من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
مقدمة الباب (٦) (٢)
- قال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: وددت أنّ لي حسن خطّك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان حسن الخطّ مكرمة لكان أولى الناس بها رسول الله ﷺ.
- قال محمد بن عبد الملك الزيات لبعض أولاد البرامكة: من أنت ومن أبوك؟ قال: أبي الذي تعرفه، ومات وهو لا يعرفك.
ومثل هذا أو قريب منه ما حكي أن المروانيّ صاحب الأندلس كتب إلى صاحب مصر كتابا وملأه بسبّه وسبّ أبيه، فكتب إليه في الجواب: يا هذا، عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك، والسلام.
- دخل شابّ من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال:
مرض ﵁ يوم كذا، ومات ﵀ يوم كذا، وترك ﵀ من المال كذا. فانتهره الربيع وقال: بين يدي أمير المؤمنين توالي الدّعاء لأبيك. فقال الشاب: لا ألومك لأنّك لم تعرف حلاوة الآباء. قال: فما علمنا أنّ المنصور ضحك في مجلسه قطّ ضحكا افترّ عن نواجذه إلا يومئذ- وكان الربيع لقيطا.
- واستبطأ عبد الملك بن مروان ابنه مسلمة في مسيره إلى الروم فكتب
إليه:
لمن الظّعائن سيرهنّ تزحّفسير السّفين إذا تقاعس يجذف
فكتب إليه مسلمة في الجواب:
ومستعجب مما يرى من أناتناولو زبنته الحرب لم يترمرم
- وسمع مسلمة رجلا تمثّل بقول الشاعر وقد دلّي بعض بني مروان في قبره:
وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
فقال له مسلمة: لقد تكلمت بكلمة شيطان، هلا قلت:
إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابهتخمّط فينا ناب آخر مقرم
- سابق مسلمة في حلبة فسبق وعبد الملك حاضر، فقال عبد الملك، والشعر لبعض بني عبس:
نهيتكم أن تحملوا هجناءكمعلى خيلكم يوم الرّهان فتدركوا
فتضعف ساقاه وتفتر كفّهوتخدر فخذاه فلا يتحرّك
وما يستوي المرآن هذا ابن حرّةوهذا هجين ظهره متشرّك
قعدن به خالاته فاختزلنهألا إنّ عرق السّوء لا بدّ مدرك
فقال مسلمة، والشعر لمسكين الدارمي:
وما أنكحونا طائعين فتاتهمولكن نكحناها بأسيافنا قهرا
كريم إذا اعتلّ الزمان وجدتهوقد سار في ظلمائه قمرا بدرا
فما زادها فينا السّباء مذلّةولا خبزت خبزا ولا طبخت قدرا
وكائن ترى فينا من ابن سبيّةإذا التقت الخيلان يطعنها شزرا
ولكن خلطناها بحرّ نسائنافجاءت بهم بيضا غطارفة زهرا
- لما استخلف المهدي أخرج من في السجون، فقيل له: إنما تزري على أبيك، فقال: لا أزري على أبي، ولكن أبي حبس بالذنب وأنا أعفو عنه.
ب- وجزع المهديّ على رخيم جاريته جزعا شديدا، فكان يأتي المقابر ليلا فيبكي. فبلغ ذلك المنصور فكتب إليه: كيف ترجو أن أولّيك أمر الأمّة وأنت تجزع على أمة؟ فكتب إليه المهدي: إني لم أجزع على قيمتها وإنما جزعت على شيمتها.
- عرض رجل للرشيد وهو يطوف بالبيت فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلّمك بكلام فيه خشونة، فاحتمله لي، قال: لا ولا كرامة، قد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شرّ مني فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً
(طه:).
- قال رجل لمعاوية: والله لقد بايعتك وأنا كاره، فقال معاوية: قد جعل الله لك في الكره خيرا كثيرا.
- قال الحجاج يوما على المنبر: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، والله جلّ وعزّ يقول: وَثَمُودَ فَما أَبْقى
(النجم:).
وقال مرة أخرى: لئن كنّا من بقايا ثمود فما أنجى الله مع صالح إلا خيارهم.
وبنو ثقيف يزعمون أن ثقيفا هو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور
ابن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر؛ وقال قوم: إن ثقيفا والنخع أخوان من إياد، وقوم آخرون يزعمون أن ثقيفا من بقايا ثمود.
أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج، فقيل له ما تقول في أبي بكر وعمر: فقال خيرا، قيل فعثمان: قال خيرا. قيل فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك: فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجّاج خطيئة من خطاياه.
- قال معاوية يوما لأهل الشام، وعنده عقيل بن أبي طالب: هذا أبو يزيد لولا أنه علم أني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه، فقال له عقيل: أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي.
- وقال له مرة أخرى: أنت معنا يا أبا يزيد، قال: ويوم بدر كنت معكم.
- مرّ معاوية بقوم من قريش، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك؟ ما ذاك إلا لموجدة أنّي قاتلتكم بصفّين، فلا تجد، فإن عثمان بن عفان قتل مظلوما. قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوما، قال: إن عمر قتله كافر، قال ابن عباس فمن قتل عثمان؟ قال: المسلمون، قال: فذاك دحض لحجتك.
- لقي أبو العيناء بعض إخوانه في السّحر، فجعل يعجب من بكوره ويقول: يا أبا عبد الله، أتركب في مثل هذا الوقت؟ فقال له أبو العيناء:
تشاركني بالفعل وتفردني بالتعجب.
- وكان أبو العيناء في جملة أبي الصقر، وكان يعادي ابن ثوابة لمعاداته لأبي الصقر. فاجتمعا في مجلس صاعد، فتلاحيا، فقال له ابن ثوابة:
أما تعرفني؟ فقال له أبو العيناء: بلى والله، أعرفك ضيّق العطن، كثير الوسن، قليل الفطن، خارّا على الذقن. قد بلغني تعدّيك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم يجد عزّا فيذله، ولا علوّا فيضعه، ولا مجدا فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله، وسهك دمك أن يسفكه. فقال له اسكت، فما تسابّ اثنان إلا غلب ألأمهما، فقال له أبو العيناء: فلهذا غلبت أبا الصقر بالأمس.
قال عبد الصمد بن علي: كنت عند عبد الله بن علي في عسكره بالشام لما خالف المنصور ودعا إلى نفسه، وكان أبو مسلم بإزائه يقاتله، فاستؤذن لرسول ابي مسلم عليه فأذن له، فدخل رجل من أهل الشام فقال له: يقول لك الأمير علام قتالك إيّاي وأنت تعلم أني أهزمك؟ فقال، قل له: يا ابن الزانية، ولم تقاتلني عنه وأنت تعلم أنه يقتلك.
- وشبيه بهذا ما حكي عن الأمين أنه كتب إلى طاهر بن الحسين وقت محاربته إياه: يا طاهر، اعلم أنّه ما قام لنا قائم بأمر فكان جزاؤه منا إلا السيف، فخذ لنفسك أودع.
فكان طاهر يقول بعد ذلك: والله لقد جعلني على مثل النار من الحذر.
- لما هرب ابن هبيرة من حبس خالد بن عبد الله القسريّ قال له خالد: أبقت إباق العبد، فقال: نعم، حين نمت نوم الأمة عن عجينها.
- قال المهدي لشريك وعيسى بن موسى عنده: لو شهد عندك عيسى
كنت تقبله؟ وأراد أن يغري بينهما، فقال شريك: من شهد عندي سألت عنه، ولا يسأل عن عيسى غير أمير المؤمنين، فإن زكّيته قبلته. فقلبها عليه.
- وقال مروان بن محمد لحاجبه يوم الزّاب وقد ولّى منهزما: كرّ عليهم بالسيف، فقال: لا طاقة لي بهم؛ قال: والله لئن لم تفعل لأسوأنّك، قال: وددت أنّك تقدر على ذلك.
- قال بحيرا الراهب لأبي طالب: احذر على ابن أخيك فإنه سيصير إلى كذا وكذا. قال: إن كان الأمر على ما وصفت فهو في حصن من الله تعالى.
- قال رجل لهشام بن الحكم: أليس اختصم العباس وعليّ إلى عمر؟ قال:
بلى، قال: فأيهما كان الظالم؟ قال: ليس فيهما ظالم، قال: سبحان الله كيف يتخاصم اثنان وليس فيهما ظالم؟ قال: كما تخاصم الملكان إلى داود وليس فيهما ظالم.
- قال رجل لشريك: أخبرني عن قول عليّ ﵇ للحسن:
ليت أباك كان قد مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، أقاله إلّا وهو شاكّ في أمره؟
قال له شريك: أخبرني عن قول مريم: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
(مريم:)، قالته شاكة في عفتها؟ فسكت الرجل.
- دخل الوليد بن يزيد على هشام وعلى الوليد عمامة وشي، فقال هشام: بكم أخذت عمامتك؟ قال بألف درهم. فقال هشام: عمامة بألف درهم؟ يستكثر ذلك، قال: يا أمير المؤمنين إنها لأكرم أطرافي، وقد اشتريت
أنت جارية بعشرة آلاف دينار لأخسّ أطرافك.
- بايت المفضّل الضّبيّ المهديّ، فلم يزل يحدثه وينشده حتى جرى ذكر حمّاد الراوية، فقال له المهدي: ما فعل عياله ومن أين يعيشون؟ قال: من ليلة مثل هذه كانت مع الوليد بن يزيد.
- شكا يزيد بن أسيد إلى المنصور ما ناله من العباس بن محمد أخيه، فقال المنصور: اجمع إحساني إليك وإساءة أخي فإنهما يعتدلان؛ قال: إذا كان إحسانكم إلينا جزاء لإساءتكم كانت الطاعة منا تفضلا.
- لما بنى محمد بن عمران قصره حيال قصر المأمون قيل: يا أمير المؤمنين، ماراك وباهاك. فدعاه فقال: لم بنيت هذا القصر حذائي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أحببت أن ترى أثر نعمتك عليّ فجعلته نصب عينيك. فاستحسن جوابه وأجزل عطيّته.
- قال الأشعت بن قيس لشريح القاضي: يا أبا أميّة، عهدي بك وإنّ شأنك لشؤين، فقال: يا أبا محمد، أنت تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها في نفسك.
- تظلم أهل الكوفة إلى المأمون من عامل ولّاه عليهم، فقال المأمون:
ما علمت في عمّالي أعدل ولا أقوم بأمر الرّعيّة، ولا أعود بالرفق عليهم منه. فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك،
فإذا كان عاملنا بهذه الصفة فينبغي أن تعدل بولايته بين أهل البلدان وتساوي به أهل الأمصار، حتى يلحق كلّ بلد وأهله من عدله وإنصافه مثل الذي لحقنا؛ وإذا فعل ذلك أمير المؤمنين فلا يصيبنا منه أكثر من ثلاث سنين، فضحك المأمون وعزل العامل عنهم.
- وكتب إبراهيم بن سيابة إلى رجل كثير المال يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: العيال كثير، والدخل قليل، والدّين ثقيل، والمال مكذوب عليه.
فكتب إليه إبراهيم: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت محجوجا فجعلك الله معذورا.
نظر إلى هذا المعنى أبو عبد الله ابن الحجاج فقال من أبيات له:
مدحته يوما برائيّةنفخت في انشادها شدقي
فلم يزل يقعد لي تارةوتارة في الدّست يستلقي
كأنه في شهرها حاملقد نخت يومين بالطلق
ثم اشتكى الفقر وقال ادع ليبأن يزيد الله في رزقي
فقلت يا ربّ بحقّ الذيأرسلته يدعو إلى الحقّ
إن كان فيما يدّعي كاذبافافتح له بابا إلى الصدق
- صار الفضل بن الربيع إلى أبي عبّاد في نكبته يسأله حاجة فأرتج عليه، فقال له: يا أبا العباس، بهذا البيان خدمت خليفتين؟ فقال: إنّا تعوّدّنا أن نسأل ولا نسأل.
- قال مالك بن طوق للعتابي: سألت فلانا حاجة فرأيتك قليلا في كلامك. قال: كيف لا أقلّ في كلامي ومعي حيرة الطلب، وذلّ المسألة، وخوف الردّ.
- قالت بنو تميم لسلّامة بن جندل: مجّدنا في شعرك. فقال: افعلوا حتى أقول.
- ساير ابن لشبيب بن شبة عليّ بن هشام، وعليّ على برذون له فاره، فقال له: سر، قال: كيف أسير وأنت على برذون إن ضربته طار وإن تركته سار، وأنا على برذون إن ضربته قطف وإن تركته وقف. فدعا له ببرذون وحمله عليه.
- عاتب الفضل بن سهل الحسين بن مصعب في أمر ابنه طاهر والتوائه عليه وتلوّنه، فقال له الحسين: أنا أيها الأمير شيخ في أيديكم، لا تذمّون اخلاصي، ولا تنكرون نصحي؛ فأما طاهر فلي في أمره جواب مختصر، وفيه بعض الغلظ، فإن أذنت ذكرته، قال: قل، فقال: أيها الأمير، أخذت رجلا من عرض الأولياء، فشققت صدره وأخرجت قلبه، ثم جعلت فيه قلبا قتل به خليفة، وأعطيته آلة ذلك من الرجال والأموال والعبيد، ثم تسومه بعد ذلك أن يذلّ لك ويكون كما كان؟ لا يتهيّأ هذا إلا أن تردّه إلى ما كان، ولا تقدر على ذلك. فسكت الفضل.
- أتي هشام برجل قد رمي بخيانة، فأقبل يحتجّ عن نفسه، فقال له
هشام: أو تتكلّم أيضا؟ فقال الرجل: إن الله سبحانه يقول: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
(النحل:)، أفنجادل الله تعالى جدالا ولا نكلّمك كلاما؟ فقال: تكلّم بما أحببت.
- كتب الحسن بن زيد إلى صاحب الزّنج بالبصرة: عرّفني نسبك؟
فأجابه: ليعنك من شأني ما عناني من أمرك.
- قيل لأبي الهذيل: إنّ قوما يلعنونك، قال: أرأيت إن أنا اتّبعتهم هل يلعنني قوم آخرون؟ قال: نعم، قال: فأراني لا أتخلّص من لعن طائفة، فدعني مع الحقّ وأهله.
- خلع الرشيد على يزيد بن مزيد، وكان في مجلسه رجل من أهل اليمن، فقال: اجرر يا يزيد ما لم يعرق فيه جبينك، قال: صدقت عليكم نسجه وعلينا سحبه.
- قال عمرو بن العاص لمعاوية: ما أشدّ حبّك للمال، قال: ولم لا أحبّه وأنا أستعبد به مثلك وأبتاع دينك ومروءتك.
- قال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: لا تكثر الوقيعة في الناس، فقلت: إن لي في بصري شغلا عن ذلك، فقال: ذاك أشدّ لحقدك على أهل العافية.
وقال له المتوكل يوما: إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
(المطففين:).
ب- وقال له ابن السّكّيت: تراك أحطت بما لم أحط به؟ قال: ما
أنكرت؟ فو الله لقد قال الهدهد- وهو أخسّ طائر- لسليمان: أحطت بما لم تحط به.
- وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل: امض إلى موسى بن عبد الملك واعتذر إليه ولا تعلمه أنّي وجّهتك. فقلت له: تستكتمني بحضرة ألف؟ قال:
إنما عليك أن تنفذ لما تؤمر به، قلت: وعليّ أن أحترس مما أخاف منه.
- وقال له يوما عبيد الله بن سليمان: كيف حالك؟ قال: أنت الحال، إذا صلحت صلحت.
- وقرّبه يوما فقال: تقريب المولى وحرمان العدوّ.
- قيل له: لا تعجل فإنّ العجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
(طه:).
- وقال أبو العيناء: أنا أوّل من أظهر العقوق بالبصرة، قال لي أبي: يا بنيّ إن الله قرن طاعته بطاعتي فقال: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
(لقمان:)، فقلت: يا أبة إن الله تعالى ائتمنني عليك ولم يأتمنك علي فقال ﷾: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
(الاسراء:).
- وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: بلغني أنّك رافضيّ.
فقلت: للدّين أم للدنيا؟ فإن أك للدين ترفّضت فأبوك مستنزل الغيث؛ وإن أك لدنيا ففي يدك خزائن الأرض. وكيف أكون رافضيا وأنا مولاك، ومولدي
البصرة، وأستاذي الأصمعي، وجيراني باهلة؟! فقال: إن ابن سعدان زعم ذلك، فقلت: ومن ابن سعدان! والله ما يفرّق بين الإمام والمأموم، والتابع والمتبوع، إنما ذلك حامل درّة ومعلّم صبية، وآخذ على كتاب الله أجرة. قال:
لا تفعل، فإنه مؤدّب المؤيّد؛ قلت: يا أمير المؤمنين، لم يؤدّبه حسبة، وإنّما أدّبه بأجرة، فإذا أعطيته حقّه فقد قضيت ذمامه.
- وقف بهلول على رجل فقال: خبرني عن قول الشاعر:
وإذا نبا بك منزل فتحوّل
كيف هو عندك؟ قال: جيد، قال: فإن كان في الحبس فكيف يتحول؟ فانقطع الرجل. فقال بهلول: الصواب قول عنترة:
إذا كنت في دار يسوؤك أهلهاولم تك مكبولا بها فتحوّل
- قيل لمجنون: ما فعل ضربك للصبيان؟ فقال:
وإنّ امرءا يمسي ويصبح سالمامن الناس إلا ما جنى لسعيد
تزوج أعرابي امرأة أشرف منه حسبا ونسبا فقال: يا هذه إنك مهزولة، فقالت: هزالي أولجني بيتك.
- نظر رجل إلى امرأتين تتلاعبان فقال: مرّا، لعنكما الله، فانّكن صويحبات يوسف. فقالت إحداهما: يا عمّ فمن رمى به في الجبّ؟ أنحن أم أنتم؟
- قال عليّ بن عبيدة: تزاور أختان من [أهل] القصر فأرهقتهما الصلاة، فبادرت إحداهما فصلّت صلاة خفيفة، فقال لها بعض النساء: كنت حريّة
أن تطوّلي الصلاة في هذا اليوم شكرا لله تعالى حيث التقيتما، قالت: لا ولكن أخفّف صلاتي اليوم وأتمتّع بالنظر إليها، وأشكر الله تعالى في صلاتي غدا.
- قالت عائشة للخنساء: إلى كم تبكين على صخر، وإنما هو جذوة في النار؟ قالت: ذاك أشدّ لجزعي عليه.
- جاءت امرأة إلى عديّ بن أرطأة تستعديه على زوجها وتشكو أنه عنّين لا يأتيها، فقال عدي: إني لأستحي للمرأة أن تستعدي على زوجها في مثل هذا، فقالت: ولم لا أرغب فيما رغبت فيه أمّك، فلعل الله أن يرزقني ابنا مثلك.
- مدح رجل هشاما فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال له: ما مدحتك وإنما أذكرتك نعم الله تعالى لتجدّد له شكرا.
- قال المغيرة بن شعبة لعمر بن الخطاب ﵁ في جواب كلام اشار فيه إلى تجنب الفاجر: يا أمير المؤمنين، الضعيف المؤمن له أمانته وعليك ضعفه، والفاجر القويّ لك قوّته وعليه فجوره. فولّاه الكوفة.
- لما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند أفضى إلى أثاث ومتاع لم ير مثله، وكان في جملة ذلك قدور يرقى إليها بالسلالم. فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليهم، فأمر بدار ففرشت له، وفي صحنها تلك القدور، فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشي قد اقبل والناس جلوس على مراتبهم، والحضين شيخ كبير. فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لأخيه قتيبة: ائذن لي في
معابثته، قال: لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يأذن له- وكان عبد الله يضعّف، وكان تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحضين، فقال له: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان؛ قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى؛ قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها؛ قال: أجل ولا عيلان، ولو كان رآها لسمّي شبعان ولم يسمّ عيلان، فقال له عبد الله: يا أبا ساسان أتعرف الذي يقول:
عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائلتجرّ خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول:
وخيبة من يخيب على غنيّوباهلة بن يعصر والرباب
قال: أتعرف الذي يقول:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمعإذا عرقت أفواه بكر بن وائل
قال: نعم وأعرف الذي يقول:
قوم قتيبة أمّهم وأبوهملولا قتيبة أصبحوا في مجهل
قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: أقرأ منه الأكثر الأطيب: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
(الانسان:). قال: فأغضبه، فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حامل من غيره، قال: فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى، ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشي فيقال فلان ابن
الحضين كما يقال: عبد الله بن مسلم. فأقبل قتيبة على عبد الله وقال: لا يبعد الله غيرك.
- قام عمرو بن العاص بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية، وتناول من بني هاشم، وذكر مشاهده بصفين، فقال له ابن عباس: يا عمرو، إنك بعت دينك من معاوية وأعطيته ما في يدك، ومنّاك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، وكان الذي أخذت منه دون ما أعطيته، وكلّ راض بما أخذ وأعطى؛ فلما صارت مصر في يدك تتبّعك فيها بالعزل والتنقّص، حتى لو أن نفسك فيها ألقيتها إليه.
وذكرت مشاهدك بصفين، فما ثقلت علينا وطأتك ولا نكأتنا فيها حربك، وإن كنت فيها لطويل اللسان قصير البنان، آخر الحرب إذا اقبلت وأوّلها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شرّ، ووجهان: وجه مونس ووجه موحش، ولعمري إنّ من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول حزنه على ما باع واشترى؛ ولك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد، ولك قدر وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك.
فقال عمرو: أما والله ما في قريش أثقل وطأة منك عليّ، ولا لأحد من قريش عندي مثل قدرك.
- ولما استقام رأي الناس على أبي موسى بصفّين، أتاه عبد الله بن عباس- وعنده وجوه الناس وأشرافهم- فقال: يا أبا موسى، إنّ الناس لم
يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمقدّمين قبلك، ولكنّ أهل الشّام ابوا غيرك، وايم الله إنّي لأظنّ ذلك شرّا لنا وخيرا لهم، وإنّه قد ضمّ إليك داهية العرب، وليس في معاوية خصلة يستحقّ بها الخلافة؛ فإن تقذف بحقّك على باطله تدرك حاجتك، وإن تطمع باطله في حقّك يدرك حاجته فيك. اعلم أنّ معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه من الأحزاب، وأنّه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدّقك فقد صرّح بخلعه، وإن كذّبك فقد حرم عليك كلامه، وإن ادعى أنّ عمر وعثمان استعملاه فصدق: فأمّا عمر استعمله وهو الوالي عليه، بمنزلة الطبيب من المريض يحميه مما يشتهي ويؤخّره مما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملاه ثم لم يدّعوا الخلافة، وهو منهم واحد. واعلم أنّ لعمرو مع كلّ شيء يسرّك حينا يسوءك. ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فإنها بيعة هدى، وأنّه لم يقاتل إلا غاصبا أو ناكثا.
فقال أبو موسى: رحمك الله والله ما لي إمام غير عليّ، وإني لواقف عند ما أرى، ولرضى الله أحبّ إليّ من رضى أهل الشام، وما أنا وأنت إلّا بالله.
- دخل زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك الرّصافة فسلّم تسليم الخلافة، ثم مال فجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد فوق أن يوصى بتقوى الله وإني أوصيك بتقوى الله، وكفى به جازيا لعباده الصالحين ومثيبا.
فظنّ هشام أنه يريد أن يتظلّم، فقال: أنت الراجي للخلافة المنتظر لها، وكيف ترجوها وأنت ابن أمة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت اجبت وإن شئت سكتّ، قال: أجب، قال: إنه ليس أحد أعظم عند الله منزلة من نبيّ بعثه رسولا، فلو كانت ولادة أمّ ولد تقصّر به عن بلوغ غاية الأنبياء والرسل لم يبعث
الله إسماعيل بن إبراهيم، وكانت أمّه مع أمّ إسحاق كأمّي مع أمّك، ثم لم يمنعه ذلك أن يبعثه الله نبيّا، وكان عند ربه مرضيّا، وكان أبا العرب وأبا خير البشر وخاتم المرسلين؛ فالنبوّة أعظم خطرا أم الخلافة؟ وما عار الرجل بأمّه وهو ابن رسول الله ﷺ وابن عليّ بن أبي طالب؟ ثم طفق فخرج.
قال الإسكندر لابنه: يا ابن الحجّامة! فقال: أما أمّي فقد أحسنت التخيّر، وأما أنت فلم تحسن.
- وقال أعرابيّ لابنه: يا ابن الأمة! فقال: لهي والله اعذر منك حيث لم ترض إلا حرّا.
- قال رجل لأعرابي: أتجلب التمر إلى هجر؟ قال: نعم إذا أجدبت أرضها وعدم نخلها.
لما بلغ معاوية وفاة الحسن بن عليّ ﵇ دخل عليه ابن عباس قبل أن يعلم بها، فقال له: آجرك الله أبا عباس في أبي محمد الحسن بن عليّ- ولم يظهر حزنا- فقال ابن عباس: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وغلبه البكاء فردّه، ثم قال: لا يسدّ والله مكانه حفرتك، ولا يزيد موته في أجلك، والله لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيّعنا الله بعده.
قال له معاوية: كم كانت سنّه؟ قال: هو أشهر من أن تجهل سنّه. قال:
أحسبه ترك أولادا صغارا؟ قال: كلّنا كان صغيرا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد ما عنده وقبضه إلى رحمته، فلقد أبقى الله أبا عبد الله، وفي مثله الخلف الصالح.
- لما أهديت بنت عقيل بن علّفة إلى عبد الملك بن مروان أو إلى الوليد
ابنه بعث مولاة له لتأتيه بخبرها قبل أن يدخل بها. فأتتها فلم تأذن لها وكلّمتها فأحفظتها فهشمت أنفها. فرجعت إليه فأخبرته، فغضب من ذلك، فلما دخل عليها قال: ما أردت إلى عجوزنا هذه؟ قالت: أردت والله إن كان خيرا أن تكون أوّل من لقي بهجته، وإن كان شرّا أن تكون أحقّ من ستره.
- أرسل مسلمة بن عبد الملك إلى هند بنت المهلّب يخطبها على نفسه، فقالت لرسوله: والله لو أحيا من قتل من أهل بيتي ومواليّ ما طابت نفسي بتزويجه، بل كيف يأمنني على نفسه وأنا أذكر ما كان منه، وثأري عنده؟
لقد كان صاحبك يوصف بغير هذا في رأيه.
- قال بعضهم: رأيت بالمدينة امرأة بين عينيها سجّادة وعليها ثياب معصفرة، فقلت لها: ما أبعد زيّك من سمتك؟ فقالت بصوت نشيط:
ولله منّي جانب لا أضيعهوللهو مني جانب ونصيب
ولست أبالي من رماني بريبةإذا كنت عند الله غير مريب
- قال بعضهم: خرجت في حاجة فلما كنت بالسّيالة، وقفت على باب إبراهيم بن هرمة، فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته، قالت: خرج آنفا؛ قلت: هل من قرى فإني مقو من الزّاد؟ قالت: لا والله، قلت: فأين قول أبيك:
لا أمتع العود بالفصال ولاأبتاع إلا قريبة الأجل
قالت: فذاك أفناها.
- وقيل انه اجتمع بباب ابن هرمة جماعة من الشعراء فسألوا ابنته عنه فقالت: وما تريدون منه؟ قالوا: جئنا لنهاجيه، قالت:
تجمّعتم من كلّ أوب ووجهةعلى واحد لا زلتم قرن واحد
- قيل لسعيد بن المسيّب وقد كفّ بصره: ألا تقدح عينك؟ قال:
حتى أفتحها على من؟.
- قال رجل لعامر بن الطفيل: استأسر، قال: بيت أمّك لا يسعني.
- وقف رجل للحجاج فقال: أصلح الله الأمير، جنى جان في الحي فأخذت بجريرته وأسقط عطائي، فقال: أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقديعدي الصحاح مبارك الجرب
ولربّ مأخوذ بذنب صديقهونجا المقارف صاحب الذّنب
فقال الرجل: كتاب الله تعالى أولى ما اتّبع، قال الله ﷿: مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ
(يوسف:)؛ فقال الحجاج: صدقت، وأمر بردّ عطائه.
- مرّ الأحنف بعكراش بن ذؤيب- وكان ممن شهد الجمل مع عائشة فقطعت يداه جميعا- فصاح به عكراش: يا مخذّل، فقال الأحنف: أما إنك لو أطعتني لأكلت بيمينك وتمسّحت بشمالك.
- وقال له رجل: تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه، قال: وما ذممت فيّ يا ابن أخي؟ قال: الدمامة وقصر القامة، قال: لقد عبت ما لم أؤامر فيه.
- وشخص يزيد بن عمر بن هبيرة إلى هشام فتكلّم، فقال هشام:
ما مات من خلّف مثل هذا؛ فقال الأبرش الكلبي: ليس هناك، أما تراه يرشح جبينه لضيق صدره؟ فقال يزيد: ما لذاك أرشح، لكن لجلوسك في هذا الموضع.
- خرج يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري يسير بالكوفة إلى مسجد بني غاضرة وقد أقيمت الصلاة، فنزل فصلّى واجتمع الناس لمكانه في الطريق، وأشرف النساء من السطوح، فلما قضى صلاته قال: لمن هذا المسجد؟ قيل:
لبني غاضرة، فتمثل قول الشاعر:
ولما تركن من الغواضر معصراإلّا فصمن بساقها خلخالا
فقالت له امرأة من المشرفات:
ولقد عطفن على فزارة عطفةكرّ المنيح وجلن ثمّ مجالا
فقال يزيد: من هذه؟ قالوا: بنت الحكم بن عبدل، فقال: هل تلد الحيّة إلا حيّة.
- دخل طريح بن إسماعيل الثقفي على أبي جعفر المنصور في جملة الشعراء، فقال له المنصور حين سلّم: لا حيّاك الله ولا بيّاك، أما اتّقيت الله ويلك حيث تقول للوليد:
لو قلت للسّيل دع طريقك والموج عليه كالهضب يعتلج
لساخ وارتدّ أو لكان لهفي سائر الناس عنك منعرج
- ويروى إلى طريق سواك.
فقال طريح: قد علم الله أنّي قلت ذاك ويدي ممتدة إليه ﷿، وإيّاه ﵎ عنيت، فقال المنصور: يا ربيع أما ترى هذا التخلص؟
- أنشد إسماعيل بن يسار النساء عبد الملك بن مروان قصيدة مدحه بها يقول فيها:
جعلت هشاما والوليد ذخيرةوليّين للعهد الوثيق المؤكّد
قال فنظر إليهما عبد الملك مبتسما، والتفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر، فغضب سليمان ونظر إلى إسماعيل نظر مغضب، فقال: يا أمير المؤمنين إنما وزن الشعر أخرجه من البيت الأول وقد قلت بعده:
وأمضيت عزما في سليمان راشداومن يعتصم بالله مثلك يرشد
فأمر له بألفي درهم، وأمر أولاده الثلاثة فأعطوه ثلاثة آلاف درهم.
- ومثله أن أبا تمّام أنشد أحمد بن المعتصم:
إقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال له مؤدّبه- وأراد الغضّ منه-: الأمير أكبر من كلّ من وصفت.
فقال أبو تمام: الكلام بآخره، ثم أنشد:
لا تنكروا ضربي له من دونهمثلا شرودا في النّدى والباس
فالله قد ضرب الأقلّ لنورهمثلا من المشكاة والنّبراس
وقيل انه ارتجل البيتين لوقته.
- اعترض الرشيد قينة ليشتريها فغنت:
ما نقموا من بني أميّة إللا أنّهم يجهلون إن غضبوا
ثم تنبهت فقالت:
وإنهم معدن النفاق فماتفسد إلا عليهم العرب
فقال الرشيد ليحيى بن خالد: سمعت يا أبا علي؟
فقال: تبتاع، يا أمير المؤمنين، وتسنى لها الجائزة، ويعجّل لها الإذن ليسكن قلبها، قال: ذلك جزاؤها. وقال لها: أنت مني بحيث تحبّين، فأغمي على الجارية.
والشعر الذي غنّت لعبيد الله بن قيس الرقيات وهو:
ما نقموا من بني أمية إللا أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك فماتصلح إلا عليهم العرب
- جلس عمرو بن هدّاب للشعراء فأنشده طريف بن سوادة أرجوزة فيه حتى انتهى إلى قوله:
أبرص فيّاض اليدين أكلفوالبرص أندى باللهى وأعرف
وكان عمرو أبرص فصاح به بعض حاضريه: اسكت قطع الله لسانك، فقال عمرو: مه إن البرص من مفاخر العرب، أما سمعت قول ابن حبناء:
لا تحسبنّ بياضا فيّ منقصةإنّ اللهاميم في أقرابها بلق
- أحضر عبد الملك بن مروان رجلا يرى رأي الخوارج، فأمر بقتله وقال: ألست القائل:
ومنا سويد والبطين وقعنبومنّا أمير المؤمنين شبيب
فقال: يا أمير المؤمنين إنما قلت: أمير المؤمنين شبيب، أردت بك يا أمير المؤمنين فحقن دمه.
خرج رجل على عبد الله بن طاهر كان اصطنعه وأحسن إليه:
فحاربه عبد الله فظفر به، فقال له: ما حملك على ما صنعت مع إحساني إليك؟
فقال: حملني على ذلك قولك أيها الأمير:
حتى متى تصحب الرجال ولاتصحب يوما لأمّك الهبل
فصفح عنه وأعاده إلى مرتبته وزاد في برّه.
- مرت امرأة من العرب بمجلس من مجالس نمير، فرماها جماعة منهم بأبصارهم، فوقفت وقالت: يا بني نمير لا لأمر الله أطعتم ولا لقول الشاعر
سمعتم، قال الله ﷿: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
(النور:)، وقال الشاعر:
فغضّ الطّرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال: فما اجتمع منهم بعد ذلك في مجلس اثنان.
ب- أنشد إبراهيم بن هرمة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بحضرة عبد الله بن الحسن بن الحسن شعرا يقول فيه:
وجدنا غالبا كانت جناحاوكان أبوك قادمة الجناح
فغضب عبد الله بن الحسن حتى انقطع زرّه ثم وثب مغضبا وتجوز ابن هرمة في الإنشاد ثم لحقه فقال: جزاك الله خيرا يا ابن رسول الله، فقال: ولكن لا جزاك الله خيرا يا ماصّ بظر أمّه، أتقول لابن مروان «وكان أبوك قادمة الجناح» بحضرتي وأنا ابن رسول الله ﷺ وابن عليّ بن أبي طالب ﵇؟ فقال ابن هرمة: جعلني الله فداك، إنّي قلت قولا أخدعه به طلبا للدنيا، وو الله ما قست بكم أحدا قط، أو لم تسمعني قد قلت فيها: وبعض القول يذهب في الرّياح.
قال: فضحك عبد الله وقال له: قاتلك الله فما أطرفك.
- حجّت سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وكانت عائشة أحسنهما آلة وثقلا، وكان معها ستون بغلا فحدا حادي عائشة فقال:
عائش يا ذات البغال الستينلا زلت ما عشت كذا تحجين
فشقّ ذلك على سكينة فنزل حاديها فقال:
عائش هذي ضرّة تشكوكلولا أبوها ما اهتدى أبوك
فأمرت عائشة حاديها فكفّ.
عرض محمد بن واسع حمارا له على البيع فقال له رجل: أترضاه لي؟
فقال لو رضيته ما بعته.
وهذا إنما قال تحرّجا وتحوّبا وفيه جواب مسكت.
دعا بعض القرّاء بعض الأمراء باسمه فغضب وقال: أين الكنية لا ابا لك؟ فقال: إن الله تعالى سمّى أحبّ الخلق إليه فقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
(آل عمران:)، وكنّى أبغض الخلق إليه فقال: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
(المسد:).
- وناظر ابن الزّيات رجلا فصالحه على مال فقال له: عجّله، فقال:
أظلم وتعجيل؟ فقال ابن الزيات: أصلح وتأجيل؟
كانت قبيحة أمّ المعتزّ تحرّضه على قتل الأتراك الذين قتلوا أباه، وتبرز إليه قميصه المضرّج بدمه، فقال لها يوما: ارفعيه وإلا صار القميص قميصين، فما عادت لعادتها بعد ذلك.
- لما أراد هشام أن ينزل الرّصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون ولم نر خليفة طعن، قال: أنتم تريدون أن تجرّبوني، ونزل الرصافة وهي برّيّة.
- وأتي هشام بعود فقال للوليد بن يزيد: ما هذا؟ قال: خشب يشقّق ثم يرقّق ثم يلصق ثم تعلّق عليه أوتار فينطق فتضرب الكرام برؤوسها الحيطان سرورا
به، وما في المجلس إلّا من يعلم ما أعلمه وأنت أوّلهم يا أمير المؤمنين.
وقد قيل إن هذا الكلام للوليد بن مسعدة الفزاري مع عبد الملك بن مروان.
- ركب الرشيد لينظر إلى هدايا بعث بها عليّ بن عيسى بن ماهان بعد صرف الفضل بن يحيى عن خراسان، وجعفر بن يحيى يسايره، فقال لجعفر:
أين كان هذا أيام أخيك؟ قال: في منازل أربابه، فلم يحر جوابا.
قال التّوّزي: كان رجل من ولد جرير في حلقة يونس بن حبيب، وفيها رجل من بني شيبان، وأمّ جرير منهم، فقال الجريري يفتخر على الشيباني:
نمتني من شيبان أمّ نزيعةكذلك ضرب المنجبات النزائع
أما والله- يا أخا بني شيبان- ما أخذناها إلا بأطراف الرماح. فقال له الشيباني:
صدقت والله، لأنت ألأم من أن يزوّجوك بها طوعا أو يرضوك لها كفؤا.
وقف الإسكندر على ذيوجانس فقال: أما تخافني؟ فقال: أخير أنت أم شرّ؟ قال: بل خير. فقال ذيوجانس: فإني لا أخاف الخير بل أحبّه.
سأل رجل جاهل أفلاطن: كيف قدرت على كثرة ما تعلّمت؟
قال: لأني أفنيت من الزّيت أكثر مما أفنيت من الشراب.
- تكلّم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال: بهرك الكلام يا صعصعة؟ فقال: الخيل الجياد نضّاخة بالماء.
- نظر ثابت بن عبد الله بن الزبير إلى أهل الشام فشتمهم، فقال له سعيد بن عثمان بن عفان: تشتمهم لأنهم قتلوا أباك؟ قال: صدقت، ولكنّ
المهاجرين والأنصار قتلوا أباك.
- دخل معن بن زائدة على المنصور يقارب في خطوه، فقال أبو جعفر: كبرت سنّك يا معن؛ قال: في طاعتك؛ قال: وإنك لجلد قال: على أعدائك، قال: وإن فيك بقية؛ قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
مرّ أعرابي بمجلس قوم فسخروا منه واستهزأوا به، فرجع إليهم وقال: يا هؤلاء إنّ الناس رجلان: متكلّم غانم، وساكت سالم، فوالله ما سلمتم سلامة الصّامت، ولا غنمتم غنيمة المتكلّم.
قال عبد الله بن عباس: بعثني عليّ ﵇ إلى عائشة أمّ المؤمنين يأمرها بالرحيل إلى بلادها. فأتيتها فدخلت عليها فلم يوضع لي شيء أجلس عليه، فتناولت وسادة كانت في رحلها فقعدت عليها، فقالت عائشة: يا ابن عباس، أخطأت السنّة: قعدت على وسادتنا في بيتنا بغير إذننا، فقلت: ما هذا بيتك، بيتك الذي أمرك الله سبحانه أن تقرّي فيه، ولو كان بيتك ما قعدت على وسادتك إلا بإذنك. ثم قلت: إنّ أمير المؤمنين عليا أرسلني إليك يأمرك بالرحيل إلى بلادك. قالت: وأين أمير المؤمنين؟ ذاك عمر. فقلت: ذاك عمر وعليّ أيضا، قالت: أبيت! أبيت!. قلت: أما والله ما كان إباؤك إلا قصير المدّة، عظيم التّبعة، قليل المنفعة، ظاهر الشّؤم، بيّن النكد، وما عسى أن يكون إباؤك وما كان أمرك إلا كحلب شاة حتى صرّت، لا تأمرين ولا تنهين، ولا تأخذين ولا تعطين، وما كان مثلك إلا كقول أخي بني أميّة حيث يقول:
ما زال إهداء الضغائن بينهمتترى الحديث وكثرة الألقاب
حتى تركت كأنّ صوتك بينهمفي كلّ مجمعة طنين ذباب
قال: فبكت حتى سمعت نحيبها من وراء الحجاب، ثم قالت: إني معجلة الرحيل إلى بلادي إن شاء الله، والله ما من بلد أبغض إليّ من بلد أنتم فيه. قال:
ولم ذاك؟ فو الله لقد جعلنا أباك صدّيقا، قالت: يا ابن عباس، أتمنّ عليّ برسول الله ﷺ؟ فقلت: ما لي لا أمنّ عليك بمن لو كان منك لمننت عليّ.
- وقال بعض أصحاب الرشيد: كنت واقفا على رأس الرشيد وقد دخل عليه عبد الملك بن صالح، فأقبل عليه الرشيد فقال: كأني أنظر إلى شؤبوبها وقد لمع، وإلى غبارها وقد سطع، وإلى الوعيد وقد أورى نارا، وقد كشف عن لهازم بلا حلاقم ورؤوس بلا غلاصم، فمهلا مهلا يا بني هاشم، لا تستوعروا السّهل ولا تستسهلوا الوعر، ولا تبطروا النعم، ولا تستجلبوا النقم، فعن قليل يذمّ ذو الرأي منكم رأية، وينكص ذو الحزم منكم على عقبيه، وتستبدلوا الذّلّ بعد العزّ، وتستشعروا الخوف بعد الأمن. فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، أفذّا أتكلّم أم تواما؟ قال: بل فذّا؛ قال: إن لله عليك حقا فيما ولاك فأده، واحفظه في رعيّته، ولا تجعل الكفر في موضع الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، ولا تقطع رحمك التي أوجب الله عليك صلتها، وألزمك حقّها، ونطق الكتاب بها، فإنّ عقوقها كفر؛ وجاز ذا الحقّ على حقّه، ولا تصرف الحقّ إلى غير أهله؛ جمعت عليك القلوب بعد افتراقها، وسكّنتها بعد نفارها، وشددت أواخي ملكك بأشدّ من أركان يلملم، وكنت كما قال أخو بني جعفر ابن كلاب:
ومقام ضيّق فرّجتهبلساني ومقامي وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّالهزلّ عن مثل مقامي وزحل
فقال الرشيد: هذا ابنك يخبرنا عنك بمعصيتك وشقاقك. قال: ليس يخلو ابني من أن يكون مأمورا أو عدوّا، فإن كان مأمورا فمعذورا وعدوّا فمحذورا، وقد قال الله تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
(التغابن:)، قال: فهذا كاتبك قمامة بن يزيد يخبر بمثل ذلك، وقد سأل أن يجمع بينك وبينه، قال: إن من كذب عليّ وأشاط بدمي غير مأمون أن يبهتني، وخرج.
قال ابن مروان لأبي يوسف القزويني الفقيه الحنفي وقد أراه سور آمد وعجّبه من حصانته وإحكامه: كيف تراه؟ فقال له أبو يوسف: يحفظك بالليل، ويردّ عنك السبل، ولا يحجب عنك دعوة المظلوم.
- كان أحمد بن يوسف يكتب بين يدي المأمون، فطلب منه السكين فدفعها إليه والنصاب في يده، فنظر إليه المأمون نظر منكر، فقال:
على عمد فعلت ذلك، ليكون الحدّ على أعدائك. فعجب الناس من سرعة جوابه وشدّة فطنته.
- وقال المأمون لأحمد بن يوسف: إنّ أصحاب الصدقات تظلّموا منك، فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما رضي أصحاب الصدقات عن رسول الله ﷺ حتى أنزل الله تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ
(التوبة:)، فكيف يرضون عني؟ فاستضحك المأمون وقال له: تأمّل أحوالهم وأحسن النظر في أمرهم.
- لما ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة استصغروا سنّه، فقال له رجل: كم سنّ القاضي أعزّه الله؟ قال: سنّ عتّاب بن أسيد حين ولّاه رسول الله ﷺ مكّة، فجعل جوابه احتجاجا.
- قيل لابن شبرمة: لم تركت النبيذ؟ فقال: إن كان حلالا فحظّي تركت، وإن كان حراما فبالحزم أخذت.
- لما قال النابغة الجعديّ في ليلى الأخيلية من أبيات:
ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلافقد ركبت أيرا أغرّ محجّلا
وقد اكلت بقلا وخيما نباتهوقد شربت من آخر اللّيل أيلا
- يعني ألبان الأيّل وقد تورث الغلمة- أجابته ليلى من أبيات:
تعيّرني داء بأمّك مثلهوأيّ حصان لا يقال لها هلا
فغلبته.
- لما قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين قتل عثمان ﵁ أبياته المشهورة التي من جملتها:
هم قتلوه كي يكونوا مكانهكما غدرت يوما بكسرى مرازبه
أجابه الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بأبيات منها يقول:
وشبّهته كسرى وقد كان مثلهشبيها بكسرى هديه وعصائبه
- أرسل أبو ذؤيب الهذليّ خالد بن زهير إلى امرأة بينه وبينها خلّة، فأفسدها خالد لنفسه، وكان أبو ذؤيب من قبل قد فعل مثل ذلك مع عويمر بن مالك بن عويمر، فلما عرف أبو ذؤيب ما فعله خالد كتب إليه بأبيات منها:
خليلي الذي دلّى لغيّ خليلتيجهارا وكلّ قد أصاب غرورها
ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدىمن السّرّ ما يطوى عليه ضميرها
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع