تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٤)

ولابن حزم أيضاً قوله:

لا تلمني لأنّ سبقة لحظٍفات إدراكها ذوي الألباب
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة

يسبق الكلب وثبة الليث في العد ... وويعلو النّخال في اللّباب ولأبي بكر ابن مفوّز جزء يردّ فيه على أبي محمد ابن حزم، وفيه قال معرّضاً:

يا من تعاني أموراً لن تعانيهاخلّ التعاني وأعط القوس باريها
للشاعر الرضي الشاطبي الأنصاري، اقرأ القصيدة
تروي الأحاديث عن كلٍّ مسامحةًوإنّما لمعانيها معانيها وقيل: إنّه خاطب بهما بعض أصحاب ابن حزم

رجع إلى القاضي أبي الوليد الباجي

ومن نظمه قوله من مرثية:

أحنّ ويثني اليأس نفسي على الأسىكما اضطرّ محمولٌ على المركب الصّعب ومن جيد نظمه قوله:
اسرّوا على الليل البهيم سراهمفنمّت عليهم في الشمال شمائل
متى نزلوا ثاوين بالخيف من منىًبدت للهوى بالمأزمين مخايل
فلله ما ضمّت منىً وشعابهاوما ضمّنت تلك الرّبى والمنازل
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
ولمّا التقينا للجمار وأبرزتأكفٌّ لتقبيل الحصى وأنامل
للشاعر أبو الوليد الباجي، اقرأ القصيدة
أشارت إلينا بالغرام محاجرٌوباحت به منّا جسومٌ نواحل

وقال الباجي أبو الوليد رحمه الله تعالى:

مضى زمن المكارم والكرامسقاه الله من صوب الغمام
وكان البرّ فعلاً دون قولٍفصار البرّ نطقاً بالكلام وذيّله بعضهم بقوله:
وزال النّطق حتّى لست تلقىفتىً يسخو بردٍّ للسّلام

وزاد الأمر حتّى ليس إلاّ ... سخيٌّ بالأذى أو بالملام ومنهم الفقيه العالم الشهير أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري الطرطوشي صاحب سراج الملوك، ويعرف بابن أبي رندقة - بالراء المهملة المفتوحة، وسكون النون - وكفى بسراج الملوك دليلاً على فضله.

ذكره ابن بشكوال في الصلة، وتوفّي بالإسكندرية، في شعبان، وقيل: جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة، وزرت قبره بالإسكندرية، وممّن أخذ عنه الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربي وغيره.

ومن نظم الطرطوشي قوله من رسالة:

أقلّب طرفي في السّماء تردّداًلعلّي أرى النّجم الذي أنت تنظر
وأستعرض الرّكبان من كلّ وجهةٍلعلّي بمن قد شمّ عرفك أظفر
وأستقبل الأرواح عند هبوبهالعلّ نسيم الريح عنك يخبّر
وأمشي ومالي في الطّريق مآربٌعسى نغمةٌ باسم الحبيب ستذكر
وألمح من ألقاه من غير حاجةٍعسى لمحةٌ من نور وجهك تسفر ومن نظمه أيضاً قوله:
يقولون ثكلى ومن لم يذقفراق الأحبّة لم يثكل
لقد جرّعتني ليالي الفراقكؤوساً أمرّ من الحنظل وممّا نسب إليه:
إذا كنت في حاجة مرسلاًوأنت بإنجازها مغرم
فأرسل بأكمه جلاّبةبه صممٌ أغطشٌ أبكم
ودع عنك كلّ رسولٍ سوىرسولٍ يقال له الدرهم وكان كثيراً ما ينشد:
إنّ لله عباداً فطناطلّقوا الدّنيا وخافوا الفتنا
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «إن من أهواه غيري لا أنا»
فكّروا فيها فلمّا علمواأنّها ليست لحيٍّ وطنا

جعلوها لجّةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا وقال رحمه الله تعالى: كنت ليلة نائماً بالبيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتاً حزيناً ينشد:

أخوفٌ ونومٌ، إنّ ذا لعجيبثكلتك من قلبٍ فأنت كذوب
أما وجلال الله لو كنت صادقاًلما كان للإغماض فيك نصيب

قال: فأيقظ النوّام، وأبكى العيون.

وكان رحمه الله تعالى زاهداً، متورعاً، متقلّلاً من الدنيا، قوّالاً للحق. وكان يقول: إذا عرض لك أمر دنيا وأخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى. وله طريقة في الخلاف.

ودخل مرّة على الأفضل ابن أمير الجيوش فوعظه، وقال له: إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنّما صار إليك بموت من قبلك، وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك، فاتّق الله فيما خوّلك من هذه الأمّة، فإن الله، ﷿، سائلك عن النقير والقطمير والفتيل، واعلم أن الله، ﷿، آتى سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخّر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم، وسخّر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع، فقال عزّ من قائل: " هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حسابٍ " فما عدّ ذلك نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجاً من الله، ﷿، فقال: " هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر " فافتح الباب، وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم.

وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فأنشده:

يا ذا الذي طاعته قربةوحقّه مفترضٌ واجب
إن الذي شرفت من أجلهيزعم هذا أنّه كاذب وأشار إلى النصراني، فأقامه الأفضل من مكانه

والطّرطوشي - بضم الطاءين - نسبة إلى طرطوشة من بلاد الأندلس،

وقد تفتح الطاء الأولى.

وعبر عنه ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق بالأستاذ.

وكان رحمه الله تعالى صحب القاضي أبا الوليد الباجي رحمه الله تعالى بسرقسطة، وأخذ عنه مسائل الخلاف، وسمع منه وأجازه، وقرأ الفرائض والحساب بوطنه، وقرأ الأدب على أبي محمد ابن حزم بمدينة إشبيلية، ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربعمائة، ودخل بغداد والبصرة فتفقّه عند أي بكر الشاشي وأبي محمد الجرجاني، وسمع بالبصرة من أبي علي التّستري، وسكن الشام مدّة، ودرس بها، وكان راضياً باليسير.

وقال الصفدي في ترجمة الطرطوشي: إن الأفضل ابن أمير الجيوش أنزله في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد، وكان يكرهه، فلمّا طال مقامه به ضجر، وقال لخادمه: إلى متى نصبر اجمع لي المباح، فجمعه، وأكله ثلاثة أيام، فلمّا كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة، فلمّا كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون بن البطائحي فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً، وله ألّف الشيخ سراج الملوك، انتهى.

ومقامه - أعني الطرطوشي - مشهور، وهذه الحكاية تكفي في ولايته.

ومن تآليفه " مختصر تفسير الثعالبي "، و " الكتاب الكبير في مسائل الخلاف "، وكتاب " في تحريم جبن الروم "، وكتاب " بدع الأمور ومحدثاتها "، وكتاب " شرح رسالة الشيخ ابن أبي زيد ".

وولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريباً، ولمّا توفّي صلى عليه ولده محمد، ودفن رحمه الله تعالى قبل الباب الأخضر بإسكندرية، وزرت قبره مراراً، رحمه الله تعالى، ورضي عنه، ونفعنا به.

وكان القاضي عياض ممن استجازه فأجازه ولم يلقه، وشهرته رضي الله

تعالى عنه تغني عن الإطناب.

وحكي أنّه كتب على " سراج الملوك " الذي أهداه لولي الأمر بمصر:

الناس يهدون على قدرهملكنّني أهدي على قدري

يهدون ما يفنى وأهدي الذي ... يبقى على الأيّام والدّهر وحكي أنّه سمع رضي الله تعالى عنه منشداً نشد للوأواء:

قمرٌ أتى من غير وعدفي ليلةٍ طرقت بسعد
بات الصّباح إلى الصباح معانقي خدّاً بخدّ

يمتاز فيّ وناظري ... ما شئت من خمر وشهد فقال: أو يظن هذا الدمشقي أن أحداً لا يحسن ينظم الكذب غيره لو شئنا لكذبنا مثل هذا؛ ثم أنشد لنفسه يعارضه:

قمر بدا من غير وعدحفّت شمائله بسعد
قبّلته ورشفت مافي فيه من خمر وشهد
فرشفت مزن السلسبيل بزنجبيلٍ مستعدّ
ولثمت فاه من الغروب إلى الصّباح المستجدّ
وسكرت من رشفي العقيق على أقاحٍ تحت رند
فنزعت عن فمه فميووضعت خدّاً فوق خدّ
وشممت عرف نسيمه الجاري على مسكٍ وندّ
وصحوت من ريّا القرنفل بين ريحانٍ وورد
وألذّ من وصلي بهشكواه وجداً مثل وجدي ومن نظم الطرطوشي قوله أيضاً:
كأنّ لساني والمشكلاتسنا الصّبح ينحر ليلاً بهيما
وغيري إن رام ما رمتهخصيٌّ يحاول فرجاً عقيما وقوله أيضاً:
فاعمل لمعادك يا رجلفالقوم لدنياهم عملوا

واذخر لمسيرك من زادٍ ... فالقوم بلا زادٍ رحلوا ومنهم محمد بن عبد الجبار الطرطوشي، وفد إلى المشرق، وذكره العماد في الخريدة وله في الآمدي العلي بمصر، وكان يخضب بسواد الرّمان، يخضب بأقبح سواد خضب به:

اخلط العفص فيه يا أحوج النّا ... س إلى العفص حين يعكس عفص ومنهم القاضي الشهيد أبو علي الصدفي، وهو حسين بن محمد بن فيرّه بن حيّون، ويعرف بابن سكّرة، وهو من أهل سرقسطة، سكن مرسية، وروى بسرقسطة عن الباجي وأبي محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل وغيرهما، وسمع ببلنسية من أبي العباس العذري، وسمع بالمريّة من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي وأبي عبد الله ابن المرابط وغيرهما،

ورحل إلى المشرق أول المحرم من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وحج من عامه، ولقي بمكّة أبا عبد الله الحسن بن علي الطبري وأبا بكر الطرطوشي وغيرهما، ثم سار إلى البصرة فلقي بها أبا يعلى المالكي وأبا العباس الجرجاني وأبا القاسم ابن شعبة وغيرهم، وخرج إلى بغداد فسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الأصبهاني وغيره، ودخل بغداد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة، وسمع بها من أبي الفضل ابن خيرون مسند بغداد، ومن أبي الحسين المبارك ابن عبد الجبار الصيرفي، وطراد الزينبي، والحميدي، وغيرهم، وتفقّه عند أبي بكر الشاشي وغيره، ثم رحل منها سنة سبع وثمانين، فسمع بدمشق من أبي الفتح نصر المقدسي وأبي الفرج الأسفراييني وغيرهما، وسمع بمصر من القاضي أبي الحسن الخلعي وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي، وأجاز له الحبال مسند مصر في وقته ومكثرها، وسمع بالإسكندريّة من أبي القاسم الوراق وشعيب بن سعيد وغيرهما، ووصل إلى الأندلس في صفر من سنة تسعين وأربعمائة، وقصد مرسية، فاستوطنها، وقعد يحدّث الناس بجامعها، ورحل الناس من البلدان إليه، وكثر سماعهم عليه، وكان عالماً بالحديث وطرقه، عارفاً بعلله، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط جيّد الضبط، وكتب بخطّه علماً كثيراً، وقيّده، وكان حافظاً لمصنّفات الحديث، قائماً عليها، ذاكراً لمتونها وأسانيدها ورواتها، وكتب منها صحيح البخاري في سفر، وصحيح مسلم في سفر، وكان قائماً على الكتابين مع مصنّف أبي عيسى الترمذي، وكان فاضلاً ديّناً متواضعاً حلوماً وقوراً عالماً عاملاً، واستقضي بمرسية، ثم استعفى فأعفي،

وأقبل على نشر العلم وبثّه.

وقد ذكره أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه لدخوله الشام، قال: وبعد أن استقرت به النوى، واستمرت إفادته بما قيّد وروى، رفعته ملوك أوانه، وشفّعته في مطالب إخوانه، فأوسعته رعياً، وأحسنت فيه رأياً، ومن أبنائهم من جعل يقصده، لسماع يسنده، وعلى وقاره الذي كان به يعرف، ندر له مع بعضهم ما يستطرف، وهو أن فتىً يسمى يوسف لازم مجلسه، معطراً رائحته ومنظفاً ملبسه، ثم غاب لمرض قطعه، أو شغل منعه، ولمّا فرغ أو أبلّ، عاود ذلك النادي المبارك والمحلّ، وقبل إفضائه إليه، دلّ طيبه عليه، فقال الشيخ على سلامته من المجون، وخلاصه من الفتون: " إنّي لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون " وهي من طرف نوادره رحمة الله عليه.

ولمّا قلّد قضاء مرسية وعزم عليه صاحب الأمر فيه فرّ من المرية فأقام بها سنة خمس وبعض سنة ست وخمسمائة، وفي سنة ست قبل قضاءها على كره إلى أن استخفى آخر سنة سبع في قصّة يطول إيرادها، وبطول مقامه بالمرية أخذ الناس عنه بها، فلمّا كانت وقعة كتندة كان ممّن حضرها ففقد فيها سنة أربع عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى.

وقال القاضي عياض: ولقد حدّثني الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر أنّه قال له: خذ الصحيح، واذكر أيّ متن شئت منه أذكر لك سنده، أو أيّ سند شئت أذكر لك متنه، انتهى.

وذكر غير واحد أنّه حدّث ببغداد بحديث واحد، والله أعلم؛ وهو من أبناء الستين.

ومنهم ابن أبي روح الجزيري، ومن شعره لما تغرب بالمشرق قوله:

أحنّ إلى الخضراء في كلّ موطنحنين مشوقٍ للعناق وللضّمّ

وما ذاك إلاّ أنّ جسمي رضيعها ... ولا بدّ من شوق الرضيع إلى الأمّ ومنهم العالم أبو حفصٍ عمر بن حسن الهوزني، الحسيب العالم المحدّث، ذكره ابن بسام في الذخيرة والحجاري في " المسهب "، وسبب رحلته للمشرق أنّه لمّا تولى المعتضد بن عبّاد خاف منه، فاستأذنه في الحج سنة، ورحل إلى مصر، ثم إلى مكّة، وسمع [في طريقه كتاب] صحيح البخاري، وعنه أخذه أهل الأندلس، ورجع، وسكن إشبيلية وخدم المعتضد، فقتله [ومن خاف من شيء سلط عليه، وكان قتله يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول] سنة ستين وأربعمائة.

ومن شعره يحرّضه على الجهاد:

أعبّاد جلّ الرّزء والقوم هجّععلى حالةٍ من مثلها يتوقّع
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة
فلقّ كتابي من فراغك ساعةوإن طال فالموصوف للطول موضع
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة

إذا لم أبثّ الداء ربّ شكاية ... أضعت، وأهلٌ للملام المضيّع [ووصله بنثر، وهو]: وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها،

ولا أرجأ الدليل من أناط الأمور بأربابها، ولربّ أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبّق مفاصلها فقد أمكنك الحزّ، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب.

وله:

صرّح الشرّ فلا يستقلّإن نهلتم جاءكم بعد علّ
للشاعر أبو حفص الهوزني، اقرأ القصيدة
بدء صعق الأرض رشٌّ وطلّورياحٌ ثم غيمٌ أبلّ

خفّضوا فالداء رزءٌ أجلّ ... واغمدوا سيفاً عليكم يسلّ وابنه أبو القاسم هو الذي كان سبب فساد دولة المعتمد بن عباد بسبب قتل المعتضد والده كما مرّ؛ [وبيت بني الهوزني بالأندلس بيت كبير مشهور ومنهم عدّة علماء وكبراء، رحم الله الجميع].

ومنهم أبو عمرو عثمان بن الحسين، أخو الحافظ أبي الخطاب ابن دحية الآتي ذكره، كان أسنّ من أخيه أبي الخطاب، وكان حافظاً للغة العرب، قيّماً بها، وعزل الملك الكامل أبا الخطاب عن دار الحديث الكاملية التي أنشأها بين القصرين ورتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور، ولم يزل بها إلى أن توفّي

سنة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم كأخيه، وكان موت أبي عمرو بعد أبي الخطاب بسنة، رحمهما الله تعالى.

ومنهم الكاتب أبو بكر محمد بن القاسم، من أهل وادي الحجارة، ويعرف باشكنهادة، وارتحل إلى المشرق لما نبت به حضرة قرطبة عند تقلب دولها، وتحول ملوكها وخولها، فجال في العراق، وقاسى ألم الفراق، واجتاز بحلب، وأقام بها مقام غريب لم يصف له حلب، وقال:

أين أقصى الغرب من أرض حلبأملٌ في الغرب موصول التّعب
حنّ من شوقٍ إلى أوطانهمن جفاه صبره لمّا اغترب
جال في الأرض لجاجاً حائراًبين شوقٍ وعناء ونصب
كلّ من يلقاه لا يعرفهمستغيثاً بين عجمٍ وعرب
لهفّ نفسي أين هاتيك العلاواضياعاه ويا غبن الحسب
والذي قد كان ذخراً وبهأرتجي المال وإدراك الرّتب
صار لي أبخس ما أعددتهبين قومٍ ما دروا طعم الأدب
يا أحبّاي اسمعوا بعض الذييتلقّاه الطّريد المغترب
وليكن زجراً لكم عن غربةٍيرجع الرأس لديها كالذنب
واحملوا طعناً وضرباً دائماًفهو عندي بين قومي كالضّرب
ولئن قاسيت ما قاسيتهفيما أبصر لحظي من عجب
ولقد أخبركم أن ألتقيبكم حتى تقولوا قد كذب

واجتاز بدمشق فقال من أبيات رحمه الله تعالى:

دمشقٌ جنّة الدنيا حقيقاًولكن ليس تصلح للغريب

بها قومٌ لهم عددٌ ومجدٌ ... وصحبتهم تؤول إلى حروب ثم إنّه ودع الشرق بلا سلام، وحلّ بحضرة دانية لدى ملكها مجاهد العامري في بحبوحة عزٍّ لا يخشى فيه الملام، واستقبل الأندلس بخاطر جديد، ونال بها بعد من بلوغ الآمال ما ليس له عليه مزيد، وقال:

وكم قد لقيت الجهد قبل مجاهدوكم أبصرت عيني وكم سمعت أذني
ولاقيت من دهري وصرف خطوبهكما جرت النكباء في معطف الغصن

فلا تسألوني عن فراق جهنم ... ولكن سلوني عن دخولي إلى عدن وله من كتاب: وحامل كتابي - سلّمه الله تعالى وأعانه - ممّن أخنى عليه الزمان، وأدار عليه وما صحا إلى الآن كؤوس الهوان، وقد قصد على بعدٍ جنابك الرحيب الخصيب، قصد الحسن محلّ الخصيب، ويمم جناب ابن طاهر حبيب، وإنّي لأرجو أن يرجع منك رجوع نصيب عن سليمان، ويستعين في شكرك بكل لسان، وأنت عليم بأن الثناء هو الخلف، وقد قال الأول:

أرى الناس أحدوثةًفكوني حديثاً حسن وأنا القائل:
فلا تزهدن في الخير قد مات حاتمٌوأخباره حتى القيامة تذكر

ومع هذا فهو عليه بقدر ما يحتمل من التكليف هذا الأوان، عارف وجوه الأعذار غير ذي عجل في العتب قبل البيان، وعند سيدي من التهدي للإيصاء، ما يحقق فيه جميع الرجاء، ودامت أرجاؤه مؤملة، ولا برحت نعمه سابغة مكملة.

ومنهم الكاتب أبو عبد الله محمد بن عبد ربه المالقي، وقال بعضهم: إنّه من الجزيرة الخضراء، له رحلة إلى الديار المصريّة، صنع فيها مقامة يقول فيها:

في جنبات الروض نهرٌ ودوحةٌيروقك منها سندسٌ ونضار
تقول وضوء البدر فيه مغرّبٌذراع فتاةٍ دار فيه سوار ومن شعره:
ما كلّ إنسانٍ أخٌ منصفولا الليالي أبداً تسعف
فلا تضع إن أمكنت فرصةًواصحب من الإخوان من ينصف

وانتف من الدهر ولو ريشةً ... فإنّما حظّك ما تنتف وقوله يرثي السيد أبا عمران ابن أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس:

بجيد المعالي أيّ عقدٍ تبدّداوصدر العوالي أيّ رمحٍ تقصّدا
ولمّا دهت خيل الشقيّ فجاءةًوسال العدا بحراً من الموت مزبدا
شهدت بوجهٍ كالغزالة مشرقاًوإن كان وجه الشمس بالنّقع مربدا

عزائم صدقٍ ليس تصرف هكذا ... إلى الموت تسعى أو على الموت يعتدى وكان السيد أبو عمران المرثي قتله الميورقي صاحب فتنة إفريقية في الهزيمة المشهورة على تاهرت، وجمع ابن عبد ربّه المذكور شعر السيد أبي الربيع ابن عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي، وكان ابن عبد ربه المذكور كاتباً للسيد أبي الربيع سليمان المذكور، ولما أنشد لبعض الشعراء:

حاكت يمين الرّياح محكمةًفي نهرٍ واضح الأسارير
فكلّما ضعّفت به حلقاًقام لها القطر بالمسامير أنشد لنفسه:
بين الرياض وبين الجوّ معتركٌبيضٌ من البرق أو سمرٌ من السّمر
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
إن أوترت قوسها كفّ السماء رمتنبلاً من الماء في زغفٍ من الغدر
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة

لأجل ذاك إذا هبّت طلائعها ... تدرّع النهر واهتزت قنا الشجر واجتمع ابن عبد ربه المذكور في رحلته بالسعيد ابن سناء الملك، وأخذ عنه شيئاً من شعره، ورواه بالمغرب.

ومنهم الشاعر الأديب أبو محمد عبد المنعم بن عمر بن حسان المالقيّ، ومن نظمه في السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب من قصيدة رحمه الله تعالى:

وفي صهوات المقربات وفي القناحصون حمىً لا في هضاب المعاقل ومنها:

ولا ملك يأتي كيوسف آخراً ... كما لم يجئ مثلٌ له في الأوائل ومنهم الحافظ أبو الخطاب ابن دحية، وهو مجد الدين عمر بن الحسن بن علي بن محمد [بن الجميّل] بن فرح بن خلف، الظاهري المذهب، الأندلسي، كان من كبار المحدثين، ومن الحفاظ الثّقات الأثبات المحصلين، استوطن بجاية في مدة أبي عبد الله ابن يومور، وروى بها، وأسمع، وكان من أحفظ أهل زمانه باللغة، حتى صار حوشيّ اللغة عنده مستعملاً غالباً، ولا يحفظ الإنسان من اللغة حوشيّها إلاّ وذلك أضعاف أضعاف محفوظه من مستعملها، وكان قصده - والله تعالى أعلم - أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له رسائل ومخاطبات كلّها مغلقات مقفلات، وكان - رحمه الله تعالى - إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير ذلك يكتب ابن دحية ودحية معاً التشبّه به جبريل وجبرائيل، ويذكر ما ينيّف على ثلاثة عشرة لغة مذكورة

في جبريل، ويقول عند فاطر السموات والأرض، وهذا فرع انفرد به عمّن عداه من أهل العلم.

قال صاحب عنوان الدراية: رأيت له تصنيفاً في رجال الحديث لا بأس به، وارتحل إلى المشرق في دولة بني أيوب، فرفعوا شأنه، وقربوا له مكانه، وجمعوا له علماء الحديث، وحضروا له مجلساً أقروا له بالتقدم، وعرفوا أنّه من أولي الضبط والإتقان والتفهم، وذكروا أحاديث بأسانيد حوّلوا متونها، فأعاد المتون المحوّلة، وعرّف عن تغييرها، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية، ومثل هذه الحكاية اتفق لأبي عمر ابن عات في كتاب مسلم بمراكش ببيت الطلبة منها.

ومن شعر أبي الخطاب ما كتب به إلى الكامل بن العادل بن أيوب:

ما لي أسائل برق بارق عنكممن بعد ما بعدت دياري منكم
فمحلّكم قلبي وأنتم بالحشالا بالعقيق ولا برامة أنتم
وأنا المقيم على الوفاء بعهدكميا مالكين، وفيتم أو خنتم وهو طويلة، ومنها:
رفعت له الأملاك منه سجيّةًملك السّماك الرمح وهو محرّم ومنها أيضاً:
لذوي النّهى والفهم سرّ حكومةقد حار فيها كاهنٌ ومنجّم
فاقصد مرادك حيث سرت مظفّراًوالله يكلأ والكواكب نوّم
وليهنك الشهر السعيد تصومهوتفوز فيه بالثواب وتغنم
فلأنت في الدنيا كليلة قدرهقدراً، فقدرك في الملوك معظّم فأجابه السلطان مكافأةً بنثر ونظم، فمن النظم:
وهيّجن شوقي للأجارع باللّوىوأين اللّوى مني وأين الأجارع
مرابع لو أنّ المرابع أنجمٌلكان نجوم الأرض تلك المرابع
رعى الله أياماً لها ولو أنّهاإليّ وقد ولّى الشباب رواجع
ليالي لا ليلى إذا رمت وصلهايلوح لها من صبح شيبي مواقع في جملة أبيات

ومن النثر: الحمد لله ولي الحمد، وقف ولده على الأبيات التي حسن شعرها، وصفا درّها، وليس من البديع أن يقذف البحر درّاً، أو ينظم الخليل شعراً، وقد أخذت الورقة لأتنزه في معانيها، وأستفيد بما أودعه فيها، فالله تعالى لا يخلينا من فوائد فكرته، وصالح أدعيته، والسلام.

فأجابه الحافظ أبو الخطاب عن الأبيات بقوله من قصيدة:

شجتني شواجٍ في الغصون سواجعففاضت هوامٍ للحفون هوامع وأكثر فيها من التغزل، إلى أن قال:
ولا حاكمٌ أرضاه بيني وبينهاسوى حاكمٍ دهري له اليوم طائع
يدافع عني الضّيم قائم سيفهإذا عزّ من للضّيم عنّي يدافع
هو الكامل الأوصاف والملك الذيتشير إليه بالكمال الأصابع
وبيض أياديه الكريمة في الورىقلائد في الأعناق وهي الصّنائع
ويوماه يوماه اللّذان هما هماإذا جمعت غلب الملوك المجامع ومنها:
فما روضةٌ غنّا بها مرّت الصّباونشر شذاها الطّيّب النّشر ذائع
له من شذيّ الزهر بردٌ مفوّفٌأتيح له من أرض صنعاء صانع
فراقك منها أخضر الثوب ناضرٌوشاقك منها أصفر اللون فاقع
وأحمر قانٍ للخدود مورّدٌوأبيض كالثغر المفلّج ناصع
بأحسن من توشيع مدحي الذي لهبدائع من وشي البديع وشائع
وما ضائعٌ من نشر شكري الذي بهتأرجت الأرجاء عندك ضائع
ولو لم يقيّدني نداك لكان ليمجالٌ فسيح في البسيطة واسع
فأنت الذي لي والأعادي كثيرةفويق مكان النجم في الأفق دافع ومنها:
بقيت لعبدٍ جدّه دحية الذييشابه جبريلٌ له ويضارع
وجدّته الزهراء بن محمدٍ﵇ الدائم المتتابع
ولا عدمت منك الممالك مالكاًيقرّب للآمال ما هو شاسع

ومنك عيونٌ للمهمّات يقّظٌ ... وعنك عيون الحادثات هواجع وقال المقريزي في ترجمة الملك الكامل: إنّه كان مشغوفاً بسماع الحديث النبوي، وبقدم عنده أبو الخطاب ابن دحية، وبنى له دار الحديث الكامليّة بين القصرين بالقاهرة، انتهى.

وقال أبو الخطاب ابن دحية: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه، وذكر أنّه ما سأل الله تعالى بها إلاّ أعطاه:

يا من يرى ما في الضمير ويسمعأنت المعدّ لكلّ ما يتوقّع
للشاعر أحمد بن فهد الحلي، اقرأ القصيدة
يا من يرجّى للشدائد كلّهايا من إليه المشتكى والمفزع
للشاعر أحمد بن فهد الحلي، اقرأ القصيدة
يا من خزائن رزقه في قول كنامنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌفبالافتقار إليك فقري أدفع
للشاعر معروف النودهي، من قصيدة «يا من يجود بما يشاء ويمنع»
ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌفلئن رددت فأيّ بابٍ اقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمهإن كان فضلك عن فقيرك يمنع
للشاعر أحمد بن فهد الحلي، اقرأ القصيدة
حاشا لجودك أن يقنّط عاصياًالفضل أجزل والمواهب أوسع ومن نظم السّهيلي رضي الله تعالى عنه:
أسائل عن جيرانه من لقيتهوأعرض عن ذكراه والحال تنطق
وما بي إلى جيرانه من صبابةٍولكنّ نفسي عن صبوحٍ ترقّق وله:
لمّا أجاب بلا طمعت بوصلهإذ حرف لا حرفان معتنقان
للشاعر أبو زيد السُهَيلي، اقرأ القصيدة

وكذا نعم بنعيم وصلٍ آذنت ... فنعم ولا في اللفظ متفقان ولد أبو الخطاب ابن دحية في ذي القعدة سنة سبع - أو ثمان - وأربعين وخمسمائة وتوفّي في انفجار الفجر ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم.

وتكلم فيه جماعة فيما ذكره ابن النجار، وقدره أجلّ ممّا ذكروه، وقد روى رحمه الله تعالى بالمغرب ومصر والشام والعراق وخراسان وعراق العجم، وكل ذلك في طلب الحديث، وسمع بالأندلس من ابن بشكوال وابن

زرقون في جمع كبير، وببغداد من أبي الفرج ابن الجوزي، وبأصبهان من أبي جعفر الصيدلاني معجم الطبراني ومن غيره، وبنيسابور من أبي سعيد ابن الصفّار ومنصور بن الفراوي والمؤيد الطوسي، وحصل الكتب والأصول، وحدّث، وأفاد، وكان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء، متقناً لعلم الحديث وما يتعلّق به، عارفاً بالنحو واللّغة وأيّام العرب وأشعارها.

وصنّف كتباً كثيرة مفيدة جدّاً، منها كتاب التنوير في مولد السراج المنير صنفه عند قدومه إلى إربل سنة أربع وستمائة، وهو متوجه إلى خراسان لمّا رأى ملك إربل مظفر الدين كوكبري معتنياً بعمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول كل عام، مهتمّاً به غاية الاهتمام، وكمله وقرأه عليه بنفسه، وختمه بقصيدة طويلة، فأجازه بألف دينار، وصنف أيضاً العلم المشهور في فضائل الأيّام والشهور، والآيات البيّنات في ذكر ما في أعضاء رسول الله صلّى اله عليه وسلّم من المعجزات وكتاب شرح أسماء النبي ﷺ وكتاب " النبراس في أخبار خلفاء بني العباس وكتاب الإعلام المبين في المفاضلة بين أهل صفّين ".

وولي قضاء بلد أصوله دانية مرتين، ثم صرف عن ذلك لسيرة نعيت عليه، فرحل عنها وحدث بتونس سنة، ثم حجّ وكتب بالمشرق عن جماعة بأصبهان ونيسابور، وعاد إلى مصر، فاستأدبه العادل لولده الكامل، وأسكنه القاهرة، فنال بذلك دنيا عريضة، ثم زادت حظوته عند الكامل، وأقبل عليه إقبالاً عظيماً وكان يعظمه ويحترمه، ويعتقد في الخير، ويتبرك به، حتى كان يسوي له المداس حين يقوم، وهو بلنسي كما قاله ابن خلّكان وغيره، وبلنسية مشهورة بشرق الأندلس.

ومنهم خلف بن القاسم بن سهل بن الدباغ، الحافظ، الأندلسي، رحل إلى المشرق، وكان حافظاً فهماً عارفاً بالرجال، حدث حديث مالك وشعبة وأشياء في الزهد، وسم بمصر أبا الحسن ابن الورد البغدادي ومسلم بن الفضل والحسن بن رشيق وجماعة، وسم بدمشق عليّ بن أبي العقب وأب الميمون ابن راشد وبمكّة من بكير الحداد وأي الحسن الخزاعي والآجري، وبقرطبة من أحمد بن يحيى بن الشاهد ومحمد بن معاوية، وتوفّي سنة.

ومنهم خلف بن سعيد بن عبد الله بن زرارة أبو القاسم ابن المرابط، الكلبي، من ذرية الأبرش الكلبي، ويعرف بالمبرقع، المحتسب، القرطبي، رحل إلى المشرق مرتين، أولاهما سنة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وسمع أبا سعيد ابن الأعرابي وابن الورد وأبا بكر الآجري، وروى عنه أبو إسحاق ابن شنظير وأبو جعفر الزهراوي، وقال ابن شنظير: إنّه توفّي في نحو الأربعمائة، رحمه الله تعالى، ورضي عنه.

ومنهم سابق فضلاء زمانه، أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصّلت الإشبيلي.

يقال: إن عمره ستون سنة، منها عشرون في بلده إشبيلية، وعشرون في إفريقية عند ملوكها الصّنهاجيين، وعشرون في مصر محبوساً في خزانة الكتب، وكان وجّهه صاحب المهدية إلى ملك مصر فسجن بها طول تلك المدة في خزانة الكتب، فخرج في فنون العلم إماماً، وأمتن علومه الفلسفة والطب والتلحين،

وله في ذلك تواليف تشهد بفضله ومعرفته، وكان يكنى بالأديب الحكيم، وهو الذي لحن الأغاني الإفريقية؛ قال ابن سعيد: وإليه تنسب إلى الآن. وذكره العماد في الخريدة. وله كتاب الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وتوفّي سنة، وقيل: سنة، بالمهدية، وقيل: مستهل السنة بعدها، ودفن بها.

وله فيمن اسمه واصل:

يا هاجراً سمّوه عمداً واصلاًوبضدّها تتبين الأشياء
ألغيتني حتى كأنّك واصلٌوكأنّني من طول هجري الراء وقوله، وهو من بدائعه:
لا غرو أن سبقت لهاك مدائحيوتدفقت جدواك ملء إنائها
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
يكسىالقضيب ولم يحن إثمارهوتطوّق الورقاء قبل غنائها وقال في الأفضل:
تردي بكلّ فتى إذا شهد الوغىنثر الرماح على الدروب كعوبا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
قد لوّحته يد الهواجر فاغتدىمثل القناة قضافةً وشحوبا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
تخذوا القنا أشطانهم واستنبطوافي كلّ قلبٍ بالطّعان قليبا ومنها:
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
تعطي الذي أعطتكه سمر القناأبداً فتغدو سالباً مسلوبا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

ومنها:

وأنا الغريب مكانه وبيانهفاجعل صنيعك في الغريب غريبا وله:
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
ومهفهفٍ شربت محاسن وجههما مجّه في الكاس من إبريقه

ففعالها من مقلتيه، ولونها ... من وجنتيه، وطعمها من ريقه أخذه من ابن حيّوس، وقصر عنه، في قوله:

ومهفهفٍ يغنى بلحظ جفونهعن كاسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقهافي مقلتيه ووجنتيه وريقه ولأبي الصلت فيمن اسمه محسن:
أيّها الظالم المسيء مدى دهره بنا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
ما لهم أخطأوا الصواب فسمّوك محسنا وله في لابس قرمزية حمراء:
أقبل يسعى أبو الفوارس فيمرأى عجيبٍ ومنظرٍ أنق
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
أقبل في فرمزيّةٍ عجبٍقد صبغت لون خدّه الشرق
كأنّما جيده وغرّتهمن دونها إذ بدون في نسق
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
عمود فجرٍ من فوقه قمرٌدارت به قطعةٌ من الشّفق

وله في ثقيل:

لي جليسٌ عجبت كيف استطاعتهذه الأرض والجبال تقلّه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
أنا أرعاه مكرهاً وبقلبيمنه ما يقلق الجبال أقلّه

فهو مثل المشيب أكره مرآ ... هـ ولكن أصونه وأجلّه أخذه من قول أبي الحسن جعفر بن الحاج اللورقي، وهم في عصر واحد:

لي صاحبٌ عميت عليّ شؤونهحركاته مجهولةٌ وسكونه
يرتاب بالأمر الجليّ توهّماًفإذا تيقّن نازعته ظنونه
للشاعر ابن الحاج المعافري اللورقي، اقرأ القصيدة

إنّي لأهواه على شرقي به ... كالشيب تكرهه وأنت تصونه وأوصى أن يكتب على قبره أبو الصلت المذكور ممّا نظمه قبيل موته:

سكنتك يا دار الفناء مصدّقاًبأنّي إلى دار البقاء أصير
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وأعظم ما في الأمر أنّي صائرٌإلى عادلٍ في الحكم ليس يجور
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندهاوزادي قليلٌ والذنوب كثير
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فإن أك مجزيّاً بذنبي فإنّنيبشرّ عقاب المذنبين جدير
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وإن يك عفوٌ ثمّ عنّي ورحمةٌفثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرور وله أيضاً:
إذا كان أصلي من تراب فكلّهابلادي، وكلّ العالمين أقاربي
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
ولا بدّ لي أن أسال العيس حاجةًتشقّ على شمّ الذّرا والغوارب وقال:
دبّ العذار بخدّه ثم انثنىعن لثم مبسمه البرود الأشنب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

لا غرو أن خشي الرّدى في لثمه ... فالريق سمٌّ قاتلٌ للعقرب وقد ذكروا أن من خواصّ ريق الإنسان أنّه يقتل العقرب، وهو مجرّب.

وقال:

لا تدعني ولتدع من شئتهإليك من عجمٍ ومن عرب
فنحن أكّالون للسّحت فيذراك سمّاعون للكذب وقال:
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
لا تسألنّي عن صنيع جفونهايوم الوداع وسل بذلك من نجا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
لو كنت أملك خدّه للثمتهحتى أعيد به الشقيق بنفسجا
أن كنت أهجع لاحتضنت خيالهاومنعت ضوء الصبح أن يتبلّجا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وبثثت في الظّلماء كحل جفونهاوعقدت هاتيك الذوائب بالدّجى وقال مهنّئاً بمولود:
يلوح في المهد على وجههتجهّم البأس وبشرى النّدى
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
الشمس والبدر إذا استجمعالم يلبثا أن يلدا فرقدا

فابق له حتى ترى نجله ... وإن عرا خطبٌ فنحن الفدا قال ابن سعيد: وهذا البيت الأخير من أثقل الشعر يتطير من سماعه، وتركه أولى.

وقال رحمه الله تعالى في الرصد:

فذا غديرٌ وذا روضٌ وذا جبلٌ ... فالضّبّ والنّون والملاّح والحادي ومنهم الفقيه أبو محمد عبد الله بن يحيى بن محمد بن بهلول السّرقسطي، ذكره العماد الأصبهاني في " الخريدة " وذكره السمعاني في الذيل، وأنّه دخل بغداد في حدود سنة ست عشرة وخمسمائة.

ومن شعره:

أيا شمس إنّي إن أتتك مدائحيوهيّ لآلٍ نظّمت وقلائد
للشاعر ابن البهلول السرقسطي، اقرأ القصيدة
فلست بمن يبغي على الشّعر رشوةًأبى ذاك لي جدٌّ كريمٌ ووالد
للشاعر ابن البهلول السرقسطي، اقرأ القصيدة

وأني من قوم قديماً ومحدثاً ... تباع عليهم بالألوف القصائد ومنهم الفقيه المقرئ أبو عامر التياري، من رجال الذخيرة رحل إلى المشرق، وقرأ على أبي جعفر الديباجي كتابه في العروض وسائر كتبه، ولقي شيخ القيروان في العربية ابن القزاز وأديبها الحصري. وأخبر عن نفسه أنّه كان بين يديه تلميذ له وسيم، فمرّ به أبو جعفر التّجاني

بسحاءة كتب له فيها وخلاّها بين يديه، وهو قد غلب النوم عليه، فقال:

يا نائماً متعمّداًإبصار طيف حبيبه
هو جوهرٌ فاثقبه إن الطيب في مثقوبه
أو أركبنّي ظهرهإن لم تقل بركوبه فلمّا قرأها علم أنّها للتّجاني، فكتب تحتها:
يا طالباً أضحى حجابٌ دون ما مطلوبه
لو لم يكن في ذاك إثمٌ لم أكن أسخو به
إنّي أغار عليه منأثوابه ورقيبه وأنشد يوماً في حلقته لابن الرومي في خبّاز:
إن أنس لا أنس خبّازاً مررت بهيدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرةًوبين رؤيتها قوراء كالقمر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس خبازا مررت به»

إلاّ بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر فقال بعض تلامذته: أما إنّه لا يقدر على الزيادة على هذا، فقال:

فكاد يضرط إعجاباً برؤيتها ... ومن رأى مثل ما أبصرت منه خري فضحك من حضر وقال: البيت لائق بالقطعة، لولا ما فيه من ذكر الرجيع، فقال:

إن كان بيتي هذا ليس يعجبكم ... فعجّلوا محوه أو فالعقوه طري ومنهم الأديب الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلي،

مطبوع في الشعر والتوشيح، قال ابن سعيد: اجتمعت به في القاهرة مراراً بمجلس الأمير جمال الدين أبي الفتح موسى بن يغمور بن جلدك وفي غيره، وتوفّي في مارستان القاهرة. ومن شعره:

أمّا الغراب فإنّه سبب النّوىلا ريب فيه وللنّوى أسباب
يدعو الغراب وبعد ذاك يجيبهجملٌ وتعوي بعد ذاك ذئاب

لا تكذبنّ فهذه أسبابه ... لكنّ منها بدأة وجواب ومنهم الإمام المحدث الحافظ جمال الدين أبو بكر محمد بن يوسف ابن موسى، الأندلسي، المعروف بابن مسدي، وهو من الأئمة المشهورين بالمشرق والمغرب، قال رحمه الله تعالى: أنشدني رئيس الأندلس وأديبها أبو الحسن سهل بن مالك الأزدي الغرناطي لنفسه سنة في شوّال بداره بغرناطة:

منغص العيش لا يأوي إلى دعةٍمن كان ذا بلدٍ أو كان ذا ولد
للشاعر الرضي الشاطبي الأنصاري، اقرأ القصيدة

والسّاكن النفس من لم ترض همّته ... سكنى مكانٍ ولم يسكن إلى أحد ومنهم الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتّوح بن عبد الله الأزدي

الحميدي، نسبة لجده حميد الأندلسي، ولد أبوه بقرطبة، وولد هو بالجزيرة بليدة بالأندلس، قبل العشرين وأربعمائة، وكان يحمل على الكتف للسماع سنة، فأول ما سمع من الفقيه أبي القاسم أصبغ. قال: وكنت أفصح من يقرأ عليه؛ وكان قد لقي ابن أبي زيد وقرأ عليه وتفقّه، وروى عنه رسالته ومختصر المدوّنة، ورحل سنة، وقدم مصر وسم بها من الضّرّاب والقضاعي وغير واحد، وكان سمع بالأندلس من ابن عبد البر وابن حزم ولازمه وقرأ عليه مصنّفاته وأكثر من الأخذ عنه وشهر بصحبته وصار على مذهبه إلاّ أنّه لم يكن يتظاهر به، وسمع بدمشق وغيرها، وروى عن الخطيب البغدادي وكتب عن أكثر مصنّفاته، وسمع بمكّة من الزنجاني، وأقام بواسط مدّة بعد خروجه من بغداد، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها وكتب بها كثيراً من الحديث والأدب وسائر الفنون، وصنّف مصنّفات كثيرة، وعلق فوائد، وخرّج تخاريج للخطيب ولغيره، وروى عنه أبو بكر الخطيب أكثر مصنفاته وابن ماكولا، وكان إماماً من أئمة المسلمين في حفظه ومعرفته وإتقانه وثقته وصدقه ونبله وديانته وورعه ونزاهته، حتى قال بعض الأكابر ممّن لقي الأئمة: لم تر عيناي مثل أبي عبد الله الحميدي في فضله ونبله ونزاهة نفسه وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم وبثّه في أهله، وكان ورعاً ثقة إماماً في علم الحديث وعلله ومعرفة متونه ورواته، محقّقاً في علم الأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحّراً في علم الأدب والعربية، ومن تصانيفه كتاب جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس وكتاب تاريخ الإسلام وكتاب من ادعى الأمان من أهل الإيمان وكتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك وكتاب تسهيل السبيل إلى علم الترسيل وكتاب مخاطبات الأصدقاء في

المكاتبات واللقاء وكتاب ما جاء من النصوص والأخبار في حفظ الجار وكتاب النميمة وكتاب الأماني الصادقة وغير ذلك من المصنفات والأشعار الحسان في المواعظ والأمثال. وكان من كثرة اجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ ويدلس في إجانة ماء يتبرد به، ومن مشهور مصنفاته كتابا لجمع بين الصحيحين.

وذكره الحجاري في المسهب وقال عنه: إنّه طرق ميورقة بعدما كانت عطلاً من هذا الشأن، وترك لها فخراً تباري به خواص البلدان، وهو من علماء أئمة الحديث، ولازم أبا محمد ابن حزم في الأندلس واستفاد منه، ورحل إلى بغداد، وبها ألف كتاب الجذوة، ومن شعره قوله رضي الله تعالى عنه:

ألفت النّوى حتى أنست بوحشهاوصرت بها لا في الصّبابة مولعا
فلم أحص كم رافقته من مرافقولم أحص كم خيّمت في الأرض موضعا
ومن بعد جوب الأرض شرقاً ومغرباًفلا بدّ لي من أن أوافي مصرعا وقال رحمه الله تعالى:
لقاء النّاس ليس يفيد شيئاًسوى الهذيان من قيل وقال

فأقلل من لقاء الناس إلاّ ... لأخذ العلم أو إصلاح حال وذكره ابن بشكوال في " الصّلة "، وتوفّي ببغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.

قال ابن ماكولا: أخبرنا صديقنا أبو عبد الله الحميدي، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ، لم أر مثله في عفّته ونزاهته وورعه وتشاغله بالعلم، وكان أوصى مظفّراً ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند قبر بشر الحافي، فخالف وصيته

ودفنه في مقبرة باب أبرز، فلمّا كانت مدّة رآه مظفر في النوم كأنّه يعاتبه على مخالفته، فنقل في صفر سنة إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر، وكان كفنه جديداً وبدنه طريّاً تفوح منه رائحة الطيب، ووقف كتبه على أهل العلم، رحمه الله تعالى.

ومن مناقبه أنّه قال لمن دخل عليه فوجده مكشوف الفخذ: تعديت بعين إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلت، انتهى.

ومن شعر الحميدي أيضاً قوله:

طريق الزّهد أفضل ما طريقٍوتقوى الله تالية الحقوق
فثق بالله يكفك، واستعنهيعنك، ودع بنيّات الطّريق وقوله:
كلام الله ﷿ قوليوما صحّت به الآثار ديني
وما اتفق الجميع عليه بدءاًوعوداً فهو عن حقّ مبين

فدع ما صدّ عن هذي وخذها ... تكن منها على عين اليقين ومنهم الكمال أبو العباس أحمد الشريشي، وهو أحمد بن عبد المؤمن ين موسى بن عيسى بن عبد المؤمن، القيسي، من أهل شريش. روى عن أبي الحسن ابن لبّال وأبي بكر ابن أزهر وأبي عبد الله ابن زرقون وأبي الحسين ابن جبير وغيرهم، وأقرأ العربية، وله تواليف أفاد بما حشر فيها: منها شرح الإيضاح للفارسي، والجمل للزجّاج، وله في العروض تواليف، وجمع مشاهير قصائد العرب، واختصر نوادر أبي علي القالي.

قال ابن الأبار: لقيته بدار شيخنا أبي الحسن ابن حريق من بلنسية، قبل توجهي إلى إشبيلية في سنة ست عشرة وستمائة، وهو إذ ذاك يقرأ عليه شرحه للمقامات، فسمعت عليه بعضه، وأجاز لي سائره مع رواياته وتواليفه، وأخذ عنه أصحابنا، ثم لقيته ثانية مقدمه من مرسية، انتهى.

ومن بديع نظمه وهو بمصر يتشوق إلى الشام:

يا جيرة الشام هل من نحوكم خبرفإن قلبي بنار الشوق يستعر
بعدت عنكم فلا والله بعدكمما لذّ للعين لا نومٌ ولا سهر
إذا تذكرت أوقاتاً نأت ومضتبقربكم كادت الأحشاء تنفطر
كأنّني لم أكن بالنيربين ضحىًوالغيم يبكي ومنه يضحك الزهر
والورق تنشد، والأغصان راقصةٌوالدوح يطرب بالتصفيق والنهر
والسفح أين عشيّاتي التي سلفتلي منه فهي لعمري عندي العمر

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.