تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر من هذا الباب (١٣)

- قال نصر بن سيّار بخراسان لأعرابي: هل اتخمت قطّ؟ قال:

أما من طعامك وطعام أبيك فلا. فيقال إن نصرا حمّ من هذا الجواب أياما، وقال: ليتني خرست ولم أفه بسؤال هذا الشيطان.

- بعث معن بن زائدة إلى ابن عياش المنتوف ألف دينار، وكتب إليه: قد بعثت إليك بألف دينار واشتريت بها دينك.

فكتب إليه: وصل ما أنفذت وقد بعتك ديني ما خلا التوحيد لعلمي بقلّة رغبتك فيه.

- دخل أشعري على الرشيد فسأله، فقال: احتكم، فقال: أشعري يحكّم بعد أبي موسى؟ فضحك وأعطاه.

- اعترض عمرو بن الليث فارسا من جيشه، وكانت دابته في غاية الهزال، فقال له: يا هذا، تأخذ مالي فتنفقه على امرأتك وتسمّنها وتهزل دابّتك التي تحارب عليها وبها تأخذ الرزق؟ امض لشأنك فليس لك عندي شيء.

فقال الجندي: أيها الأمير لو استعرضت امرأتي لاستسمنت دابّتي. فضحك عمرو وأمر بإعطائه رزقه.

- قال زياد لرجل: يا ابن الزانية، فقال: أتسبني بشيء شرفت به.

- لما قال ابن هرمة:

ومهما ألام على حبّهمفإني أحبّ بني فاطمة
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومهما ألام على حبهم»
بني بنت من جاء بالمحكمات والدين والسنّة القائمة
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ومهما ألام على حبهم»

لقيه رجل فسأله: من قائلها؟ فقال: من عضّ بظر أمّه، فقال له ابنه: ألست قائلها؟ قال: بلى، قال: فلم شتمت نفسك؟ قال: أليس [أن] يعضّ المرء بظر أمّه خير من أن يأخذه ابن قحطبة.

- ومر ابن هرمة على جيرانه وهو ميّت سكرا حتى دخل منزله.

فلما كان من الغد، دخلوا إليه فعاتبوه على الحال التي رأوه عليها، فقال لهم: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أما سمعتم قولي:

أسأل الله سكرة قبل موتيوصياح الصبيان يا سكران
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «أسأل الله سكرة قبل موتي»

فنفضوا ثيابهم وخرجوا وقالوا: لا يفلح هذا أبدا.

- شهد رجل عند أبي العاج - وكان على البصرة- على رجل من المعيطيّين بشهادة، وكان الشاهد سكران، فقال المعيطي المشهود عليه: أعزّك الله، إنه لا يحسن أن يقرأ من السكر، فقال الشاهد: بلى إني لأحسن، فقال اقرأ فقال:

علق القلب الربابابعد ما شابت وشابا
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة

وإنما تماجن بذلك على المعيطي ليحكي به الوليد بن عقبة وإنشاده هذا البيت وهو يصلي في محراب الكوفة. وكان أبو العاج محمّقا وظنّ أن هذا قرآن، فقال: صدق الله ورسوله. ويلكم فلم تعلمون ولا تعملون.

- لما مات جعفر بن محمد ﵉، قال أبو حنيفة لشيطان الطاق: مات إمامك، قال: لكن إمامك لا يموت إلى يوم القيامة، يعني إبليس.

فقال له أبو حنيفة: ما تقول في المتعة؟ قال: حلال، قال: أفيسرّك أن تكون بناتك وأخواتك يتمتّع بهن؟ قال: شيء قد أحلّه الله إن كرهت فما حيلتي؟

قال شيطان الطاق: فما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: أفيسرّك أن تكون بناتك وأخواتك نبّاذات؟

- قال رجل من ولد سعيد بن سلم لأبي العيناء: إن ابني يبغضك، قال: يا بني إن لي أسوة بآل محمد ﷺ.

قال رجل للفرزدق: ما أقبح وجهك كأنه خلق من أحراح، فقال: انظر هل ترى حر أمّك فيه.

- وقيل لأبي الأسود: كأنّ وجهك من فقاح مجتمعة، فقال للقائل: فهل فقحة أمّك فيها.

وعلى كلامه احتذى الفرزدق.

قيل لبشار: ما أذهب الله ناظري أحد إلا عوّضه منهما شيئا، فما الذي عوّضك؟ قال: أن لا أرى مثلك.

- تزوج أعمى امرأة فقالت: لو رأيت حسني وبياضي لعجبت، فقال: اسكتي، لو كنت كما تقولين ما تركك لي البصراء.

نظر ذيوجانس إلى رجل مبذّر لماله فقال له: هب لي منّا فضة، قال له: كيف صرت تسأل الناس الحبّة والفلس وتسألني منا فضة؟ قال: لأني لا أرجو إليك العودة ولا أرجوها منك إذ كان لا يبقى معك.

نظر حكيم إلى معلّم رديء الكتابة فقال له: لم لا تعلّم الصّراع؟

فقال: لا أحسنه، قال: هو ذا أنت تعلم الكتابة ولا تحسنها.

- ولي موسى بن مصعب الموصل فاستعمل رجلا من أهل حرّان على كورة باهدرا، وهي أجلّ كور الموصل، فأبطأ عليه الخراج فكتب إليه:

هل عند رسم برامة الخبرأم لا فأيّ الأشياء ننتظر

احمل ما عندك يا ماصّ بظر أمّه وإلّا فقد أمرت رسولي يشدّك وثاقا ويأتيني بك. فأخذ الرجل ما كان معه من الخراج ولحق بحرّان وكتب إليه في الجواب في آخر الرقعة:

إن الخليط الذي تهوى قد ائتمرواللبين ثم أجدّوا السير فانشمروا

اجهد جهدك يا ابن الزانية. فلما قرأ موسى كتابه ضحك وقال: أحسن والله الجواب، والله لا أطلبه أبدا.

قال الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو وليّ عهد، للعباس بن الوليد بن عبد الملك وقد تماضّا: اسكت يا ابن البظراء، وكانت أمّ العباس رومية، فقال له العباس: أتفخر عليّ بما قطع من بظر أمك؟

قال الوليد لأشعب: تمنّ؟ فقال أشعب: يتمنى أمير المؤمنين ثم أتمنى؟ فقال الوليد: إنما أردت أن تغلبني، إني أتمنّى ضعفي ما تتمنى، فقال أشعب: إني أتمنى كفلين من العذاب، قال: إذن نوفّرهما عليك.

- كانت سعدة بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان تحت الوليد ابن يزيد بن عبد الملك، فهوي أختها سلمى، فطلّق سعدة طمعا أن يتزوّج أختها، فلم يزوجه أبوها. وندم على طلاقه سعدة واستهام بها، فتزوجت سعدة فأيس منها. فقال الوليد لأشعب: هل لك في عشرة آلاف درهم على أن تبلغ سعدة رسالتي؟ قال: أحضرها حتى أنظر إليها، فأحضرها الوليد، فوضعها أشعب على عاتقه وقال: هات رسالتك، فقال الوليد تقول لها:

أسعدة هل إليك لنا سبيلوهل حتى القيامة من تلاق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسعدة هل إليك لنا سبيل»
بلى ولعلّ دهرا أن يواتيبموت من خليل أو فراق
فأصبح شامتا وتقرّ عينيويجمع شملنا بعد افتراق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «أسعدة هل إليك لنا سبيل»

فأتى أشعب باب سعدة فاستأذن عليها، فأخبرت بمكانه فأمرت بفرش لها ففرشت وجلست وأذنت له. فلما دخل أنشدها ما أمر به، فقالت لخدمها:

خذوا الفاسق، فقال: يا سيدتي، إنها بعشرة آلاف درهم، قالت: والله لأقتلنّك أو تبلّغه كما بلغتني، قال: وما تهبين لي؟ قالت بساطي الذي تحتي، قال: قومي عنه، فقامت فطواه، ثم قال: هاتي رسالتك- جعلت فداك- قالت، قل له:

أتبكي على لبنى وأنت تركتهافقد ذهبت لبنى فما أنت صانع

فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت، فقال: أوّاه! قتلتني يا ابن الزانية! ما أنا صانع؟ اختر إما أن أدلّيك منكّسا على رأسك في البئر، أو أرمي بك منكّسا من فوق القصر، أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، هذا الذي أنا صانع، فاختر الآن ما أنت صانع.

قال أشعب: ما كنت لتفعل من هذا شيئا، قال: ولم يا ابن الزانية؟ قال: ما كنت لتعذّب عينين قد نظرتا إلى سعدة، قال: صدقت؛ أوّاه! أفلتّ مني بهذا والله يا ابن الزانية! - كان بالرّقّة قاصّ يكنى أبا عقيل يكثر التحدّث عن بني إسرائيل فيظنّ به الكذب، فقال له يوما الحجاج بن خيثمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ قال: خيثمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أيّ كتاب وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.

- وكان أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شيث بن ربعي الرياحي، عجيب الجواب. فجلس إليه رجل مرة يعرف ببردين المناقير، وكان أبوه صلب في حرابة، والحرابة عندهم سرق الإبل خاصة، فأقبل يعرّض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في است أبيه.

- ومر به نصر بن سيار الليثي وهو يميل سكرا فقال له: أفسدت شرفك، فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان.

- وخطب إلى رجل من بني تميم فقال له: لو كنت مثل أبيك لزوّجتك، فقال له أبو الهندي: لكن لو كنت مثل أبي ما خطبت إليك.

- كانت حميدة بنت النعمان بن بشير تحت روح بن زنباع الجذاميّ، فأشرفت على قوم من جذام وفدوا على روح فزجرها روح فقالت:

إني والله لأبغض الحلال من جذام، فكيف تخافني على الحرام منهم؟

وخلف عليها بعده الفيض بن محمد عمّ يوسف، فقالت فيه:

سمّيت فيضا وما شيء تفيض بهإلا بسلحك بين الباب والدار
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة

وتمثل الفيض يوما بهذا البيت:

إن كنت ساقية قوما على كرمصفو المدامة فاسقيها بني قطن

ثم تحرك فضرط، فقالت: وهذه أيضا فاسقيها بني قطن.

- جلس معن بن زائدة يقسم سلاحا في جنده إذ دفع إلى رجل منهم سيفا، وكان سيف سوء، فقال معن: خذه فإنها مأمورة، فقال: هذا مما قد أمر أن لا يقطع شيئا أبدا، فأبدله له وزاد في عطائه.

- أمر بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري بتفريق بين رجل وامرأته، فقال له: يا آل أبي موسى، إنما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين.

- وقال أبو العيناء: قال لي المتوكل يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قطّ؟ قلت: نعم، رأيت ببغداد منذ ثلاثين سنة واحدا، قال: تجده كان يؤاجر وكنت تقود عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغ هذا من فراغي، أدع

مواليّ مع كثرتهم وأقود على الغرباء؟! فقال المتوكل للفتح: أردت ان أشتفي منهم فاشتفى لهم مني.

- وقدّم إلى مائدة عليها أبو هفّان وأبو العيناء فالوذجة، فقال أبو هفان: لهذه أحرّ من مكانك في جهنم، فقال له أبو العيناء: إن كانت حارّة فبرّدها بشعرك.

وقال أبو العيناء: أدخل على المتوكّل رجل قد ادعى النّبوّة، فقيل له: ما علامة نبوّتك؟ قال: أن يدفع إليّ أحدكم امرأة فإني أحبلها في الحال، فقال: يا أبا العيناء، هل لك أن تعطيه بعض الأهل؟ فقال: إنما يعطيه من كفر به. فضحك وخلّاه.

- وقال: فلج بعض المجّان فرأيته وهو يأكل سمكا ولبنا فعاتبته على ذلك فقال: آمن ما يكون الطريق إذا قطع فيه.

- ومرت جارية بقوم ومعها طبق مغطّى، فقال لها بعضهم: أيّ شيء معك على الطبق؟ قالت: فلم غطّيناه؟

- قالت امرأة مزبد لمزبّد: يا قرنان! يا مفلس! قال: إن صدقت فواحدة من الله تعالى والأخرى منك.

- رفع مزبّد مرّة إلى والي المدينة ومعه زق فارغ، فأمر بضربه فقال له: لم تضربني؟ قال: لأنّ معك آلة الخمر، قال: وأنت- أعزّك الله- معك آلة الزنا.

- قال الرشيد لبهلول: من أحبّ الناس إليك؟ قال من أشبع بطني، قال: فأنا أشبعك فهل تحبني؟ قال الحبّ بالنّسيئة لا يكون.

- وقال له الرشيد: أبو بكر وعمر خير أم عليّ؟ فقال: واحد بإزاء الاثنين لا يجوز، ولكن عليّ والعباس خير من أبي بكر وعمر.

وشبيه بهذا ما حكي عن السّندي بن شاهك أنه أحضر رجلا ادعى عليه الرفض فقال له: ما تقول في أبي بكر؟ فأثنى عليه، قال: فعمر؟

قال: لا أحبّه فاخترط السندي سيفه وقال: لم ويلك؟ قال: لأنه جعل الشورى في ستة من المهاجرين وأخرج العباس منهم، فشام سيفه ورضي عنه.

- ضرط ابن صغير لعبد الملك بن مروان في حجره، فقال له: قم إلى الكنيف، فقال: أنا فيه. وكان عبد الملك شديد البخر.

- دخل إبراهيم الحرانيّ الحمام فرأى رجلا عظيم الذكر فقال له:

أيباع [متاع] البغل؟ قال: لا بل نحملك عليه. فلما خرج بعث إليه بصلة وكسوة وقال لرسوله، قل له: اكتم هذا الحديث فإنه كان مزاحا. فردّه وقال، قل له: لو قبلت حمالتنا لقبلنا صلتك.

- قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف، فقال يا ابن النمّامة.

- كان لبعضهم ابن دميم فخطب إلى قوم، فقال الابن لأبيه يوما:

بلغني أن العروس عوراء، فقال الأب: يا بنيّ، بودّي أنّها عمياء حتى لا ترى سماجة وجهك.

- كانت رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان- وأمها فاطمة بنت الحسين- عند هشام بن عبد الملك، وكان يحبّها وتبغضه، فاعتلّت، فجلس عند رأسها فقال لها: ما تشتكين؟ قالت: بغضك، فسكت عنها ساعة ثم قال لها: ما تشتهين؟ قالت: فقدك.

- وكان بالبصرة رجل طيّب يقال له حوصلة، وكان له جار يعشق ابنا له، فوجّه حوصلة بابنه هذا إلى بغداد في حاجة له ولم يعلم جاره بذلك، فجاء ليلة يطلبه فصاح بالباب: أعطونا نارا، فقال حوصلة: المقدحة ببغداذ.

- وقد حكي مثل هذا سواء عن ابن أبي عتيق وقد جاء صديق لجاريته يطلب نارا، فقال له: قدّاحتنا في البستان.

- وقال بعض العلويّة لأبي العيناء: أتبغضني ولا تصحّ صلاتك إلا بالصلاة عليّ إذا قلت: اللهم صلّ على محمد وآله؟ قال أبو العيناء: إذا قلت «الطيبين الطاهرين» خرجت منهم.

- سكر مزبّد يوما فقالت امرأته: أسأل الله أن يبغّض إليك النبيذ، قال: والفتيت إليك.

- قالت امرأة مزبّد يوما، وكانت حبلى ونظرت إلى قبح وجهه:

الويل لي إن كان الذي في بطني يشبهك، فقال لها: الويل لي إن كان الذي في بطنك لا يشبهني.

- سأل بعض الخلفاء بعض من لا يستحقّ الولاية فقال: ولّني يا أمير المؤمنين ارمينية، قال: يبطىء على أمير المؤمنين خبرك.

- وقال رجل لحميد الطوسي، وكان عاتيا: رأيت في النوم كأنّ القيامة قد قامت، وكأن الله تعالى قد دعاك وغفر لك وأدخلك الجنّة. فقال: إن كانت رؤياك حقّا فالجور ثمّ أكثر منه ها هنا.

- مرّ الفرزدق وهو راكب على بغلة فضرطت، فضحكت منه امرأة، فالتفت إليها وقال: ما يضحكك؟ فو الله ما حملتني أنثى قطّ إلّا ضرطت.

فقالت له المرأة: قد حملتك أمّك تسعة أشهر يا ابن الضرّاطة.

- تنبّأ رجل فادعى أنه موسى بن عمران، وبلغ خبره الخليفة فأحضره وقال: من أنت؟ قال: موسى بن عمران الكليم قال: وهذه عصاك التي صارت ثعبانا؟ قال: نعم، قال: فألقها من يدك وأمرها أن تصير ثعبانا كما فعل موسى، قال: قل أنا ربّكم الأعلى كما قال فرعون حتى أصيّرها ثعبانا كما فعل موسى.

- وتنبّأت امرأة على عهد المأمون فأوصلت إليه، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا فاطمة النبيّة، قال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد فهو حقّ؟ قالت: نعم، قال: فإنّ محمدا قال لا نبيّ بعدي، قالت: صدق ﵇، فهل قال لا نبيّة بعدي؟ قال المأمون لمن حضره: أما أنا فقد انقطعت، فمن كان عنده حجّة فليأت بها، وضحك حتى غطّى وجهه.

- وتنبأ آخر في أيام المعتصم، فلما أحضر بين يديه قال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم، قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك، قال: أشهد إنّك لسفيه أحمق، قال: إنما يبعث إلى كلّ قوم مثلهم، فضحك المعتصم وأمر له بشيء.

- وتنبّأ آخر في خلافة المأمون فقال له: ما أنت؟ قال: نبيّ، قال:

فما معجزتك؟ قال: سل ما شئت- وكان بين يديه قفل- فقال: خذ هذا القفل فافتحه، قال: أصلحك الله، لم أقل لك إنني حدّاد، قلت: أنا نبيّ.

فضحك المأمون واستتابه وأجازه.

قال بصيلة: دخلت سقاية بالكرخ فتوضّأت، فلما خرجت تعلّق بي السّقاء وقال: هات قطعة فضرطت ضرطة وقلت: خلّ الآن سبيلي فقد نقضت وضوئي، فضحك وخلّاني.

- دخل رجل من ولد قتيبة بن مسلم الحمّام وبشار بن برد فيه فقال: يا أبا معاذ وددت لو أنّك مفتوح العين، قال: ولم ذاك؟ قال: لترى استي فتعرف أنّك قد كذبت في شعرك حيث تقول:

على أستاه سادتهم كتابموالي عامر وسم بنار
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «دعيني يا أميرة من سرار»

قال: غلطت يا ابن أخي إنما قلت: على أستاه سادتهم، ولست منهم.

- كان بعضهم يتقلّد أعمال السلطان، فجاءه أبوه يوما يسأله في أمر إنسان فاشتدّ ذلك عليه وضجر، فقال لأبيه: أحبّ وأسألك أن تقول إذا جاءك إنسان وقال: كلّم ابنك بسببي قل: ليس ذلك بابني، فقال الأب: أنا هو ذا أقول هذا منذ ثلاثين سنة وما يقبل منى.

- كان أبو حنيفة وشيطان الطاق يمشيان ذات يوم إذ سمعا رجلا يقول: من يدلّنا على صبيّ ضالّ؟ فقال شيطان الطاق: أما الصبي فلا أدري ولكن إن أردت أن أدلّك على شيخ ضالّ فها هو ذا، وأومأ إلى أبي حنيفة.

- وكان لشيطان الطاق ابن أحمق فقال له أبو حنيفة: أنت من ابنك هذا في بستان، قال: هذا لو كان ابنك.

- لما أخذ محمد بن سليمان صالح بن عبد القدوس ليوجّه به إلى المهدي قال له: أطلقني حتى أفكّر فيولد لك ولد ذكر، ولم يكن لمحمد بن سليمان غير بنت واحدة، قال: بل أصنع ما هو أنفع لك، أفكّر حتى تفلت من يدي.

- حمل بعض الصوفيّة طعاما إلى طحّان ليطحنه فقال: أنا مشغول، فقال: اطحنه وإلّا دعوت عليك وعلى حمارك ورحاك، قال: فأنت مجاب الدعوة؟ قال: نعم، قال: فادع الله ﷿ أن يصير حنطتك دقيقا فهو أنفع لك وأسلم لدينك.

- دخل الشّعبيّ الحمّام وفيه رجل متكشّف، فغمّض عينيه فقال له الرجل: يا شيخ متى ذهبت عينك؟ قال: منذ هتك الله سترك.

- قال رجل من أهل الحجاز لابن شبرمة: من عندنا خرج العلم، قال: ثمّ لم يعد إليكم.

- اعترض رجل المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من العرب، قال: ما ذاك بعجب، قال: وإني أريد الحجّ، قال: الطريق أمامك نهج، قال: وليست لي نفقة، قال: قد سقط الفرض عنك، قال: إني جئتك مستجديا لا مستفتيا. فضحك وأمر له بصلة.

- وتنظر هذه الحكاية إلى قصّة عبد الله بن فضالة الأسدي مع ابن الزبير لما قال: إني جئتك مستجديا لا مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك؛ إلّا أن المأمون ولع بالأعرابي وابن الزبير قصد المنع لمجتديه، فلم أثبت الحكاية ها هنا لهذا السبب إذ كان لا يليق بها.

- قال الأصمعي: مررت بكنّاس يكنس كنيفا بالبصرة وهو ينشد:

أضاعوني وأيّ فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»

فقلت له: أما سداد الكنيف فأنت مليء به، وأما سداد الثغر فلا علم لي بك كيف أنت فيه- وكنت حديث السنّ وأردت العبث به- قال: فأعرض عني مليّا ثم أقبل علي وأنشد متمثلا:

وأكرم نفسي إنّني إن أهنتهاوحقّك لم تكرم على أحد بعدي

فقلت له: والله ما يكون من الهوان شيء أكثر مما بذلتها له، فبأيّ شيء أكرمتها؟ فقال: بلى والله، إنّ من الهوان ما هو شرّ مما أنا فيه، فقلت: ما هو؟

فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس.

أتى الحكم بن عبدل ابن بشر بالكوفة، فسأله فقال: أخمسمائة

أحبّ إليك الآن أم ألف في القابل؟ قال: ألف في القابل، فلما أتاه قال: ألف أحب إليك أم ألفان في القابل؟ قال: ألفان في القابل. فلم يزل ذلك دأبه حتى مات ابن بشر وما أعطاه شيئا.

ثم إن امرأة موسرة بالكوفة كانت لها على الناس ديون بالسواد، فاستعانت بابن عبدل في دينها وقالت: إني امرأة ليس لي زوج، وجعلت تعرّض بأنّها تزوّجه نفسها. فقام ابن عبدل في دينها حتى اقتضاه؛ فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه:

سيخطيك الذي أخطاك منيفقطّع حبل وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشروكنت تعدّ ذلك رأس مال

قال محمد بن إبراهيم الإمام لسعيد الدارميّ: لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك، قال: فديتك إن لم تصلح عليّ ثيابك صلحت عليّ دنانيرك.

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: عمل محمد الأمين سفينة فأعجب بها وركب فيها يريد الأنبار وأنا معه. فقال لي: يا إسحاق كيف ترى سفينتي؟ قلت حسنة يا أمير المؤمنين، عمّرها الله ببقائك. وقام يريد الخلاء، وقال: قل فيها أبياتا، فقلت: نعم، وخرج. فقمت بالأبيات إليه فاشتهاها جدا وقال لي: أحسنت يا إسحاق، وحياتي لأهبنّ لك عشرة آلاف دينار، فقلت:

متى يا أمير المؤمنين، إذا وسّع الله عليك؟ فضحك ودعا بها على المكان.

وفي حكاية أخرى عنه أنه طرب على غنائه فخرق درّاعته وقال: وحياتي لأهبنّ لك عشرة آلاف درهم، فقال متى يا سيدي؟ إذا بويعت بالخلافة وكنت بين يديك أغنّي، ووفّق لي أن طربت على غنائي؟

- وقد حكي عن الحجّاج ما يقارب هذا، وخرج في مقام الجدّ

والسخاء، وذلك أنه حجّ فلما أراد الصّدر قال: اعذرونا يا أهل مكة فإنّا على سفر. فقام إليه رجل من قريش فقال: لا عذر الله من يعذرك، أمير المصرين وابن عظيم القريتين، فإذا عذرناك فمن نلوم؟ فقال الحجاج: عليّ بالتجار فأحضروا، فاستسلف منهم ألف ألف درهم وقسمها منهم.

رأى رجل رجلا يأخذ حجارة قد أعدّها لبناء له فاستحيا منه، فقال الآخذ: لم أعلم أنها لك؟ فقال: هب أنّك لم تعلم أنها لي، ألم تعلم أنها ليست لك؟

- دخل أبو الأقرع على الوليد فقال له: أنشدني قولك في الخمر، فأنشده:

كميتا إذا شجّت وفي الكأس وردةلها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونه وهي دونهلوجه اخيها في الإناء قطوب
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

فقال له الوليد: شربتها وربّ الكعبة، فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان نعتي لها رابك لقد رابتني معرفتك بها.

قدّم رجل عجوزا دلّالة إلى القاضي، فقال: أصلح الله القاضي، زوّجتني هذه امرأة فلما دخلت بها وجدتها عرجاء، فقالت: أصلح الله القاضي، زوّجته امرأة يجامعها أو زوّجته حمارة يحجّ عليها؟! - قيل لامرأة ظريفة: أبكر أنت؟ قالت: أعوذ بالله من الكساد.

- قال أبو العيناء: خطبت امرأة فاستقبحتني فكتبت إليها:

فإن تنفري من قبح وجهي فإننيأديب أريب لا عييّ ولا فدم

فأجابت: ليس لديوان الرسائل أريدك.

- خرجت حبّى المدينية في جوف الليل فلقيها إنسان فقال:

أتخرجين في هذا الوقت؟ قالت: وما أبالي؟ إن لقيني الشيطان فأنا في طاعته، وإن لقيني رجل فأنا في طلبه.

- غاب رجل عن امرأته فبلغها أنّه اشترى جارية، فاشترت غلامين، فبلغ الخبر زوجها فجاء مبادرا وقال لها: ما هذا؟ فقالت: أما علمت أن الرحى أحوج إلى بغلين من البغل إلى رحوين، بع الجارية حتى نبيع الغلامين. ففعل ذلك.

- أدخل علويّ امرأة فلما طالبها قالت له: هات شيئا؟ قال: أما ترضين أن يلج فيك بضعة منّي؟ قالت: هذا ينفق بقمّ.

- دخل ابن يونس فقيه مصر على بعض الخلفاء، فقال له: ما تقول في رجل اشترى شاة فضرطت فخرجت من استها بعرة فقأت عين رجل؟ على من الدّية؟ قال: على البائع، قال: ولم؟ قال: لأنه باع شاة في استها منجنيق ولم يبرأ من العهدة.

- كان ابن قريعة القاضي في مجلس المهلّبي، فوردت عليه رقعة فيها: ما يقول القاضي- أعزّه الله- في رجل دخل الحمّام فجلس في الأبزن لعلّة كانت به، فخرجت منه ريح وتحول الماء زيتا، فتخاصم الحمّاميّ والضارط، وادعى كلّ واحد منهما أنّه يستحقّ جميع الزيت بحقّه فيه؟ فكتب القاضي في

الجواب: قرأت هذه الفتيا الظريفة في هذه القصّة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا وكذبا ماحلا، وإن كان ذلك كذلك فهو من أعاجيب الزمان وبدائع الحدثان. والجواب- وبالله التوفيق- أنّ للصاقع نصف الزيب بحقّ وجعائه، وللحمّاميّ نصف الزيت بحقّ مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله وقبح فصله، حتى يستعمله في مسرجته، ولا يدخله في أغذيته.

- وجد شيخ مع زنجية في ليلة الجمعة في مسجد وقد نوّمها على الجنازة، فقيل له: قبّحك الله يا شيخ، قال: اذا كنت أشتهي وأنا شيخ فما ينفعني شبابكم؟ قالوا: فزنجية؟ قال: فمن يزوّجني منكم بعربية؟ قالوا: ففي المسجد؟ قال: من يفرغ لي منكم بيته ساعة؟ قالوا: فعلى الجنازة؟ قال: من يعطيني سريره؟ قالوا: فليلة الجمعة؟ قال: إن شئتم جئتكم ليلة السبت.

فضحكوا منه وخلّوه.

- وقف أعرابي من بني فقعس على جماعة يسألهم، وهو عريان فأنشد:

كساني فقعس وكسا بنيهعطاف المجد إن له عطافا

فقال بعضهم: لو كساك خرقة تواريك كانت أصلح لك من هذا العطاف.

- قال شاعر في الصّاحب:

وردنا لنشكر كافي الكفاةونسأله الكفّ عن برّنا

فقال له بعضهم: فقد كفيت فليس يعطي أحدا شيئا.

- غضب سعيد بن وهب يوما على غلام له فأمر به فبطح وكشف

عنه الثوب ليضربه، وقال له: يا ابن الفاعلة، إنما غرّتك استك هذه حتى اجترأت عليّ هذه الجرأة، وسأريك هوانها عليّ. فقال الغلام: طالما غرتك هذه الاست حتى اجترأت على الله تعالى، وسوف ترى هوانك عليه. قال سعيد:

فورد عليّ من جوابه ما حيّرني وسقط السّوط من يدي.

- ركب أعرابيّ بحيرة، فقيل له: إنها حرام لا يحلّ ركوبها، فقال: يركب الحرام من لا حلال له.

- وسأل أعرابيّ عبد الملك فقال: سل الله تعالى، فقال الأعرابي:

قد سألته فأحالني عليك. فضحك وأعطاه.

- ودخل أعرابيّ المخرج فخرج منه صوت، فجعل فتيان حضور يضحكون منه، فقال: يا فتيان، هل سمعتم شيئا في غير موضعه؟

- وقال بعض المجان: حضرنا مجلسا فيه قينة، فتحرّكت فضرطت وتشوّرت وقطعت الزير، فتغافلوا عنها، ثم قالت لبعضهم: ما تحبّ أن أغنيك؟ قال:

يا ريح ما تصنعين بالدمنكم لك من محو منظر حسن

قال: فكان خجلها في اقترحه أشدّ من خجلها من ضرطها.

- وقال ابن أبي البغل لرجل: ولد لي مولود فما أسمّيه؟ قال: لا تخرج من الاصطبل وسمّه ما شئت.

- قال برصوما الزّامر لأبيه: لم تجد اسما تسميني به أحسن من

هذا؟ قال: لو علمت أنّك تجالس الخلفاء لسميّتك يزيد بن مزيد.

- لما قال إبراهيم بن هرمة:

لا أمتع العود بالفصال ولاابتاع إلا قريبة الأجل

قال مزيد: صدق ابن الخبيثة فإنه لا يشتري إلا شاة الأضحى التي يذبحها من ساعته.

- لما قال أرطأة بن سهيّة، وهي أمّه، للربيع بن قعنب:

لقد رأيتك عريانا ومؤتزرافما علمت أأنثى أنت أم ذكر
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

قال له: لكن سهيّة قد علمت، فغلبه.

- قال محمد بن الحارث بن بسخنّر: كان علويه بعيد الخجل صفيق الوجه لا يكاد يخجله شيء. فاجتمعنا يوما عند المعتصم ومعنا إبراهيم بن المهدي، فلما خرجنا قال إبراهيم لعلويه: هل أحدثت شيئا من الغناء؟ قال:

صنعت:

إذا كان لي شيئان يا أمّ مالكفإن لجاري منهما ما تخيّرا
وفي واحد إن لم يكن غير واحدأراه له أهلا وإن كنت معسرا

قال إبراهيم: وإن كانت امرأتك؟ فانقطع علوية انقطاعا قبيحا، وخجل حتى لم ينتفع بنفسه ذلك اليوم.

ومما وضع على لسان البهائم أيضا:

- وقع في شرك صيّاد ثعلبان، فقال أحدهما لصاحبه: يا أخي أين ترى نلتقي؟ قال: في الفرّائين بعد ثلاثة أيام.

- دخل كلب مسجدا خرابا فبال في المحراب، وفي المسجد قرد نائم، فقال للكلب: أما تخاف تبول في المحراب؟ فقال الكلب: ما أحسن ما خلقك حتى تتعصّب له.

- وقالوا: إن جديا وقف على سطح يشتم ذئبا في الأرض، فقال له الذئب: لست الذي تشتمني ولكن مكانك الذي يفعل ذلك.

- عدا كلب خلف ظبي فقال له الظبي: إنك لا تلحقني، قال:

لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك.

- هاج بأبي علقمة الدّم فأتوه بحجّام يحجمه، فقال له: اشدد قصب الملازم وأرهف ظبة المشارط، وأسرع الوضع، وعجّل النّزع، وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تردّنّ آتيا. فوضع الحجّام محاجمه في جونته وقال: اسقوا هذا شربة فإنه إلى الدواء أحوج منه إلى الحجامة.

- استأجر رجل حمّالا ليحمل معه قفصا فيه قوارير على أن يعلّمه ثلاث خصال ينتفع بها. فلما بلغ ثلث الطريق قال: هات الخصلة الأولى، قال: من قال لك إنّ الجوع خير من الشّبع فلا تصدّقه، قال: نعم.

فلما بلغ نصف الطريق قال: هات الثانية، قال: من قال لك إن المشي خير من الركوب فلا تصدّقه، قال: نعم. فلما بلغ إلى باب الدار قال: هات الثالثة،

قال: من قال لك إنه وجد حمالا أرخص منك فلا تصدّقه. فرمى الحمال بالقفص وقال له: من قال لك إنه بقي في القفص قارورة واحدة فلا تصدّقه.

جاء رجل إلى السيد الحميري فقال: بلغني أنك تقول بالرجعة، قال: صدق الذي أخبرك وهذا ديني، قال: أفتعطيني دينارا بمائة دينار إلى الرجعة؟ قال السيّد: نعم وأكثر من ذلك إن وثقت لي بمن يضمن لي أنّك ترجع إنسانا. قال: وأي شيء أرجع؟ قال: أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا أو حمارا وتذهب بمالي، فأفحمه.

وقف مطيع بن إياس على رجل يعرف بأبي عمير من أصحاب المعلّى الخادم، فجعل يعبث به ويمازحه إلى أن قال له:

ألا أبلغ لديك أبا العميرأراني الله في استك نصف أير

فقال له أبو العمر: يا أبا سلمى، لو جدت بالأير كلّه لأحد لجدت لي به لما بيننا من المصادقة، ولكنك لحبّك له لا تريده كلّه إلا لك. فأفحمه ولم يعاود العبث به. وكان مطيع يرمى بالأبنة.

- ألقى أبو دلف العجلي على فضل الشاعرة المتوكلية يوما:

قالوا عشقت صغيرة فأجبتهماشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبةلبست وحبّة لؤلؤ لم تثقب

فقالت فضل مجيبة له:

إنّ المطيّة لا يلذّ ركوبهاما لم تذلّل بالزّمام وتركب
والحبّ ليس بنافع أربابهما لم يؤلّف للنّظام ويثقب

وقف الفرزدق بالبصرة على رجل يكري النساء الحمير يعرف بباب المكاري، فقال له: أنت باب؟ قال: نعم، فقال:

كم من حر يا باب ضخم حملتهعلى الرّحل فوق الأخدريّ المكرّم

فقال: الساعة والله- جعلني الله فداك- نزلت النّوار- استودعها الله- عن ذلك الحمار، وأشار بيده إلى بعض الحمير، فقال له ابنه: ما كان أغناك عن هذا العبث.

تكلم البصريّ مع بعض المتكلمين في مجلس المرتضى فقال البصريّ: إن العقل غير العلم، وقال الآخر: العقل هو العلم. فدلّ البصريّ وأوضح حجّته والخصم يردّه بجحود وبهت لا دليل وراءه؛ فلما أعياه وضحك الحاضرون من فهمه، قال البصري: قد أتيت بالبرهان لست تقبله، وقد بقي عندي دليل واضح أذكره ولا تردّه، قال: ما هو؟ قال: أنت، فإنّك غاية في العلم والفضل، وليس لك عقل كلب. فاستشاط الآخر وسبّه وسفه عليه، وقال: يا زوج كذا، فقال البصريّ وأشار إلى الحاضرين: سيدنا يدلّ.

قال الأصمعي: ولي أعرابيّ على تيماء، وكان هناك قوم من بني ضبة، وكان فيهم امرأة ماجنة. فمرّ بها الوالي ذات يوم وهو وحده وليس معه أحد من أعوانه، فقالت: أيها الرجل إني أحبّ الشّعر وسماعه، فهل تروي لجميل شيئا؟ قال: نعم، وأراد أن يجمّشها، فقال: أروي قوله:

هممت بأمر يا بثينة لو مضىلشدّ بواقي حبّها من فؤاديا
لأجعل فخذا من بثينة كالنقايمينا وأخرى مثلها عن شماليا

وأراد أن تنقمع وتحتشم بسماع هذا وتنصرف عنه. فقالت: ما أحسن ما فوّق

لو أصاب القرطاس، فقال: قبّحك الله ما أمجنك، وانصرف مستحييا.

- قال شريك الحارثيّ لجارية سوداء: لمن أنت يا سوداء؟ - وكان أصلع- قالت: أنا لفلان يا أصلع، فغضب وقال: كأنّك لست سوداء، فلم غضبت؟ فقالت له: الحقّ أغضبك، لا تسبّ حتى لا تسبّ.

جلس بعض الأعراب يبول وسط الطريق بالبصرة فقيل له: يا أعرابي أتبول في طريق المسلمين؟ قال: وأنا من المسلمين، بلت في حقّي من الطريق.

كان في يحيى بن أكثم حسد شديد، وكان مفنّنا في العلوم، إذا ناظر رجلا فرآه عالما بالفقه أخرجه إلى الحديث، وإن وجده عالما بالفقه والحديث أخرجه إلى العربيّة، فقدم من أهل خراسان رجل له افتنان في العلوم فناظره، فجعل يحيى لا يخرجه إلى فنّ إلّا قام به. فناظره في الحديث وقال له: ما تحفظ من الأصول؟ قال: أحفظ عن شريك عن أبي إسحاق عن الحارث أن عليا ﵇ رجم لوطيّا. فسكت يحيى ولم يناظره بعد ذلك بحرف.

أخرج نصر بن سيار محمد بن قطن الأسدي إلى قتال الكرماني كارها، فأصابه سهم غرب فقتله، ورمي ذلك اليوم برذون الكرماني فنفق، فصاح أصحاب نصر: يا أصحاب الكرماني، ما فعل البرذون؟ فصاحوا بهم:

ركبه محمد بن قطن إلى النار.

- قال رجل لبعض الأعراب: لا أحسبك تحسن الخراءة قال: بلى وأبيك، إني بها لحاذق، أبعد الأثر، وأعدّ المدر، وأستقبل الشّيح، وأستدبر الريح، وأقعي إقعاء الظبي، وأجفل إجفال النعام.

- قال أبو زيد الأنصاري: دعا ابن أبي بردة أبا علقمة، وهو معتوه بصريّ، فلما دخل عليه قال: تدري لم أرسلت إليك؟ قال: لا، قال:

لأسخر منك. فقال أبو علقمة: لئن فعلت ذاك لقد سخر أحد الحكمين من صاحبه. فلعنه ابن أبي بردة وأمر بحبسه. فبقي أياما ثم أخرجه يوم السبت، فلما وقف بين يديه قال له: أبو علقمة ما هذا الذي في كمك؟ قال: طرف من طرف السجن، قال: أفلا تهب لنا منه، قال: هذا يوم لا نأخذ فيه ولا نعطي، قال ابن أبي بردة: ما أبردك وأثقلك يا أبا علقمة، قال: أبرد مني وأثقل من كانت جدّته يهودية من أهل السواد.

قال أبو زيد النحوي: مرّ رجل من قيس ومعه ابن له يريد الجمعة، وأبو علقمة المعتوه هذا على باب المسجد جالس. فقال الغلام لأبيه: أكلّم أبا علقمة؟ قال: لا، فأعاد عليه الكلام ثلاثا، فقال له أبوه: أنت أعلم. فقال له الغلام: يا أبا علقمة، ما بال لحى قيس خفيفة قليلة المؤونة ولحى اليمن كبيرة عريضة شديدة المؤونة؟ قال: من قول الله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً

(الأعراف:)، مثل لحية أبيك، قال:

فجذب القيسيّ يده من يد ابنه ودخل في غمار الناس حياء وخجلا.

- قيل كان في همذان مجنون يجتمع عليه الناس، فإذا اجتمعوا عليه قال لهم: هل ترون ما أنتم فيه من حيرتكم وغفلتكم شيئا؟ ما هو إلا محنة العبودية ووطأة الشريعة في الدنيا، والحبس والسؤال والعذاب في الآخرة، وإنما الراحة ما أنا فيه: لا حرج في الدنيا ولا حساب في الآخرة.

- مرّ حوشب بمجنون من بني أسد وهو راكب قصبة والصبيان

معه. فقال حوشب: قبّحك الله! تصنع هذا وأنت امرؤ من العرب؟ فأنشأ المجنون يقول:

نجّى وليدته وأسلم شيخهبئس الفتى عند الحفيظة حوشب

واتبعه الصبيان يصيحون به: بئس الفتى عند الحفيظة حوشب، وهو يركض هاربا.

وقيل بينا أحمد بن طولون في فيئته إذ سمع صائحا يصيح: يا أحمد بن طولون، يا أخا ثمود، يا أحمد بن طولون، يا أخا فرعون! فقال:

عليّ بهذا الصائح، فمضوا وعادوا وقالوا: هو أبو نصر المجنون- لمجنون كان بمصر- فجيء به فقال: ما لك يا أبا نصر؟ قال جائع. قال: فأمر بطعام فجيء به وشواء وحلواء، فأكل الطعام والحلواء وشرب ثم نام بحضرة ابن طولون فما أيقظه بحرف، ولم يزل ساكتا حتى انتبه. فقال له: متى نراك يا أبا نصر؟ قال: حتى أجوع.

- قال عبد الله بن خزيمة لبعض أصحابه، وكان صاحب شرطته، ذات يوم: أين تذهب يا هامان؟ قال: أبني لك صرحا.

- قال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يتفرقع، قال: لا تخف إنما هو تسبيح، فقال: أخاف أن تدركه رقّة فيسجد.

- سمع إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة يحيى بن أكثم يغضّ من جدّه، فقال: ما هذا جزاؤه منك، قال: حين فعل ماذا؟ قال: حين أباح النبيذ ودرأ الحدّ عن اللوطي.

قال رجل لحسين بن منصور الحلاج: إن كنت فيما تدّعيه صادقا

فامسخني قردا، فقال لو هممت بذاك لكان نصف العمل مفروغا منه.

سأل رجل رجلا: ما اسمك؟ قال: بحر، قال: أبو من؟ قال:

أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق.

وأسرت مزينة حسّان بن ثابت في الجاهلية فأراد أهله أن يفادوه، فقالت مزينة: لا نفاديه إلا بتيس أجمّ، فقالوا: والله لا نرضى أن يفتدى شاعرنا ولساننا بتيس، فقال حسان ويحكم أتغبنون أنفسكم عيانا، إنّ القوم تيوس، فخذوا من القوم أخاكم وأعطوهم أخاهم.

- قال موسى بن قيس المازني قلت لأبي فراس المجنون: أنت النهار كلّه ماش أفتشتكي بدنك بالليل؟ فقال:

إذا الليل ألبسني ثوبهتقلّب فيه فتى موجع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

فقلت: يا أحمق أسألك عن حالك وتنشدني الشعر؟ قال: أجبتك يا مجنون، قلت: أتقول لي هذا وأنا سيّد من سادات الأنصار فقال:

وإن بقوم سوّدوك لفاقةإلى سيّد لو يظفرون بسيّد
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

ثم لطم عينه، ومرّ وهو يقول: هكذا يكون الجواب المقشّر.

تمّ الباب بحمد الله وعونه والحمد لله، اللهم صلّ على محمد النبي وآله وسلّم.

ويتلوه باب كبوات الجياد وهفوات الأمجاد والله المعين والموفق بحوله وقوّته قوبل بجميعه فصحّ وكان الفراغ منه في سابع عشر رجب من سنة تسعين وستمائة، والله يطيل بقاء مالكه ويمتّعه به آمين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.