تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وفاة رسول الله ﷺ (٢)

تعريفك ما قاله المأمون، ففعل ذلك، ولطف له، وعرّفه أنّه لمّا رأى طاهرا دمعت عيناه، وترحّم على محمد الأمين، ومسح دمعه بالمنديل. فلما عرف ذلك طاهر ركب من وقته [إلى أحمد بن أبي خالد الأحول]، وكان طاهر لا يركب إلى أحد من أصحاب المأمون، وكلّهم يركب إليه، فقال له: جئتك لتوليني خراسان وتحتال لي فيها. وكان أحمد يتولّى فضّ الخرائط بين يدي المأمون وغسّان بن عباد إذ ذاك يتولى خراسان. فقال له أحمد: هلّا أقمت بمنزلك وبعثت إليّ حتى أصير إليك، ولا يشهر الخبر فيما تريده بما ليس من عادتك، لأنّ المأمون يعلم أنّك لا تركب إلى أحد من أصحابه، وسيبلغه هذا فينكره، فانصرف وأغض عن هذا الأمر وأمهلني مدّة حتى أحتال لك.

[ولبث مدة، وزوّر ابن أبي خالد] كتابا من غسان بن عبّاد إلى المأمون يذكر فيه أنّه عليل، وأنّه لا يأمن على نفسه، ويسأل أن يستخلف غيره على خراسان، وجعله في خريطة، وفضّها بين يدي المأمون في خرائط وردت عليه.

فلما قرأ على المأمون الكتاب، اغتمّ به وقال: ما ترى؟ فقال: لعلّ هذه علّة عارضة تزول، وسيرد بعد هذا غيره، فيرى حينئذ أمير المؤمنين رأيه. ثم أمسك أيّاما وكتب كتابا آخر ودسّه في الخرائط يذكر فيه أنّه قد تناهى في العلّة إلى ما لا يرجو معه [نفسه. فلما قرأه المأمون قلق وقال: يا أحمد إنه لا مدفع لأمر خراسان، فما ترى؟] فقال: هذا رأي إن أشرت فيه بما أرى فلم أصب، لم أستقله، وأمير المؤمنين أعلم بخدمه ومن يصلح لخراسان منهم. قال: فجعل المأمون يسمّي رجالا ويطعن أحمد على واحد واحد منهم، إلى أن قال له: فما ترى في الأعور؟ فقال: إن كان عند أحد قيام بهذا الأمر ونهوض فيه، فعنده.

فدعا به المأمون فعقد له على خراسان، وأمره أن يعسكر فعسكر بباب خراسان.

ثم تعقّب الرأي، فعلم أنّه قد أخطأ، فتوقّف عن إمضاء أمره، وخشي أن يوحش طاهرا بنقضه، فمضى شهر تامّ وطاهر [مقيم بمعسكره، ثم إن المأمون أرق في السحر] من ليلة أحد وثلاثين يوما من عقده اللواء لطاهر. وأمر بإحضار مخارق المغنّي، فأحضر وقد صلّى المأمون [الغداة] مع طلوع الفجر، وقال:

يا مخارق، أتغنّي:

إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «إذا لم تستطع شيئاً فدعه»
وكيف تريد أن تدعى عظيماوأنت لكلّ ما تهوى تبوع

الشعر لعمرو بن معد يكرب. فقال: نعم، قال: فهاته، فغنّاه، فقال: ما صنعت شيئا، فهل تعرف من يقوله أحسن ممّا تقوله؟ قال: نعم، علّويه الأعسر.

فأمر بإحضاره، [فكأنه كان وراء ستر]، فغنّاه واحتفل. قال: ما صنعت شيئا، أفتعرف من يقوله أحسن ممّا تقوله؟ قال: نعم، عمرو بن بانة، فأمر بإحضاره، فدخل في مقدار دخول علّويه، فأمره أن يغنّي الصوت، فغنّاه فأحسن. فقال:

أحسنت ما شئت! هكذا ينبغي أن يقال. ثم قال: يا غلام، اسقني رطلا، واسق صاحبيه رطلا رطلا، ثم دعا بعشرة آلاف درهم، وخلعة ثلاثة أثواب، ثم أمر بإعادته، فأعاده، فردّ القول الذي قاله وأمر بمثل ما أمر به حتى فعل ذلك عشرا، وحصل لعمرو مائة ألف درهم وثلاثون ثوبا. ودخل المؤذّنون فآذنوه بالظّهر، فنقد [أصبعه الوسطى بابهامه وقال] برق يمان. وكذلك كان يفعل إذا أراد أن ينصرف من بحضرته من الجلساء. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين قد أنعمت عليّ وأحسنت إليّ، فإن رأيت أن تأذن لي في مقاسمة أخويّ ما وصل إليّ، فقد حضراه؟ فقال:

ما أحسن ما استمحت لهما! بل نعطيهما نحن ولا نلحقهما بك. وأمر لكلّ واحد منهما بمثل نصف جائزة عمرو.

وبكّر إلى طاهر، فرحّله، فلما ثنى عنان دابته منصرفا، دنا منه حميد الطوسي فقال له: اطرح على ذنبه ترابا. فقال اخسأ يا كلب، ونفذ طاهر

لوجهه. وقدم غسّان بن عبّاد فسأله عن علّته وسببها، فحلف له أنه لم يكن عليلا ولا كتب بشيء من هذا، فعلم المأمون أن طاهرا احتال عليه بابن أبي خالد، وأمسك على ذلك، فلما كان بعد مدة من مقدم طاهر إلى خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له عون بن مجاشع بن مسعدة صاحب البريد: كيف أقدمت على هذا الفعل ولم تدع في هذه الجمعة لأمير المؤمنين؟

فقال: سهو وقع فلا تكتب به، وفعل مثل ذلك في الجمعة الثانية وقال لعون: لا تكتب به، وفعل مثل ذلك في الجمعة الثالثة، فقال له عون: إنّ كتب التجار لا تنقطع من بغداد، وإن اتصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيري لم آمن أن يكون سبب زوال نعمتي. فقال: اكتب بما أحببت، فكتب إلى المأمون بالخبر، فلما وصل كتابه دعا بأحمد بن أبي خالد وقال: إنه لم يذهب عليّ احتيالك عليّ في أمر طاهر وتمويهك له، وأنا أعطي الله عهدا لئن لم تشخص حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي، وتصلح ما أفسدته عليّ من أمر ملكي لأبيدنّ غضراءك، فشخص أحمد وجعل يتلوّم في الطرق ويقول لأصحاب البرد: اكتبوا بخبر علّة أجدها. فلما وصل إلى الرّيّ لقيته الأخبار بوفاة طاهر، ووافته رسل طلحة [بن طاهر، فأغذّ السير حتى قدم] خراسان فلقيه طلحة على حدّ عمله، فقال له أحمد: لا تكلّمني، ولا ترني وجهك فإنّ أباك عرّضني للعطب وزوال النعمة مع احتيالي له وسعيي كان في محبّته. فقال له: أبي قد مضى لسبيله، ولو أدركته لما خرج من طاعتك، وأنا فأحلف لك بكلّ ما تسكن إليه، وأبذل لك كلّ ما عندي من مال وغيره، فاضمن عني حسن الطاعة وضبط الناحية، والإخلاص في النصيحة. فكتب أحمد بخبره وخبر طاهر وخبر طلحة إلى المأمون، وأشار بتقليده. فأنفذ المأمون إليه اللواء والعهد والخلع، وانصرف أحمد إلى مدينة السلام.

- وقد روي [أن المأمون قال] لأحمد حيث أشار بطاهر إنّه خالع، فقال أحمد: فأنا أضمنه، وأنّ أحمد أهدى إلى طاهر خادما كان ربّاه، وقرّر معه أن يسمّه إن تغيّر عن الطاعة، وأنّ الخادم سمّه في كامخ حيث فعل طاهر ما فعل، والله أعلم.

- قال منجاب بن راشد: بعث أبو بكر العلاء بن الحضرميّ على قتال أهل الردّة بالبحرين، فتلاحق به من لم يرتدّ من المسلمين، فسلك بنا الدّهناء حتى إذا كنّا في بحبوحتها أراد الله أن يرينا آية، فنزل العلاء وأمر بالنزول، فنفرت الإبل في جوف الليل [فما بقي عندنا بعير] ولا زاد ولا مزاد، فما علمت جمعا هجم عليهم من الغمّ ما هجم علينا، وأوصى بعضنا إلى بعض. ونادى منادي العلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه، فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟.

فقال الناس: وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا؟

فقال: يا أيّها الناس، لا تراعوا، ألستم مسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا، فو الله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم. ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلّى بنا، ومنّا المتيمّم ومنّا من لم يزل على طهوره. فلما قضى صلاته [جثا لركبتيه وجثا الناس، فنصب في] الدعاء ونصبوا له. فلمع سراب، فأقبل على الدّعاء، ثم لمع لهم آخر كذلك، فقال الرّائد: ماء! فقام وقام الناس، فمشينا إليه حتى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كلّ وجه، فأناخت، فقام كلّ رجل منّا إلى ظهره فأخذه، فما فقدنا سلكا، فأرويناها وسقيناها العلل بعد النّهل، وتروّينا ثم تروّحنا.

وكان أبو هريرة رفيقي، فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ قلت: أنا من أهدى العرب بهذه البلاد، قال: فكرّ معي حتى تقيمني عليه. [فكررت به] فأتى على ذلك المكان بعينه، فإذا هو لا غدير به ولا مطر ولا أثر لماء. فقلت له: والله لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك أنّ هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء من قبل ذلك اليوم. فنظر أبو هريرة إداواته مملوءة فقال: هذا والله المكان بعينه، ولهذا رجعت ورجعت بك، وملأت إداوتي ثم وضعتها على شفير الوادي. فقلت: إن كان منّا من المنّ وكانت آية عرفتها، وحمد الله، ثم سرنا حتى ننزل هجر.

[وأرسل] العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضمّا في عبد القيس حتى تنزلا على الحطم ممّا يليكما. (وكان الحطم، وهو [شريح بن ضبيعة] ممّن ارتدّ وقويت شوكته، واجتمعت ربيعة بالبحرين، وردّوا الملك في آل المنذر فملّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وقيل: هو ابن سويد بن المنذر أخي النعمان وكان يسمّى الغرور، ثم أسلم بعد ذلك، وكان يقول: لست بالغرور، ولكني المغرور).

وخرج العلاء بن الحضرميّ بمن معه ومن [قدم] عليه حتى نزل ممّا يلي هجر، وتجّمع المشركون كلّهم على العلاء. وخندق المسلمون والمشركون، وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا على ذلك شهورا. فبينا الناس ليلة كذلك إذ سمع المسلمون في معسكر المشركين [ضوضاء شديدة كأنها ضوضاء] هزيمة [أو قتال]، فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ [فقال عبد الله بن حذف: أنا آتيكم بخبر القوم]- وكانت أمّه عجليّة- فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهم وجعل ينادي: يا

أبجراه! فجاء أبجر بن بجير فعرفه، فقال: ما شأنك؟ قال: لا أضيعنّ الليلة بين اللهازم، وعلام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة؟

أيتلاعب بي الحطم ونزّاع القبائل وأنتم شهود؟ فتخلّصه وقال: والله إنّي لأظنّك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة! فقال: دعني من هذا، وأطعمني، فقد متّ جوعا. فقرّب إليه طعاما فأكل ثم قال: زوّدني [واحملني وجوّزني أنطلق إلى طيّتي]- ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب- ففعل وحمله على بعير وزوّده وجوّزه. وخرج عبد الله حتى دخل عسكر المسلمين وأخبرهم أنّ القوم سكارى. فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عسكرهم، فوضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا، فتقحّموا الخندق هرّابا، فمتردّ، وناج ودهش ومقتول ومأسور، واستولى المسلمون على ما في العسكر، فلم يفلت رجل إلا بما عليه.

فأمّا أبجر فأفلت، وأما الحطم فإنّه بعل ودهش، فقام إلى فرسه- والمسلمون خلالهم- ليركب، فلما وضع رجله في الرّكاب انقطع، فمرّ به عفيف بن [المنذر] والحطم يستغيث ويقول: ألا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني، فرفع صوته، فعرفه عفيف فقال: أبو ضبيعة؟ قال: نعم، قال: أعطني رجلك أعقلك. فأعطاه رجله يعقلها، فنفحها فأطنّها من الفخذ وتركه، فقال: أجهز عليّ، فقال: إني لأحبّ ألا تموت حتى أمضّك- وكان مع عفيف عدّة من ولد أبيه، فأصيبوا ليلتئذ- وجعل الحطم يطلب من يقتله، يقول ذلك لمن لا يعرفه، حتى مرّ به قيس بن عاصم فمال عليه فقتله، فلما رأى فخذه نادرة قال:

واسوأتاه! لو علمت الذي به لم أجهز عليه.

وخرج المسلمون بعدما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم، فاتبعوهم [فلحق قيس بن عاصم أبجر- وكان] فرس أبجر أقوى من فرس قيس، فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب، فقطع العصب، وسلم النّسا، فقال عفيف

بن المنذر في ذلك:

فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النّساوما كلّ من يلقى بذلك عالم
ألم تر أنّا قد فللنا حماتهمبأسرة عمرو، والرّباب الأكارم

وأسر عفيف بن المنذر الغرور، فكلّمته الرّباب فيه وكان ابن أختهم، وسألوه أن يجيره، فجاء به إلى العلاء فقال: إني أجرته، فقال: ومن هو؟ قال الغرور، فقال له الغرور: إني لست بالغرور [ولكني المغرور، قال: أسلم، فأسلم وبقي] بهجر، وأصبح العلاء يقسم الأنفال، ونفّل رجالا من أهل البلاد ثيابا، فممّن نفّل عفيف بن المنذر، وقيس بن عاصم، وثمامة بن أثال. فأما ثمامة فنفّل ثيابا فيها خميصة ذات أعلام كان الحطم يباهي بها، فأخذ منها وباع الباقي.

وهرب الفلّال إلى دارين، فركبوا إليها السفن، فجمعهم الله إليها، وندب العلاء الناس إلى دارين، وخطبهم فقال: إنّ الله قد جمع لكم إخوان الشيطان وشرّاد الحرب في هذا اليوم، وقد أراكم من آياته في البرّ لتعتبروا بما في البحر، فانهضوا إلى عدوّكم واستعرضوا البحر [إليهم، فإنّ الله قد جمعهم، فقالوا:

نفعل] ولا نهاب والله [بعد الدّهناء هولا ما بقينا].

فارتحل وارتحلوا حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموه على الخيل والحمولة والإبل والبغال والراكب والراجل، ودعا ودعوا، وكان دعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم، يا حليم، يا أحد، يا صمد، يا حيّ، يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيّوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا. فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وبين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر. ووصل المسلمون إليها فما تركوا بها من المشركين مخبرا، وسبوا الذّراريّ، واستاقوا الأموال، فبلغ نفل [الفارس ستّة آلاف] والراجل ألفين فلما [فرغوا رجعوا] عودهم على بدئهم حتى عبروا. وأنشد في ذلك [عفيف]:

ألم تر أنّ الله ذلّل بحرهوأنزل بالكفّار إحدى الجلائل
دعونا الذي شقّ البحار فجاءنابأعجب من شقّ البحار الأوائل

وكان بهجر راهب فأسلم يومئذ، فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل: فيض الماء في الرمال، وتمهيد أثباج البحور، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء في السّحر، قالوا: وما هو؟ قال: اللهم أنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت، [البديع، ليس قبلك] شيء، والدائم غير [الغافل]، والحيّ الذي لا يموت، وخالق ما يرى و [ما] لا يرى، وكلّ يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كلّ شيء بغير تعليم، فعلمت أنّ القوم لم يغاثوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله.

- دخل رجال من قريش وبني هاشم فيهم عبد الله بن العباس على معاوية في خلافته. فأقبل معاوية على القوم بوجهه وقال: يا بني هاشم، بم تفخرون علينا؟ أليس الأب واحدا، والأمّ واحدة، والدار واحدة؟ فقال ابن عباس: نفخر عليك بما أصبحت تفخر به على سائر قريش، وتفخر به قريش على الأنصار، وتفخر به الأنصار على العرب، وتفخر به العرب على العجم، برسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بما لا تستطيع له [إنكارا] ولا منه فرارا. [فقال: يا ابن عباس! لقد أعطيت لسانا ذربا، تكاد تغلب بباطلك حق سواك]. فقال ابن عباس: يا معاوية، إنّ الباطل لا يغلب الحقّ، فدع عنك الحسد، فبئس الشعار الحسد! فقال معاوية: صدقت يا ابن عباس. أما والله إنّي لأحبّك لأربع: إحداهنّ لقرابتك من رسول الله ﷺ، والثانية لأنك رجل من أسرتي، والثالثة لأنّك لسان قريش وزعيمها، وأما

الرابعة، فإنّ أباك كان خلّا لأبي. وقد غفرت لك أربعا: فإحداهنّ: عدوك عليّ بصفّين فيمن عدا، وإساءتك في خذلان عثمان فيمن أساء، وسعيك على عائشة فيمن سعى، ونفيك عنّي زيادا فيمن نفى. [فضربت أنف هذا الأمر وعينه حتى استخرجت مقتك] في كتاب الله ﷿، وفي قول الشاعر.

فأما ما وافق كتاب الله ﷿ فقوله: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ

(التوبة:) وأمّا في الشعر، فقول الذّبيانيّ:

ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث، أيّ الرجال المهذّب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

إنّا قد قبلنا منك الأوّل، وغفرنا لك الآخر.

فقال ابن عباس: الحمد لله الذي أمر بحمده، ووعد عليه ثوابه، أحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ﷺ.

[أما بعد، فإنك ذكرت أنك تحبني] لقرابتي من رسول الله ﷺ، وذلك الواجب عليك وعلى كلّ من آمن برسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه لأنّه الأجر الذي سألكم: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى

(الشورى:)، وهو الأجر الذي سألكم عمّا أتاكم به من الضياء والنهار المنير، فمن لم يحبّ رسول الله ﷺ فقد خاب وكبا، وخزي وهوى، وحلّ محلّ الأشقياء.

وأما قولك: إني من أسرتك وأهل بيتك، فهو كذلك، إنما أردت صلة الرحم، وصلة الرحم من أفعال الأبرار، ولعمري إنّك وصول لرحمك مع ما كان منك ممّا لا [تثريب عليك فيه اليوم].

وأمّا قولك: إني لسان قريش وزعيمها، فإني لم أعط من ذلك شيئا لم تعطه، ولكنك قلت ذلك لشرفك وفضلك كما قال الأول:

وكلّ كريم للكريم مفضّليراه له أهلا وإن كان أفضلا

وأما قولك: إنّ أبي كان خلّا لأبيك، فقد كان ذلك كذلك، وقد علمت ما كان من أبي إليه يوم الفتح، وكان شاكرا كريما، وقد قال الأول:

سأحفظ من آخى أبي في حياتهوأحفظه من بعده في الأقارب
ولست لمن لا يحفظ العهد وامقاصديقا ولا عند الملمّ بصاحب

وأمّا قولك في [عدوي عليك] بصفّين، فو الله لو لم أفعل لكنت من شرّ العالمين؛ يا معاوية، أكانت تحدّثك نفسك أني كنت خاذلا لابن عمّي أمير المؤمنين وقد حشد له المهاجرون والأنصار؟ لم يا معاوية؟ أضنّ بنفسي أم شكّ في ديني، أم جبن من سجيّتي؟ والله لو فعلت ذلك لاختبأته فيّ، وإن كنت قد عاتبت عليه.

وأما خذلان عثمان، فقد خذله من هو أمسّ رحما به منّي وأبعد رحما، فلي في الأقربين والأبعدين أسوة، ولم أعد عليه مع من عدا، بل كنت أكفّ أهل الحجاز عنه.

وأما قولك في عائشة أمّ المؤمنين، فلو قرّت في بيتها كما أمرها ربّها لكان ...

عنها.

وأما قولك في زياد، فإني لم أنفه، فإنّ رسول الله ﷺ نفاه.

(يعني بقوله هذا: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر»).

وإني مع هذا لأحبّ ما سرّك في جميع أمرك.

فاعترض عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لا يخدعنّك ابن عباس

بلسانه، والله ما أحبّك طرفة عين قطّ. وإنّك وإيّاه لكما قال الأوّل:

وقد كنت جلدا في الحياة مرزّأوقد كنت لبّاس الرّجال على ضغن

فقال ابن عباس: إنّ عمرا دخل بين العظم واللحم، والعصا واللّحاء، [وقد قال فليسمع، وقد وافق قرنا]. إني والله ما أصبحت أعتذر إلى أحد من أن أكون شانئا لك قاليا. ألا إنّ الله ﷿ يقول لنبيه ﷺ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ

(الكوثر:). [فأنت الأبتر] من الدين والدنيا. ووجدت الله ﷿ قد قال في عقد كتابه: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

(المجادلة:) فإنك قد حاددت الله ورسوله. ولقد جهدت على رسول الله ﷺ جهدك، وأجلبت عليه بخيلك ورجلك، حتى إذا غلبك الله على أمرك، وأوهن حزبك، وردّ كيدك في نحرك، عدت لعداوة أهل [بيته من بعده، ليس بك في] ذلك حبّ معاوية إلا للعداوة لله ورسوله للحسد القديم لأبناء عبد مناف، والبغض لهم، فإنك وإيّاهم [كما] قال الشاعر:

تعرّض لي عمرو، وعمرو خزايةتعرّض ضبع القفر للأسد الورد
للشاعر عمرو بن بَرّاقَة، اقرأ القصيدة
فما هو لي ندّ فأشتم عرضهولا هو لي عبد فأبطش بالعبد

فأراد عمرو الكلام، فقال معاوية: والله ما أنت من رجاله، فإن شئت فقل، وإن شئت فدع.

ذكر أنّ معزّ الدولة أبا الحسن أحمد بن بويه دخل عليه أبو عبد الله ابن الداعي العلويّ وقال له: قد أقطعت فلانا اصفهسلارية الدّيلم، كلّ واحد مائة ألف؟ قال: نعم، فقال: أنت تعظّم حرمة رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم،

فقال: يجوز أن تقطع جدّي وآله مائة ألف، قال: كيف؟ فقال: لأنك قد ضمّنت القضاء لابن أبي الشوارب بمائة ألف، وتحيّل عليه الغلمان في الشهوات والخمور، وما بقي من آثار رسول الله ﷺ وشريعته إلا الحكم، فلو تركت هذه المائة ألف له. فقال: قد فعلت، ولكن انظر من يصلح للقضاء، فأثبته لي حتى أولّيه لمن يعمل فيه بالواجب. فمضى أبو عبد الله ابن الداعي إلى أبي عبد الله البصريّ، وسأله من يصلح لذلك، فأملى عليه ستّة عشر نفرا: أبو بكر الرازيّ، وابن معروف، وأبو بكر بن سيّار من أصحاب أبي حنيفة، وأبو بكر الأبهريّ، وأبو الحسن ابن أمّ شيبان من أصحاب مالك، وأبو بشر بن أكثم من أصحاب الشافعيّ. فجاء ابن الداعي إلى ابن بويه وعرض عليه الأسماء، فقال: أمّا أبو بكر الرازي وأبو بكر الأبهري، فكلّ واحد منهما يصلح أن يكون قاضي قضاة الدنيا فضلا عن بغداد، ولا مطعن عليهما في شيء، إلا أنّ أخي ركن الدولة أبا عليّ إن بلغه هذا يقول: أما وجد ببغداد- وهي حضرة الخلافة- أحدا يولّيه القضاء حتى ولّى من هو من أهل عملي، والسياسة توجب.... يرجع إليهما.

وأما أبو محمد بن معروف، فقيل لي إنّه يحضر الغناء. وبعد أن جعلت في نفسي أن أولّي هذا الأمر لله، فلا أريد أن أولّي فيه من يتطرّق عليه بشيء. وأمّا أبو الحسن ابن أمّ شيبان فيصلح لهذا، وقد كان تولّى قضاء القضاة قبل هذا، ولكنه هاشميّ وهو ابن عمّ الخليفة، ومتى صار القضاء إليه وازر الخليفة ولم أطقه، وخرج القضاء عن يدي.

وأمّا أبو بكر بن سيّار، فكنت قد أنفذته في رسالة إلى الأهواز، فعاد وأهدى إليّ غلاما حسنا وهو يعرف رأيي في الغلمان، ومن يتقرّب بمثل هذا لا أريد أن أولّيه القضاء، فقلت له: أبو بشر؟

وعرّفت أبا عبد الله البصريّ، فقال لأبي محمد الأكفاني: امض إلى أبي بشر ابن أكثم وسلّم عليه بقضاء القضاة، وعرّفه الحال ليعلم أنّ هذا من قبلنا، وتكون لنا عنده يد. فمضى إلى أبي بشر، وكان شيخا قد كبرت سنّه، فسلّم عليه

بالقضاء، فقال: أتهزا بي وأنا شيخ كبير؟! فقال: ما أهزأ، وعرّفه القصة.

فقبّل بين عيني أبي محمد، وتولّى قضاء القضاة، وأقام نحوا من أربع سنين. ثم اطّلع بعد ذلك على خيانته، ووقف للناس ثم تغيّرت الأحوال.

- كان جامع بن أمية المحاربيّ من الخطباء البلغاء وكان متديّنا [صالحا، وهو الذي قال للحجاج حين بنى] مدينة واسط: بنيتها في غير بلدك، وتورّثها غير ولدك.

وشكا إليه الحجاج أهل العراق، وأخبره عن سوء نيّاتهم، وخبث سريرتهم، وقلّة طاعتهم، وكثرة خلافهم، فقال له جامع: أما إنّهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنّهم ما [شنئوك] لنسبك ولا لبلدك، ولا في بطنك وظهرك، فدع ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك، والتمس العافية ممّن دونك تعطها ممّن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك ووعيدك بعد وعدك.

قال الحجاج: إني والله ما أرى أن أردّ بني اللكيعة إلى طاعتي إلا بالسيف.

قال: أيّها الأمير، إنّ السيف إذا لقي السيف [ذهب الخيار. قال الحجاج:

الخيار] يومئذ لله. قال: أجل، ولكنك لا [تدري] لمن يجعله الله. فغضب الحجاج وقال: يا هناه! إنك من محارب. فقال جامع:

وللحرب سمّينا وكنّا محارباإذا ما القنا أمسى من الطّعن أحمرا

قال الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك وأضرب به وجهك. قال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، وغضب الأمير أهون علينا من غضب الله. قال: أجل. وسكن الحجاج وشغل ببعض الأمر، فانسلّ جامع وخرج من بين الصفوف من خيل الشام حتى صار إلى

خيل أهل العراق، [وكان الحجاج لا يخلط] أهل الشام بأهل العراق.

فأبصر كبكبة فيها جماعة من بكر العراق وقيس العراق وتميم العراق [وأزد العراق]، فلما رأوه اشرأبّوا إليه، وبلغهم خروجه فقالوا له: ما عندك، دافع الله لنا عنك؟ قال: ويحكم! عمّوه بالخلع كما يعمّكم بالعداوة، ودعوا التعادي بينكم ما عاداكم، فإنّه أقوى أعدائكم، وأحدّهم نابا ومخلبا، وأجرؤهم، إن ظفر بكم لا يدع منكم لسانا ينطق، ولا عينا تطرف؛ وإن أظفركم الله به، تراجعتم العداوة والتحارب بينكم أو تعافيتم. أيّها التميميّ، هو والله أعدى لك من الأزديّ، وأيّها القيسيّ هو أعدى لك من التغلبيّ، وهل ظفر بمن ناوأه منكم إلا بمن بقي معه من رؤسائكم. ثم هرب جامع من فوره ذلك إلى الشام، فاستجار بزفر بن الحارث فأجاره.

- قال عليّ الحميريّ: لمّا أشخص المنصور أبا حنيفة إلى بغداد شخصت معه، فقدم بغداد، فحضر الدار، وأعلم به المنصور، فدخل إليه ثم خرج إليّ وهو ممتقع اللون، فسألته عن حاله فقال لي: المنزل، المنزل! فمضيت معه فقال: إنّ هذا دعاني إلى القّضاء، فأعلمته أني لا أصلح، وافترصها منّي وظنّ أني قد كذبته، فقال لي: قد جلست تفتي الناس، وتزعم أنك لا تصلح للقضاء، قال: فقلت له: إني لم أقل إني لا أصلح لأني لا أعلم أن البيّنة [على المدعي واليمين على من أنكر] ولكنه لا يصلح للقضاء إلا رجل له نفس يحكم بها عليك وعلى ولدك وعلى قوّادك، وليست تلك النفس لي، والله يعلم أنك لتدعوني، فما ترجع نفسي إليّ حتى أفارقك؛ فلما سمع ذلك منّي أطرق ثم رفع رأسه إليّ، وقال: فلم لا تقبل صلتي؟ فقلت: أفوصلني أمير المؤمنين من ماله بشيء فرددته ولم أقبله؟ وإنّما وصلتني من بيت مال المسلمين ولا حقّ لي فيه؛ لأني لست مقاتلا من ورائهم فآخذ مع المقاتلة، ولست من ولدانهم فآخذ ما يأخذون،

ولست من فقرائهم فآخذ ما يأخذ الفقراء، أنا من الله بخير، وبنعمته في كفاية، فقال لي: أقم بمكانك تكاتبك القضاة فيما [لعلهم أن يحتاجوا إليك. قلت:] سمعا وطاعة.

- قال عبد الله بن المبارك: لمّا أفضت الخلافة إلى هارون، وقعت في نفسه جارية من جواري المهديّ، فأرادها على نفسها، فقالت: لا أصلح لك؛ إنّ أباك قد أطاف بي، فأغري بها. قال: فبعث إلى أبي يوسف فقال: جارية من جواري المهديّ أردتها فتحصّنت منّي وذكرت أنّ أبي قد وقع بها، فعندك في هذا شيء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، لا تصدّقها، ليست بمأمونة على نفسها.

قال عبد الله بن المبارك: فلم أدر من أيّهم أعجب، من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرّج من [وطء جارية] لأبيه رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أم من هذا فقيه الأرض وقاضيها، قال: تهتك حرمة أبيك واقض شهوتك وصيّره في رقبتي.

-[جرى] بين عبد الله بن الزبير وبين عتبة بن أبي سفيان لحاء بين يدي معاوية، فجعل ابن الزبير يعدل بكلامه عن عتبة ويعرّض بمعاوية، حتى أطال وأكثر من ذلك، فالتفت معاوية وقال متمثّلا:

ورام بعوران الكلام كأنّهانوافر صبح نقّرتها المراتع
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
وقد يدحض المرء الموارب بالخناوقد تدرك المرء الكريم المصانع
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

ثم قال لابن الزبير: [من يقول هذا؟] فقال: ذو الاصبع، قال: أترويه؟ قال:

لا، قال: من ههنا يروي هذه الأبيات؟ فقال رجل من قيس: أنا أرويه يا أمير المؤمنين، فقال: أنشدني، فأنشده حتى أتى على قوله:

وساع برجليه لآخر قاعدومعط كريم ذو يسار ومانع
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
وبان لأحساب الرجال وهادموخافض مولاه سفاها ورافع
ومغض على بعض الخطوب وقد بدتله عورة من ذي القرابة هاجع
وطالب حوب باللبان وقلبهيرى الحقّ لا تخفى عليه الشرائع

فقال: [كم عطاؤك؟] قال: سبعمائة، قال: اجعلوها ألفا، وقطع الكلام بين عبد الله وعتبة.

- لمّا ولي الوليد بن عقبة الكوفة من قبل عثمان، قدمها وبها سعد بن أبي وقاص أميرا، فدخل عليه، فقال له سعد: ما أقدمك أبا وهب؟ قال: أحببت زيارتك؛ قال: وعلى ذاك أجئت بريدا، قال: أنا أرزن من ذاك، ولكنّ القوم احتاجوا إلى عملهم فسرّحوني إليه، وقد استعملني أمير المؤمنين على الكوفة.

فمكث سعد طويلا وقال له: ما أدري، ألسنت بعدنا أم حمقنا بعدك؟ (فقال:

لا تجزعنّ أبا إسحاق، فإنّما هو الملك، يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون، فقال: أراكم والله ستجعلونه ملكا) ثم قال:

خذيني فجرّيني ضباع وأبشريبلحم آمرىء لم يشهد اليوم ناصره

- وقال العجاج:

وكلّ معدود إلى أن ينفداوغاية الأقوام مهواة الردى
والدهر ما أصلح يوما أفسداوعاد مبليه على ما جدّدا
ولا أرى الإنسان متروكا سدىويجعل الله وإن طال المدى

لكلّ شيء منتهى وأمدا

- لمّا قدم عمر الشام وقف على طور زيتا، فأرسل البطريق عظيما لهم ثم قال: انظر إلى ملك العرب؛ فرآه على فرس وعليه جبّة صوف مرقّعة، مستقبل الشمس بوجهه، ومخلاته في قربوس سرجه، وعمر يدخل يده فيها فيخرج فلق خبز يابس فوصفه للبطريق، فقال: لا [طاقة] لنا بمحاربة هذا، أعطوه ما شاء.

- قال عبد الملك بن مروان: تمكّنا من أمّ خنّور، وذلك لمّا اشتدّ ملكه، وقهر أعداءه، وظنّ أنّ الأرض قد دانت له، فلم يعش بعدها إلا أسبوعا.

أم خنّور: كنية الدنيا. أهل الكوفة يقولون: خنّور كسفّود. وأهل البصرة يقولوم: خنّور كتحوّل، وأصلها في الضّبع، فشبّهت بها لأكلها الناس كما قيل للسنة: الضّبع.

- قال عبد الملك: ولدت في شهر رمضان، وفطمت في شهر رمضان، وختمت القرآن في شهر رمضان، وأتتني الخلافة في شهر رمضان، وأخاف أن أموت في شهر رمضان. فلما دخل شوّال وأمن بها مات.

قال علي بن أبي طالب: أبو بكر سلم من الدنيا وسلمت منه، وعمر عالجها وعالجته، وعثمان نال منها ونالت منه، وأمّا أنا فقد تضجّعت فيها ظهرا لبطن.

- ويروى أنّ رجلا من الأوّلين كان يأكل وبين يديه دجاجة مشويّة، فجاء سائل فردّه خائبا، وكان الرجل مسرفا فوقعت بينه وبين امرأته فرقة،

وذهب ماله وتزوّجت، فبينما زوجها الثاني يأكل وبين يديه دجاجة مشويّة إذ جاءه سائل، فقال لامرأته: ناوليه الدجاجة، ونظرت فإذا هو زوجها الأوّل، فأخبرته القصّة، فقال الثاني: أنا والله ذلك المسكين، خيّبني فحوّل الله نعمته وأهله إليّ لقلّة شكره.

- كانت قريش لا ترغب في أمّهات الأولاد حتى ولدت ثلاثة هم خير أهل زمانهم: علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وذلك أنّ عمر ﵁ أتي ببنات يزدجرد بن شهريار بن كسرى مسبيات، فأراد بيعهنّ فقال له عليّ: إنّ بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوّموهنّ، فقوّموهنّ، فأعطاه فقسمهنّ بين الحسين بن عليّ، ومحمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، فولدن الثلاثة.

- قال عمرو بن العاص- عند احتضاره- لابنه: يا بنيّ، من يأخذ هذا المال بما فيه؟ قال: من جدع الله أنفه؛ فقال: احملوه إلى بيت مال المسلمين. ثم دعا بالغلّ والقيد فلبسهما، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ التوبة مبسوطة ما لم يغرغر ابن آدم بنفسه؛ ثم استقبل القبلة فقال:

اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فارتكبنا؛ هذا مقام العائذ بك، فإن تعف فأهل العفو أنت، وإن تعاقب فبما قدّمت يداي، سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين. فمات وهو مغلول مقيّد. فبلغ الحسن بن عليّ فقال:

استسلم الشيخ حين أيقن بالموت، ولعلّها تنفعه.

سأل أعرابيّ عمرو بن عبيد عن التوحيد، فتناول بيضة بين يديه، فوضعها على راحته وقال: هذا حصن مغلق لا صدع فيه، ثم من ورائه غرقىء

يستشف، تم من ورائه دمعة سائلة، ثم لا تنفكّ الأيام والليالي حتى يتفلّق عن طاوس ملمّع، فأيّ شيء في العالم إلا وهو دليل على أنّه ليس كمثله شيء.

- ذكر أبو عبيدة أنّ رجلا من بني أميّة خطب النّوار بنت أعين المجاشعيّة فرضيته، وجعلت أمرها إلى الفرزدق، فقال: أشهدي لي بذلك على نفسك شهودا، ففعلت، واجتمع الناس لذلك، فتكلّم وقال: اشهدوا بأني قد تزوّجتها، وأصدقتها كذا وكذا، فإني أنا ابن عمّها وأحقّ بها. فبلغ ذلك النّوار، فأبته واستترت من الفرزدق، وجزعت ولجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقريّ، فقال فيها:

بني عاصم [لا تلجئوها فإنكمملاجىء للسوءات دسم العمائم]
بني عاصم لو كان حيّا أبوكمللام بنيه اليوم قيس بن عاصم

فقالوا للفرزدق: والله لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنّك غيلة. فنافرته النّوار إلى عبد الله بن الزبير فأرادت الخروج إليه، فتجافى الناس كراءها. ثم إنّ رجلا من بني عديّ يقال له زهير بن ثعلبة وقوما يعرفون ببني أمّ النسير أكروها. فقال الفرزدق:

ولولا أن يقول بنو عديّأليست أمّ حنظلة النوار

يعني بالنوار ههنا بنت حمل بن عدي بن عبد مناة، وهي أمّ حنظلة بن مالك بن زيد مناة وهي إحدى جدّاته. وقال لبني أمّ النّسير:

لعمري لقد أردى النّوار وساقهاإلى الغور أحلام خفاف عقولها

يقول فيها:

فدونكها يا ابن الزبير فإنّهامولّعة يوهي الحجارة قيلها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فإني كما قالت نوار إن اجتلت»

فلما قدمت مكّة نزلت على بنت منظور بن زبّان، واستشفعت بها إلى زوجها عبد الله، وانضم الفرزدق إلى حمزة بن عبد الله وأمّه بنت منظور هذه. وقال فيه:

يا حمز هل لك في ذي حاجة عرضتأنضاؤه بمكان غير ممطور
فأنت أحرى قريش أن تكون لهاوأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحواريّ والصدّيق في شعبنبتن في طيّب الإسلام والخير
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا حمز هل لك في ذي حاجة غرضت»

وقال في النوار:

تخاصمني النّوار وغاب فيهاكرأس الضّبّ يلتمس الجرادا

فجعل أمر النّوار يقوى، وأمر الفرزدق يضعف، فقال الفرزدق:

أمّا بنوه فلم تقبل شفاعتهموشفّعت بنت منظور بن زبّانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

فبلغ ابن الزبير الشعر، فقال للنّوار: إن شئت فرّقت بينكما وقتلته فلا يهجونا أبدا، وإن شئت سيّرته إلى بلاد العدوّ؛ فقالت: ما أريد واحدة منهما؛ قال: إنّه ابن عمّك وهو فيك راغب، أفأزوّجه إيّاك؟ قالت: نعم. فزوّجه إيّاها، فكان الفرزدق يقول: خرجنا متباغضين، ورجعنا متحابّين.

قال عثمان بن أبي سليمان: شهدت الفرزدق يوم نازع النوار، فتوجّه القضاء عليه، فأشفق من ذلك، فعرّض لابن الزبير بكلام، فأغضبه.

وروى غيره أنّه قال: إنّما حكمت عليّ بهذا لأفارقها فتثب عليها، فقال: يا ألأم الناس، وهل أنت وقومك إلا جالية العرب. وأمر به فأقيم وأقبل علينا فقال: إنّ بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة التذكرة الحمدونيه

فاستلبوه، واجتمعت العرب عليها لمّا انتهكت ما لم ينتهكه أحد قبلها وأجلتها عن أرض تهامة.

قال: ثم خرج عبد الله بن الزبير إلى المسجد، فرأى الفرزدق في بعض طرق مكّة، وقد بلغته أبيات قالها يفتخر فيها ويتهدّد، فقبض ابن الزبير على عنقه فكاد أن يدقّها، ثم قال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

وهذا الشعر لجعفر بن الزبير.

ولمّا قال جعفر هذا البيت، قال عبد الله بن الزبير: أتجزرنا كلبا من كلاب بني تميم؟ إن عدت لم أكلّمك أبدا.

ولمّا أذنت النّوار لابن الزبير في تزويجها بالفرزدق، حكم عليه بمهر مثلها عشرة آلاف درهم، فسأل أهل مكّة: هل بها أحد يعينه على ذلك، فدلّ على سلم بن زياد وكان [ابن] الزبير حبسه فقال فيه:

دعي مغلقي الأبواب دون فعالهمومرّي تمشّي بي هبلت على سلم
إلى من يرى المعروف سهلا سبيلهويفعل أفعال الكرام التي تنمي

ثم دخل على سلم فأنشده، فقال: هي لك ومثلها نفقتك، فأمر له بعشرين ألفا، فقبضها فقالت له زوجته أمّ عثمان بنت عبد الله [بن عثمان] بن أبي العاصي الفقيه: أتعطي عشرين ألفا وأنت محبوس؟! فقال:

ألا بكرت عرسي تلوم سفاهةعلى ما مضى منّي وتأمر بالبخل
فقلت لها والجود مني سجيّةوهل يمنع المعروف سؤّاله مثلي
ذريني فإني غير تارك شيمتيولا مقصر عن السماحة والبذل

وهي أبيات.

ثم اصطلحا ورضيت به، وساق المهر إليها، ودخل بها وأحبلها قبل أن

يخرج من مكة. ثم خرج بها وهما عديلان في محمل. فكانت لا تزال تشارّه وتخالفه لأنّها كانت صالحة حسنة الدين، وكانت تكره كثيرا من أمره فتزوّج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ابن عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان. فتزوّجها على مائة من الإبل، فقالت له النّوار: ويلك! أتزوّجت عليّ أعرابيّة دقيقة الساقين، بوّالة على عقبيها على مائة بعير! فقال الفرزدق يفضّلها عليها، ويعيّرها بأمّها وكانت أمة:

لجارية بين السليل عروقهاوبين أبي الصهباء من آل خالد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت غناني من العاج قاصف»
أحقّ بإعلاء المهور من التيزنت وهي تنزو في جحور الولائد

وقال أيضا:

لعمري لأعرابية في مظلّةتظلّ بروقي بيتها الريح تخفق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لأعرابية في مظلة»
كأمّ غزال أو كدرّة غائصإذا ما بدت مثل الغمامة تشرق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لأعرابية في مظلة»
أحبّ إلينا من ضناك ضفنّةإذا وضعت عنها المراوح تعرق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لأعرابية في مظلة»

ومدحها أيضا فقال:

عقيلة من بني شيبان ترفعهادعائم للعلى من آل همّام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لو أن حدراء تجزيني كما زعمت»
من آل مرّة بين المستضاء بهممن رهط صيد مصاليت وحكّام
بين الأحاوص من كلب مركّبهاوبين قيس بن مسعود وبسطام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لو أن حدراء تجزيني كما زعمت»

فأغضب النّوار مدحه إيّاها، فقالت: والله لأخزينّك يا فاسق، وبعثت إلى جرير فجاءها فقالت: ألا ترى ما قال لي الفاسق؟ وشكت إليه، فقال جرير: أنا

أكفيك، وأنشأ يقول:

ولست بمعطي الحكم عن شفّ منصبولا عن بنات الحنظليّين راغب
وهنّ كماء المزن يشفى به الصّدىوكانت ملاحا غيرهنّ المشارب
وما عدلت ذات الصليب ظعينة[عتيبة والرّدفان منها وحاجب]
[أأهديت يا زيق بن زيق غريبة]إلى شرّ من تهدى إليه الغرائب
ألا ربّما لم نعط زيقا بحكمهوأدّى إلينا الحكم والغلّ لازب
للشاعر جرير، من قصيدة «لست بمعطي الحكم عن شف منصب»
حوينا أبا زيق وزيقا وعمّه[وجدّة زيق قد حوتها] المقانب
للشاعر جرير، من قصيدة «لست بمعطي الحكم عن شف منصب»

فأجابه الفرزدق بقصيدة منها:

فنل مثلها من مثلهم ثمّ لمهمبما لك من مال مراح وعازب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
وإنّي لأخشى إن خطبت إليهمعليك الذي لاقى يسار الكواعب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
وقالوا سمعنا أنّ حدراء زوّجتعلى مئة شمّ الذرى والغوارب
ولو كنت من أكفاء حدراء لم تلمعلى دارميّ بين ليلى وغالب
ولو قبلوا مني عطية سقتهإلى آل زيق من وصيف مقارب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
[هم زوّجوا قبلي ضرارا] وأنكحوالقيطا وهم أكفاؤنا في المناسب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
ولو تنكح الشمس النجوم بناتهاإذا لنكحناهنّ قبل الكواكب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»

يسار: كان عبدا لبني غدانة، فأراد مولاته على نفسها فنهته مرّة بعد مرّة، وألحّ عليها فوعدته، فجاء فقالت: إني أريد أن أبخّرك، فإنّ رائحتك متغيّرة؛ فوضعت تحته مجمرا وقد أعدّت له حديدة، فأدخلت يدها فقبضت على ذكره وهو يرى أنّ ذلك لشيء، فقطعته بالموسى، فقال: صبرا على مجامر الكرام.

فذهبت مثلا.

وقال جرير:

يا زيق أنكحت قينا باسته حمميا زيق ويحك من أنكحت يا زيق
غاب المثنّى فلم يشهد نجيّكماوالحوفزان ولم يشهدك مفروق
أين الألى أنزلوا النعمان مقتسراأم أين أبناء شيبان الغرانيق
يا ربّ قائلة بعد البناء بهلا الصّهر راض ولا ابن القين معشوق

فتعرّض الفرزدق للحجاج أن يسوق عنه المهر، فعذله الحجاج وقال: أتزوّجت نصرانية على حكم أنّها مائة بعير! أخرج، ما لك عندنا شيء، فقال عنبسة بن سعيد بن العاصي وأراد نفعه: إنّها من حواشي إبل الصدقة، فأمر له بها.

ولمّا كان الفرزدق ببعض الطريق ومعه أوفى بن خزير أحد بني التّيم بن شيبان بن ثعلبة رأى كبشا مذبوحا، فقال: يا أوفى، هلكت والله حدراء. فلما بلغ قال له بعض قومها: هذا البيت فانزل، وأمّا حدراء فقد هلكت، وقد عرفنا الذي يصيبك في دينكم من ميراثها وهو النصف، وهو لك عندنا، فقال: لا والله لا أرزأ من ذلك قطميرا، وهذه صدقتها فاقبضوها. فقالوا: يا بني دارم، والله ما صاهرنا أكرم منكم.

وقيل: إنّ قومها اعتلّوا عليه، وادّعوا موتها لئلّا يهتك جرير أعراضهم.

وقال جرير:

رأوا أنّ صهر القوم عار عليهموأنّ لبسطام على غالب فضلا
للشاعر جرير، من قصيدة «عشية أعلى مذنب الجوف قادني»

- حدّث بعض الموالي قال: حضرت الفضل بن يحيى وقد قال لأبي البصير: يا أبا البصير، أنت القائل فينا:

إذا كنت من بغداد في رأس فرسخوجدت نسيم الجود من آل برمك

لقد ضيّقت علينا جدّا. قال: أفلأجل ذلك أيها الأمير ضاقت عليّ صلتك، وضاقت عني مكافأتك وأنا الذي أقول:

تشاغل الناس ببنياهموالفضل في بني العلا جاهد
كلّ ذوي [الفضل] وأهل النّهىللفضل في تدبيره حامد

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.