضربه ولا يغيّر ذلك عليه؟ قال، قلت: نعم، قال: ذلك حين رقّ دينكم، واستحببتم دنياكم، وآثرها من آثرها منكم. فقال له رجل من القوم: ابن كم القرن؟ قلت: أمّا أنا فأقول ابن ستين سنة، وأما هو فقال ابن سبعين.

فقال رجل من جلسائه: يا أبا هشام ما كان يسرّنا أن أحدا من هذه الأمّة لقيه غيرك.

قال العتبي: وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملوء جوهرا لم ير مثله، فسرّ معاوية به سرورا شديدا، فلما رأى زياد ذلك صعد المنبر وقال: أنا والله يا أمير المؤمنين أقمت صعر العراق، وجبيت لك مالها،

وألفظت إليك بحرها. فقام إليه يزيد بن معاوية فقال: إن تفعل ذلك يا زياد فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى ولاء قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بن أمية، فقال معاوية: اجلس فداك أبي وأمي.

قال موسى بن عقبة: حجّ عبد الملك فلقيه رجل من ولد عمر بن الخطاب وقد نالته ولادة من أبي بكر رحمهما الله، فسأله فحرمه وقال متمثلا:

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحهيهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فقال له رجل من القوم: إذا ذدت ابن الفاروق وابن الصديق فمن يرده؟ قال:

يرده عبد مناف.

سأل رجل رجلا حاجة فقال المسؤول: اذهب بسلام، سل الله تعالى، فقال السائل: قد أنصفنا من ردّنا إلى الله.

حجّ الرشيد فلقيه موسى بن جعفر على بغلة، فقال له الرشيد:

مثلك في حسبك وشرفك وتقدّمك يلقاني على بغلة؟ فقال: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن دناءة العير، وخير الأمور أوسطها.

- قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان:

وا أبتاه! وبكت. فقال معاوية: يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كلّ

إنسان سيفه، وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ولا ندري أعطينا يكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.

- دخل زفر بن الحارث على عبد الملك بن مروان بعد الصّلح فقال: ما بقي من حبّك للضحّاك؟ قال: ما لا ينفعني ولا يضرّك، قال: شدّ ما أحببتموه معاشر قيس، قال: أحببناه ولم نؤاسه ولو آسيناه لقد كنّا أدركنا ما فاتنا منه، قال:

فما منعكم من مواساته يوم المرج؟ قال: ما منع أباك من مواساة عثمان يوم الدار.

قال قريش بن أنس: حضرنا جماعة عند عمرو بن عبيد فقال:

يؤتى بي يوم القيامة فيقام بي بين يدي الله ﷿ فيقول لي: أقلت إني لا أغفر للقاتل وإني أدخله النار؟ فأقول: أنت قلت: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها

(النساء:). فسكتت الجماعة، فقلت له، وما في البيت أصغر مني: أرأيت إن قال لك قد قلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ

(النساء:،) فمن أين علمت أنّي لا أشاء أن أغفر للقاتل؟ فما ردّ عليّ شيئا.

- قال الحجّاج لبعض الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أو متفرّقا كان فأجمعه؟ قال: أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بلى أقرؤه وأنا أبصره، قال: فتحفظه؟ قال: وهل أخشى فراره فأحفظه؟ قال: ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: لعنه الله ولعنك معه، قال: إنك مقتول فكيف تلقى الله؟ قال: ألقاه بعملي وتلقاه بدمي.

- دنا سقّاء من فقيه على باب سلطان فسأله عن مسألة، فقال له:

أهذا موضع المسألة؟ فقال له السّقّاء: أو هذا موضع الفقه؟

- كان الحسن يقول: لا توبة لقاتل مؤمن متعمّدا. فدسّ إليه عمرو بن عبيد رجلا وقال قل له: إنّه لا يخلو من أن يكون مؤمنا أو كافرا أو منافقا أو فاسقا. فإن كان مؤمنا فإن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً

(التحريم:)، وإن كان كافرا فإنه يقول:

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ

(الانفال:)، وإن كان منافقا فإنه يقول: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ تابُوا

(النساء:)، وإن كان فاسقا فإنه يقول: أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا

(النور:). فقال الحسن للرجل: من أين لك هذا؟ قال: شيء اختلج في صدري، قال:

اصدقني. فقال الرجل: عمرو بن عبيد، فقال الحسن: عمرو بن عبيد، وما عمرو؟ إذا قام بأمر قعد به، وإذا قعد بأمر قام به.

- لما أخذ عمر بن الخطاب في التوجّه إلى الشام قال له رجل: أتدع مسجد رسول الله ﷺ؟ قال: أدع مسجد رسول الله ﷺ لصلاح أمّة رسول الله ﷺ ولقد هممت أن أضرب رأسك بالدّرّة حتى لا تجعل الردّ على الأئمّة عادة فيتخذها الأجلاف سنّة.

ولما أخذ سابور ماني الزنديق قال له نصحاؤه: اقتله، قال: إن قتلته من غير أن أغلبه بالحجّة قال عامّة الناس بقوله، ويقولون ملك جبّار قتل زاهدا،

ولكني أحاجّه فإن غلبته بالحجّة حينئذ قتلته، ففعل، ثم حشا جلده تبنا وصلبه.

»

- قال الحجاج بن يوسف ليحيى بن سعيد بن العاص: بلغني أنّك تشبه إبليس في قبح وجهك؛ قال: وما ينكر الأمير أن يكون سيّد الإنس يشبه سيّد الجنّ؟!.

قال إياس بن معاوية: كنت أختلف وأنا غلام إلى رجل من اليهود أتعلّم منه الحساب، فسمعته يوما يقول: ألا تعجبون من المسلمين، يزعمون أن أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون؟ قال إياس: فقلت يا معلّم ألست تزعم أن الدنيا مرآة الآخرة؟ قال: نعم، قلت: فأخبرني عما يأكله ابن آدم أيصير كلّه ثفلا؟ قال: لا ولكن بعضه ثفل وبعضه غذاء؛ قال، قلت: فما أنكرت أن يكون بعضه في الدنيا غذاء ويصير كلّه في الآخرة غذاء؛ فقال لي:

قاتلك الله من غلام ما أفهمك.

قال المنتصر لأبي العيناء: ما أحسن الجواب؟ قال: ما أسكت المبطل وحيّر المحقّ.

- وقال المسور بن مخرمة: دخلت على معاوية، فقال: ما فعل طعنك على الأئمّة يا مسور؟ فاستعفيته فأقسم عليّ؛ فو الله ما تركت عيبا إلا ذكرته. فقال: لا تبرأ من ذنب، فهل لك يا مسور ذنوب تخافها أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك؟ قلت: نعم؛ قال: فما جعلك أحقّ أن ترجو المغفرة مني؟

فكان المسور إذا ذكره استغفر له وقال خصمني.

- خطب معاوية ذات يوم فقال: إنّ الله يقول:

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ

(الحجر:)، فما نلام نحن؟ فقام إليه الأحنف بن قيس فقال له: يا معاوية، إنّا والله ما نلومك على ما في خزائن الله، وإنما نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه.

- خطب المنصور بمكة، وقد أمّل الناس عطاءه، فقال: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وخازنه على فيئه، أعمل فيه بمشيئته، وأقسمه بإرادته؛ وقد جعلني الله تعالى قفلا عليه، إذا شاء أن يفتحني فتحني، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني. فارغبوا إلى الله أيّها الناس في هذا اليوم الذي عرّفكم من فضله ما أنزله في كتابه، فقال ﷿: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً

(المائدة:)، أن يوفقني للصّواب، ويسدّدني للرّشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان اليكم، ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فيكم، إنه قريب مجيب.

فقال له ابن عياش المنتوف: أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربّه تعالى.

- قال صالح بن علي بن عبد الله بن عباس لابنه عبد الملك وقد غضب عليه: يا ابن الفاعلة؛ فقال عبد الملك: الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ

(النور:)، وأنشد:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينهفإنّ القرين بالمقارن مقتد
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أتعرِف رسم الدار من أم معبد»

فلم يكلّمه صالح حتى مات.

وكانت أمّ عبد الملك بن صالح جارية لمروان بن محمد، فلما قتله صالح بمصر، اتّخذ أمّ عبد الملك لنفسه. فلما سعى قمامة كاتب عبد الملك به

إلى الرشيد واعتزم على حبسه كلّمه وأغلظ له، فقال الرشيد: ما أنت منا؛ فقال: والله ما أبالي لأيّ الفحلين كنت، لصالح بن عليّ أو لمروان بن محمد.

- كلّم عروة بن الزبير عبد الملك بكلام غليظ والحجاج قائم على رأسه، فقال: يا ابن العمياء، أتكلّم أمير المؤمنين بمثل ما أسمع؟ قال عروة: يا ابن المتمنّية، وما ذكرك عجائز الجنّة؟

وكانت جدّة الحجاج القائلة:

هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج

وكان عمر بن الخطاب ﵁ اجتاز بالمرأة وهي تنشد هذا الشعر، فأحضر نصر بن حجّاج، وهو شابّ جميل ذو وفرة مليحة، فحلق شعره فكان أجمل، فنفاه، وقال: لا أسمع النّساء يتمنّينك في حجالهنّ.

فقال عبد الملك: أقسمت عليك إلّا أمسكت.

قال أبو حاتم: كنت في حلقة ابي عبيدة، فجاء إلينا غلام من آل المهلّب وضيء الوجه في منطقه لين، فكأنّ القوم استقبحوا منطقه. فقال له رجل من آل صباح بن خاقان المنقريّ: يا غلام ممن أنت؟ قال: من آل المهلّب؛ قال: ومن أمّك؟ قال: سبيّة من القندهار، قال: نزعت فيك رخاوة الهند؛ فبعث منه شيطانا؛ فقال: أيها المتكلّم فمن أنت؟ قال: من بني تميم؛ قال:

أمكنت والله من مقاتلك: أمّ شبيبكم وفارسكم سوداء، وأمّ عنترتكم سوداء، وأمّ ذي الرّقيبة سبيّة من أمانيا، وأمّ عمرو بن العاص سبيّة من عنزة، وأمّ عبيد الله بن زياد بن ظبيان سبيّة من أصفهان، وأمّ ابن زياد الذي مزّقكم كلّ

ممزّق مرجانة، وأمّ زياد الذي شدخ رؤوسكم سميّة، وأمّ الشعبي من جلولاء، وأمّ خالد بن عبد الله الذي غمركم نواله سبيّة من الروم، وأمّ وكيع ابن الدورقية الذي أدرك ثأركم سبيّة من دورق، وأمّ عبد الله بن خازم الذي أباد غابركم بخراسان سبيّة، فأيّتهنّ تعيب لا أمّ لك؟ ثم قام الغلام فما أبقى في الحلقة إلا ضاحكا أو شامتا.

وروي عن رجل من قريش، قال: كنت أجالس سعيد بن المسيّب فقال لي يوما: من أخوالك؟ قلت: أمّي فتاة، فكأني نقصت من عينه، وأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر، فلما خرج من عنده قلت: من هذا يا عمّ؟ قال: سبحان الله، أتجهل هذا من قومك؟ هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت: فمن أمّه؟ قال: فتاة؛ ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فجلس إليه فنهض، فقلت: من هذا يا عمّ؟ قال: أتجهل من أهلك مثله؟ ما أعجب هذا! هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر، قلت: فمن أمّه؟

قال: فتاة؛ قال: فأمهلت حتى جاء عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسلّم عليه ثم نهض، فقلت له: يا عمّ، من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله، هذا عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قلت: فمن أمّه؟

قال: فتاة؛ قال: فقلت يا عمّ رأيتني نقصت في عينك لما علمت أني لأمّ ولد، أما لي في هؤلاء أسوة؟ قال: فجللت في عينه جدا.

- وتزوج عليّ بن الحسين أمة له أعتقها، فلامه عبد الملك بن مروان وكتب إليه: أما بعد فإنه بلغني أنّك أعتقت أمتك وتزوّجتها، وقد كان لك في أكفائك من قريش ما تستكرم به في الصهر، وتستنجب به في الولد، فلم تنظر لنفسك ولا لولدك ونكحت في اللّؤم. فكتب إليه علي: أما بعد، فإنّي أعتقتها بكتاب الله ﷿ وارتجعتها بسنّة رسول الله ﷺ، وإنّه والله ما فوق رسول

الله ﷺ مرتقى لأحد في مجد، إن الله ﷿ قد رفع بالإسلام الخسيسة، وأتمّ النّقيصة، وأكرم به من اللؤم، فلا عار على مسلم، هذا رسول الله ﷺ تزوّج أمته وامرأة عبده. فقال عبد الملك: إن عليّ بن الحسين يشرف من حيث يتّضع الناس.

- سأل الرشيد موسى بن جعفر فقال: لم زعمتم أنّكم أقرب إلى رسول الله ﷺ منّا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو أنّ رسول الله ﷺ أنشر فخطب إليك كريمتك أكنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله، وكنت أفتخر بذلك على العجم والعرب؛ فقال: لكنه لا يخطب إليّ ولا أزوّجه لأنه ولدنا ولم يلدكم.

- وروي أنه قال: هل كان يجوز أن يدخل على حرمك وهن متكشّفات؟ فقال: لا، قال: لكنه كان يدخل على حرمي كذلك، وكان يجوز له.

- وقيل إنّه سأله أيضا: لم قلتم إنّا ذرية رسول الله، وجوّزتم للناس أن ينسبوكم إليه فيقولون يا بني رسول الله وأنتم بنو عليّ، وإنما ينسب الرجل إلى أبيه دون جدّه؟ فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ

(الأنعام:)، وليس لعيسى أب، وإنما ألحق بذريّة الأنبياء من قبل أمّه، وكذلك ألحقنا بذريّة النبيّ ﷺ من قبل أمّنا فاطمة ﵍، وأزيدك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ

(آل عمران:). ولم يدع ﵇ عند مباهلة النصارى غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين وهم الأبناء.

- قال الرشيد للجهجاه: أزنديق أنت؟ قال: وكيف أكون زنديقا وقد قرأت القرآن، وفرضت الفرائض، وفرّقت بين الحجة والشبهة؟ قال: والله لأضربنّك حتى تقرّ، قال: هذا خلاف ما أمر به رسول الله ﷺ، أمرنا أن نضرب الناس حتى يقرّوا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقرّ بالكفر.

- قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: أفرطت في ولائك لبني أمية، فقال: من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، فصدقه.

- ودخل المكيّ على المأمون، وكان مفرط القصر والدمامة، فضحك المعتصم، فقال المكيّ: ممّ ضحك هذا؟ فوالله ما اصطفى الله يوسف ﵇ لجماله وإنما اصطفي لبيانه، وقد نصّ الله ﷿ على ذلك بقوله:

فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ

(يوسف:)، وبياني أحسن من هذا.

- قال معاوية لرجل من أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين ملّكوا عليهم امرأة، قال: قومك أشدّ حماقة إذ قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ

(الأنفال:)، هلّا قالوا:

فاهدنا له.

- طاف رجل من بني تغلب بالبيت، وكان وسيما جسيما، فبصر به رجل من قريش كان حسودا، فسأل عنه فخبّر أنه من تغلب، فلما حاذاه قال

القرشي ليسمعه: إنها لرجلان قلّما وطئت البطحاء. فالتفت إليه التغلبي وقال له: يا هذا البطحاوات ثلاث: فبطحاء الجزيزة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار وأنا أحقّ بها منك، وهذه البطحاء سواء العاكف فيه والباد. قال: فتحيّر الرجل فما أعاد كلمة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.