تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

مقدمة المؤلف (٣)

على قدرك الصهباء توليك نشوةً بها سيء أعداء وسر صحاب

ولو أنها تعطيك منها بقدرها لضاقت بك الأكوان وهي رحاب

[ابن شاهين يقترح على المؤلف تأليف كتاب عن لسان الدين]

وكنا في خلال الإقامة بدمشق المحوطة، وأثناء التأمل في محاسن الجامع والمنازل والقصور، كثيراً ما ننظم في سلك المذاكرة درر الأخبار الملقوطة، ونفيأ من ظلال التبيان مع أولئك الأعيان في مجالس مغبوطة، نتجاذب فيها أهداب الآداب، ونشرب من سلسال الاسترسال ونتهادى لباب الألباب، ونمد بساط الانبساط ونسدل أطناب الإطناب، ونقضي أوطار الأقطار، ونستدعي أعلام الأعلام، فينجر بنا الكلام والحديث شجون، وبالتفنن يبلغ المستفيدون ما يرجون، إلى ذكر البلاد الأندلسية، ووصف

رياضها السندسية، التي هي بالحسن منوطة، وقضاياها الموجهة التي لا يستوفيها المنطق مع أنتها ضرورية وممكنة ومشروطة، والفطر السليمة، والأفهام المستقيمة، بتسليم براهينها قاضية لا سيما إن كانت بالإنصاف مربوطة، فصرت أورد من بدائع بلغائها ما يجري على لساني، من الفيض الرحماني، وأسرد من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب السلماني، صب الله عليه شآبيب رحماه وبلغه من رضوانه الأماني، ما تثيره المناسبة وتقتضيه، وتميل إليه الطباع السليمة وترتضيه، من النظم الجزل، في الجد والهزل، والإنشاء، الذي يدهش به ذاكرة الألباب إن شاء، وتصرفه في فنون البلاغة حالي الولاية والعزل، إذ هو - أعني لسان الدين - فارس النظم والنثر في ذلك العصر، والمنفرد بالسبق في تلك الميادين بأداة الحصر، وكيف لا ونظمه لم تستول على مثله أيدي الهصر، ونثره تزري صورته بالخريدة ودمية القصر.

فلما تكرر ذلك غيره مرة على أسماعهم، لهجوا به دون غيره حتى صار كأنه كلمة إجماعهم، وعلق بقلوبهم، وأضحى منتهى مطلوبهم، ومية آمالهم وأطماعهم، وصاروا يقطفون بيد الرغبة فنونه، ويعترفون ببراعته ويستحسنونه، ويستنشقون من أزهاره كل ذاك، فطلب مني المولى أحمد الشاهيني إذ ذاك، وهو الماجد المذكور، ذو السعي المشكور، أن أتصدى للتعريف بلسان الدين في مصنف يعرب عن بعض أحواله وأنبائه، وبدائعه وصنائعه ووقائعه مع ملوك عصره وعلمائه وأدبائه، ومفاخره التي قلد بها جيد الزمان ولبته، ومآثره التي ارج بها مسرى الشمال وهبته، وبعض ما له من النثار والنظام، والمؤلفات الكبار العظام، الرائقة للأبصار، الفائقة على كلام كثير من أهل الأمصار، السائرة مسير القمر والشمس، المعقودة

عليها الخناصر بل الخمس، كيما يكون ذلك لهذه الأغراض مشيعاً ويخلع على مطالعه بهذه البلاد المشرقية من أغراضه البديعة ومنازعه وشيعا.

[اعتذار المؤلف عن تلبيته للمطلب]

فأجبته أسمى الله قدره الكبير، وأدام عرف فضائله المزري بالعنبر والعبير، بأن هذا الغرض غير سهل، ولست علم الله له بأهل، من جهات عديدة، أولها قصوري عن تحمل تلك الأعباء الشديدة، إذ لا يوفي بهذا الغرض إلا الماهر بطرق المعارف السديدة، وثانها عدم تيسر الكتب المستعان بها على هذا المرام لأني خلفتها بالمغرب، وأكثرها في المشرق كعنقاء مغرب، وثالثها شغل الخاطر باشجان الغربة، الجالبة للفكر غالب الكربة، وتقسم البال، بين شغل عائق وبلبال، وأني يطيق، سلوك هذا المضيق، من اكتحلت جفونه بالسهاد، ونبت جنوبه عن المهاد، وسدد نحوه الأسف سهمه، وشغل باله ووهمه، وبث في قلبه تبريحاً، وعناء لم يجد منه إلا أن يلطف الله تسريحاً، فما شام بارقة أمل إلا في النادر، ولا ورود منهل صفاء إلا وكدره مكر غادر، وقد كثر الجفاء، وبرح بلا شك الخفاء، واستوخمت الموارد والمصادر، والقلب مكلوم، واللب غير ملوم، إذا كان على تلفيق ما يليق غير قادر، ولا مؤنس إلا شاكي دهر بلسان صريح، أو باكي قاصمة ظهرٍ بجفنٍ قريح، أو مناضل في معترك العجز طريح، أو فاضل دفن من الخمول في ضريح، إذ رمته سهام الأوهام الصوائب، وعضت منه إبهام

الإبهام بنابها النوى والنوائب، فقلوبه من تقلبات أحواله ذوائب، وكم شابت من أمثاله بصروف الدهر وأهواله ذوائب:

على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب

وأدمع أحجارها، تسلط فجارها، فكم من عدو منهم في ثياب صديق، وحسود لنظره إلى نعم الله على عباده تحديق، لا تخدعه المداراة، ولا تردعه المماراة، يتتبع العثرات، ويقنع بألم البثرات، ويتبسم، وقلبه من الغل يتقسم، ويتودد، ومكايده تتجدد فتتعدد:

لا ترم من مماذق الود خيراً فبعيد من السراب الشراب

رونق كالحباب يعلو على الماء ولكن تحت الحباب الحباب

عظمت في النفاق ألسنة القو م وفي الألسن العذاب العذاب

والصديق الصدوق في هذا الزمن قليل، وقد ألف بعض العلماء " شفاء الغليل، في ذم الصاحب والخليل ". وهو غير محمول على الإطلاق، وإن قال به بعض من رهنه من أبناء عصره ذو إغلاق:

أبناء دهرك فالقهم مثل العدا بسلاحكا

لا تغرر بتبسمٍ فالسيف يقتل ضاحكا

وداء الحسد أعيا الأول والآخر، وقد عظم الأمر في هذا الأوان وكثر المزري والساخر، مع أن أسواق الدفاتر كاسدة، وأمزجة المحابر فاسدة:

والدهر دهر الجاهل؟ ن وأمر أهل العلم فاتر

لا سوق أكسد فيه من سوق المحابر والدفاتر

فالمنسوب للعلم في هذا الزمن زمن، وهو بأن ينشد قول الأول قمن:

لأي وميض بارقةٍ أشيم ومرعى الفضل عندهم هشيم

وليت شعري علام يحسد من أبدل الاغتراب شارته، وأضعف الاضطراب إشارته، وأهل بالدموع أنواءه، وقلل أضواءه، وقلل أضواءه، وكثر علله وادواءه، وغير عند التأمل رواءه، وثنى عن المأمول عنانه، وأرهف بالخمول سنانه، حتى قدح سنانه، حتى قدح الذكر حنانه، وملأ الفكر جأشه وجنانه، فهو في ميدان النزوح مستبق، ومن راحة التعب مصطبح ومغتبق:

له أنه المشتاق في كل ساعةٍ تمر وما للثاكلات من الحزن

ومن مرسلات الدمع واقعة الأسى ومن عاديات البين قارعة السن

تثير الذكرى منه كوامن الشجون، وتدير عليه جام الهيام ولو كان بين الصفا والحجون:

وتحت ضلوع المستهام كآبه يخاف على الأحشاء منها التفطرا

ولو أن أحشاء تبوح بما حوت لتمتئن الأرض كتباً وأسطرا

وشتان ما بين الاقتراب والاغتراب، والسكون في الركون والنبو عنها والاضطراب، فذاك تسهل غالباً فيه الأغراض والمآرب، وهذا تتعفر فيه المقاصد وتتكدر المشارب:

وما أنا عن تحصيل دنيا بعاجز ولكن أرى تحصيلها بالدنية

وإن طاوعتني رقة الحال مرة أبت فعلها أخلاق نفس أبية

وكما قلت، عندما صرت إلى الاغتراب وألت:

تركت رسوم عزي في بلادي وصرت بمصر منسبي الرسوم

ورضت النفس بالتجريد زهداً وقلت لها عن العلياء صومي

مخافة أن أرى بالحرص ممن يكون زمانه أحد الخصوم

وكما قال بعض الأكابر، من أهل الزمان الغابر:

لا عار إن عطلت يداي من الغنى كم سابق في الخيل غير محجل

صان اللثيم، وصنت وجههي، ماله دوني، فلم يبذل ولم أتبذل

أبكي لهم ضافني متأوباً إن الدموع قرى الهموم النزل

لا تنكرو شيباً ألم بمفرقي عجلاً كأن سناه سلة منصل

فلقد دفعت إلى الهموم تنوبني منها ثلاث شدائد جمعن لي

أسف على ماضي الزمان، وحيرة في الحال منه، ووحشة المستقبل

ما إن وصلت إلى زمان آخر إلا بكيت على الزمان الأول

لله عهد بالحمى لم أنسه أيام أعصي في الصبابة عذلي

ويرحم الله ابن الإسكندري، إذ قال في معنى التمني المصدري:

لعل زماني بالعذيب يعود فيقرب قرب أو يصد صدود

وأبصر كثباناً وهز روادفٍ عليهن أغصان وهن قدود

وأقطف ورد الخد وهو مضرج وأجنى أقاح الثغر وهو برود

وأدني ذراعي للعناق ذريعة فتنهى عن الإفراط فيه نهود

ويسري إلي البدر وهو ممنع ويغدو إلي الظبي وهو شرود

ونكرع في شكوى الفراق كأننا فوارط هيم راقهن ورود

واكبر مقدار الهوى عن كبيرةٍ وأحمي عفاني دونه وأذود

وفرق ما بين الجوهر والعرض، والصحة البينة والمرض، والدرر والحصى، والحسام والعصا. والرجوع إلى التفويض للأقدار، في أمور هذه الدار، الكثيرة الأكدار، هو المطلوب، والمرجو من الله سبحانه جبر القلوب:

يا رب نفس همومي واكشف كروبي جميعا

فقد رجوت كريماً وقد جعوت سميعا

[إصرار ابن شاهين على رأيه]

ولم يجعل لي المذكور - حفظه الله - فسحة ولا مندوحة، بعد هذه الأعذار المحمودة في الصدق الممدوحة، ولسان حالي وقالي، يثبتان عجزي عن أداء هذا الحق بشهادة من هو واد وقالي، إذ من كان بصفة، غير متمكنة مما تكون به متصفة، واتسم بنعوت مختلفة، وارتسم في غير ذوي الأحوال المؤتلفة، كيف يحير في التصنيف جواباً، أو يتنحى من التأليف صواباً؟ ومن جفنه هام هامل، وقصوره عام شامل، كيف يقبض بالأنامل، على ماء البحر الوافر الكامل؟ ومن لبس من العي ملاه، لا يعبر عمن طبق مفاصل

الكلام وكلاه، وقصرت ألسن البلغاء عن علاه، وزانت صدور الدواوين حلاه، وجمع خلالاً حسناً، وكان للدين لساناً، وزاحمت مفاخره بالمناكب الكواكب، وازدانت بمرآه النوادي والمواكب، ونفحات الأزهار من آدابه، ونسمات الأسحار عطر أذياله وأهدابه، والسحر من كتابته، والسحر من كنايته، وروح النسيم من تعريضه، والنثرة من نثره، والشعري من شعره وقريضه، وحلل المجد لباسه، وأنواره العلم اقتباسه:

له ذهن يغوص ببحر علم فيأتي منه بالدرر النظيم

معانيه الرياض، لأجل هذا سرت ألفاظه مثل النسيم

ومباهيه النجوم، ومضاهيه الغيث السجوم، إلى آباء يحسدهم البدر والشمس، وإباء لو كان للمشرفي لما تحيفه لمس، وشرف لا مدعي ولا منتحل، وهمة لو نالها البدر لا ستخذى له زحل، وبراعة أرهفت سنان قلمه، ويراعه سارت أمراؤها تحت علمه، فكم فتح بفكره أقفالها، ووسم بذهنه الثاقب أغفالها، وسبك معانيها في قالب قلبه إبريزاً، ورقم بيان لسانه برود إحسانه بلفظه البديع تطريزاً، فرفع في ميدان الإجادة لواؤه، وأتيح من أنهار البراعة العذبة إرواؤه، ونال سبقاً وتبريزاً:

وما زمن الشباب وأنت تجري مع الأحباب في لهو وطيب

ووصل من حبيب بعد هجرٍ بأحلى من كلام ابن الخطيب

فقصائده أرخصت جواهر البحور، المنظومة قلائد للبات والنحور، من حسان العقائل الحور:

معان وألفاظ تنظم منهما عقود لآل في نحور الشمائل

وزهر كلامٍ كالحدائق نسجه غنينا به عن حسن زهر الخمائل

وكلماته غدت للإبداع إقليداً، وجمعت طريفاً من البلاغة وتليداً:

كسون عبيداً ثياب العبيد وأضحى لبيد لديها بليداً

ومقطعاته ألذ في الأسماع، من مطرب السماع، وأبهى في الأحداق والنواظر، من الحدائق ذوات الأغصان الملد النواضر، يعترف بفضلها من انتحل الإنصاف ديناً، وانتحل الأوصاف فاختار العدل منها خديناً:

رقيقات المقاطع محكمات لو آن الشعر يلبس لارتدينا

ورسائله كنقط العروس اللائحة في البياض، أو كوشي الربيع أو قطع الرياض، برزت أغصانها الحالية وتبرجت، وتضوعت أفنانها العالية وتأرجت، وقد ألبسها القطر زهراً، وفجر خلالها نهراً، فأخذت زخرفها وازينت، ولاحت محاسنها غير محتجبة وتبينت، فبهرت من لها قابل، أستغفر الله لا بل:

هي الحديقة إلا أن صيبها صوب النهى وجناها زهرة الكلم

وقوافيه، ريشت بها قوادم الإتقان وخوافيه، نبال مجاريها تستدثر الحصر، وباع مباريها يستشعر القصر:

خطها روضة، وألفاظها الأز هار يضحكن، والمعاني ثمار

تبدي لمبصرها وتري، ما قال أبو عبادة البحتري:

وكلام كأنه الزهر النا ضر في رونق الربيع الجديد

مشرق في جوانب السمع ما يخ؟ لقه عوده على المستعيد

ومعان لو فصلتها القوافي هجنت ما لجرول من نشيد

حزن مستعمل الكلام اختياراً وتجنبن ظلمة التعقيد

بل هي أجل مما وصف عند التحقيق، وإمعان النظر الصحيح والتدقيق:

أين زهر الرياض وهو إذا ما طال عهداً بالغيث عاد هشيمها

من قواف كأنها الأنجم الزه؟ ر سناها زان الظلام البهيما

وناهيك بمن أطلعته العلوم على جلائلها ودقائقها، وارته الفنون ما شاء من يانعات حدائقها، وحيته الحكم الرياضية بأزاهرها وشقائقها، وأرضعته الوزارة من ثديها، وحلت به الإمارة صدر نديها، وجعلته المرجوع إليه في تمييز جيد الأمور ورديها، فغرس في أرض الرياسة من نخل السياسة ووديها، وأعلى علم العدل وأغمد سيف الانتقام، ودفع تنين الفتنة الذي فغر فاه للالتقام، إذ ذاك قريب، في وطن الأندلس الغريب، باختلال الحال، وتوالي الإمحال، والتجري على قتل الملوك، والتحري لقطع الطرق ومنع السلوك، حيث أهواءئ المارقين ذات افتراق، وضلوع الصادقين في قلق واحتراق، وأيدي الإحن باطشة، وسيوف المحن إلى الدماء عاطشة، وعرش الحماية مثلول، وصارم الكفاية مفلول، ونطاق الرعاية محلول، ودم الوقاية مطلول، وجيب النصيحة مملول، والتنور السلطاني بنار اختلاف الكلمة ملتهب، والعدو ينتهز الفرصة ويسلب الأنفس والأموال وينتهب

وليس له في غير قطع شأفه المسلمين ابتغاء، وإن عقد المهادنة في بعض الأحيان فهو يسر حسوا في ارتغاء، وكلاب الباطل في دماء أهل الحق والغة، ولله سبحانهع وتعالى في خلقه إرادة نافذة وحكمة بالغة، فرقع لسان الدين ثوب الأندلس ورفاه، وأرغم ﵀ الكفر الذي فغر فاه، وشمر عن ساعد اجتهاده، وحض باللسان وباليد على دفاعه وجهاده، حتى لاحت للنصر بوارق، وأمنت بالحزم الطوارئ والطوارق، ثم ضرب الدهر ضربانه، وأحرق الحاصد بنار أحقاده أنظر بان، وأظهر ما في قلبه على لسان الدين وأبان، وتقرب الوشاة، وهم ممن كانوا يخدمه ويغشاه، إلى سلطانه الذي كان عزة أوطانه الذي كان يأمنه ولا يخشاه، حتى فسد عليه ضميره، وتكدر - ومن يسمع يخل - نميره، فأحس بظاهر التغير، وصار في الباطن من أهل التحير، وأجال قداح آرائه، وألتفت إلى جهة العدو من ورائه، ففر مشمراً عن ذيله، في لمة من خيله، إلى أسد العريم، سلطان بن مرين وكان إذ ذاك بتلمسان، وهو من أهل العلم والعدل والإحسان، فاهتز لمقدمه، ولقيه بخاصته وخدمه، وأكرم مثواه، وجعله صاحب نجواه، ثم أدرك السلطان الحمام، وكسف بدره وقت التمام، فرجع لسان الدين إلى فاس، واستنشق بها أطيب الأنفاس، وكثر بعد ذلك الأهوال، وتغيرت بسببه بين رؤساء العدوة والأندلس الأحوال، فما نجى من مكر العدا ولا سلم، وآل أمره من الأختيال وما نفع الاحتيال إلى ما علم، على يد بعض أعداءه، الذين كانوا يتربصون الدوائر لإرداءه، فأصبح كأمس الذاهب، وصارت أمواله وضياعه عرضةً للناهب، وغص بذلك من كان من أودائه، وأخذ الله ثاره، من بعض من حبك عليه المكر وأثاره، وتسبب بهلاكه، حتى انتثر الجواهر أسلاكه، ومات بدائه. فالعيون إلى هذا الوقت على لسان الدين باكية، ونفوس

الأكابر وغيرهم مما فعل به شاكية والألسنة والأقلام بمقاماته بالإسلام حاكية.

فمن كان بهذه السمات وأكثر منها موصوفاً، لا يقدر مثلي على تحبير التعبير عنه ويخشى أن تكون فكرته كخرقاء نقظة قطناً أو صوفاً.

[أعتزام المقري إجابة ابن شاهين إلى مطلبه]

ثم أني لما تكرر علي في هذا الغرض الإلحاح، ولم تقبل أعذاري التي زندها شحاح، عزمت على الإجابة لما للمذكور علي من الحقوق، وكيف أقابل بره حفظه الله بالعقوق، وهو الذي يروي من أحاديث الفضل الحسان والصحاح، فوعدته بالشروع في المطلب عند الوصول إلى القاهرة المعزية، وأزمعت السير عن دمشق المعروفة المزية، وألبسني السفر منها من الخلع زيه، ورحلنا عن تلك الأرجاء المتألفة، والقلوب بها وبمن فيها متعلقة:

حللنا دياراً للغرام سرت بها إلينا صبا نجدٍ بطيب نسيم

وبان ردي الأشجار لما تجاذبت أكف المنى فيها رداء نعيم

فما أنشبتنا العيسش أن قذفت بنا إلى فرقة والعهد غير قديم

فإن نك ودعنا الديار وأهلها فما عهد نجدٍ عندنا بذميم

[وداع الشام]

فخرج معنا - أسماه الله - مع جملة من الأعيان إلى داريا، المضاهية لدارين في رياها وحبذا ريا، فألفيناها:

ريا من الأنداء طي؟ بة لها القدر الجليل

تهدي لنا أرجاؤها أرجاً من الزهر البليل

وبها الغصون تمايلت ميل الخليل على الخليل

ووصلنا عند الظهيرة، وسرحنا العيون في بدائعها الشهيرة:

منزل كالربيع حلت عليه حاليات السحاب عقد النطاق

يمتع العين من طرائق حسنٍ تتجافى بها عن الإطراق

وقلنا بها، لما نزلنا بجنابها:

وبتنا والسرور لنا نديم وماء عيونه الصافي مدام

يسايره النسيم إذا تغنت حمائمه ويسيقه الغمام

فيا لك من ليلة أربت في طيب النفح، على ليلة الشريف الرضي بالسفح:

ونحن في روضة مفوفة قد وشيت بالغمائم الوكف

نغفي على زهرها فيوقظنا وهناً هدير الحمائم الهتف

ودوحها من نداه في وشحٍ ومن لآلي الأزهار في شنف

والغصن من فوقه حمامته كأنها همزة على ألف

وما أقرب قول الوزير ابن عمار، من وصف ذلك المضمار، الجامع للأقمار:

يا ليلة بتنا بها في ظل أكناف النعيم

من فوق أكمام الريا ض وتحت أذيال النسيم

وناهيك بمحل قرب من دمشق الغراء، فخلعت عليه حلل الحبور والسراء، وأمدته بضيائها، وأودعته برق حياها وماء حيائها، فصار ناضر الدوحات، عاطر الغدوات والورحات، مونق الأنفاس والنفحات، مشرق السرة والصفحات، هذا والقلوب من الفراق في فلق، ولسان الحال ينشد:

وبي علاقة وجد ليس يعلمها إلا الذي خلق الإنسان من علق

ويحث على انتهاز فرصة اللقاء إذ هي غنيمة، ويذكر بقول من قال وأكف الدهر موقظة ومنيمة:

تمتع بالرقاد على شمال فسوف يطول نومك باليمين

ومتع من يحبك باجتماع فأنت من الفراق على يقين

ثم حضر بعد تلك الليلة موقف الوداع، والكل ما بين واجم وباك وداع، فتمثلت بقول من قلبه لفراق الأحباب في انصداع:

ودعتهم ودموعي على الخدود غزار

فاستكثروا دمع عيني لما استقلوا وساروا

وقول آخر:

يا وحشة من جيرة مذ نأوا علو قدري في الهوى انحطا

حكت دموعي البحر من بعدهم لما رأت منزلهم شطا

وحق لي أن أتمثل في ذلك بقول العزيزي:

لا تسلني عما جناه الفراق حملتني يداه ما لا يطاق

أين صبري أم كيف أملك دمعي والمطايا بالظاعنين تساق

قف معي نندب الطلول فهذي سنة قبل سنها العشاق

وأعد لي ذكر الغوير فكم ما ل بعطفي نسيمه الخفاق

في سبيل الغرام ما فعلت بال؟ عاشقين القدود والأحداق

يوم ولت طلائع الصبر منا ثم شنت غاراتها الأشواق

وبقول غيره:

كنا جميعاً والدار تجمعنا مثل حروف الجميع ملتصقه

واليوم صار الوداع يجعلنا مثل حروف الوداع مفترقه

وقول آخر:

حين هم الحبيب بالتوديع عيروني أني سفحت دموعي

لم يذوقوا طعن الفراق ولا ما أحرقت لوعة الأسى من ضلوعي

كيف لا أسفح الدموع على رب؟ ع حوى خير ساكن وجموع

هبك أني كتمت حالي أتخفى زفرات المتيم المصدوع

إنما يعرف الغرام بمن لا ح عليه الغرام بين الربوع

وقول من قال:

أقول له عند توديعه وكل بعبرته مبلس

لئن قعدت عنك أجسادنا لقد سافرت معك الأنفس

وقول الصابي:

ولما حضرت لتوديعه وطرف النوى نحونا أشوس

عكست له بيت شعر مضى يليق به الحال إذ يعكس

لئن سافرت عنك أجسادنا لقد قعدت معك الأنفس

وقول المهذب بن أسعد الموصلي:

دعني وما شاء التفرق والأسى واقصد بلومك من يطيعك أو يعي

لا قلب لي فأعي الملام فإنني أودعته بالأمس عند مودعي

هل يعلم المتحملون لنجعة أن المنازل أخصبت من أدمعي

كم غادروا حرضاً وكم لوداعهم بين الجوانح من غرام مودعِ

والسقم آية ما أجن من الجوى والدمع بينة على ما أدعي

وقول الكمال التنوخي:

كم ليلة قد بتها أرعى السها جزعاً لفرقتهم بمقلة أرمد

قضيتها ما بين نوم نافر وزفير مهجور وقلب مكمد

لم أنس أيام السرور وطيبها بين السدير وبين برقة ثهمد

والروض قد أبدى بدائع نوره من أزرق ومفضض ومورد

والماء يبدو كالصوارم ساريا فيعيده مر الصبا كالمبرد

والطير بين مسجع ومرجع ومغرد ومعدد ومردد

وقول القاضي بهاء الدين السنجاري:

أحبابنا ما لي على بعد المدى جلد ومن بعد النوى يتجلد

لله أوقات الوصال ومنظر نضر وغصن الوصل غض أملد

أني يطيق أخو الهدى كتمانه والخد بالدمع المصون مخدد

ما بعد مفترق الركاب تصبر عمن أحب فهل خليل يسعد؟

يا سعد ساعد بالبكاء أخا هوى يوم الوداع بكى عليه الحسد

وقول ابن الأثير:

لم أنس ليلة ودعوا صباً وساروا بالحمول

والدمع من فرط الأسى يجري فيعثر بالذيول

وقول الأرجاني:

ولما وقفنا للوداع عشيةً وطرفي وقلبي هامع وخفوق

بكيت فأضحكت الوشاة شماته كأني سحاب والوشاة بروق

وقول ابن نباتة السعدي:

ولما وقفنا للوداع عشية ولم يبق إلا شامت وغيور

وقفنا فمن باك يكفكف دمعه وملتزم قلباً يكاد يطير

وقول بعضهم:

لما حدا الحادي بترحالهم هيج اشواقي واشجاني

وراح يثني القلب عن غيرهم فهو لهم حاد ولي ثاني

وقول الصفدي:

لما اعتنقنا لوداع النوى وكدت من حر الجوى أحرق

رأيت قلبي سار قدامهم وأدمعي تجري ولا تلحق

وقوله أيضاً:

تذكرت عيشاً مر حلواً بكم فهل لأيامنا تلك الذواهب واهب؟

وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ولا أنا عن هذي الرغائب غائب

سأصبر كرهاً في الهوى غير طائع لعل زماني بالحبايب آيب

وقول ابن نباتة المصري:

في كنف الله وفي حفظه مسراك والعود بعزم صريح

لو جاز أن تسلك أجفاننا كنا فرشنا كل جفن قريح

لكنها بالعبد معتلة وأنت لا تسلك إلا الصحيح

وقول الحافظ أبي الحسن علي بن الفضل:

عجبت لنفسي بعدهم ما بقاؤها ولم أحظ من لقياهم بمرادي

لعمرك ما فارقتهم منذ ودعوا ولكنما فارقت طيب رقادي

وقد منعوا مني زيارة طيفهم وكيف يزور الطيف حلف سهاد؟

وأعجب ما في الأمر شوقي إليهم وهم في سوادي ناظري وفؤادي

وقوله رحمه الله تعالى:

رعى الله أيام المقام بروضة تروح علينا بالسرور وتغتدي

كأن السقيق الغض بين بطاحها نجوم عقيق في سماء زبرجد

وقول القاضي الرشيد الأسواني:

رحلوا فلا خلت المنازل منهم ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم

وسروا وقد كتموا الغداة مسيرهم وضياء نور الشمس ما لا يكتم

وتبدلوا أرض العقيق عن الحمى رحلوا وفي قلب المتيم خيموا

نزلوا العذيب وإنما هو مهجتي رحلوا وفي قلب المتيم خيموا

ما ضرهم لو ودعوا من أودعوا نار الغرام وسلموا من أسلموا

هم في الحشا إن أعرقوا أو أينموا أو اشأموا أو أنجدوا أو أتهموا

وقول الشاعر أبي طاهر الأصفهاني، المعروف بالوثابي:

أشاعوا فقالوا وقفة ووداع وزمت مطايا للرحيل سراع

فقلت وداع لا أطيق عيانه كفاني من البين المشت سماع

ولم يملك الكتمان قلب ملكته وعند النوى سر الكتوم مذاع

وقول أبي المجد قاضي ماردين:

رعى الله ربعاً أنتم فيه أهله وجاد عليه هاطل وهتون

ولا زال مخضر الجوانب مترع ال؟ حياض وفيه للنعيم فنون

لئن الله اللقاء وأينعت غصون التداني فالبعاد يهون

وإن حكمت أيدي الزمان بعسرة فكم قضيت للمعسرين ديون

وقول آخر:

غبتم فما لي في التبصر مطمع عظم الجوى واشتدت الأشواق

لا الدار بعدكم كما كانت ولا ذاك البهاء ولا الإشراق

أشتاقكم، وكذا المحب إذا نأى عنه أحبة قلبه يشتاق

وقول أبي الحسن الهمداني:

ويوم تولت الأظعان عنا وقوض حاضر وأرن بادي

مددت إلى الوداع وأخرى حبست بها الحياة على فؤادي

وقول ابن الضائغ:

قد أودعوا القلب لما ودعوا حرقاً فظل في الليل مثل النجم حيرانا

راودته يستعير الصبر بعدهم فقال: إني استعرت اليوم نيرانا

وقول الصدر بن الأدمي مكتفيا:

يوم توديعي لأحبابي غدا ذكر مي شاغلي عن كل شيء

فرنت نحوي وقالت: يا ترى أنت حي في هوانا؟ قلت: مي

وقول غيره:

ولي فؤاد مذ نأى شخصهم ظل كئيبا مدنفا موجعا

ومقلة مهما تذكرتهم تذرف دمعا أربعاً أربعا

وليس لي من حيلة كلما لجت بي الأشواق إلا الدعا

أسأل من ألف ما بيننا وقدر الفرقة أن يجمعا

وقول الرعيني الغرناطي:

محاسن ربع قد محاهن ما جرى من الدمع لما قيل قد رحل الركب

تناقض حالي مذ شجاني فراقهم فمن أضلعي نار ومن أدمعي سكب

وفي معناه قوله أيضا:

وقائلة: ما هذه الدرر التي تساقطها عيناك سمطين سمطين

فقلت لها: هذا الذي قد حشا به أبو مضر أذني تساقط من عيني

وقول الزمخشري:

لم يبكني إلا حديث فراقهم لما أسر به إلى مودعي

هو ذلك الدر الذي أودعتهم في مسمعي أجريته من مدمعي

وقول الزغاري:

قد بعتهم قلبي يوم بينهم بنظرة التوديع وهو يحترق

ولم أجد من بعدها لرده وجها وكان الرد لو لم نفترق

وقول بعض الأندلسيين:

ساروا فودعهم طرفي وأودعهم قلبي فما بعدوا عني ولا قربوا

هم الشموس ففي عيني إذا طلعوا في القادمين وفي قلبي إذا غربوا

وقلت أنا مضمنا بديهة:

لا كان يوم فراق ساق الشجون إلينا

فكم أذل نفوسا يا من يعز علينا

وقلت أيضا مضمنا:

سلا أحبته من لم يذب كمدا يوم الوداع وإن أجرى الدموع دما

يا من يعز علينا أن نفارقهم من بعدكم هدركن الصبر وانهدما

وإن نأى الجسم كرها عن منازلكم فالقلب ثاوبها لم يصحب القدما

وما نسينا عهودا للهوى كرمت نعم قرعنا عليها سننا ندما

وأظلمت بالنوى أرجاء مقصدنا وصار وجدان إلف غيركم عدما

وقلت أيضا مضمنا:

لم أنس بالشام أنسا شمت بارقه جادت معاهده أنواء نيسان

لهفي لعيش قضينا في مشاهدها ما بين حسن من الدنيا وإحسان

وقلت كذلك:

يا جبرة بانوا وأبقوا حسرة تجري دموعي بعدهم وفق القضا

كم قلت إذ ودعتهم والأنس لا ينسى وعهد ودادهم لن يرفضا

يا موقف التوديع إن مدامعي فضت وفاضت في ثرى ذاك الفضا

وكم تفاءلت بقول الأول، مع علمي بأن على الله المعول:

إذا رأيت الوداع فاصبر ولا يهمنك البعاد

وانتظر العود عن قريب فإن قلب الوداع عادوا

وضاقت بي الرحاب، حين مفارقة أعيان الصحاب، وكاثرت دموعي من بينهم السحاب، وزند التذكر يقدح الأسف فيهيج الانتحاب، وقد تمثلنا إذ ذاك والجوانح في التهاب، وذخائر الصبر ذات انتهاب، بقول بعض من مزق البعد منه الإهاب:

ولما نزلنا منزلاً طله الندى أنيقاً وبستاناً من النور حاليا

أجد لنا طيب المكان وحسنه منى فتمنينا فكانوا الأمانينا

وقد طفت في شرق البلاد وغربها وسيرت خيلي بينها وركابيا

فلم أر منها مثل بغداد منزلا ولم أر فيها مثل دجلة واديا

ولا مثل أهليهال أرق شمائلا وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا

وبقول من تأسف على مغاني التداني، وهو أبو الحجاج الأندلسي الداني:

أبى الله إلا أن أفارق منزلا يطالعني وجه المنى فيه سافرا

كأن على الأيام حين غشيته يميناً فلم أحلله إلا مسافرا

وتخيلنا أن إقامتنا بدمشق وقاها الله كل صرف، ما كانت إلا خطرة طيف ملم أو لمحة طرف:

وقفنا ساعة ثم ارتحلنا وما يغني المشوق وقوف ساعة؟

كأن الشمل لم يك في اجتماع إذا ما شتت البين اجتماعه

وطالما عللت النفس بالعود إليها ثم إلى بقاعي، منشداً قول الأديب الشهير بابن الفقاعي:

متى عاينت عيناي أعلام حاجر جعلت مواطي العيس فوق محاجري

وإن لاح من أرض العواصم بارق رجعت بأحشاء صواد صوادر

سقى الله هاتيك المواطن والربى مواطر أجفان هوام هوامر

وحيا الحيا من ساكني الحي أوجهاً سفرن بأنوار زواه زواهر

بحيث زمان الوصل غصن وروضه أريض بأزهار بواه بواهر

وحيث جفون الحاسدين غضيضة رمقن بآماق سواه سواهر

ثم حاولت خاطري الكليل، فيما يشفي بعض الغليل، فقال على طريق التضمين، وقد غلب عليه الشوق والتخمين:

بأبي من أودعوا مذ ودعوا قلبي الشوق وللعيس ذميل

جيرة غر كرام خيرة كل شيء منهم يبدو جميل

وعلى الجملة ما لي غيرهم لو أرادوا أن يملوا أو يميلوا

ثم قلت وقد سدد التنائي إلي نبله، موطئاً للبيت الثالث كما في الأبيات قبله:

يا دمشقا حياك غيث غزير ووقاك الإله مما يضير

حسنك الفرد والبدائع جمع متناه فيه فعز النظير

أين أيامنا بظلك والشم؟ ل جميع، والعيش غض نضير

ثم أكثرت الالتفات عن اليمين وعن الشمال، وقد شبهت البيداء والشوق ببدل الكل والاشتمال، وتنسمت من نواحي تلك الأرجاء أريج الشمال، وضمنت في المعنى قول بعض من ثنى الحب عطفه وأمال:

تنسمت أرواحاً سرت من ديار من بهم كان جمع الشمل لمحة حالم

وجاوبت من يلحى على ذاك جاهلاً بقول لبيب بالعواقب عالم

وما أنشق الأرواح إلا لأنها تمر على تلك الربى والمعالم

وما أحسن قول الآخر:

سرت من نواحي الشام لي نسمة الصبا وقد أصبحت حسري من السير ظالعه

ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ومن تعب أنفاسها متتابعه

وقلت أنا:

حمدت وحق الله للشام رحلة أتاحت لعيني اجتلاء محياه

وبعد التنائي صرت أرتاح للصبا لأن الصبا تسري بعاطر رياه

فلله عهد قد أتاح بجلق سروراً فحياها الإله وحياه

واستحضرت عند جد السير، قول صفوان بن إدريس المرسي ذكره الله تعالى بالخير:

أين أيامنا اللواتي تقضت إذا زجرنا للوصل أيمن طير

ثم قول غيره ممن حن وأن، وقلق قلبه وما اطمأن:

أحن إلى مشاهد أنس إلفي وعهدي من زيارته قريب

وكنت أظن قرب العهد يطفي لهيب الشوق فازداد اللهيب

وربما تجلدت مغالطاً، متعللاً بقول من كان لإلفه مخالطاً:

حضرت فكنت في بصري مقيماً وغبت فكنت في وسط الفؤاد

وما شطت بنا دار ولكن نقلت من السواد إلى السواد

وقول غيره:

وكن كمن شئت من قرب ومن بعد فالقلب يرعاك إن لم يرعك البصر

وبقول الوداعي:

يا عاذلي في وحدتي بعدهم وأن ربعي ما به من جليس

وكيف يشكو وحدة من له دمع حميم وأنين أنيس

ثم رددت هذه الطريقة، بقول بعض من لم يبلعه السلو ريقه:

لا رعى الله عزمة ضمنت لي سلوة القلب والتصبر عنهم

ما وفت غير ساعةً ثم عادت مثل قلبي تقول لا بد منهم

وبقول ابن آجروم، في مثل هذا الغرض المروم:

يا غائباً كان أنسي رهن طلعته كيف اصطباري وقد كابدت بينهما

دعواي أنك في قلبي يعارضها شوقي إليك، فكيف الجمع بينهما

ثم جد بي السير إلى مصر واستمر، فتذكرت قول الصفدي وقد اشتد بالرمل الحر:

أقول وحر الرمل قد زاد وقده وما لي إلى شم النسيم سبيل

أظن نسيم الجو قد مات وانقضى فعهدي به في الشام وهو عليل

وقول ابن الخياط:

قصدت مصرا من ربى جلق بهمة تجري بتجريبي

فلم أر الطرة حتى جرت دموع عيني بالمريزيب

وحين وصلت مصر لم أنس عهد الشام المرعي، وأنشدت قول الشهاب الحنبلي الزرعي:

أحبتنا والله مذ غبت عنكم سهادي سميري والمدامع مدرار

ووالله ما اخترت الفراق، وإنه برغمي، ولي في ذلك الأمر أعذار

إذا شام برق الشام طرفي تتابعت سحائب جفني والفؤاد به نار

ألا ليت شعري هل يعودن شملنا جميعا وتحوينا ربوع وأقطار؟

وقول ابن عنين:

دمشق بنا شوق إليك مبرح وإن لج واش أو ألح عذول

بلاد بها الحصباء درر، وتربها عبير، وأنفاس الرياح شمول

تسلسل منها ماؤها وهو مطلق وصح نسيم الروض وهو عليل

وقول آخر:

نفسي الفداء لأنس كنت أعهده وطيب عيش تقضي كله كرم

وجيرة كان لي إلف بوصلهم والأنس أفضل ما بالوصل يغتنم

بالشام خلفتهم ثم انصرفت إلى سواهم فاعتراني بعدهم ألم

كانوا نعيم فؤادي والحياة له والآن كل وجود بعدهم

فإن أنشد لسان الحال، فيما اقتضاه معنى البعد عنها والارتحال:

يا غائبا قد كنت أحسب قلبه بسوى دمشق وأهلها لا يعلق

إن كان صدك نيل مصر عنهم لا غرو فهو لنا العدو الأزرق

أتيت في جوابه، بقول بعض من برح الجوى به:

لله دهر جمعنا شمل لذته بالشام أعذب من أمن على فرق

مرت لياليه والأيام في خلس كأنما سلبته كف مسترق

ما كان أحسنها لولا تنقلها من النعيم إلى ذاك من الحرق

رق العذول لحالي بعدها ورثى لي في الجوى والنوى والشجو والأرق

وبالجملة فتلك الأيام من مواسم العمر محسوبة، والسعود إلى طوالعها منسوبة:

وكانت في دمشق لنا ليالٍ سرقناهن من ريب الزمان

جعلناهن تاريخ الليالي وعنوان المسرة والأماني

وهي مغاني التهاني التي ما نسيناها، وأماني زماني التي نعمت بطور سيناها عليها وعلى وطني مقصورة، والقلب في المعنى مقيم بهما وإن كان في غيرهما بالصورة، والأشواق إليهما قضاياها موجهة وإن كانت غير محصورة:

ولله عهد قد تقضي فإن يعد فإني عن الأيام أعفو واصفح

بقلبي من ذكراه ما ليس ينقضي ومن برحاء الشوق ما ليس يبرح

إذا مسحت كفي الدموع تستراً بدت زفرة بين الجوانح تقدح

على أنها الأيام جد مزاجها ورب مجدٍ في الأذى وهو يمزح

وكثيراً ما يلهج اللسان بقول من قال:

وما تفضل الأوقات أخرى لذاتها ولكن أوقات الحسان حسان

ويردد قول من شوقه متجدد:

سقى معهد الأحباب ناقع صيب من المزن عن مغناه ليس يريم

وإن لم أكن من ساكنيه فإنه يحل به خل علي كريم

وينشد من يلوم، قول في حشاه وله وفي قلبه كلوم:

ثد أصبح آخر الهوى أوله فالعاذل في هواك ما لي وله

بالله عليك خل ما أوله وارحم دنفاً لدى حشاه وله

[شروعه في التصنيف بمصر]

وقد امتد بنا الكلام، وربما يجعله اللاحي ذريعة لزيادة الملام، فلنرجع إلى ما كان بصدده، من إجابة المولى الشاهيني، أمده الله سبحانه بمدده، فأقول، مستمداً من واهب العقول:

إني شرعت بعد الاستقرار بمصر في المطلوب، وكتبت منه نبذة تستحسنها من المحبين الأسماع والقلوب، وسلكت في ترتيبه أحسن أسلوب، وعرضت في سوقه كل نفيس غريب من الغرب إلى الشرق مجلوب، تستحسن الأبصار ما عليه احتوى، وتعرف الأفكار أنه غير مجتوى، ثم وقف بي مركب العزم عن التمام واستوى، فأخرته تأخير الغريم، لدين الكريم، وصدتني أعراض، عن تكميل ما يشتمل عليه من أغراض، واضربت برهة عما له من منحى، لاختلاف أحوال الدهر نفعاً ودفعاً ومنعاً ومنحاً، ومرقت عن هدف الإصابة نبال، وطرقت في سدف لبالي الكتابة أمور لم تكن ببال.

[رسالة من ابن شاهين تحثه على المضي في التأليف]

فجاءتني من المولى المذكور آنفاً، رسالة دلت على أنه لم يكن عن انتجاز الوعد متجانفاً، فعدت لقضاء الوطر مستقبلاً وللجملة مستأنفاً، وحداني خطابه الجسيم للإتمام وساقني، وراقني كتابه الكريم لهاتيك الأيام وشاقني، وذكرني تلك الليالي التي لم أنسها، وحركني لهاتيك المعاهد التي لم أزل أذكر أنسها:

الإلف لا يصبر عن إلفه إلا كما يطرف بالعين

وقد صبرنا عنهم مدة ما هكذا شأن المحبين

فيا له من كتاب أعرب عن ود صميم، وذكر بعهد غير ذميم، وود طيب العرف والشميم، يخجل ابن المعتز لبلاغه وابن المعز تميم:

ولم تر عيناي من قبله كتاباً حوى بعض ما قد حوى

كأن المباسم ميماته ولاماته الصدغ لما التوى

وأعينه بعيون الحسان تغازلنا عند ذكر الهوى

كتاب ذكرنا بألفاظه عهوداً زكت بالحمى واللوى

فكأنه الروض المطرد الأنهار، والدوح المدبج الأزهار:

رأينا به روضاً تدبج وشيه إذا جاد من تلك الأيادي غمائم

به ألفات كالغصون وقد علا عليها من الهمز المطل حمائم

وقد سقيت بأنهار البراعة السلسالة، حدائق حلت بها غانية تلك الرسالة، لتشفي صبها بالزيارة، وتشرف بدونها دياره:

زارت الصب في ليال من البع؟ د فلما دنت رأى الصبح يلمح

قلدت بالعقيان جيد بيان ليس فيه للفتح من بعد مطمح

فشفت النفس من آلامها، وأحيت ميت الهوى مذحيت بعذب كلامها:

كلام كالجواهر حين يبدو وكالند المعنبر إذ يفوح

له في ظاهر الألفاظ جسم ولكن المعاني فيه روح

فصيرت لي ذلك الكتاب سميراً، ووردت من السرور مشرعاً نميراً، وتمثلت بقول بعض من أخلص في الود ضميراً:

يا مفرداً أهدى إلي كتابه جملاً يحار الذهن في أثنائها

كالدر أشرق في سموط عقوده والزهر والأنواء غب سمائها

فأفادني جذلاً وبالي كاسد وأجار نفسي من جوى برحائها

وحسبت أيام الشباب رجعن لي فلبست حلي جمالها وبهائها

لا يعدم الإخوان منك محاسنا كل المفاخر قطرة من مائها

فأكرم به من كتاب جاء من السري العلي، والماجد الأخ الولي:

فضضت ختامه فتبينت لي معانيه عن الخبر الجلي

وكان ألذ في عيني وأندى على كبدي من الزهر الجني

وضمن صدره ما لم تضمن صدور الغانيات من الحلي

وأعرب عن اعتماد متماد، ووداد مزدد، وأطاب حين أطال، وأدى دين الفصاحة دون مطال، واشتمل من فصول العبارة على أحسن من الحدق المراض، وأتى من اصول البراعة ببراهين ابن شاهين التي لا خلف فيها ولا افتراض، وروينا من غيث أنامله الهتون، وروينا عنه مسند أحمد حسن الأسانيد والمتون، وحثنا على العود والرجوع، وكان أجدى من الماء الزلال لذي ظمإ والمشتهى من الطعام لذي سغب وجوع:

وأشهى في القلوب من الأماني، وأحلى في العيون من الهجوع

وجلا بنوره ظلام استيحاشي، وحشر إلي أشتات المسرات دون أن يحاشي، ووجدني في مكابدة شغوب، وأشغال أشربت القلب الكسل واللغوب، وحيرت الخواطر، وصيرت سحب الأقلام غير مواطر، فزحزح عني الغموم وسلاني، وأولاني - شكر الله صنيعه - من المسرات ما أولاني:

حديثه أو حديث عنه يطربني هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا

كلاهما حسن عندي أسر به لكن أحلاهما ما وافق النظرا

وقال آخر:

لست مستأنساً بشيء إذا غب؟ ت سوى ذكرك الذي لا يغيب

أنت دون الجلاس عندي وإن كن؟ ت بعيداً فالأنس منك قريب

وضمنت فيه لما ورد مع جملة كتب من تلك الناحية، وأنوار أهلها ذوي الفضائل الشهيرة أظهر من شمس الظهيرة في السماء الصالحية:

قلت لما أتت من الشام كتب من أجلاء نورهم يتألق

مرحباً مرحباً وأهلا وسهلاً بعيون رأت محاسن جلق

وقلت أيضاً:

قلت لما وافت من الشام كتب والليالي تتيح قرباً وبعدا

مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً بعيون رأت محاسن سعدى

[مقتطفات من رسالة ابن شاهين]

وكان من فصول الكتاب الوارد، من المولى الشاهيني الذي اقتنص بفضله كل رشاد، ما نصه: ((ومما استخلص قلبي من يدي ترحي، وجدد سروري ونبه فرحي، حديث الكتاب وما حديث الكتاب، حديث نسخ بحلاوته مرارة العتاب، وأنساني حرارة المصاب، في الأنسال والأعقاب، وقضى به من حق لسان الدين، دينه الذي تبرع به غريم مليء من البلاغة وهو غير مدين، حتى كأني يا سيدي بهذه البشرى، أحرزت سواري كسرى، وكان في مسمعي كل حرف إليها منسوب، قميص يوسف في أجفان يعقوب، وحتى كدت أهجر أهلي وبيتي، واسرج لا ستقبال هذه البشرى أشهى وكميتي، وحتى إنني حاربت نومي وقومي، وعزمت على أن أرحل ناقتي في وقتي ويومي، وإن ذلك التغليس والتهجير، في جنب ما بثرت به لحقير، وإن موقعها لدى هذا العبد الحقير لخطير. وقد كنت سألت شيخي حين ورد دمشق الشام، واشتم منها العرار والبشام، وشرفني فعرفني، وشاهدني فعاهدني، على أن يجري ما دار بيننا لدى المجاورة، من المسامرة والمحاورة، في ديباجة ذلك الكتاب، الذي فتن العقول خبره وسحر الألباب، وما قصدت إلا أن يجري أسمى على قلمه، ويرقم رسمي في مطاوي تحريره ورقمه، ويكون ذكري مختلطاً بذكره، كما أن سري مرتبط في المحبة بسره، فرأيت شيخي لم يتصد في اثناء هذه البشرى، لما يفهمني بالذكرى، لأنتظر النجاح في الأخرى، ولم يساعدني على ذلك الملتمس، وحبس عنان القلم فاحتبس، فانكسرت سورة سروري بفتوري، وتبين لنفسي عن بلوغ ذلك الأمل تخلفي وقصوري)) انتهى.

ثم قال بعد كلام لم نذكره لعدم تعلقه بهذا الغرض، ما صورته:

وحسبت أن سيدي وحاشاه، نسي من ليس ينساه، وظننت به الظنون، لأمور تكون أو لا تكون، وهل يكره شيخي أن يهدي الدنيا في طبق؟ ثم الأخرى على ذلك النسق، ولا شك أن خطه هو الروضة الغنا، لا بل جنة المأوى، فطوبى لنفسي إن جنت ثمرته طوبى، ولعمر شيخي إني بذلك لجدير، وإني كنت أملك به الخورنق والسدير)) انتهى ما يتعلق بالمطلوب من ذلك الرقيم، الذي شكل منطقهغير عقيم، سلك الله تعالى بي وبمن وجهه الصراط المستقيم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.