من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الأول في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيراتها (٢)
يعني بالشّمام جبال الورد، ويعني بالقمام ما يؤكل إشارةً إلى محرث الكنبانيّة، ويعني بالمدام النهر.
ولما قال والده السلطان يوسف بن عبد المؤمن لأبي عمران موسى بن سعيد العنسي: ما عندك في قرطبة؟ قال له: ما كان لي أن أتكلّم حتى أسمع مذهب أمير المؤمنين فيها، فقال السلطان: إن ملوك بين أمية حين اتخذوها حضرة مملكتهم لعلى بصيرةٍ، الديار المنفسحة الكثيرة، والشوارع المتسعة، والمباني الضخمة المشيدة، والنهر الجاري، والهواء المعتدل، والخارج الناضر، والمحرث العظيم، والشّعراء الكافية، والتوسط بين شرق الأندلس وغربها، قال: فقلت: ما أبقى لي أمير المؤمنين ما أقول.
قال ابن سعيد: ولأهلها رياسة ووقار، لا تزال سمة العلم والملك متوارثةً فيهم. إلا أن عامّتها أكثر الناس فضولاً، وأشدّهم تشغيباً، ويُضرب
بهم المثل ما بين أهل الأندلس في القيام على الملوك، والتشنيع على الولاة، وقلة الرضا بأمورهم، حتى إن السيد أبا يحيى أخا السلطان يعقوب المنصور قيل له لما انفصل عن ولايتها: كيف وجدت أهل قرطبة؟ فقال: مثل الجمل، إن خففت عنه الحمل صاح، وإن أثقلته صاح، ما ندري أين رضاهم فنقصده، ولا أين سخطهم فنجتنبه، وما سلط الله عليهم حجّاج الفتنة حتى كان عامتها شرّاً من عامة العراق، وإن العزل عنها لما قاسيته من أهلها عندي ولاية، وإنّي إن كلّفت العود إليها لقائل: لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين، انتهى.
وقال أبو الفضل التيفاشي: جرت مناظرة بين يدي ملك المغرب المنصور يعقوب بين الفقيه أبي الوليد بين رشد والرئيس أبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد لابن زهر في تفضيل قرطبة: ما أدري ما تقول، غير أنّه إذا مات عالمٌ بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإن مات مطربٌ بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية، قال: وقرطبة أكثر بلاد الله كتباً، انتهى.
وحكى الإمام ابن بشكوال عن الشيخ أبي بكر بن سعادة أنه دخل مدينة طليطلة مع أخيه على الشيخ الأستاذ أبي بكر المخزومي، قال: فسألنا: من أين؟ فقلنا: من قرطبة، فقال: متى عهدكما بها؟ فقلنا: الآن وصلنا منها، فقال: اقربا إليّ أشمّ نسيم قرطبة، فقربنا منه، فشمّ رأسي وقبّله، وقال لي: اكتب:
أقرطبة الغرّاء هل لي أوبةٌإليك؟ وهل يدنو لنا ذلك العهد
سقى الجانب الغربيّ منك غمامةٌوقعقع في ساحات دوحاتك الرعد
لياليك أسحارٌ، وأرضك روضةٌ ... وتربك في استنشاقها عنبرٌ ورد وكتب الرئيس الكاتب أبو بكر بن القبطرنة للعالم أبي الحسين بن سراج بقوله:
يا سيّدي وأبي هوىً وجلالةًورسول ودّي إن طلبت رسولا
عرّج بقرطبةٍ إذا بلّغتهابأبي الحسين وناده تمويلا
وإذا سعدت بنظرةٍ من وجههأهد السلام لكفّه تقبيلا
واذكر له شوقي وشكري مجملاًولو استطعت شرحته تفصيلا
بتحيّةٍ تهدى إليه كأنّما ... جرّت على زهر الرياض ذيولا وفي باب اليهود بقرطبة يقول أبو عامر بن شهيد:
لقد أطلعوا عند باب اليهود بدراً أبى الحسن أن يكسفا
تراه اليهود على بابها ... أميراً فتحسبه يوسفا واستقبحوا قولهم " باب اليهود " فقالوا " باب الهدى "، وسنذكر قرطبة الزهراء والزاهرة ومسجدها في الباب المنفرد بها إن شاء الله تعالى، وكذلك القنطرة.
[إشبيلية وإقليمها]
ومن أعظم مدن الأندلس إشبيلية - قال الشقندي: من محاسنها اعتدال
الهواء، وحسن المباني، ونهرها الأعظم الذي يصعد المدّ فيه اثنين وسبعين ميلاً ثم يحسر، وفيه يقول ابن سفرٍ:
شقّ النسيم عليه جيب قميصهفانساب من شطيّه يطلب ثاره
فتضاحكت ورق الحمام بدوحها ... هزءاً فضمّ من الحياء إزاره وقيل لأحد من رأى مصر والشام: أيهما رأيت أحسن؟ أهذان أم إشبيلية؟ فقال بعد تفضيل إشبيلية: شرفها غابةٌ بلا أسد، ونهرها نيلٌ بلا تمساح، انتهى.
ويقال: إن الذي بنى إشبيلية اسمه يوليش، وإنّه أول من سمّي قيصر، وإنّه لما دخل الأندلس أعجب بساحاتها وطيب أرضها وجبلها المعروف بالشّرف فردم على النهر الأعظم مكاناً، وأقام فيه المدينة، وأحدق عليها بأسوارٍ من صخرٍ صلدٍ، وبنى في وسط المدينة قصبتين بديعتي الشأن تعرفان بالأخوين، وجعلها أمّ قواعد الأندلس، واشتق لها اسماً من رومية، ومن اسمه، فسمّاها رومية يوليش، انتهى.
وقد تقدّم شيءٌ من هذا.
وكان الأوّلون من ملوك الأعاجم يتداولون بسكناهم أربعة من بلاد الأندلس: إشبيلية، وقرطبة، وقرمونة، وطليطلة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها.
وأما شرف إشبيلية فهو شريف البقعة، كريم التربة، دائم الخضرة، فرسخ في فرسخ طولاً وعرضاً، لا تكاد تشمس فيه بقعةٌ لالتفاف زيتونه.
واعلم أن إشبيلية لها كورٌ جليلةٌ، ومدنٌ كثيرةٌ، وحصونٌ شريفةٌ، وهي من الكور المجندة، نزلها جند حمص ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق. وانتهت جباية إشبيلية أيام الحكم بن هشام إلى خمسة وثلاثين ألف دينارٍ ومائة دينار.
وفي إقليم طالقة من أقاليم إشبيلية وجدت صورةً جاريةً من مرمرٍ معها صبي، وكأن حيّةً تريده، لم يسمع في الأخبار ولا رثي في الآثار صورةٌ أبدع منها، جعلت في بعض الحمامات وتعشّقها جماعةٌ من العوام.
وقي كورة ماردة حصن شنت أفرج في غاية الارتفاع، لا يعلوه طائرٌ البتة لا نسرٌ ولا غيره.
ومن عجائب الأندلس البلاط الأوسط من مسجد جامع أقليش، فإن طول كل جائزة منه مائة شبر وأحد عشر شبراً، وهي مربعة منحوتة مستوية الأطراف.
وقال بعض من وصف إشبيلية: إنها مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة، وعليه جسر مربوط بالسفن، وبها أسواق قائمة، وتجارات رابحة، وأهلها ذوو أموال عظيمة، وأكثر متاجرهم الزيت، وهو
يشتمل على كثير من إقليم الشّرف، وإقليم الشرف على تل عال من تراب أحمر مسافته أربعون ميلاً في مثلها، يمشي بها السائر في ظل الزيتون والتين، ولها - فيما ذكر بعض الناس - قرىً كثيرة، وكل قرية عامرة بالأسواق والديار الحسنة والحمامات وغيرها من المرافق.
وقال صاحب مناهج الفكر، عند ذكر إشبيلية: وهذه المدينة من أحسن مدن الدّنيا، وبأهلها يضرب المثل في الخلاعة، وانتهاز فرصة الزمان الساعة بعد الساعة، ويعينهم على ذلك واديها الفرج، وناديها البهج، وهذا الوادي يأتيها من قرطبة، ويجزر في كل يوم، ولها جبل الشرف، وهو تراب أحمر طوله من الشمال إلى الجنوب أربعون ميلاً، وعرضه من المشرق إلى المغرب اثنا عشر ميلاً، نشتمل على مائتين وعشرين قرية، قد التحفت بأشجار الزيتون واشتملت، انتهى.
[شهرة باجة وجبل طارق]
ولكورة باجة من الكور الغربية التي كانت من أعمال إشبيلية أيام بني عبّاد خاصّيّةٌ في دباغة الأديم وصناعة الكتان، وفيها معدن فضة، وبها ولد المعتمد بن عبّاد، وهي متصلة بكورة ماردة.
ولجبل طارق حوز قصب السبق بنسبته إلى طارق مولى موسى بن نصير،
إذ كان أوّل ما حل به مع المسلمين من بلاد الأندلس عند الفتح، ولذا شهر بجبل الفتح، وهو مقابل الجزيرة الخضراء، وقد تجوّن البحر هنالك مستديراً حتى صار مكان هذا الجبل كالناظر للجزيرة الخضراء، وفيه يقول مطرّف شاعر غرناطة:
وأقود قد ألقى على البحر متنهفأصبح عن قود الجبال بمعزل
يعرّض نحو الأفق وجهاً كأنّما ... تراقب عيناه كواكب منزل وإذا أقبل عليه المسافرون من جهة سبتة في البحر بان كأنّه سرج، قال أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد: أقبلت عليه مرة مع والدي فنظرنا إليه على تلك الصفة، فقال والدي: أجز:
انظر إلى جبل الفتح راكباً متن لجّ فقلت:
وقد تفتّح مثل ال ... أفنان في شكل سرج وأما جزيرة طريف فليست بجزيرة، وإنّما سميت بذلك الجزيرة التي أمامها في البحر مثل الجزيرة الخضراء، وطريف المنسوبة إليه بربريٌّ من موالي موسى بن نصير، ويقال: إن موسى بعثه قبل طارق في أربعمائة رجل، فنزل بهذه الجزيرة في رمضان سنة إحدى وتسعين، وبعده دخل طارق، والله أعلم.
[كورة طليطلة وما تشتهر به]
ومن أعظم كور الأندلس كورة طليطلة، وهي من متوسط الأندلس، وكانت دار مملكة بني ذي النّون من ملوك الطوائف، وكان ابتداء ملكهم صدر المائة الخامسة، وسمّاها قيصر بلسانه بزليطة، وتأويل ذلك: أنت فارح، فعرّبتها العرب وقالت: طليطلة، وكانوا يسمّونها وجهاتها في دولة بني أميّة بالثغر الأدنى، ويسمون سرقسطة وجهاتها بالثغر الأعلى، وتسمى طليطلة مدينة الأملاك لأنها فيما يقال ملكها اثنان وسبعون إنساناً، ودخلها سليمان بن داود، ﵉، وعيسى بن مريم، وذو القرنين، وفيها وجد طارق مائدة سليمان، وكانت من ذخائر إشبان ملك الروم الذي بنى إشبيلية، أخذها من بيت المقدس كما مر، وقوّمت هذه المائدة عند الوليد بن عبد الملك بمائة ألف دينار، وقيل: إنها كانت من زمرد أخضر، ويقال: إنها الآن برومة، والله أعلم بذلك.
ووجد طارق بطليطلة ذخائر عظيمة، منها مائة وسبعون تاجاً من الدر والياقوت والأحجار النفيسة، وإيوان ممتلئ من أواني الذهب والفضة، وهو كبير، حتى قيل: إن الخيل تلعب فيه فرسانها برماحهم لوسعه، وقد قيل: إن أواني المائدة من الذهب وصحافها من اليشم والجزع، وذكروا فيها غير هذا ممّا لا يكاد يصدّقه الناظر فيه.
وبطليطلة بساتين محدقة، وأنهار مخترقة، ورياض وجنان، وفواكه حسان، مختلفة الطعوم والألوان، ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة، ورساتيق مريعة،
وضياع بديعة، وقلاع منيعة، وبالجملة فمحاسنها كثيرة، ولعلّنا نلمّ ببعض متنزهاتها فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وطليطلة قاعدة ملك القوطيين، وهي مطلّة على نهر تاجه، وعليه كانت القنطرة التي يعجز الواصفون عن وصفها، وكانت على قوس واحد تكنفه فرختان من كل جانب، وطول القنطرة ثلاثمائة باع، وعرضها ثمانون باعاً، وخربت أيام الأمير محمد لما عصى عليه أهلها فغزاهم، واحتال في هدمها، وفي ذلك يقول الحكيم عباس بن فرناس:
أضحت طليطلةٌ معطّلةًمن أهلها في قبضة الصقر
تركت بلا أهلٍ تؤهّلهامهجورة الأكناف كالقبر
ما كان يبقي الله قنطرةًنصبت لحمل كتائب الكفر وسيأتي بعض أخبار طليطلة
[مدينة المرية وما تشتهر به]
ومن مشهور مدن الأندلس المرية، وهي على ساحل البحر، ولها القلعة المنيعة المعروفة بقلعة خيران، بناها عبد الرحمن الناصر، وعظمت في دولة المنصور بن أبي عامر، وولى عليها مولاه خيران، فنسبت القلعة إليه، وبها من صنعة الديباج ما تفوق به على سائر البلاد، وفيها دار الصناعة، وتشتمل كورتها على معدن الحديد والرخام، ومن أبوابها باب العقاب عليه صورة
عقاب من حجر قديم عجيب المنظر.
وقال بعضهم: كان بالمريّة لنسج طرز الحرير ثمانمائة نول، وللحلل النفيسة والديباج الفاخر ألف نول، وللأسقلاطون كذلك، وللثياب الجرجانية كذلك، وللأصفهانية مثل ذلك، وللعنابي والمعاجر المدهشة والستور المكللة. ويصنع بها من صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف. وفاكهة المرية يقصر عنها الوصف حسناً، وساحلها أفضل السواحل، وبها قصور الملوك القديمة الغربية العجيبة، وقد ألف فيها أبو جعفر ابن خاتمة تاريخاً حافلاً سمّاه " بمزية المرية "، على غيرها من البلاد الأندلسية " في مجلد ضخم تركته من جملة كتبي بالمغرب، والله سبحانه المسؤول في جمع الشمل، فله الأمر من بعد ومن قبل.
ووادي المرية طوله أربعون ميلاً في مثلها كلها بساتين بهجة، وجنات نضرة، وأنهار مطردة، وطيور مغردة.
قال بعضهم: ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالاً من أهل المرية، ولا أعظم متاجر وذخائر، وكان بها من الحمامات والفنادق نحو الألف، وهي بين الجبلين بينهما خندق معمور، وعلى الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة، وعلى الآخر ربضها، والسور محيط بالمدينة والربض، وغريبها ربض لها آخر يسمى ربض الحوض ذو فنادق وحمامات وخنادق وصناعات، وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة، وأحجار أولية، وكأنما غربلت أرضها من التراب، ولها مدن وضياع عامرة متصلة الأنهار، انتهى.
[شنترة وخواصها]
وقال ابن اليسع، عند ذكره مدينة شنترة: إن من خواصّها أن القمح والشعير يزرعان فيها ويحصدان عند مضي أربعين يوماً من زراعته، وإن التفاح فيها دور كل واحدة ثلاثة أشبار وأكثر، قال لي أبو عبد الله الباكوري، وكان ثقة: أبصرت عند المعتمد بن عبّاد رجلاً من أهل شنترة أهدى إليه أربعاً من التفاح ما يقلّ الحامل على رأسه غيرها، دور كل واحدة خمسة أشبار، وذكر الرجل أن المعتاد عندهم أقل من هذا، فإذا أرادوا أن يجيء بهذا العظم قطعوا أصلها وأبقوا منه عشراً أو أقل وجعلوا تحتها دعامات من الخشب، انتهى.
[شنش وسهيل وتدمير]
وبحصن شنش على مرحلة من المرية التوت الكثير، وفيها الحرير والقرمز، ويعرف واديها بوادي طبرنش.
وبغربي مالقة عمل سهيلٍ، وهو عمل عظيم كثير الضياع، وفيه جبل سهيل لا يرى نجم سهيل بالأندلس إلى منه.
ومن كور الأندلس الشرقية تدمير، وتسمى مصر أيضاً لكثرة شبهها بها، لأن لها أرضاً يسيح عليها نهر في وقت مخصوص من السنة، ثم ينضب عنها، فتزرع كما تزرع أرض مصر، وصارت القصبة بعد تدمير مرسية، وتسمى البستان، لكثرة جناتها المحيطة بها، ولها نهرٌ يصب في قبليها.
[أقاليم الأندلس وكور كل إقليم]
واعلم أن جزيرة الأندلس - أعادها الله للإسلام - مشتملة على موسطة وشرق، وغرب:
فالموسطة فيها من القواعد الممصرة التي كل مدينة منها مملكة مستقلة لها أعمال ضخام وأقطار متسعة: قرطبة، وطليطلة، وجيّان، وغرناطة، والمريّة، ومالقة؛ فمن أعمال قرطبة إستجة وبلكونة وقبرة ورندة وغافق والمدور وأسطبة وبيّانة واليسّانة والقصير وغيرها، ومن أعمال طليطلة وادي الحجارة وقلعة رباح وطلمنكة وغيرها، ومن أعمال جيّان أبّذة وبيّاسة وقسطلّة وغيرها، ومن أعمال غرناطة وادي آش والمنكّب ولوشة وغيرها،
ومن أعمال المرية أندرش وغيرها، ومن أعمال مالقة بلّش والحامة وغيرهما، وببلّش من الفواكه ما بمالقة، وبالحامة العين الحارة على ضفة واديها.
وأمّا شرق الأندلس ففيه من القواعد: مرسية، وبلنسية، ودانية والسهلة، والثغر الأعلى؛ فمن أعمال مرسية أوريولة والقنت ولورقة وغير ذلك، ومن أعمال بلنسية شاطبة ويضرب بحسنها المثل ويعمل بها الورق الذي لا نظير له وجزيرة شقر وغير ذلك، وأما دانية فهي شهيرة ولها أعمال، وأمّا السهلة فإنّها متوسطة بين بلنسية وسرقسطة ولذا عدّها بعضهم من كور الثغر الأعلى ولها مدن وحصون، ومن أعمال الثغر الأعلى: سرقسطة وهي أم ذلك الثغر، وكورة لاردة، وقلعة رباح، وتسمى بالبيضاء، وكورة تطيلة، ومدينتها طرسونة، وكورة وشقة، ومدينتها تمريط، وكورة مدينة سالم، وكورة قلعة أيوب، ومدينتها مليانة، وكورة بربطانية، وكورة باروشة.
وأما غرب الأندلس ففيه: إشبيلية، وماردة، وأشبونة، وشلب؛ فمن أعمال إشبيلية شريش والخضراء ولبلة وغيرها، ومن أعمال ماردة بطليوس ويابرة وغيرهما، ومن أعمال أشبونة شنترين وغيرها، ومن أعمال شلب شنت مرية وغيرها.
[الجزر البحرية]
وأما الجزر البحرية بالأندلس فمنها جزيرة قادس، وهي من أعمال إشبيلية، وقال ابن سعيد: إنها من كورة شريش، ولا منافاة لأن شريشاً من أعمال إشبيلية كما مر، قال: وبيد صنم قادس مفتاح، ولمّا ثار بقادس ابن أخت القائد أبي عبد الله بن ميمون - وهو عليّ بن عيسى قائد البحر بها - ظن أن تحت الصنم مالاً فهدمه فلم يجد شيئاً، انتهى.
وهي - أعني جزيرة قادس - في البحر المحيط؛ وفي المحيط الجزائر الخالدات السبع، وهي غربي مدينة سلا تلوح للناظر في اليوم الصاحي الخالي الجوّ من الأبخرة الغليظة، وفيها سبعة أصنام على أمثال الآدميين، تشير أن لا عبور ولا مسلك وراءها. وفيه بجهة الشمال جزائر السعادات، وفيها من المدن والقرى ما لا يحصى، ومنها يخرج قوم يقال لهم المجوس على دين النصارى: أولها جزيرة برطانية، وهي بوسط البحر المحيط بأقصى شمال الأندلس، ولا جبال فيها، ولا عيون، وإنّما يشربون من ماء المطر، ويزرعون عليه.
قال ابن سعيد: وفيه جزيرة شلطيش، وهي آهلة وفيها مدينة، وبحرها
كثير السمك، ومنها يحمل مملّحاً إلى إشبيلية، وهي من كورة لبلة مضافة إلى عمل أونبة، انتهى.
[قرطاجنة وخواصها]
وقال بعضهم، لما أجرى ذكر قرطاجنة من بلاد الأندلس: إن الزرع في بعض أقطارها يكتفي بمطرة واحدة، وبها أقواس من الحجارة المقربصة، وفيها من التصاوير والتماثيل وأشكال الناس وصور الحيوانات ما يحير البصر والبصيرة، ومن أجب بنائها الدواميس، وهي أربعة وعشرون على صف واحد من حجارة مقربصة، طول كل داموس مائة وثلاثون خطوة في عرض ستين خطوة، وارتفاع كل واحد أكثر من مائتي ذراع، بين كل داموسين أنقاب محكمة تتصل فيها المياه من بعضها إلى بعض في العلوّ الشاهق بهندسة عجيبة وإحكام بديع، انتهى.
قلت: أظن هذا غلطاً؛ فإن قرطاجنة التي بهذه الصفة قرطاجنة إفريقية، لا قرطاجنة الأندلس، والله أعلم.
وقال صاحب مناهج الفكر، عندما ذكر قرطاجنة: وهي على البحر الرومي مدينة قديمة بقي منها آثار، لها فحص طوله ستة أيام وعرضه يومان
معمور بالقرى، انتهى.
وذكر قبل ذلك في لورقة أن بناحيتها يوجد حجر اللازورد.
وفي البحر الشامي الخارج من المحيط جزيرتا ميورقة ومنورقة، وبينهما خمسون ميلاً، وجزيرة ميورقة مسافة يوم، بها مدينة حسنة، وتدخلها ساقية جارية على الدوام، وفيها يقول ابن اللّبّانة:
بلدٌ أعارته الحمامة طوقهاوكساه حلّة ريشه الطاووس
فكأنّما الأنهار فيه مدامةٌوكأنّ ساحات الديار كؤوس وقال يخاطب ملكها ذلك الوقت:
وغمرت بالإحسان أرض ميورقةٍوبنيت ما لم يبنه الاسكندر وجزيرة يابسة
واستقصاء ما يتعلق بهذا الفصل يطول، ولو تتبّع لكان تأليفاً مستقلاً، وما أحسن قول ابن خفاجة:
إنّ للجنّة بالأندلسمجتلى حسنٍ وريّا نفس
فسنا صبحتها من شنبٍودجى ليلتها من لعس
وإذا ما هبت الريح صباًصحت واشوقي إلى الأندلس وقال بعضهم في طليطلة:
زادت طليطلةٌ على ما حدّثوابلدٌ عليه نضرةٌ ونعيم
الله زيّنه فوشّح خصرهنهر المجرّة والغصون نجوم [رسالة أبي البحر في تغاير مدن الأندلس]
ولا حرج إن أوردنا هنا ما خاطب به أديب الأندلس أبو بحر صفوان بن إدريس الأمير عبد الرحمن ابن السلطان يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فإنّه مناسب، ونصّه: مولاي، أمتع الله ببقائك الزمان وأبناءه، كما ضمّ على حبّك أحناءهم وأحناءه، ووصل لك ما شئت من اليمن والأمان، كما نظم قلائد فخرك على لبّة الدهر نظم الجمان، فإنّك الملك الهمام، والقمر التمام، أيّامك غرر وحجول، وفرند بهائها في صفحات الدهر يجول، ألبست الرعية برود التأمين، فتنافست فيك من نفيسٍ ثمين، وتلقّت دعوات خلدك لها باليمين، فكم للناس، من أمنٍ بك وإيناس، وللأيام، من لوعة فيك وهيام، وللأقطار، من لبانات لديك وأوطار، وللبلاد، من قراع لها على تملكك لها وجلاد، يتمنّون شخصك الكريم على الله ويقترحون، ويغتبقون في رياض ذكرك العاطر بمدام حبّك ويصطبحون، " كلّ حزبٍ بما لديهم فرحون " محبةً من الله ألقاها لك حتى على الجماد، ونصراً
مؤزّراً تنطق به ألسنة السيوف على أفواه الأغماد، ومن أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها، ومن طوى حسن نية ختم الله له بالجميل إعادتها وإبداءها، ومن قدّم صالحاً فلا بدّ أن يوازيه، ومن يفعل الخير لا يعدم جوازيه. ولما تخاصمت فيك من الأندلس الأمصار، وطال بها الوقوف على حبّك والاقتصار، كلّها يفصح قولاً، ويقول: أنا أحقّ وأولى، ويصيخ إلى إجابة دعوته ويصغي، ويتلو إذا بشّر بك " ذلك ما كنّا نبغ "، تنمّرت حمص غيظاً، وكادت تفيظ فيظاً، وقالت: ما لهم يزيدون وينقصون، ويطمعون ويحرصون " إن يتّبعون إلاّ الظنّ وإن هم إلاّ يخرصون ". لي السّهم الأسدّ، والساعد الأشدّ، والنهر الذي يتعاقب عليه الجزر والمدّ، أنا مصر الأندلس والنيل نهري، وسماء التأنّس والنجوم زهري، إن تجاريتم في ذلك الشرف، فحسبي أن أفيض في ذكر الشرف، وإن تبجحتم بأشرف اللبوس، فأي إزار اشتملتموه كشنتبوس، لي ما شئت من أبينة رحاب، وروضٍ يستغني بنضرته عن السّحاب، قد ملأت زهراتي وهاداً ونجاداً، وتوشّح سيف نهري بحدائقي نجاداً، فأنا أولاكم بسيّدنا الهمام وأحقّ، " الآن حصحص الحق ".
فنظرتها قرطبة شزراً، وقالت: لقد كثّرت نزرا، وبذرت في الصخر
الأصمّ بزرا، كلام العدى ضربٌ من الهذيان، وأنّى للإيضاح والبيان، متى استحال المستقبح مستحسناً، ومن أودع أجفان المهجور وسناً " أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً ". يا عجباً للمراكز تقدّم على الأسنة، وللأثفار تفضّل على الأعنّة، إن ادّعيتم سبقا، فما عند الله خيرٌ وأبقى: لي البيت المطهّر الشريف، والاسم الذي ضرب عليه رواقه التعريف، في بقيعي محل الرجال الأفاضل، فليرغم أنف المناضل، وفي جامعي مشاهد ليلة القدر، فحسبي من نباهة القدر، فما لأحدٍ أن يستأثر عليّ بهذا السيّد الأعلى، ولا أرتضي له أن يوطئ غير ترابي نعلاً، فأقرّوا لي بالأبوة، وانقادوا على حكم البنوّة، " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّةٍ " وكفوا عن تباريكم " ذلكم خيرٌ لكم عند باريكم ".
فقالت غرناطة: لي المعقل الذي يمتنع ساكنه من النجوم، ولا تجري إلا تحته جياد الغيم السّجوم، فلا يلحقني من معاند ضررٌ ولا حيف، ولا يهتدي إليّ خيالٌ طارق ولا طيف، فاستسلموا قولاً وفعلاً، فقد أفلح اليوم من استعلى، لي بطاح تقلدت من جداولها أسلاكاً، وأطلعت كواكب زهرها فعادت أفلاكاً، ومياه تسيل على أعطافي كأدمع العشاق، وبرد نسيم يردّ ذماء المستجير بالانتشاق، فحسني لا يطمع فيه ولا يحتال، فدعوني فكل ذات ذيل تختال، فأنا أولى بهذا السيّد الأعدل، وما لي به من عوض ولا بدل، ولم لا يعطف عليّ عنان مجده ويثني، وإن أنشد يوماً فإياي يعني:
بلاد بها عقّ الشباب تمائمي ... وأول أرضٍ مسّ جلدي ترابها فما لكم تعتزون لفخري وتنتمون، وتتأخرون في ميداني وتتقدمون، تبرأوا إليّ مما تزعمون " ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون ".
فقالت مالقة: أتتركوني بينكم هملاً، ولم تعطوني في سيّدنا أملاً، ولم ولي البحر العجاج، والسّبل الفجاج، والجنّات الأثيرة، والفاكهة الكثيرة؛ لديّ من البهجة ما تستغني به الحمام عن الهديل، ولا تجنح الأنفس الرقاق الحواشي إلى تعويض عنه ولا تبديل، فما لي لا أعطى في ناديكم كلاماً، ولا أنشر في جيش فخاركم أعلاماً؟
فكأن الأمصار نظرتها ازدراءً، فلم تر لحديثها في ميدان الذكر إجراءً، لأنها موطن لا يحلى منه بطائلٍ، ونظن البلاد تأوّلت فيها قول القائل:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخيرٌ من إجابته السّكوت فقالت مرسية: أمامي تتعاطون الفخر، وبحضرة الدّرّ تنفّقون الصخر؟ إن عدّت المفاخر، فلي منها الأول والآخر، أين أوشالكم من بحري، وخرزكم من لؤلؤ نحري، وجعجعتكم من نفثات سحري؟ فلي الروض النّضير، والمرأى الذي ما له من نظير، وزنقاتي التي سار مثلها في الآفاق، وتبرقع وجه جمالها بغرّة الإصفاق، فمن دوحات، كم لها من بكور وروحات، ومن أرجاء، إليها تمدّ أيدي الرجاء، فأبنائي فيها في الجنة الدنيوية مودعون، يتنعمون فيما يأخذون ويدعون، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدّعون. فانقادوا لأمري، وحاذروا اصطلاء جمري، وخلّوا
بيني وبين سيّدنا أبي زيد، وإلا ضربتكم ضرب زيد، فأنا أولاكم بهذا الملك المستأثر بالتعظيم " وما يلقّاها إلاّ ذو حظٍّ عظيم ".
فقالت بلنسية: فيم الجدال والقراع؟ وعلام الاستهام والاقتراع؟ وإلام التعريض والتصريح؟ وتحت الرّغوة اللبن الصريح، أنا أحوزه من دونكم، فأخمدوا ناري تحرّككم وهدونكم، فلي المحاسن الشامخة الأعلام، والجنات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام، فأجمعوا على الانقياد لي والسلام، وإلاّ فعضّوا بناناً، واقرعوا أسناناً، فأنا حيث لا تدركون وأنّى، ومولانا لا يهلكنا بما فعل السفهاء منّا.
فعند ذلك ارتمت جمرة تدمير بالشّرار، واستدّت أسهمها لنحور الشّرار، وقالت: عش رجباً، تر عجباً، أبعد العصيان والعقوق، تتهيئين لرتب ذوي الحقوق؟ هذه سماء الفخر فمن ضمك أن تعرجي، ليس بعشّك فادرجي، لك الوصب والخبل " آلآن وقد عصيت قبل "، أيّتها الصانعة الفاعلة، من أدّاك أن تطرّي وما أنت ناعلة ؟ ما الذي يجديك الروض والزّهر؟ أم ما يفيدك الجدول والنهر؟ وهل يصلح العطّار وما أفسد الدّهر ؟ هل أنت إلاّ محطّ رحل النفاق، ومنزلٌ ما
لسوق الخصب فيه من نفاق؟ ذراك لا يكتحل الطرف فيه بهجوع، وقراك لا يسمن ولا يغني من جوع، فإلام تبرز الإماء في منصّة العقائل؟ ولكن اذكري قول القائل:
بلنسيةٌ بيني عن القلب سلوةًفإنّك روضٌ لا أحنّ لزهرك
وكيف يحبّ المرء داراً تقسّمت ... على صارمي جوعٍ وفتنة مشرك بيد أنّي أسأل الله تعالى أن يوقد من توفيقك ما خمد، يسيل من تسديدك ما خمد، ولا يطيل عليك في الجهالة الأمد، وإيّاه سبحانه نسأل أي يردّ سيّدنا ومولانا إلى أفضل عوائده، ويجعل مصائب أعدائه من فوائده، ويمكّن حسامه من رقاب المشغّبين، ويبقيه وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين، ويصل له تأييداً وتأبيداً، ويمهّد له الأيام حتى تكون الحرار لعبيد عبيده عبيداً، ويمد على الدنيا بساط سعده، ويهبه ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده:
آمين آمين لا أرضى بواحدةٍ ... حتّى أضيف إليها ألف آمينا ثم السلام الذي يتأنّق عبقاً ونشراً، ويتألّق رونقاً وبشراً، على حضرتهم العليّة، ومطالع أنوارهم الجليّة، ورحمة الله تعالى وبركاته، انتهى.
[عودٌ إلى ذكر غرناطة]
ولما ألمّ الرحّلة ابن بطوطة في رحلته بدخوله لبلاد الأندلس - أعادها
الله تعالى للإسلام - قال: فوصلت إلى بلاد الأندلس - حرسها الله تعالى - حيث الأجر موفور للساكن، والثواب مذخور للمقيم والظاعن، إلى أن قال عند ذكره غرناطة ما نصّه: قاعدة بلاد الأندلس، وعروس مدنها، وخارجها لا نظير له في الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلاً، يخترقه نهر شنيل المشهور، وسواه من الأنهار الكثيرة، والبساتين والجنّات والرياضات والقصور، والكروم محدقة بها من كل جهة، ومن عجيب مواضعها عين الدمع، وهو جبل فيه الرياضات والبساتين، لا مثل له بسواها، انتهى.
وقال الشقندي: غرناطة دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشرافٍ أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، ولو لم يكن بها إلا ما خصّها الله تعالى به من كونها قد نبغ فيها النساء الشواعر كنزهون القلعية والرّكونية وغيرهما، وناهيك بهما في الظّرف والأدب، انتهى.
ولبعضهم يتشوّق إلى غرناطة فيما ذكر بعض المؤرخين، والصواب أن الأبيات قيلت في قرطبة كما مرّ، والله أعلم:
أغرناطة الغرّاء هل لي أوبةٌإليك؟ وهل يدنو لنا ذلك العهد؟
سقى الجانب الغربيّ منك غمائمٌوقعقع في ساحت روضتك الرّعد
لياليك أسحارٌ، وأرضك جنّةٌ،وتربك في استنشاقها عنبرٌ ورد وقال ابن مالك الرّعيني:
رعى الله بالحمراء عيشاً قطعتهذهبت به للأنس، والليل قد ذهب
ترى الأرض منها فضّةً فإذا اكتستبشمس الضّحى عادت سبيكتها ذهب وهو القائل:
لا تظنّوا أنّ شوقي خمدابعدكم أو أنّ دمعي جمدا
كيف أسلو عن أناسٍ مثلهم ... قلّ أن تبصر عيني أحدا وغرناطة من أحسن بلاد الأندلس، وتسمى بدمشق الأندلس، لأنّها أشبه شيء بها، ويشقّها نهر حدره، ويطلّ عليها الجبل المسمى بشلير الذي لا يزول الثلج عنه شتاءً وصيفاً، ويجمد عليه حتى يصير كالحجر الصّلد، وفي أعلاه الأزاهر الكثيرة، وأجناس الأفاويه الرفيعة، ونزل بها أهل دمشق لمّا جاءوا إلى الأندلس لأجل الشبه المذكور، وقرى غرناطة - فيما ذكر بعض المتأخرين - مائتان وسبعون قرية.
وقال ابن جزيّ مرتّب رحلة ابن بطوطة، بعد ذكره كلامه، ما نصّه: قال ابن جزيّ: لولا خشية أن أنسب إلى العصبية لأطلت القول في وصف غرناطة، فقد وجدت مكانه، ولكنّ ما اشتهر كاشتهارها لا معنى إطالة القول فيه، ولله درّ شيخنا أبي بكر ابن محمد بن شبرين السبتي نزيل غرناطة حيث يقول:
رعى الله من غرناطة متبوّأيسرّ حزيناً أو يجير طريداً
تبرّم منها صاحبي عندما رأىمسارحها بالثلج عدن جليداً
هي الثّغر صان الله من أهلت به ... وما خير ثغرٍ لا يكون بروداً؟! وقال ابن سعيد عندما أجرى ذكر قرية نارجة - وهي قريةٌ كبيرةٌ تضاهي المدن، قد أحدقت بها البساتين، ولها نهرٌ يفتن الناظرين، وهي من أعمال مالقة -: إنّه اجتاز مرة عليها مع والده أبي عمران موسى، وكان ذلك زمان صباغة الحرير عندهم، وقد ضربوا في بطن الوادي بين مقطعاته خيماً، وبعضهم يشرب وبعضهم يغني ويطرب، وسألوا: بم يعرف ذلك الموضع؟ فقالوا: الطراز، فقال والدي: اسم طابق مسمّاه، ولفظ وافق معناه،
وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍفإن وجدت لساناً قائلاً فقل ثم قال أجز: بنارجةٍ حيث الطراز المنمنم
فقلت: أقم فوق نهرٍ ثغره يتبسّم
فقال: وسمعك نحو الهاتفات فإنّها
فقلت: لما أبصرت من بهجة تترنّم
فقال: أيا جنّة الفردوس لست بآدمٍ
فقلت: فلا يك حظّي من جناك التندّم
فقال: يعزّ علينا أن نزورك مثل ما
فقلت: يزور خيالٌ من سليمى مسلّم
فقال: فلو أنني أعطى الخيار لما عدت
فقلت: محلّك لي عينٌ بمرآك تنعم
فقال: بحيث الصّبا والطّلّ من نفثاتها
فقلت: وقت لسع روض فيه للنهر أرقم
فقال: فوا أسفي إن لم تكن لي عودةٌ
فقلت: فكن مالكاً إنّي عليك متمّم
فقال: فأحسب هذا آخر العهد بيننا
فقلت: وقد يلحظ الرّحمن شوقي فيرحم
فقال: سلامٌ سلامٌ لا يزال مردّداً
فقلت: عليك ولا زالت بك السّحب تسجم
[بلنسية وبعض قراها]
وقال ابن سعيد: إن كورة بلنسية من شرق الأندلس تنبت الزعفران، وتعرف بمدينة التراب، وبها كمثرى تسمى الأرزة في قدر حبّة العنب، قد جمع مع حلاوة المطعم ذكاء الرائحة، إذا دخل داراً عرف بريحه، ويقال: إن ضوء بلنسية يزيد على ضوء سائر بلاد الأندلس، وبها منازه ومسارح، ومن أبدعها وأشهرها الرّصافة ومنية ابن أبي عامر.
وقال الشرف أبو جعفر بن مسعدة الغرناطي من أبيات فيها:
هي الفردوس في الدنيا جمالاًلساكنها وكارهها البعوض وقال بعضهم فيها:
ضاقت بلنسية بيوذاد عنّي غموضي
رقص البراغيث فيهاعلى غناء البعوض وفيها لابن الزقاق البلنسي:
بلنسيةٌ إذا فكّرت فيهاوفي آياتها أسنى البلاد
وأعظم شاهدي منها عليهاوأنّ جمالها للعين بادي
كساها ربّها ديباج حسنٍ ... له علمان من بحرٍ ووادي وقال ابن سعيد أيضاً: أنشدني والدي قال: أنشدني مروان بن عبد الله ابن عبد العزيز ملك بلنسية لنفسه بمراكش قوله:
كأنّ بلنسيةً كاعبٌوملبسها سندسٌ أخضر
إذا جئتها سترت نفسها ... بأكمامها فهي لا تظهر وأمّا قول أبي عبد الله بن عياش " بلنسية بيني - البيتين " وقد سبقا، فقال ابن سعيد: إن ذلك حيث صارت ثغراً يصابحها العدوّ ويماسيها، انتهى.
وقال أبو الحسن بن حريق يجاوب ابن عياش:
بلنسيةٌ قرارة كلّ حسنٍحديثٌ صحّ في شرقٍ وغرب
فإن قالوا محلّ غلاء سعرٍومسقط ديمتي طعنٍ وضرب
فقل هي جنّةٌ حفّت رباهابمكروهين من جوعٍ وحرب وقال الرّصافي في رصافتها:
ولا كالرّصافة من منزلٍسقته السحائب صوب الوليّ
أحنّ إليها ومن لي بها ... وأين السّريّ من الموصليّ وقال ابن سعيد: وبرصافة بلنسية مناظر وبساتين ومياه، ولا نعلم في الأندلس ما يسمى بهذا الاسم إلا هذه ورصافة قرطبة، انتهى.
ومن أعمال بلنسية قرية المنصف التي منها الفقيه الزاهد أبو عبد الله المنصفي وقبره كان بسبتة يزار، رحمه الله تعالى، ومن نظمه:
قالت لي النّفس أتاك الردىوأنت في بحر الخطايا مقيم
فما ادّخرت الزاد، قلت: اقصري ... هل يحمل الزاد لدار الكريم ومن عمل بلنسية قرية بطرنة، وهي التي كانت فيها الوقيعة المشهورة للنصارى على المسلمين، وفيها يقول أبو إسحاق بن معلّى الطرسوني:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستمحلل الحرير عليكم ألوانا
ما كان أقبحهم وأحسنكم بها ... لو لم يكن ببطرنةٍ ما كانا ومن عمل بلنسية متّيطة التي نسب إليها جماعةٌ من العلماء والأدباء.
ومن عمل بلنسية مدينة أندة التي في جبلها معدن الحديد، وأما رندة - بالراء - فهي في متوسط الأندلس، ولها حصنٌ يعرف بأندة أيضاً.
[متفرجات إشبيلية]
وفي إشبيلية - أعادها الله - من المتفرّجات والمتنزهات كثيرٌ، ومن ذلك مدينة طريانة، فإنّها من مدن إشبيلية ومتنزهاتها، وكذلك تيطل، فقد ذكر ابن سعيدٍ جزيرة تيطل في المتفرجات.
[موسى بن سعيدٍ يأبى فراق الأندلس]
وقال أبو عمران موسى بن سعيدٍ في جوابه لأبي يحيى صاحب سبتة لما استوزره مستنصر بني عبد المؤمن، وكتب إلى المذكور يرغبه في النقلة عن الأندلس إلى مرّاكش، ما نصّ محلّ الحاجة منه: وأمّا ما ذكر سيّدي من التخيير بين ترك الأندلس وبين الوصول إلى حضرة مراكش، فكفى الفهم العالي من الإشارة قول القائل:
والعزّ محمودٌ وملتمسٌ ... وألذّه ما نيل في الوطن فإذا نلت بك السماء في تلك الحضرة، فعلى من أسود فيها؟ ومن ذا أضاهي بها؟
لا رقت بي همةٌ إن لم أكن ... فيك قد أمّلت فوق الأمل وبعد هذا، فكيف أفارق الأندلس وقد علم سيّدي أنها جنّة الدنيا بما
حباها الله به من اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، وكثافة الأفياء، وأن الإنسان لا يبرح فيها بين قرّة عينٍ وقرار نفسٍ:
هي الأرض لا وردٌ لديها مكدّرٌ ... ولا ظلّ مقصورٌ ولا روضٌ مجدب أفقٌ صقيلٌ، وبساطٌ مدبّجٌ، وماءٌ سائحٌ، وطائرٌ مترنمٌ بليلٌ، وكيف يعدل الأديب عن أرضٍ على هذه الصفة؟ فيا سموأل الوفاء، ويا حاتم السماح، ويا جذيمة الصفاء، كمّل لمن أمّلك النعمة بتركه في موطنه، غير مكدّرٍ لخاطره بالتحرك من معدنه، ملتفتاً إلى قول القائل:
وسوّلت لي نفسي أن أفارقها ... والماء في المزن أصفى منه في الغدر فإن أغناه اهتمام مؤمّله عن ارتياد المراد، وبلّغه دون أن يشد قتباً ولا أن ينضي عيساً غاية المراد، أنشد ناجح المرغوب، بالغ المطلوب:
وليس الذي يتّبّع الوبل رائداً ... كمن جاءه في داره رائد الوبل وربّ قائلٍ إذا سمع هذا التبسط على الأماني: ماله تشطّط، وعدل عن سبيل التأدب وتبسّط؟ ولا جواب عندي إلاّ قول القائل:
فهذه خطّة مازلت أرقبها ... فاليوم أبسط آمالي وأحتكم وما لي لا أنشد ما قاله المتنبي في سيف الدولة:
ومن كنت بحراً له يا عليّلم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا انتهى المقصود منه
[شريش ومجبناتها]
وقال الحجاري: إن مدينة شريش بنت إشبيلية، وواديها ابن واديها، ما أشبه سعدى بسعيد، وهي مدينةٌ جليلةٌ ضخمة الأسواق، لأهلها هممٌ، وظرفٌ في اللباس، وإظهار الرفاهية، وتخلّقٌ بالآداب، ولا تكاد ترى بها إلاّ عاشقاً ومعشوقاً، ولها من الفواكه ما يعم ويفضل، وممّا اختصت به إحسان الصنعة في المجبنات، وطيب جبنها يعين على ذلك، ويقول أهل الأندلس: من دخل شريش ولم يأكل بها المجبنات فهو محروم، انتهى.
(والمجبنات: نوع من القطائف يضاف إليها الجبن في عجينها، وتقلى بالزيت الطيّب).
[شلب وكورة أكشونبة]
وفي شلب يقول الفاضل الكاتب أبو عمرو بن مالك بن سيدمير:
أشجاك النسيم حين يهبّأم سنى البرق إذ يخبّ ويخبو
أم هتوفٌ على الأراكة تشدوأم هتونٌ من الغمامة سكب
كلّ هذاك للصّبابة داعٍأيّ صبٍّ دموعه لا تصبّ
أنا لولا النسيم والبرق والورق وصوب الغمام ما كنت أصبو
ذكرتني شلباً وهيهات منّي ... بعدما استحكم التّباعد شلب وتسمى أعمال شلب كورة أكشونبة، وهي متصلة بكورة أشبونة، وهي - أعني أكشونبة - قاعدةٌ جليلةٌ، لها مدنٌ ومعاقلٌ، ودار ملكها قاعدة شلب،
وبينها وبين قرطبة سبعة أيام، ولما صارت لبني عبد المؤمن ملوك مراكش أضافوها إلى كورة إشبيلية، وتفتخر شلب بكون ذي الوزارتين ابن عمّار منها، سامحه الله.
ومنها القائد أبو مروان عبد الملك بن بدران، وربما قيل " ابن بدرون " الأديب المشهور، شارح قصيدة ابن عبدون التي أولها:
الدّهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصّور وهذا الشرح شهيرٌ بهذه البلاد المشرقية، ومن نظم ابن بدرون المذكور قوله:
العشق لذّته التّعنيق والقبلكما منغّصه التثريب والعذل
يا ليت شعري هل يقضى وصالكم ... لولا المنى لم يكن ذا العمر يتّصل ومنها نحويّ زمانه وعلاّمته أبو محمد عبد الله بن السّيد البطليوسي، فإن شلباً بيضته، ومنها كانت حركته ونهضته، كما في الذخيرة، وهو القائل:
إذا سألوني عن حالتيوحاولت عذراً فلم يمكن
أقول: بخيرٍ، ولكنّهكلامٌ يدور على الألسن
وربّك يعلم ما في الصّدورويعلم خائنة الأعين
[أشعارٌ في بطليوس وشاطبة وبرجة]
وقال الوزير أبو عمرو بن الفلاّس يمدح بطليوس بقوله:
بطليوس لا أنساك ما اتّصل البعدفلله غورٌ في جنابك أو نجد
ولله دوحاتٌ تحفّك بينها ... تفجّر واديها كما شقّق البرد وبنو الفلاّس من أعيان حضرة بطليوس، وأبو عمرو المذكور أشهرهم، وهو من رجال الذخيرة والمسهب، رحمه الله تعالى.
وفي شاطبة يقول بعضهم:
نعم ملقى الرّحل شاطبةٌلفتىً طالت به الرّحل
بلدةٌ أوقاتها سحرٌوصباً في ذيله بلل
ونسيمٌ عرفه أرجٌورياضٌ غصنها ثمل
ووجوهٌ كلّها غررٌوكلامٌ كلّه مثل وفي برجة يقول بعضهم:
إذا جئت برجة مستوفزاًفخذ في المقام وخلّ السّفر
فكلّ مكانٍ بها جنّةٌوكلّ طريقٍ إليها سقر وقد تقدّم هذان البيتان
[رسالة للسان الدين في تفضيل الجهاد على الحج]
واعلم أنّه لو لم يكن للأندلس من الفضل سوى كونها ملاعب الجياد للجهاد
لكان كافياً، ويرحم الله لسان الدين بن الخطيب حيث كتب على لسان سلطانه إلى بعض العلماء العاملين ما فيه إشارةٌ إلى بعض ذلك، ما نصّه: من أمير المسلمين فلان، إلى الشيخ كذا ابن الشيخ كذا، وصل الله له سعادةً تجذبه، وعنايةً إليه تقرّبه، وقبولاً منه يدعوه إلى خير ما عند الله ويندبه، سلامٌ كريمٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، أمّا بعد حمد الله المرشد المثيب، السميع المجيب، معوّد اللطف الخفي والصنع العجيب، المتكفّل بإنجاز وعد النصر العزيز والفتح القريب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمدٌ رسوله ذي القدر الرفيع والعز المنيع والجناب الرحيب، الذي به نرجو ظهور عبدة الله على عبدة الصليب، ونستظهر منه على العدو بالحبيب، ونعدّه عدّتنا لليوم العصيب، والرضا عن آله وصحبه الذين فازوا من مشاهدته بأوفى النصيب، ورموا إلى هدف مرضاته بالسّهم المصيب، فإنّا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم عملاً صالحاً يختم الجهاد صحائف بره، وتتمحّض لأن تكون كلمة الله هي العليا جوامع أمره، وجعلكم ممن تنهى في الأرض التي فتح فيها أبواب الجنة حصة عمره - من حمراء غرناطة - حرسها الله تعالى - ولطف الله هامي السحاب، وصنعه رائق الجناب، والله يصل لنا ولكم ما عوّده من صلة لطفه عند انبتات الأسباب، وإلى هذا أيها المولى الذي هو بركة المغرب المشار إليه بالبنان، وواحده في رفعة الشان، المؤثر ما عند الله على الزخرف الفتّان، المتقلّل من المتاع الفان، المستشرف إلى مقام العرفان، من درج الإسلام والإيمان والإحسان، فإنّنا لما نؤثره من بركم الذي نعدّه من الأمر الأكيد، ونضمره من ودكم الذي نحلّه محل الكنز العتيد، ونلتمسه من دعائكم التماس العدة والعديد، لا نزال نسأل
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع