تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر من هذا الباب (٢٣)

كبر رجل من الخوارج وهرم حتى لم يكن فيه نهوض، فأخذ منزلا على ظهر الطريق، فلما جاء مطر وابتلّت الأرض أخذ زجاجا وكسره ورماه في الطريق فإذا مرّ به رجل وعقر رجله الزجاج، قال الخارجي من وراء الباب: لا حكم إلا لله، اللهمّ هذا مجهودي.

وكان بالمدينة آخر منهم فرؤي وهو يحذف قناديل المسجد بالحصباء فيكسرها، فقيل له: ما تفعل؟ قال: أنا كما ترى شيخ كبير لا أقدر على أكثر من هذا، أغرّمهم قنديلا أو قنديلين في كل يوم.

قال المدائني: تضيّف أعرابي قوما فأبطأوا بالطعام، فقام يدور في.

الحيّ فأصاب دبّة فيها سمن، فأدخل يده فيها بلزوجة السّمن، ثم ذهب ليخرجها فلم يقدر؛ فاشتمل عليها، فلما خاف أن يفتضح جلس في المجلس وجعل يعتمد عليها ليخرجها، فتدور عيناه في رأسه وينعصر. فقال شيخ: كأن الحواء علينا دائر ورب الكعبة لا والله لا أبيت في الحواء. فخرج إلى غيضة ثم دخل في غصن منها ملتفّ، وجاء إلى فجوة منه فاستلقى على صخرة؛ وجاء الضيف يطلب شيئا يكسر به الدّبة. فجعل يدور في الغيضة فبصر بصلعة الشيخ تبرق في القمر، فظنّها صخرة فاعتمدها، فضرب بالدبّة رأسه ليكسرها، فصاح الشيخ صيحة اجتمع لها الحيّ، وهرب الرجل، وأدركوا الشيخ مرتاعا لا يدري ما أصابه.

- كان مخارق المغني صديقا لأبي العتاهية الشاعر. قال مخارق:

فجاءني يوما فقال لي: قد عزمت على أن أتزوّد منك يوما فهبه لي، فمتى تنشط؟ قال، قلت: متى شئت، قال: أخاف أن تقطع بي، فقال: لا والله لا فعلت ولو طلبني الخليفة، فقال: يكون في غد؟ فقلت: أفعل. فلما كان

من غد باكرني رسوله، فجئته، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ وخلّ وبقل وملح، وعليها جدي حنيذ. فأكلنا منه حتى اكتفينا، ثم أتينا بحلواء فأصبنا منها، ثم دعا بفراخ ودجاج وفراريج مشوية، فأكلنا منها حتى اكتفينا، وغسلنا أيدينا، وجاءونا بفاكهة وريحان وألوان من الأنبذة، فقال: اختر ما يصلح لك، فاخترت وشربت؛ وصبّ قدحا ثم قال: غنّني في قولي:

قال لي أحمد ولم يدر ما بي

فغنّيته، فشرب قدحا وهو يبكي أحرّ بكاء. ثم قال: غنّني في قولي:

ليس لما ليست له حيلة

فغنيته وهو يبكي وينشج، وشرب قدحا آخر وقال: غنّني، فديتك، في قولي:

خليليّ ما لي لا تزال مضرّتي

فغنّيته إيّاه. وما زال يقترح عليّ كلّ صوت غنّي به في شعره فأغنّيه ويشرب ويبكي حتى صارت العتمة. فقال لي: أحبّ أن تصبر حتى ترى ما أصنع فجلست، فأمر ابنه وغلامه فكسرا كلّ ما بأيدينا من النبيذ وآلاته والملاهي، ثم أمر بإخراج كلّ ما في بيته من النبيذ وآلاته، فأخرج جميعه، فما زال يكسره ويصبّ النبيذ ويبكي حتى لم يبق من ذلك شيء، ثم نزع ثيابه واغتسل ولبس ثيابا بيضا من الصوف، ثم عانقني وبكى، وقال: عليك السّلام يا حبيبي وفرحي من الناس كلّهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده؛

وجعل يبكي، وقال: هذا آخر عهدك بي في حال تعاشر أهل الدنيا، فظننت أنّها بعض حماقاته، فانصرفت فما لقيته زمانا. ثم تشوّقته فأتيته فاستأذنت عليه، فدخلت فإذا هو قد أخذ قوصرّتين فثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص، وثقب أخرى وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل. فلما رأيته نسيت كلّ ما كان عندي من الغمّ عليه والوحشة لعشرته، وضحكت ضحكا ما ضحكت مثله قطّ. فقال: من أيّ شيء تضحك لا ضحكت! فقلت: سخنت عينك! هذا أيّ شيء هو؟ ومن بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء أو الزّهاد أو الصحابة أو المجانين؟

انزع هذا عنك يا سخين العين! فكأنّه استحيا منّي. ثم بلغني أنه جلس حجّاما، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره. ثم مرض فبلغني أنه اشتهى أن أغنّيه، فأتيت عائدا، فخرج إليّ رسوله يقول: إن دخلت إليّ جدّدت لي حزنا وتاقت نفسي إلى سماعك وإلى ما قد غلبتها عليه، وأنا أستودعك الله وأعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به.

- قيل لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن يجيء مخارق فيضع فمه على أذني ثم يغنّيني:

سيعرض عن ذكري وتنسى مودتيويحدث بعدي للخليل خليل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أرى علل الدينا علي كثيرة»
إذا ما انقضت عني من الدهر مدّتيفإنّ غناء الباكيات قليل

- طلّق أعرابي امرأته فتزوّجها الأخطل، وكان الأخطل قبل ذلك قد طلّق امرأته الأولى، فتنفّست، فقال الأخطل:

كلانا على همّ يبيت كأنّمابجنبيه من مسّ الفراش قروح
على زوجها الماضي تنوح وإنّنيعلى زوحتي الأخرى لذاك أنوح

- حدّث أبو ظبيان الحمامي قال: اجتمعت جماعة من الحيّ على شراب لهم فتغنّى رجل منهم بقول حسّان:

أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

فقال رجل من القوم: ما معنى قوله:

إنّ التي عاطيتني فرددتها

فجعلها واحدة ثم قال:

كلتاهما حلب العصير

فجعلهما اثنتين؟ فلم يقل أحد الجواب، فقال رجل من القوم: امرأته طالق ثلاثا إن بات أو يسأل القاضي عبيد الله بن الحسن عن تفسير هذا الشعر. فأسقط في أيدينا ليمينه، ثم اجتمعنا على إتيان عبيد الله؛ قال: فأتيناه نتخطّى إليه الأحياء حتى أتيناه وهو في مسجده يصلّي بين العشائين، فلما سمع حسّنا أو جز في صلاته، ثم أقبل علينا وقال: ما حاجتكم، فبدأ رجل منا وكان أحسننا بقيّة، قال: نحن أعزّ الله القاضي قوم نزعنا إليك من طرق البصرة في حاجة مهمة فيها بعض الشيء، فإن أذنت لنا قلنا، قال: قولوا؛ فذكر يمين الرجل والشعر؛ فقال: أما قوله:

إن التي ناولتني

يعني الخمرة، وقوله: «قتلت» أي مزجت بالماء، وقوله:

كلتاهما حلب العصير

يعني الخمر ومزاجها فالخمر عصير العنب والماء عصير السحاب. قال الله تعالى:

وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً

(النبأ:) انصرفوا إذا شئتم.

- قال دليم بن مرّة الجهني لتاجر أخذ منه مالا وكان اسم التاجر عرابة:

الله لقّى من عرابة بيعةعلى حين كان النقد يعسر عاجله
ولوّى بنان الكفّ يحسب ربحهولم يحسب المطل الذي أنا ماطله
سيرضى من الربح الذي كان يرتجيببعض الذي أعطى وما هو نائله

- وقال صهيب بن نبراس العنبري:

ومصفرّة عيناه يرشح وجههلحبّ القضاء قد لويت لياليا
وكلّ غريم حظّه جحد مالهإذا شحّ يوما أو أساء التقاضيا

- كان تاجر من أهل الثعلبية يقال له يحيى بن جابر يبيع الأعاريب ويعينهم. فتعيّن منه رجلان من بني أسد يقال لهما طريف بن منظور وحصن بن مطير، وفخّما له في الربح حتى بلغا ما أحبّ فلما انصرفا لحاجتهما قال طريف:

أقول غداة [الثعلبية] بعد ماحوينا على أوراق يحيى بن جابر
لحصن وكان المرء يفضي بسرّهإليّ ولا أخفي عليه سرائري
أيطمع يحيى في الوفاء وقد عداعلى مالنا في البيع عدوة فاجر
فلا يحسب الكوفيّ أنّ عقولناهفت عن حساب مثبت في الدفاتر
ولكنّني أغرقت في الربح وانثنىوليس له علم بصفقة خاسر
فلا يرجون يحيى اختبارا وقد رمىبسلعته المغبون في قعر زاخر

- وقال عويف القوافي:

أف لكم ولعقل بين أضلعكمماذا وثقتم به منّي ومن ديني
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة
من أفلس الناس من دين ومن حسبوأظلم الناس طرّا للمساكين
للشاعر عُوَيف القوافي، اقرأ القصيدة

- وقال وبر بن معاوية الأسدي:

إني وجدّك ما أقضي الغريم إذاحان القضاء ولا تأوي له كبدي
إلا عصا أرزن طالت برايتهاتنوء ضربتها بالكفّ والعضد؟؟

- كان بالمدينة تاجر يقال له سيّار بن الحكم يداين الأعراب؛ فأخذ منه أبو النباش مالا وأرغبه في الربح وانصرف؛ فغاب عنه مدة ثم دخل المدينة مستخفيا، واتّصل خبره بالتاجر، فطلبه بماله عنده، واستغوى جماعة من التجار عليه؛ فلما رأى ما دفع إليه ولم يقدر على الجحود للصكّ الذي عليه وللجماعة الذين اجتمعوا، قال لهم: صيروا معي إلى شارع بني فلان فإن لي جلبا أقدر على موافاته ودفع المال إلى صاحبكم منه، ففعلوا. فلما تمكّن من الهرب سبقهم حضرا على رجليه، وطلبوه فأعجزهم، وانصرفوا يتذامرون ويرجعون باللوم على صاحبهم، فقال أبو النباش عند ذلك أبياتا شرح الحال فيها وقال في آخرها:

لما رأوني وقد فتّ النجاء بهمسعيا يقصّر عنه كلّ طيار
قالوا لصاحبهم هيهات نلحقهفارجع بنا ودع الأعراب في النار
إن القضاء سيأتي دونه أمدفاطو الصحيفة واحفظها من النار

- وقال أبو الرّبيس الكلابيّ في غريم له يقال له مكحول كان عند مبايعته إياه لم يسأله عن سعر ولا نقصان كيل، بل كان يستصلح جميع ما يدفعه إليه خديعة ومكرا. فلما بلغ منه ما أراد لحق بالبادية:

أما راب مكحولا سماحي وأنّنيإذا بلغ البيع المكاس أسامح
وقولي ولم يبلغ رضاي ولا دنارضيت وهذا من شرا الناس صالح
سيعلم مكحول إذا ضمّ رقعةلها طينة أيّ الفريقين رابح

- كان أبان بن عثمان بن عفان من أهزل الناس وأعبثهم وأولعهم؛ وبلغ من عبثه أنه كان يجيء بالليل إلى منزل رجل من أهل المدينة له لقب يغضب منه فيقول: أنا فلان بن فلان ثم يقف فيلقبه فيشتمه أقبح شتم، وأبان يضحك.

فبينا هو ذات يوم جالس وعنده أشعب إذ أقبل أعرابيّ معه جمل، والأعرابيّ أشقر أزرق أزعر يتلظّى كأنه أفعى ويتبيّن الشرّ في وجهه، ما يدنو منه أحد إلا شتمه ونهره. فقال أبان: هذا والله من البادية، ادعوه لي. فدعوه له وقيل له:

إنّ الأمير أبان بن عثمان يدعوك. فأتاه فسلّم عليه وسأله أبان عن نسبه فانتسب له وقال: حيّاك الله يا خالي، حبيب ازداد حبّا، فجلس، فقال له: إني في طلب جمل مثل جملك هذا منذ زمان فلم أجده كما أشتهي بهذه الصفة وهذه الهامة والصورة والورك والأخفاف، فالحمد لله الذي ظفّرني به عند من أحبّه، أتبيعه؟

فقال: نعم أيّها الأمير؛ قال: فإني قد بذلت لك به مائة دينار؛ [وكان الجمل يساوي عشرة دنانير]. فطمع الأعرابي وسرّ وانتفخ، وبان الطمع في وجهه، فقال أبان لأشعب: ويلك يا أشعب، إن خالي هذا من أهلك وأقاربك- يعني في الطمع- فأوسع له فيما عندك؛ فقال: نعم بأبي أنت وأمي وزيادة؛ فقال له أبان: يا خال إنما زدتك في الثمن على بصيرة أنّ الجمل يساوي ستّين دينارا، ولكني بذلت لك مائة لقلّة النقد عندنا، وأنا أعطيك به عروضا تساوي مائة.

فزاد طمع الأعرابيّ وقال: لقد قبلت ذلك يا أمير المؤمنين. وأسرّ إلى أشعب، فأخرج شيئا مغطى فقال: أخرج ما جئت به، فأخرج جرد عمامة خلقة تساوي أربعة دراهم، فقال: قوّمها يا أشعب. فقال: عمامة الأمير تعرف به ويشهد فيها الأعياد والجمع ويلقى فيها الخلفاء: خمسون دينارا. قال: ضعها بين يديه وقال لابن رميح أثبت قيمتها، فكتب ذلك ووضعت العمامة بين يدي الأعرابيّ، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا، ولم يقدر على الكلام، ثم قال:

هات قلنسوتي، فأخرج قلنسوة طويلة خلقة قد علاها الوسخ والوهن والدهن تساوي نصف درهم. فقال: قوّم، قلنسوة الأمير تعلو هامته ويصلّي فيها الصلوات الخمس، ويجلس فيها للحكم: ثلاثون دينارا. قال: أثبت، فأثبت ذلك، ووضعت القلنسوة بين يدي الأعرابي، فترّبد وجهه وجحظت عيناه، وهمّ بالوثوب ثم تماسك وهو مقلقل. ثم قال لأشعب: هات ما عندك فأخرج خفين قد نقبا وتقشّرا وتفتّقا، فقال: قوّم، خفا الأمير يطّا بهما الروضة ويعلو بهما منبر النبيّ ﷺ: أربعون دينارا، قال: ضعها بين يديه.

ثم قال للأعرابي: اضمم إليك متاعك. وقال لبعض الأعوان: امض مع الأعرابي. فأخذ القماش فضرب به وجه القوم لا يألو في شدّة الرمي، ثم قال:

أتدري أصلحك الله من أيّ شيء أموت؟ قال: لا، قال: كيف لم أدرك أباك

عثمان فأشرك والله في دمه إذ ولد مثلك؛ ثم نهض كالمجنون حتى أخذ برأس بعيره. وضحك أبان حتى سقط، وضحك كلّ من كان معه. وكان الأعرابي بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول: هلم إليّ يا ابن الخبيثة حتى أكافيك على قيمتك المتاع يوم قوّم، فيهرب أشعب منه.

- تزوج نديم لأبي شراعة القيسيّ يقال له تبّان امرأة فاتّفق عرسه في ليلة طلّق فيه أبو شراعة امرأة كانت له، فعوتب في ذلك وقيل له: بات تبّان عروسا وبتّ عزبا، فقال في ذلك:

أتت عرس تبّان فهبّت تلومنيرويدك لوما فالمطلّق أحوط
رويدك حتى يرجع البرّ أهلهوترحم ذات العرس من حيث تغبط
إذا قال للطحان عند حسابهأعد نظرا إني إخالك تغلط
فما راعه إلا دعاء وليدةتعلم إلى السّوّاق إن كنت تنشط
هنالك يدعو أمّه فيسبّهاويلتبس الأجر العقوق فيحبط
فنادى العلى إني لفضلك شاكرأبيت وحيدا كلما شئت أضرط

ثم بلغه عن تبّان هذا أنه عجز عن امرأته ولم يصل إليها ولقي منها شرّا، فقال فيه:

رمى الدهر في صحبي وفرّق جلّاسيوأبعدهم عني بظعن وإعراس
وكلّهم يبغي غلافا لأيرهوأقعدني عن ذاك فقري وإفلاسي
فشكرا لربّي خان تبّان أيرهوأسعى بأيري في الظلام على الناس
يمسّحه بالكفّ حتى يقيمهفهل ينفع الكفّان من ثقل الراس

- قال حماد بن الزبرقان: حفظت ما لم يحفظ أحد ونسيت ما لم ينس أحد. كنت لا أحفظ القرآن فأنفت أن أجيء بمن يعلّمني، فحفظته من المصحف في شهر واحد، ثم قبضت يوما على لحيتي لأقصّ ما فضل عن قبضتي فنسيت أني أحتاج أن أقصّ ما دون القبضة فقصصت أعلاها، فاحتجت أن أجلس في البيت سنة حتى استوت.

- قال أبو العنبس الصيمري: أنا وأخي توأمان، وخرجت أنا وهو في يوم واحد، ودخلنا سرّ من رأى في وقت واحد، فولي هو القضاء وصرت أنا صفعان، فمن أين يصحّ علم النجوم؟

- ابن الرومي:

كم تائه بولايةوبعزله يعدو البريد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «كم تائه بولاية»
سكر الولاية طيّبوخماره صعب شديد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «كم تائه بولاية»

- قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد: دخلت البيمارستان فرأيت جماعة من المجانين على أحوال مختلفة، ومررت على شيخ منهم تلوح صلعته وتبرق جبهته بالدهن عليها، وهو جالس على حصير نظيف، وجهه إلى القبلة

وكأنه يريد الصلاة، فجاوزته إلى غيره، فنادى: سبحان الله أين السلام؟ من المجنون أنا أو أنت؟ فاستحييت وقلت: السلام عليكم؛ فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا الردّ الحسن عليك، غير أنّا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر، لأنه يقال: للداخل على القوم دهشة، اجلس أعزّك الله عندنا، وأو مأ إلى حصيره فنفضه كأنّه يوسّع لي، فعزمت على الدنوّ منه، فبادأني القيّم بأمرهم:

إياك إيّاك! فأحجمت. ثم قال وقد كانت معي محبرة: ما هذا؟ أتجالس أصحاب الحديث الأغثياء أم الأدباء أصحاب النحو والشعر؟ قلت: الأدباء، قال: أفتعرف الذي يقول فيه:

وفتى من مازنساد أهل البصره
أمّه معرفةوأبوه نكره

قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلاما قد نبغ في هذا العصر معه ذهن وله حفظ، قد برّز في النحو وجلس في مجلس صاحبه وشاركه فيه يعرف بالمبرّد؟ قلت:

والله أنا عين الخبير به. قال: فهل أنشدك شيئا من شعره؟ فقلت: لا أحسبه يقول الشعر؟ قال: يا سبحان الله! أليس هو الذي يقول:

حبّذا ماء العناقيد بريق الغانيات
بهما ينبت لحميودمي أيّ نبات
أيّها الطالب أشهىمن لذيد الشهوات
كل بماء المزن تفّاح الخدود الناعمات

قلت: قد سمعته ينشد في مجالس الأنس؟ قال: يا سبحان الله! أو يستحي أن ينشد هذا حول الكعبة؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون هو من الأزد، أزد شنوءة، ثم من ثمالة، قال: قاتله الله ما أبعد غوره، أتعرف قوله:

سألنا عن ثمالة كلّ حيّفقال القائلون ومن ثماله
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
فقلت محمّد بن يزيد منهمفقالوا زدتنا بهم جهاله
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
فقال لي المبرّد خلّ قوميفقومي معشر فيهم نذاله
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

قلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعذّل يهجوه بها، فقال: كذب والله كلّ من ادّعى هذه غيره، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسبا. قلت: أنت أعلم، قال لي: يا هذا قد غلبت لخفّة روحك على قلبي، وتمكّنت بفصاحتك من استحساني، وقد أخّرت ما كان يجب أن أقدّمه، ما الكنية أصلحك الله؟ قلت: أبو العباس، قال: ما الاسم؟

قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد. قال: قبّحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدّمت، ثم وثب باسطا يده ليصافحني، فرأيت القيد في رجليه قد شدّ إلى خشبة في الأرض، فأمنت عند ذلك غائلته؛ فقال: يا أبا العباس: صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع، فليس يتهّيا لك في كلّ وقت أن تصادف مثلي على هذه الحال الجميلة، أنت المبرّد؛ وأخذ يصفّق، وانقلبت عيناه وتغيّرت خلقته. فبادرت مسرعا وقبلت والله قوله، فلم أعاود الدخول عليهم بعد ذلك.

- قال أبو العيناء: كان بالبصرة مقيّن له جوار فغشي الناس منزله لأجلهنّ، فحضر يوما عنده جماعة فيهم قوم من المهالبة. فلما كان وقت العشاء جاء غلام لبعض المهالبة الحاضرين بمئزر مقلوب فوضعه بين يدي صاحبه، وإذا فيه بسر مسكّر باكورة، ولم يكن رأوا قبله منه شيئا، وكان فيمن حضر العطويّ الشاعر، فقال للمهلبي: أطعمني فديتك من هذه الباكورة، فتغافل عنه فقال المقيّن صاحب الدار: فأطعمني أنا منها. فتناول منها شيئا فأعطاه، فقال له العطوي: أطعمني ممّا أعطاك، فقال: لا أفعل، فقال في الحال:

جواريك أطعمنك السكّراوأنزلنك المنزل الأكبرا
ولولا جواريك ما أطعموكعلى قبح وجهك إلا خرا

فضحك كلّ من حضر منه، وأخذ المهلبي جميع ما في المئزر من البسر فرمى به إلى العطوي.

- قال أحمد بن أبي طاهر: خرجت من دار الوزير أبي الصقر القاسم اسماعيل بن بلبل نصف نهار يوم في تموز، فملت إلى دار أبي العباس المبرّد لقربها، فأدخلني خيشا له، وقدّم إليّ شيئا أكلته، وسقاني ماء باردا، وحدثني أحسن حديث إلى أن نمت، فحضرني لشقائي وقلة شكري بيتان فاستأذنته في إنشادهما فقال: ذاك إليك وهو يظنّني مدحته فأنشدته:

ويوم كحرّ الشوق في صدر عاشقعلى أنّه منه أحرّ وأوقد
ظللت به عند المبرّد قائلافما زلت في ألفاظه أتبرّد

فقال لي: قد كان يسعك إذ لم تحمد أن لا تذمّ، وما لك عندي جزاء إلا إخراجك، ووالله لا جلست، فأخرجني فمشيت إلى منزلي بباب الشام، فمرضت ممّا نالني من الحرّ وقعدت ألوم نفسي.

- حمّ المنصور في بعض الليالي فأرق فقال للربيع: أحتاج إلى إنسان يحدّثني ويؤنسني، فقال: قد وجدته، فقال: من هو؟ قال ابن عياش المنتوف؛ قال: يبرمني بالأسئلة ويضاعف عليّ العلّة، قال: قد أعطيته من مالي ألف درهم وأمرته أن لا يسألك شيئا. قال: هات حدّثني قال: نعم يا أمير

المؤمنين، خرجت يوما للصيد إلى وادي القرى، فألجأني الحرّ إلى موضع فيه طاق كبير، وإذا بامرأة عجوز جالسة، فقلت لها: هل عندك شيء يؤكل؟ قالت:

لا، وإذا في البيت زنبيل معلّق، فقلت لها: خذي هذه الدراهم فاشتري لي لحما وفاكهة. وخرجت فحذفت الزنبيل بالسيف فسقط قطع العود قد عشب، فأكلته كلّه، وإذا هو أحلى من السكر، فلما رجعت قلت لها: يا كذّابة! زعمت أنّه ليس عندك ما يؤكل، وكان في الزنبيل ما فيه. قالت: أو أكلته؟ فقلت:

نعم. قالت لي: هذه جارية ختّانة كانت تجيء بالبظور فتلقيها في هذا الزنبيل، فهنأك الله ما أكلته. فضحك المنصور ضحكا شديدا وقال: يا ربيع، ادفع إليه ألف درهم. فلما خرج قال ابن عياش للربيع: ارجع إليه وحسّ عرقه، فإني أخشى أن يكون محموما فيرجع فيها إذا أفاق. فعاد الربيع وحدّث المنصور بذلك فقال: أضعفها له وعجّلها.

- قال محمد بن عبد الرحمن العزمي: كنت عند أبي بكر بن عيّاش وجاءه أصحاب الحديث فآذوه فبعث إلى صاحب الربع فجاءه، فقال له:

حاجتك يا أبا بكر؟ قال: أقم هؤلاء عني. قال: وما حالهم؟ قال: قد آذوني فأضجروني. قال: ارفق بهم يا أبا بكر، وقال: فقد قصدوك ولهم حقّ. فغضب وقال: انظروا إلى هذا الشبارك! ثم قال: أتدرون ما الشبارك؟ قالوا: لا. قال:

كانت امرأة بالكوفة ولها زوج قد عسر عليه المعاش، فقالت له: لو خرجت فضربت في البلاد وطلبت من فضل الله. فخرج إلى الشام فتكسّب ثلاثمائة درهم، فاشترى بها ناقة سمينة فارهة، فركبها وسار عليها، فأضجرته وحلف بطلاق امرأته ليبيعها بدرهم يوم يقدم الكوفة، فقالت امرأته: ما جئت به؟ قال:

أصبت ثلاثمائة درهم فاشتريت هذه الناقة فأضجرتني، فحلفت بطلاقك ثلاثا أني أبيعها يوم أقدم الكوفة بدرهم، قالت: أنا أحتال لك. فعلّقت في عنق الناقة سنّورا، وقالت: أدخلها السوق فناد من يشتري السنّور بثلاثمائة درهم والناقة بدرهم، ولا أفرّق بينهما. قال: ففعل؛ فجاء أعرابيّ فجعل يدور حول الناقة ويقول: ما أسمنك! ما أفرهك! ما أرخصك لولا هذا الشبارك! - قيل لما حضرت الفرّاء النحويّ الوفاة دخل إليه بعض أصحابه فقال له: ما قال لك الطبيب؟ فقال: وما عسى أن يقول الطبيب إن صحة وإن مرضا، إن رفعا فرفعا، وإن نصبا فنصبا، وإن خفضا فخفضا. قال:

فكان هذا آخر ما تكلّم به، ثم مضى، ﵀.

- دخل رجل على مغنّية وقد حضرتها الوفاة، فقال لها: قولي لا إله إلا الله، فقالت:

أزف الرحيل وشدّت الأحداج

- ودخل رجل على زفر، ﵀، وهو يجود بنفسه، فشاهده فقال: الجواب عن هذا أن يدفع إلى إحدى المرأتين ستة أسباع الصّداق.

واحتضر رجل كان يجيد اللعب بالشطرنج. فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: شاه مات.

- قيل إن الحجاج بعث بالغضبان بن القبعثرى ليأتيه بخبر عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث وهو بكرمان، وبعث عليه عينا، وكذاك كان يفعل، فلما انتهى الغضبان إلى عبد الرحمن قال له: ما وراءك؟ قال: شرّ، تغدّ بالحجاج قبل

أن يتعشّى بك. وانصرف الغضبان فنزل رملة كرمان، وهي أرض شديدة الرمضاء، فبينا هو كذلك إذ ورد عليه أعرابي من بني بكر بن وائل على فرس له يقود ناقة، فقال: السلام عليك، فقال الغضبان: السلام كثير وهي كلمة مقولة. قال الأعرابيّ: ما اسمك؟ قال: أخذ. قال: أفتعطي؟ قال: لا أحبّ أن يكون لي اسمان. قال: من أين أقبلت؟ قال: من الدلول. قال: وأين تريد؟

قال: أمشي في مناكبها. قال: من عرض اليوم؟ قال: المتقون. قال: فمن سبق؟ قال: الفائزون. قال: فمن غلب؟ قال: حزب الله. قال: فمن حزب الله؟ قال: هم الغالبون. فعجب الأعرابي من منطقه، قال له: أتقرض؟ قال:

إنما تقرض الفارة. قال: أفتسمع؟ قال: إنما تسمع القينة. قال: أفتنشد؟

قال: إنما تنشد الضالّة. قال: أفتقول؟ قال: إنما يقول الأمير. قال: تتكلم؟

قال: كلّ متكلم. قال: أفتنطق؟ قال: إنما ينطق كتاب الله. قال: أفتسمع؟

قال: حدّثني حتى أسمع. قال: أفتسجع؟ قال: إنما تسجع الحمامة. قال الأعرابي: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، قال: بلى ولكنك نسيت. قال الأعرابي:

فكيف أقول؟ قال: لا أدري والله. قال الأعرابي: كيف ترى فرسي هذا؟ قال الغضبان: هو خير من آخر شرّ منه وآخر خير منه وأفره منه. قال الأعرابي: إني قد علمت ذاك، قال: لو علمت لم تسألني. قال الأعرابي: إنك لمنكر، قال الغضبان: إني لمعرّف. قال: ليس ذلك أريد، قال: فما تريد؟ قال: أردت إنك لعاقل، قال: أفتعقل بعيرك هذا؟ قال: لا، أفتأذن لي فأدخل عليك؟ قال الغضبان: وراءك أوسع لك. قال الأعرابي: قد أحرقتني الشمس، قال: الساعة يفيء عليك الفيء. قال الأعرابي: إن الرمضاء قد آذتني، قال: بل على قدمك.

قال: قد أوجعني الحرّ، قال الغضبان: ما لي عليك سلطان. قال الأعرابي: إني لا أريد طعامك ولا شرابك، قال: لا تعرّض بهما، فو الله لا تذوقهما. قال الأعرابي: أما عندك غير هذا، قال: بلى هراوتان أضرب بهما رأسك. قال الأعرابي: والله إني لأظنّك مجنونا، فقال الغضبان: اللهمّ اجعلني ممّن يرغب

إليك. قال: إني لأظنّك حروريّا قال: اللهم اجعلني ممّن يتحرى الخير. ثم قال له الغضبان: أهذا البعير لك يا أعرابيّ؟ قال: نعم، فما شأنه؟ قال: أرى فيه داء فهل أنت بائعه ومشتر ما هو شرّ منه؟ فولى الأعرابي وتركه وهو يقول: والله إنك لبذخ أحمق.

فلما قدم الغضبان على الحجاج قال: كيف تركت أهل كرمان؟ قال:

أصلح الله الأمير، أرض ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصّها بطل، والجيش فيها ضعاف، إن كثروا بها جاعوا، وإن قلّوا بها ضاعوا. قال له الحجاج:

أما إنّك صاحب الكلمة التي بلغتني عنك حين قلت: تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشّى [بك]. قال الغضبان: أما إنها جعلني الله فداك لم تنفع من قيلت له، ولم تضرّ من قيلت فيه. قال الحجاج: اذهبوا به إلى السجن. فمكث فيه إلى أن بنى الحجاج قبة خضراء في واسط أعجبته كما لم يعجبه بناء قطّ. فقال لمن حوله: كيف ترون قبّتي هذه؟ قالوا: أصلح الله الأمير ما بنى ملك مثلها.

ولا نعلم للعرب مأثرة أفضل منها. قال الحجاج: أما إن لها عيبا وسأبعث إلى من يخبرني به. فبعث إلى الغضبان فأقبل يرسف في قيوده، فلما دخل عليه سلّم فقال له الحجاج: كيف ترى قبّتي هذه؟ قال: أصلح الله الأمير، هذه قبّة بنيت في غير بلدك لغير ولدك، لا يسكنها وارثك ولا يدوم لك بقاءها، كما لم يدم هالك ولم يبق فان، وأما هي فكأن لم تكن. قال: صدق ردّوه إلى السجن فإنه صاحب الكلمة التي بلغتني عنه، قال: أصلح الله الأمير، ما ضرّت من قيلت فيه ولا نفعت من قيلت له. وقال: أتراك تنجو مني! لأقطعنّ يديك ورجليك ولأكوينّ عينيك. قال: ما يخاف وعيدك البريء، ولا ينقطع منك رجاء المسيء. قال: لأقتلنّك إن شاء الله، قال: بغير نفس والعفو أقرب للتقوى. قال الحجاج: إنك لسمين، قال: لم كان القيد والرّتعة، ومن يك جار الأمير يسمن. قال له الحجاج: ردّوه إلى السجن، قال: أصلح الله الأمير، قد أثقلني الحديد فما أطيق المشي، قال: احملوه لعنه

الله. فلما حملته الرجال على عواتقها، قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ

(الزخرف:) قال: أنزلوه أخزاه الله. قال: اللهمّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ

(المؤمنون:) قال: جرّوه أخزاه الله، قال: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ

(هود:

[) قال الحجاج: ويحكم! أتركوه فقد غلبني بخبثه، ثم أمر بإطلاقه.

- قال زيد بن جدعان: قدمت على معاوية فأنزلني عليه، فكنت أتغدّى عنده وأتعشّى معه. فبينا أنا عنده إذ خرجت من داره وصيفة فدخلت بيتا من بيوته، فقال لي معاوية: لولا مكانك لقد كنت أشتهي أن أصيب منها.

قلت: يا أمير المؤمنين، فلا يمنعك مكاني. قال: فقام فدخل عليها. فبينما هو يريد منها ذاك إذ علمت امرأته وهجمت عليه وأنا جالس، فخرجا وقد لبّب كلّ واحد منهما صاحبه. قال: فجعل معاوية يقول: يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام.

قال: فلم تكلّمه حتى أدخلته قصره. قال: وبقيت في موضعي إلى العشاء، وراح الناس إليه، فذهب بي النوم فلم أنتبه إلّا في جوف الليل. قال: وهو في موضعه الذي يبيت فيه. قال: فقمت فإذا الأبواب مغلقة والسّرج تزهر. قال:

فدخلت تحت السرير، فلما ذهب هويّ من الليل جاء معاوية، فجلس على السرير ثم دعا امرأته فعرّاها، فجعلت تقبل وتدبر. قال: فبينا هي مقبلة إليه إذ قالت: يا سوأتا! تحت السرير، رجل. قال: فقام معاوية فأخرجني من تحت السرير، وقال: ويحك! رأيت الذي رأيت؟ قلت: نعم. قالت امرأته: ما زال هذا ... منذ اليوم والليلة. قال: فقال: ويحك! ارفع إلينا حوائجك ولا تخبر بما رأيت أحدا. قال: فقضى لي حوائجي وخرجت من عنده.

- وروي عن الأحنف أنه دخل على معاوية يوما فخرجت من داره وصيفة فدخلت بيتا من بيوته، فقال: يا أبا بحر، أنا والله أحبّ هذه الوصيفة وقد أمكنني منها الخلوة لولا مكانك. قال، فقال الأحنف: فأنا أقوم، فقال: لا بل تجلس لئلا تستريب بنا ابنة قرظة؛ وكأنها قد أوذنت به، فقالت للأحنف: يا قوّاد! أين هذا الفاسق؟ فأمأ الأحنف إلى البيت الذي هو فيه: فأخرجته ولحيته في يدها، فقال: الأحنف: ارفقي بأسيرك يرحمك الله. فقالت: يا قوّاد! وتتكلّم أيضا؟! وقام الأحنف فانصرف.

- كان عند إبراهيم الحربي رجل ضرير فقرأ ولم يكن طيّب الصوت فقال إبراهيم:

هما اثنان إذا عدّافخير لهما الموت
فقير ما له زهدوأعمى ما له صوت
للشاعر إبراهيم بن إسحاق الحربي، اقرأ القصيدة

قال الجاحظ: ما خجّلني إلا امرأة حملتني إلى صائغ فقالت: مثل هذا. فبقيت مبهوتا، فسألت الصائغ، فقال: هي امرأة استعملتني صورة شيطان، فقلت: لا أدري كيف أصوّره، فأتت بك، وقالت: مثله.

وقد اتّفق في عصرنا مثل هذا. كان من حواشي دار الخلافة حاجب يعرف بابن الحسام، عظيم الخلقة وحشيّها، ومع هذا يميل إلى النساء ويظنّ أنهنّ يهوينه. فتعرّضت له امرأة وأطمعته في نفسها، وواعدته دكان بعض الصاغة وأن يكون اجتماعهما هناك. فتزيّن وتأهّب وقصد ذلك الدكان ينتظرها، وأبطأت المرأة، فلما فرغ الصائغ من مراده قال له: يا سيدي قم في دعة الله، قال له: ويلك! وما ذاك؟ قال: إن امرأة استعملتني صورة جنّيّ، فقلت: ما رأيت جنّيّا قطّ، فقالت: أنا أنفذ إليك رجلا هو الصورة

المطلوبة، وقد رسمت لها ما أرادت. فشتمه وانصرف.

- قال العتبي: سرّح المهديّ لحيته ثم قبض عليها فكأنه استصغرها، فأحسّ به أعرابيّ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ لحيتك لجميلة أصيلة، لم تطل فتسمج ولم تصغر فتستقبح، بل خرجت بمقدار من صانع أحكم صنعتها وأحسن نباتها، فمن رأى صاحبها أفلح، ومن طلب إلى حاملها أنجح، ثم قال:

لا تعجبنّ بلحيةكثّت منابتها طويله
يهوي بها عصف الرياح كأنها ذنب السّخيله
قد يرزق الشرف الفتىيوما ولحيته قليله

فأعجب بكلامه ووصله.

- قال المنصور لابن عياش المنتوف: لو تركت لحيتك، أما ترى عبد الله ابن الربيع ما أحسنه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين لأنا أحسن منه. قال: يا سبحان الله وتحلف أيضا؟ قال [ابن عياش]: لئن لم تصدّقني فاحلق لحيته وأقمه إلى جانبي ثم انظر أيّنا أحسن.

- عبد الله بن إسحاق بن سلام المكاري:

وتكيد ربّك في مغارس لحيةالله يزرعها وكفّك تحصد
تأبى السجود لمن براك تمرّداوترى العبيد الأرذلين فتسجد

- آخر:

خرجوا ليستسقوا وقد نشأتبحرية قمن بها السفح
فانجابت السحب التي نشأتفكأنّما خرجوا ليستصحوا

وقع أعرابي إلى أرض أصبهان في أيام الربيع فاستطاب الهواء وأنس بالأشجار، فلما جاء الشتاء [....] الأشجار [....] الأقطار فجعل يرتعد من البرد وتخفق أحشاؤه فقال:

بأصبهان شعثت أموريلما تقضّى الصيف ذو الحرور
ورمّت الآفاق بالهريروالثلج مقرون بزمهرير
جاءت بشرّ مجنب عاثورلولا شعار البرّة البرور

أمّ الكبير وأبي الصغير

البرة: الشمس، والمجنب: الكبير، والعاثور: المهلك من قولهم وقع في عاثور شر.

أنشد الحافظ لرجل من بني نمير وكانت امرأته حضرية:

لعمري لأعرابية بدويّةتظل بروقي بيتها الريح تخفق
أحبّ إلينا من ضناك صفيّةإذا وضعت عنها المراوح تعرق
كبطيخة البستان ظاهر جلدهاصحيح ويبدو داؤها حين تفلق

- كان لبني عدي بن عبد مناة بالبصرة رجل شاب ينزل به يقال إن جمل عائشة ﵂ في موضعه، فابتنى على ذلك [الموضع مسجدا] فقال رجل منهم يهجوهم:

قوم كرام غير ما أنّهمسطوتهم تغدو على جارهم
ليس لهم فخر سوى مسجدبه تعدّوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوايوما ولم يسمع بأخبارهم
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «يا أيها السَائلُ عن قومِنا»

- كانت لأعرابي امرأتان فولدت إحداهما جارية والأخرى غلاما فرقّصته أمّه وقالت مضارّة لضرّتها:

الحمد لله الحميد العاليأنقذني العام من الخوالي
من كلّ شوهاء كشنّ باليلا تدفع الضّيم عن العيال

وسمعت الأخرى فأقبلت ترقّص بنتها وتقول:

وما عليّ أن تكون جاريهتغسل رأسي وتكون الغاليه
وترفع الساقط من خماريهحتى إذا ما بلغت ثمانيه
أزّرتها بنقبة يمانيهأنكحها مروان أو معاويه

أصهار صدق ومهور غاليه

فتزوجها مروان على مائة ألف وقال: إن أمها لحقيقة أن لا يكذب ظنها ولا يخاس بعهدها. وقال معاوية: لولا أن مروان سبقنا إليها لأضعفنا لها المهر، ولكن لا تحرم الصلة، فبعث إليها بمائتي ألف درهم.

- رفعت امرأة زوجها إلى القاضي تبغي الفرقة، وزعمت أنه كلّ ليلة يبول في الفراش. فقال الرجل: أصلحك الله لا تعجل حتى أقصّ عليك قصتي:

إني أرى في منامي كأني بجزيرة في البحر، وفيها قصر وفوق القصر علّيّة، وفوق العلّيّة قبّة، وفوق القبّة جمل، وأنا على ظهر الجمل، وإن الجمل يتطأطأ ليشرب من البحر فإذا رأيت ذلك بلت فرقا. فبال القاضي وقال: يا هذه أنا قد أخذني البول من هول حديثه، فكيف بمن رأى الأمر عيانا؟

شكا رجل إلى الطبيب وجع البطن وقال: قد أكلت سمكا ولحم بقر وبيضا ومامشا فقال: انظر فإن متّ من هذا وإلا فارم نفسك من حالق.

- ركب يزيد بن نهشل بعيرا له لا يكاد ينهض، فلما استوى عليه قال: اللهم إنك قلت: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ

(الزخرف:)، وإنّي أشهدك أنّي بهذا، فنفر البعير وتعلّقت رجله بالغرز والبعير يجمز به حتى مات.

وكانت جماعة من طلاب الحديث يمشون إلى شيخ لهم، فقال خليع منهم: امشوا رويدا فإن طالب الحديث يطأ على أجنحة الملائكة حتى لا تكسروها، فعثر عثرة فعرج منها.

- وكان بالمغرب ورّاق فكتب مصحفا في أسبوع فقيل له: في كم كتبته؟ فقال: في ستة أيام وما مسنا من لغوب، فحشّت يده، فسّر قوله تعالى:

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ

(التوبة:).

- أبو نواس:

خلعت مجوني واسترحت من العذلوكنت وما لي في التّماجن من مثل
أيا ابن أبان هل سمعت بفاسقيعدّ مع النّساك فيما مضى قبلي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلعت مجوني فاسترحت من العذل»
ألم تر أني حين أغدو مسبّحابسمت أبي ذرّ وقلب أبي جهل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلعت مجوني فاسترحت من العذل»
وأخشع في مشيي وأحفظ ناظريوسجادتي في الوجه كالدرهم البغلي
وآمر بالمعروف لا عن تقيّةوكيف وقولي لا يصدّقه فعلي
ومحبرتي رأس الرّياء ودفتريونعلاي في كفيّ من آلة الختل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلعت مجوني فاسترحت من العذل»
أؤمّ فقيها ليس دهري فقههولكن لديه المرد مجتمع الشّمل
فكم أمرد قد قال والده لهعليك بهذا إنه من أولي الفضل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلعت مجوني فاسترحت من العذل»
يفرّ به من أن يشاطر صاحباكمن فرّ من حرّ الجراح إلى القتل

- كتب الحمدوني إلى صديق له حبس عليه دفاتره:

ما بال كتبي في يديك رهينةحبست علي كذا الزمان الأطول
ايذن لها في الإنصراف فإنهاكنز عليه والزمان معوّلي
فلقد تغنّت حين طال ثواؤهاطال الثواء على رسوم المنزل

- أبو بكر الخوارزمي:

لا غرو من صيد الأمير بعدهإن الأسود تصاد بالخرفان
قد غرّقت أملاك حمير فارةوبعوضة قتلت بني كنعان

- قال المتوكل يوما: أتعلمون ما عاب الناس على عثمان؟ فقال بعض جلسائه: لما قبض رسول الله ﷺ قام أبو بكر على المنبر دون مقامه بمرقاة، ثم قام عمر دون مقام أبي بكر بمرقاة، فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر فقعد في مقعد رسول الله ﷺ فأنكروا عليه ذلك. فقال عبادة: يا أمير المؤمنين، ما أجد أعظم منّة عليك ولا أسبغ معروفا من عثمان. قال: وكيف ويلك؟ فقال: لأنه صعد ذروة المنبر، ولولا ذلك لكان كلما قام خليفة نزل عن مقام من تقدّمه مرقاة لكنت تخطبنا أنت من بئر جلولاء.

- قدمّ إلى عبادة رغيف يابس فقال: هذا نسج في أيام بني أمية ولكن محي طرازه.

- قيل جاء ابن قريعة فاتفق أن مداما كان يلعب بالأربعة عشر من يرسل له، فانتظره إلى أن يفرغ من دسته، ثم نهض مدام فاستأذن له، وخرج فأوصله. وقال له الوزير: أين كنت؟ قال: عند مدام، قال: وماذا كان يصنع؟ قال القاضي: كان مقابلا لخادم آخر وبين أيديهما [دست] كشرائح البدور، موزعة جنسا من الحبوب الرياحية على لونين مختلفين، وفي أيديهما كفتان يصكّان بهما الأرض صكّا، فإذا انتصبا ماثلين، وتخالفا في الحالين، سرّ أحدهما واستبشر [واغتاظ الآخر] واستشاط، وإذا اضطجعا في....

غمّ صاحبهما إياسا، ونكّس رأسه، وهذى وسواسا، ودعا عليهما، ولا ذنب لهما. فقال المهلبي: لو نظم هذا شعرا لحسن.

وقال أبو إسحاق الصابي: كنّا ليلة بحضرة الوزير أبي محمّد المهلبي

نتذاكر والقاضي أبو بكر بن قريعة حاضر، فأنشدت قطعة من أراجيز المعاني أو غيرها، فاستحسنها المهلبي ومن حضر، وأعجبت القاضي، فقال: يا أبا إسحاق من قائل هذه؟ فقلت له عبثا به: أبو العباس درستويه؛ فقال: أبو العباس صاحب أبي سهل ديرويه؟ قلت: نعم؛ قال: وهو بهذه المنزلة من الأدب والعلم؟ فقلت:

وأكثر. وكان هذا الرجل طغامة، وقد أوردت حكايات عنه في كتابي الذي ألّفته ولقّبته ببدائع ما نجم من مختلفي كتّاب العجم، وهو الذي حضر مجلس أبي الفرج ابن فسانجس وهو جالس للعزاء بأبيه أبي الفضل وقد ورد نعيه من الأهواز، وعند أبي الفرج رؤساء الدولة يعزّونه، وقد قلّد الديوان مكان أبيه، فلما تمكّن درستويه في مجلسه تباكى وقال: اللهمّ ارحم أبا الفضل، كان تربي، وكان وكان، وعدّد كثيرا من أحواله، ثم التفت إلى أبي الفرج وقال له: أطال الله بقاء سيّدنا، دع ما يقول الناس، ورد كتاب بهذا؟ فقال أبو الفرج: قد وردت كتب عدّة؛ فقال: دع هذا كلّه، ورد كتابه بخطّه؟ ما جلسنا للعزاء بكما، وأطرق وهو كالمتبسم، وضحك الحاضرون، وانقطع العزاء، ونهض أبو الفرج ولم يعد إلى مجلسه.

قال أبو إسحاق، فقال القاضي: ما علمنا أن أبا العباس بهذه المنزلة من العلم، فيجب أن نقصده ونأخذ عنه فوائده، ونستدعي ديوانه، ونكتب عنه.

فقلت قصّر القاضي حيث لم يفعل هذا إلى الآن. قال وانقطع المجلس وبكّر القاضي وقصد دار درستويه، واستأذن عليه، وبدأه بالسلام ومعرفة خبره والاعتذار إليه من تقصيره في حقّه، وذاك يجيبه بما يقتضيه لفظه، ثم قال له القاضي: كنّا البارحة بحضرة الوزير، أطال الله بقاءه، نسمر، فأنشد صديق للشيخ أرجوزة من أراجيزه استحسنها الوزير أعزّه الله وجميع من حضر، فقلت ما يجب على مثلي من أصدقاء الشيخ وأودّائه من يستتبعها بالوصف لها والطرب عليها، وموفيها الحقّ من استحسانها بذلك المجلس، وحضرت الآن لآخذ هذه

الأرجوزة من فيه، وأضيف إليها من محاسنه ما تقرّ عين مواليه، واسأله إحضار ديوانه لأطالعه وأستزيد منه. فشخص درستويه لا يعلم ما يسمع، ولا يدري بماذا يجيب، وكان له ابنان يزيدان عليه في التخلّف، فاستدعى الأصغر منهما وكان يكنى أبا نصر، وقال له: اسمع قول القاضي وانظر ما حاجته؛ فسأل الصبيّ القاضي عن حاجته، واستشعر السخرية في القصة، وأعاد ذكر الأرجوزة وما جرى، واختصر اللفظ وقلّل العبارة، فلم يعلم الآخر مراده فأحضرا أخاه الأكبر، وقال: القاضي يعيد على أخي ويذكر حاجته؛ فاختصر القاضي اللفظ جميعه، وذكر الأرجوزة، فقطع عليه الكلام وقال: حسبك، قد عرفت ما أراد القاضي، والتفت إلى أبيه فقال له بالفارسية: ولو يكلاه جورد، وتفسيره يطلب خرقة يعملها قلنسوة، فقال الشيخ: وكرامة وعزازة. ثم استدعى خازنه وتقدّم إليه بأن يحمل ما عنده من الخرق إلى بين يدي القاضي ليختار ما يريده. وكان درستويه هذا حسن التجمّل ظاهر المروءة. فحمل الخازن رزمتين كبيرتين فيهما خرق من أصناف الديباج والسقلاطون والحلل. ففتح القاضي واختار منها عشرين خرقة تساوي عشرين دينارا، ووضعها في كمّه وقال: الله يطيل عمر الشيخ، فإنه وولده بقيّة الفضل في بلدنا. ونهض ودرستويه يشكره.

قال أبو إسحاق: وراح القاضي إلى دار المهلبي على رسمه واجتمعنا، فقال: يا عيّار، عملت عليّ مكيدة لم تضرّني، وأعاد الحديث على سرحه، وأخرج الخرق من كمّه. فضحك المهلبي حتى فحص برجليه الأرض وضحك الحاضرون، وردّ الخرق إلى كمّه، وكان القاضي يوما بحضرة عضد الدولة، فسمع استغاثة فقال:

انظروا ما هي! فقالوا: أحد العمال يعرف بابن النّفّاط قد جرت له قصة أو معه.

فعجب الملك من اللقب الذي نسب هذا الرجل إليه، وكيف هو راض بأن يكتب نسبه في رقاعه وحسابه وكتبه. فقال القاضي: أطال الله بقاء مولانا، لقب تعريف. فقال عضد الدولة: يا قاضي، ما معنى لقب تعريف؟ فقال القاضي:

الألقاب، أدام الله نعمة مولانا، ثلاثة: لقب تعريف ولقب تشريف ولقب تسخيف؛ فأما لقب التشريف فعضد الدولة وتاج الملّة ومعزّ الأمّة وما أشبه ذلك، وأما لقب التعريف فابن النفّاط وابن الخياط وابن الخرّاط وما أشبه ذلك.

وأما لقب التسخيف فابن قطقط وابن زرقط وما أشبه ذلك. فضحك عضد الدولة وقال: القاضي مفتنّ في كل باب أدخلناه أحسن الخروج منه.

تم الباب السابع والأربعون

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.