تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٨)

ومن شعره يعارض الحريري:

أهن لأهل البدعوالهجر والتّصنّع ودن بترك الطمع ولذ بأهل الورع
وعدّ عن كلّ بذيلم يكترث بالنّبذ والهج ببر جهبذ وعالمٍ متّضع
واندب زماناً قد سلفولم تجد منه خلف وابعث بأنواع الأسف رسائل التّضرّع

وهي طويلة؛ فلتراجع ترجمته في ملء الغيبة لابن رشيد، رحمه الله تعالى.

ومنهم الفقيه الجليل، العارف النبيل، الحاذق الفصيح البارع أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر، الشهير بابن سبعين، العكي، المرسي، الأندلسي، ويلقّب من الألقاب المشرقيّة بقطب الدين. قال الشيخ المؤرخ ابن عبد الملك: درس العربية والآداب بالأندلس، ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوّف، وعكف برهة على مطالعة كتبه، والتكلّم على معانيها، فمالت إليه العامة، ثم رحل إلى المشرق، وحج حججاً، وشاع ذكره، وعظم صيته، وكثر أشياعه، وصنف أوضاعاً كثيرة تلقوها منه، ونقلوها عنه، ويرمى بأمورٍ، الله تعالى أعلم بها وبحقيقتها وكان حسن الأخلاق، صبوراً على الأذى، آية في الإيثار، انتهى.

وقال غير واحد: إن أغراض الناس فيه متباينة، بعيدة عن الاعتدال، فمنهم المرهق المكفر، ومنهم المقلّد المعظم الموقّر، وحصل بهذين الطرفين من الشهرة والاعتقاد، والنفرة والانتقاد، ما لم يقع لغيره، والله تعالى أعلم بحقيقة أمره. ولما ذكر الشريف الغرناطي عنه أنّه كان يكتب عن نفسه ابن هـ يعني الدارة التي هي كالصفر، وهي في بعض طرق المغاربة في حسابهم سبعون، وشهر لذلك بابن دارة - ضمن فيه البيت المشهور:

محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا ...

حسبما ذكره الشريف في شرح مقصورة حازم، وقد طال عهدي به، فليراجعه من ظفر به.

وقال صاحب درة الأسلاك في سنة، ما صورته: وفيها توفّي الشيخ قطب الدين أبو محمد عبد الحقّ بن سبعين المرسي، صوفي متفلسف، متزهّد متقشّف، يتكلّم على طريق أصحابه، ويدخل البيت ولكن من غير أبوابه، شاع أمره، واشتهر ذكره، وله تصانيف وأتباع، وأقوال يميل إليها بعض القلوب وتملّها بعض الأسماع، وكانت وفاته بمكّة المشرّفة عن نحو خمسين سنة، تغمّده الله تعالى برحمته، انتهى.

وقال بعض الأعلام في حقّ ابن سبعين: إنّه كان، رحمه الله تعالى، عزيز النفس، قليل التصنّع، يتولى خدمة الكثير من الفقراء والسّفارة أصحاب العباءات والدفافيس بنفسه، ويحفون به في السكك، ولمّا توفّرت دواعي النّقد عليه من الفقهاء كثر عليه التأويل، ووجّهت لألفاظه المعاريض، وفليت موضوعاته، وتعاورته الوحشة، وجرت بينه وبين الكثير من أعلام المشرق والمغرب خطوب يطول ذكرها.

ووقع في رسالة لبعض تلامذة ابن سبعين المذكور، وأظن اسمه يحيى

ابن أحمد بن سليمان، سمّاها بالوراثة المحمديّة والفصول الذاتية ما صورته: فإن قيل: ما الدليل على أن هذا الرجل الذي هو ابن سبعين هو الوارث المشار إليه قلنا: عدم النظير، واحتياج الوقت إليه، وظهرو الكلمة المشار إليها عليه، ونصيحته لأهل الملّة، ورحمته المطلقة للعالم المطلق، ومحبّته لأعدائه، وقصده لراحتهم مع كونهم يقصدون أذاه، وعفوه عنهم مع قدرته عليهم، وجذبهم إلى الخير مع كونهم يطلبون هلاكه، وهذه كلّها من علامات الوراثة والتبعية المحضة التي لا يمكن أحداً أن يتصف بها إلاّ بمجد أزلي وتخصيص إلهي، وها أنا أصف لك بعض ما خصّه الله ﷾ به من الأمور التي هي خارقة للعادة، ونلغي عن الأمور الخفيّة التي لا نعلمها، ونقصد الأمور الظاهرة التي نعلمها، والتي لا يمكن أحداً أن يستريب فيها إلاّ من أصمّه الله تعالى وأعماه، ولا يجحدها إلا حسود قد أتعب الله تعالى قلبه وأنساه رشده، ونعوذ بالله ممّن عاند من الله تعالى مساعده ومؤيده، وهو معه بنصره وعونه، فما أتعب معانده، وما أسعد موادده، وما أكبت مرادده، فنبدأ بذكر ما وعدنا، فنقول:

أول ما ذكر في شرفه واستحقاقه لما ذكرنا، كونه خلقه الله تعالى من أشرف البيبوت التي في بلاد المغرب، وهم بنو سبعين، قرشيّاً هاشميّاً علويّاً، وأبواه وجدوده يشار إليهم، ويعوّل في الرئاسة والحسب والتّعين عليهم.

والثاني: كونه من بلاد المغرب، والنبي ﵇ قال: " لا يزال أهل المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة " وما ظهر من بلاد المغرب رجل أظهر منه، فهو المشار إليه بالحديث، ثمّ نقول: أهل المغرب أهل الحق، وأحق الناس بالحق وأحق المغرب بالحق علماؤه لكونهم القائمين بالقسط، وأحق علمائه بالحق محقّقهم وقطبهم الذي يدور الكل عليه ويعول في مسائلهم ونوازلهم السهلة والعويصة عليه، فهو حق المغرب، والمغرب حقّ الله تعالى، والملّة حقّ العالم، فهو المشار إليه بالوراثة، ثم نقول: أهل المغرب ظاهرون على الحق

أي على الدين، والحق سر الدين، والمحقّق سرّ الحق، فالمحقّق سرّ الدين، فهو المشار إليه بالوراثة. ثمّ نقول: أهل الله خير العالم، وأهل الحق هم خير أهل الله، والمحقّق خير أهل الحق، فالمحقّق خير العالم، فهو المشار إليه. ثمّ نقول: انظر في بدايته وحفظ القديم له في صغره، وضبطه له من اللهو واللّعب، وإخراجه من اللّذة الطبيعية التي هي في جبلّة البشرية، وتركه للرئاسة العرضيّة المعول عليها عند العالم، مع كونه وجدها في آبائه، وهي الآن في إخوته، وخروجه عن الأهل والوطن الذي قرنه الحق مع قتل الإنسان نفسه، وانقطاعه إلى الحق انقطاعاً صحيحاً تعلم تخصيصه وخرقه للعادة، ثم انظر في تأيّده وفتحه من الصغر، وتأليف كتاب بدء العارف وهو ابن خمس عشرة سنة، وفي جلالة هذا الكتاب وكونه يحتوي على جميع الصنائع العلمية والعمليّة، وجميع الأمور السّنيّة والسّنيّة، تجده خارقاً للعادة، وفي نشأته في بلاد الأندلس ولم يعلم له كثرة نظر وظهوره فيها بالعلوم التي لم تسمع قط تعلم أنّه خارق للعادة، وفي تواليفه واشتمالها على العلوم كلّها، ثمّ انفرادها وغرابتها وخصوصيتها بالتحقيق الشاذ عن أفهام الخلق تعلم بأنّه مؤيّد بروح القدس، وفي شجاعته وقوّة توكّله في عزمه ونصره لصنائعه وظهور حجّته على خصمائه وإقامة حقّه وبرهانه وفصاحة كلامه وبيان سلطانه تعلم أن ذلك بقوّة إلهيّة وعناية ربانيّة، وفي امتحان أهل المغرب له، واجتماعهم عليه في كل بلد معتبر للمناظرة، يظهر الله تعالى حجّته، ويقمع خصمه، ويكبت عدوّه، وعجز معارضه، ويفحم معترضه، وفي غيرة الحق عليه، وهلاك من تعرض بالأذى إليه - يعلم العاقل المخصوص، أنّه عند الله مخصوص، وفي خلقه وقهره لقواه النزعوية والغضبية وإسلام قرينه وجلالة قوّته الحافظة التي لا تنسى شيئاً والمفكّرة التي تتصوّر الذوات المجرّدة والمعلومة أسر عين الطيف،

وكذلك الذاكرة، وسرعة ظهوره وانتشار رايته واستجلاب ثنائه في الجهات كلّها، وبالجملة جميع ما ذكرت هو فيه خارق للعادة البشريّة، ومعجز لمعارضه من كل الجهات، ولولا خوف التطويل لكنت أفصّل كل صفة ذكرت في بالكلام الصناعي، ونقيم الأدلة القطعيّة على تعجيزها، ولكن أعطيت الأنموذج، وعرفت أن النبيه يمعن فكره، ويجد ذلك كما قلته. وبالجملة جميع جزئيّاته إذا تؤملت توجد خارقة للعادة، وتشهد لها ماهيّة الوجود بالتخصيص، فصحّ أنّه هو المشار إليه، والمعول في جملة الأمور عليه، وإنّما أعطيت الأمر المشهور، وتركت ما يعلم منه من خرق العوائد في ظهور الطعام والشراب والسمن والتمر وأخذ الدراهم من الكون، وإخباره عن وقائع قبل وقوعها بسنين كثيرة وظهرت كما أخبر، فصحّ أنّه هو المذكور؛ انتهى ما تعلّق به الغرض ممّا في الرسالة في شأن الشيخ ابن سبعين.

وقد ذكر غير واحد من المؤرخين - ومنهم لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة كما سيأتي قريباً - أن ابن سبعين عاقه الخوف من أمير المدينة عن القدوم إليها، فعظم عليه بذلك الحمل، وقبحت الأحدوثة عنه، انتهى. لكمن قال شهاب الدين بن أبي حجلة التلمساني الأديب الشهير، وهو صاحب كتاب السكردان وديوان الصبابة ومنطق الطير والاعتراض على العارف بالله تعالى ابن الفارض، ما معناه: أخبرني الشيخ الصالح أبو الحسن ابن برغوش التلمساني شيخ المجاورين بمكّة وكانت له معرفة تامّة بهذا الرجل، انّه صدّه عن زيارة رسول الله، ﷺ، أنّه كان منه دم كدم الحيض، والله تعالى أعلم بحقيقة أمره، انتهى. وقال غيره: نعم زار النبي، ﷺ، مستخفياً على طريق المشاة، حدّث بذلك أصهاره بمكّة، انتهى.

وقال لسان الدين: أما شهرته ومحلّه من الإدراك والآراء والأوضاع والأسماء والوقوف على الأقوال والتعمق في الفلسفة والقيام على مذاهب المتكلّمين فما يقضى منه العجب.

وقال الشيخ أبو البركات ابن الحاج البلفيقي، رحمه الله تعالى: حدّثني بعض أشياخنا من أهل المشرق أن الأمير أبا عبد الله ابن هودٍ سالم طاغية النصارى، فنكث به، ولم يف بشرطه، فاضطره ذلك إلى مخاطبة القس الأعظم برومية، فوكّل أبا طالب ابن سبعين أخا أبي محمد عبد الحق بن سبعين في التكلّم عنه، والاستظهار بين يديه، قال: فلمّا بلغ ذلك الشخص رومية، وهو بلد لا يصل إليه المسلمون، ونظر إلى ما بيده، وسئل عن نفسه، فأخبر بما ينبغي، كلّم ذلك القس من دنا منه بكلام معجم ترجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أن أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه، انتهى.

وقال غير واحد: إنّه اشتهرت عنه أشياء كثيرة، الله تعالى أعلم باستحقاقه رتبة ما ادعاه منها: فمنها قوله - فيما زعموا - وقد جرى ذكر الشيخ وليّ الله، سيّدي أبي مدين نفعنا الله تعالى ببركاته: شعيبٌ عبد عملٍ، ونحن عبيد حضرة وممّن حكى هذا لسان الدين في الإحاطة.

وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان المستنصر بالله تعالى أبي عبد الله محمد ابن السلطان زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص ملك إفريقية وما إليها: أن أهل مكة بايعوه، وخطبوا له بعرفة، وأرسلوا له بيعتهم،

وهي من إنشاء ابن سبعين، وسردها ابن خلدون بجملتها، وهي طويلة، وفيها من البلاغة والتلاعب بأطراف الكلام ما لا مطمح وراءه، غير أن يشير فيها إلى أن المستنصر هو المهدي المبشّر به في الأحاديث الذي يحثو المال ولا يعدّه، وحمل حديث مسلم وغيره عليه، وذلك ما لا يخفى ما فيه، فليراجع كلام ابن خلدون في محله.

ولابن سبعين من رسالة: سلام عليك ورحمة الله، سلام عليك ثم سلام مناجاتك، سلام الله ورحمة الله الممتدة على عوالمك كلها، السلام عليك يا أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وصلى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعز ملائكتك من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا قياس الكمال، ومقدمة العلم، ونتيجة الحمد، وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قرأ " نعم العبد " السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء، وأسرار مشروطات الأذكياء الأتقياء، السلام عليك يا من جاوز في السموات مقام الرسل والأنبياء، وزادك رفعة واستعلاء على ذوات الملإ الأعلى، وذكر قوله تعالى " سبّح اسم ربّك الأعلى ".

وقال بعضه عند إيراده جملة من رسائله التي منها هذه: إنها تشتمل على ما يشهد له بتعظيم النبوة وإيثار الورع، انتهى.

وقال بعض العلماء الأكابر، عند تعرضه لترجمة الشيخ ابن سبعين المترجم به، ما نصه ببعض اختصار: هو أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم، وتعدد المعارف، وكثرة التصانيف، ولد سنة، ودرس العربية والأدب في طريقه، وجال في البلاد، وقدم القاهرة، ثم حج واستوطن مكة، وطار صيته، وعظم أمره، وكثر أتباعه، حتى إنه تلمذ له أمير مكة، فبلغ من التعظيم الغاية، وله كتاب الدرج وكتاب السفر وكتاب الأبوبة اليمنية وكتاب الكد

وكتاب " الإحاطة " ورسائل كثيرة في الأذكار وترتيب السلوك والوصايا والمواعظ والغنائم.

ومن شعره:

كم ذا تموّه بالشعبين والعلموالأمر أوضح من نارٍ على علم
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «كم ذا تموه بالشعبين والعلم»
وكم تعبّر عن سلعٍ وكاظمةٍوعن زرودٍ وجيرانٍ بذي سلم
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «كم ذا تموه بالشعبين والعلم»
ظللت تسأل عن نجدٍ وأنت بهاوعن تهامة، هذا فعل متهم
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «كم ذا تموه بالشعبين والعلم»

في الحيّ حيٌّ سوى ليلى فتسأله ... عنها سؤالك وهمٌ جرّ للعدم ونشأ، رحمه الله تعالى، ترفاً مبجّلاً في ظل جاه ونعمة، لم تفارق معها نفسه البأو، وكان وسيماً، جميلاً، ملوكي البزة، عزيز النفس، قليل التصنع، وكان آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده، رحمه الله تعالى.

وقال في الإحاطة: للناس في أمره اختلاف بين الولاية وضدها، ولما وجه إلى كلامه سهام الناقدين قصر أكثرهم عن مداه في الإدراك، والخوض في تلك البحار والاطلاع، وساءت منهم في الممازجة له السيرة، فانصرفوا عنه مكلومين، يبذرون عنه في الآفاق من سوء القالة ما لا شيء فوقه، وجرت بينه وبين أعلام المشرق خطوب، ثم نزل مكة، وعاقه الخوف من أمير المدينة

[المعظمة] عن الدخول إليها إلى أن توفي فعظم بذلك الحمل عليه، وقبحت الأحدوثة عنه، ولما وردت على سبتة المسائل الصقلية - وكانت جملة من المسائل الحكمية وجهها علماء الروم تبكيتاً للمسلمين - انتدب للجواب المقنع عنها، على فتاء من سنه، وبديهة من فكرته، رحمه الله تعالى، انتهى.

وقال بعض من عرف به: إنّه من أهل مرسية، وله علم وحكمة ومعرفة ونباهة وبراعة وفصاحة وبلاغة.

وقال في " عنوان الدراية ": رحل إلى العدوة، وسكن ببجاية مدة، ولقي من أصحابنا ناساً، وأخذوا عنه، وانتفعوا به في فنون خاصة، له مشاركة في معقول العلوم ومنقولها، وله فصاحة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان، وهو أحد الفضلاء، وله أتباع كثيرة من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة هي موجودة بأيدي أصحابه، وله فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد، وله تسميات مخصوصة في كتبه من نوع الرموز، وله تسميات ظاهرة هي كالأسامي المعهودة، وله شعر في التحقيق، وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريق الأدباء، وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجّه مع الحجاج في كل عام، وهذه مزية لا يعرف قدرها ولا يرام، ولقد مشى به للمغاربة في الحرم الشريف حظ لم يكن لهم في غير مدته، وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله، ويهتدون بأفعاله.

توفي، رحمه الله تعالى، يوم الخميس تاسع شوّال، انتهى ببعض اختصار.

وذكر، رحمه الله تعالى، في ترجمة تلميذه الشيخ أبي الحسن الشّشتري السابق الذكر أن أكثر الطلبة يرجّحونه على شيخه أبي محمد ابن سبعين، وإذا ذكر له هذا يقول: إنما ذلك لعدم إطلاعهم على حال الشيخ وقصور طباعهم.

ومن تآليف ابن سبعين الفتح المشترك.

[رجع إلى الششتري]

وممّا حكاه صاحب " عنوان الدراية " في ترجمة الششتري - ممّا لم نذكره في ترجمته الماضية، ورأينا ذكره هنا تبركاً - أن الششتري كان في بعض أسفاره في البرية، وكان رجل من أصحابه قد أسر فسمعه الفقراء يقول: إلينا يا أحمد، فقيل له: من أحمد الذي ناديته يا سيدي في هذه البرية فقال لهم: من تسرّون به غداً إن شاء الله تعالى. فلما كان من الغد ورد الشيخ وأصحابه بلدة قابس، فعند دخولهم إذا بالرجل المأسور، فقال الشيخ للفقراء: هيئاً لنا باقتحام العقبة، صافحوا أخاكم، المنادى به.

ومن مناقبه - نفع الله تعالى به - أنه لما نزل ببلدة قابس برباط البحر المعروف [بمسجد] الصهريج جاءه الشيخ الصالح أبو إسحاق الزرنانيّ نفع الله تعالى به بجميع أصحابه برسم الزيارة، فوافق وصوله وصول الشيخ الصالح الفاضل الولي أبي عبد الله الصّنهاجي - نفع الله تعالى به - مع جملة أصحابه للزيارة، فوجدوا الشيخ أبا الحسن قد خرج إلى موضع بخارج المدينة برسم الخلوة، فجلسوا لانتظاره، فلم يكن إلا قليل إذ أقبل الشيخ على هيئة معتبر متفكر، فلما دخل الرباط سلّم على الواصلين برسم الزيارة، وحيّا المسجد، وأقبل على الفقراء، وأثر العبرة على وجنته، فقال: ائتوني بمداد،

فلما أحضر بين يديه تأوّه تأوّهاً شديداً كاد أن يحرق بنفسه جليسه، وجعل يكتب في اللوح هذه الأبيات:

لا تلتفت بالله يا ناظريلأهيفٍ كالغصن الناضر
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «لا تلتفت بالله يا ناظري»
يا قلب واصرف عنك وهم البقاوخلّ عن سرب حمى حاجر
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «لا تلتفت بالله يا ناظري»
ما السّرب والبان وما لعلعٌما الخيف ما ظبي بني عامر
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «لا تلتفت بالله يا ناظري»
جمال من سمّيته داثرٌما حاجة العاقل بالداثر
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «لا تلتفت بالله يا ناظري»
وإنما مطلبه في الذيهام الورى في حسنه الباهر
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «لا تلتفت بالله يا ناظري»
أفاد للشمس سناً كالذيأعاره للقمر الزاهر

أصبحت فيه مغرماً حائراً ... لله درّ المغرم الحائر وكانوا يوماً ببلد مالقة، وكثيراً ما يجوّد عليه القرآن العزيز، فقرأ طالب قوله تعالى " إنني أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدني " فقال معجلاً رضي الله تعالى عنه، وفهم من الآية ما لم يفهم، وعلم منها ما لم يعلم:

انظر للفظ أنا يا مغرماً فيهمن حيث نظرتنا لعلّ تدريه
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «أنظر للفظ أنا يا مغرما فيه»
خلّ ادّخارك لا تفخر بعاريةٍلا يستعير فقيرّ من مواليه
للشاعر أبو الحسن الششتري، من قصيدة «أنظر للفظ أنا يا مغرما فيه»

جسوم أحرفه للسرّ حاملة ... إن شئت تعرفه جرّب معانيه ودخل عليه شخص ببجاية من أهلها يعرف بأبي الحسن ابن علال، من أهل الأمانة والديانة، فوجده يذاكر بعض أهل العلم، فاستحسن منه إيراده للعلم، واستعماله لمحاضرة الفهم، فاعتقد شياخته وتقديمه، ثم نوى أن يؤثر الفقراء من ماله بعشرين ديناراً شكراً لله تعالى، ويأتيهم بمأكول، فلما يسر جميع ما اهتم به أراد أن يقسمه فيعطيه شطره ويدع الشطر الثاني إلى حين انصراف الشيخ،

ليكون للفقراء زاداً، فلما كان في الليل رأى في منامه النبي، ﷺ، ومعه أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما، قال الرجل: فنهضت إليه بسرور رؤية النبي، ﷺ، وقلت: يا رسول الله ادع الله تعالى لي، فالتفت لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وقال: يا أبا بكر، أعطه، فإذا به، ﵁، قسم رغيفاً كان بيده وأعطاني نصفه، ثم أفاق الرجل من منامه، وأخذه وجدٌ من هذه الرؤيا المباركة، فأيقظ أهله، واستعمل نفسه في العبادة، فلما كان من الغد سار وأتى الشيخ ببعض الطعام ونصف الدراهم المحتسب بها، فلما دفعها للشيخ قال له الشيخ: يا علي، اقرب، فلما قرب قال له: يا علي، لو أتيت بالكل لأخذت منه الرغيف بكامله، انتهى.

أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، الشهير بابن غصن الإشبيلي، من ولد شداد بن أوس الأنصاري، الجزيري، نسبته إلى الجزيرة الخضراء، الإمام، المقرئ، الزاهد، عرض على الأستاذ ابن أبي الربيع الموطّأ من حفظه، وأخذ عنه النحو، وكان من أولياء الله تعالى الصالحين، وعباده الناصحين، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، قوّالاً بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، عارفاً بمتون الحديث وأحكامه، فقيهاً متقناً لمذاهب الأئمة الأربعة والصحابة والتابعين، لا يقبل من أحد شيئاً، مخلصاً لله تعالى، يتكلم على المنبر على عادة أهلا لعلم من تعليم المسائل الدينية، وأقرأ القرآن بمكة مدّة بالقراءات وبالمدينة وبيت المقدس، وممّن قرأ عليه خليل إمام المالكية بالحرم، والشهاب الطبري إمام الحنفية بالحرم، وله مصنفات في القراءات: منها " مختصر الكافي " وكتاب " في معجزات النبي " ﷺ، ومولده سنة تخميناً،

وتوفي ببيت المقدس آخر سنة، رحمه الله تعالى.

ومنهم الشيخ الفقيه، الأستاذ النحوي التاريخي اللغوي أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهري اللّبلي يكنى أبا العباس وأبا جعفر، قرأ بالأندلس على مشايخ من أفضلهم الأستاذ أبو علي عمر الشّلوبين، ثم ارتحل إلى العدوة وسكن بجاية، وأقرأ بها مدّة، وارتحل إلى المشرق فحج، ثم رجع إلى حضرة تونس واتخذها وطناً، واشتغل بها بالإقراء إلى أن مات. كان يتبسط لإقراء سائر كتب العربية، وله علم جليل باللغة، وله تواليف كثيرة: منها على الجمل وشرح الفصيح لثعلب، ولم يشذ فيه شيء من فصيح كلام العرب.

قال الغبريني، رحمه الله تعالى: ورأيت له تأليفاً في الأذكار، وله عقيدة في علم الكلام، ورأيت له مجموعاً سمّاه الإعلام بحدود قواعد الكلام تكلم فيه على الكلم الثلاث، الاسم والفعل والحرف، وله تواليف أخر، وكان من أساتيذ إفريقية في وقته، وممّن أخذ عنه، واستفيد منه، انتهى.

وذكر الشيخ أبو الطيب ابن علوان التونسي عن والده أحمد التونسي الشهير بالمصري أن للمذكور تأليفاً سمّاه التجنيس، وله شرح أبيات الجمل، سمّاه وشي الحلل رفعه للملك المستنصر الحفصي بتونس، فدفعه المستنصر للأستاذ أبي الحسن حازم، وأمره أن يتعقب عليه ما فيه من خلل وجده، فحكى أبو عبد الله القطان المسفّر - وكان يخدم حازماً - قال: كنت يوماً بدار أبي الحسن حازم وبين يديه هذا الكتاب، فسمعت نقر الباب، فخرجت فإذا بالفقيه أبي جعفر، فرجعت وأخبرت أبا الحسن، فقال مبادراً حتى أدخله وبالغ في بره وإكرامه، فرأى الكتاب بين يده، فقال له: يا أبا الحسن، قال الشاعر:

شطروعين الرضى عن كلّ عيب كليلة ... فقال له: يا فقيه أبا جعفر، أنت سيدي وأخي، ولكن هذا أمر الملك لا يمكن فيه إلا قول الحق، والعلم لا يحتمل المداهنة، فقال له: فأخبرني بما عثرت عليه، قال له: نعم، فأظهر له المواضع، فسلّمها أبو جعفر وبشرها وأصلحها بخطه.

وأصل هذا اللّبلي من لبلة بالأندلس، اجتمع في رحلته للمشرق بالقاضي ابن دقيق العيد، وكان نحويّاً، فلما دخل عليه اللّبلي قال له القاضي: خير مقدمٍ، ثم سأله بعد حين: بم انتصبت خير مقدم فقال له اللبلي: على المصدر وهو من المصادر التي لا تظهر أفعالها، وقد ذكره سيبويه إلى آخره، فإنه كان يحفظ أكثره، فأكرمه القاضي وعظمه.

ثم قال ابن علوان: وذكر والدي أيضاً، رحمه الله تعالى، ومن خطه المبارك نقلت، أن الأستاذ أبا جعفر اللبلي المذكور، رحمه الله تعالى، قرئ عليه يوماً قول امرئ القيس:

حيّ الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي فقال لطلبته: ما العامل في هذا الظرف يعني إذ فتنازعوا القول، فقال: حسبكم، قرئ هذا البيت على أستاذنا أبي علي الشّلوبين، فسألنا هذا السؤال، وكان أبو الحسن ابن عصفور قد برع واستقل وجلس للتدريس، وكان الشلوبين يغض منه، فقال لنا: إذا خرجتم فاسألوا ذلك الجاهل، يعني ابن عصفور، فلما خرجنا سرنا إليه بجمعنا، ودخلنا المسجد، فرأيناه قد دارت به حلقة كبيرة، وهو يتكلم بغرائب النحو، فلم نجسر على سؤاله لهبيته،

وانصرفنا، ثم جئنا بعد على عادتنا لأبي علي، فنسي حتى قرئ عليه قول النابغة:

فعد عمّا ترى إذ لا ارتجاع له ... فتذكر، وقال: ما فعلتم في سؤال ابن عصفور فصدقنا له الحديث، فأقسم ألاّ يخبرنا ما العامل فيه، ثم قال اللّبلي لطلبته: وأنا أقول لكم مثل ذلك، فانظروا لأنفسكم، قالوا: فنظرنا فإذا المسألة مسألة فحص ونظر، كلما حكمنا بحكم صدتنا عنه قوانين نحوية، حتى مضت مدة طويلة، فوفد علينا بتونس المحروسة أحد طلبة ابن أبي الربيع، وكان ابن أبي الربيع هذا ساكناً بسبتة، وهو أحد طلبة الشلوبين أيضاً، ومن كبار هذه الطبقة التي نشأت بعده، قالوا: فتذاكرنا مع هذا الطالب في مسائل نحوية، فمرت هذه المسألة في قوله تعالى " إذ نسويكم برب العالمين " فقال هذا الطالب إن هذا الظرف وقع موقع لام العلة، فعلمنا أن هذا هو الذي أراد الأستاذ أبو علي، ثم ناقشنا الطالب وقلنا له: إذا جعلته ظرفاً فلا بد من العامل، وإذا جعلته واقعاً موقع الحرف كان هذا على شذوذ قول الكوفيين، والذي يجوز عكسه على مذهب الجميع، وإنما الأولى أن يقال: إذ حرفٌ معناه التعليل تشترك فيه الأسماء والحروف كما اشتركت في عن، والله أعلم بغيبه، انتهى.

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر ابن فرح القرطبي، قال الحافظ المقريزي: وفرح بسكون الراء، وقال الحافظ عبد الكريم فيحقه: إنه كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا المشتغلين بما يعنيهم من أمور الآخرة، فيما بين توجه وعبادة وتصنيف، جمع في تفسير القرآن كتاباً خمسة عشر مجلداً، وشرح أسماء الله الحسنى في

مجلدين، وله كتاب التذكرة في أمور الآخرة في مجلدين، وشرح التقصي، وله تآليف غير ذلك مفيدة، وكان مطّرح التكلف، يمشي بثوب واحد، وعلى رأسه طاقية، سمع من الشيخ أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم بعض هذا الشرح، وحدث عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن حفص اليحصبي، وعن الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما، وتوفي بمنية ابن خصيب ليلة الاثنين التاسع من شوال سنة، ودفن بها، رحمه الله تعالى.

وفي تاريخ الكتبي في حقه ما نصه: كان شيخاً فاضلاً، وله تصاينف مفيدة تدل على كثرة اطلاعه ووفور علمه، منها تفسير القرآن مليح إلى الغاية اثنا عشر مجلداً، انتهى.

وكتب بعض تلامذته على الهامش ما صورته: قد أجحف المصنف في ترجمته جدّاً، وكان متفنناً متبحراً في العلم، انتهى. وكتب بعض بإثر هذا الكلام ما نصه: قال الذهبي: رحل وكتب وسمع، وكان يقظاً فهماً حسن الحفظ مليح النظم حسن المذاكرة ثقة حافظاً، انتهى. وكتب آخر إثر ذلك الكلام ما صورته: مشاحة شيخنا للمصنف في هذه العبارة ما لها فائدة، فإن الذهبي قال في تاريخ الإسلام: العلاّمة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أب بكر ابن فرح الإمام القرطبي إما متفنن، متبحر في العلم، له تصانيف مفيدة، تدل على كثرة اطلاعه ووفور عقله وفضله، ثم ذكر موته، وقال بعده: وقد سارت بتفسيره العظيم الشأن الركبان، وله الأسنى في شرح الأسماء الحسنى والتذكرة وأشياء تدل على إمامته وذكائه وكثرة اطلاعه، انتهى. وكتب آخر بإثر هذا الكلام ما نصه: غفر الله لك، إذا كان الذهبي ترجمه بما ذكرت، وهو والله فوق ذلك، فكيف تقول: إن مشاحة شيخك لا فائدة فيها، وتسيء الأدب معه

وتقول إن لامه لا فائدة فيه فالله يستر عليك، انتهى.

ومنهم أبو القاسم ابن حاضر، الجزيري، الخزرجي، محمد بن أحمد، من جزيرة شقر، قدم مصر، وسكن قوص بعدما كان من عدول بلنسية، وكان فصيحاً، عالماً بصناعة التوريق، وله نظم لم يحضرني الآن شيء منه، ومات بالقاهرة سنة تسع وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى.

ومنهم أبو القاسم التّجيبي، محمد بن أحمد التّجيبي، من أهل بلّش، قرأ على ابن مفرّج وابن أبي الأحوص، ورحل فاستوطن القاهرة وكان شيخاً فاضلاً خيّراً، له أدب وشعر، منه قوله من أبيات:

أحوى الجفون له رقيبٌ أحولالشيء في إدراكه شيئان
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة

يا ليته ترك الذي أنا مبصرٌ ... وهو المخيّر في الغزال الثاني ولد ببلّش سنة، وتوفي بالحسينية خارج القاهرة سلخ المحرم سنة وممّن روى عنه نحويّ الزمان أثير الدين أبو حيّان وغيره، رحم الله تعالى الجميع.

ومنهم أبو بكر الخزرجي، محمد بن أحمد بن حسن، وقيل: محمد بن عيسى المالقي المالكي، قال الشريف أبو القاسم: إنه كان أحد الزهاد الورعين، وعباد الله المتقين، مشتغلاً بنفسه، متخلياً عمّا في أيدي الناس، يأكل من كسب يده، ولا يقبل لأحد شيئاً، مع وجد وعمل وفضل وأدب،

ولم يكن في زمانه من اجتمع فيه ما اجتمع له.

وقال الحافظ عبد الكريم: إنه دخل إشبيلية، واشتغل بالعربية على الشّلوبين وقرأ القراءات السبع، ثم قدم مصر واشتغل بمذهب مالك، وكان والده نجاراً وكان لا يأكل إلاّ من كسب يده، يخيط الثياب، فازدحم الناس عليه تبركاً به، فترك ذلك وصار يدق القصدير ويأكل منه وتصدق بما فضل عنه، وكان شديد الزهد، كثير العبادة، لا يسلم يده إلى أحد ليقبّلها، وجاءه شخص قد زيد عليه في أجرة مسكنه ليشفع إلى صاحب الدار أن لا يقبل الزائد، فمضى إلى صاحب الدار وأعطاه الزائد مدة أشهر، فعلم بذلك الساكن بعد مدة، فقال له: يا سيدي ما سألت إلاّ شفاعة، وأنت تزن عني، فقال له: رجل له دار يأخذ أجرتها يجيء إليه الخزرجي يقطع عليه حقه والله ما يدفع هذا إلاّ أنا، فلم يزل يدفع الزائد إلى أن انتقل الساكن إلى غيره، ومات ليلة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة، عن خمس وأربعين سنة، ودفن بالقرافة، رحمه الله تعالى، ونفعنا به.

ومنهم أبو بكر محمد بن أحمد بن خليل بن فرج الهاشمي، مولاهم، لأن ولاءه لبني العباس من أهل قرطبة، ولد في شهر رمضان سنة بقرطبة، وسمع بها من وهب بن مسرة، وخالد بن سعيد وغيره، ورحل فحج وأدرك بمصر ابن الورد وابن رشيق وأبا علي ابن السكن نظراءهم في سنة، وعاد إلى بلده، وبها مات في شهر رمضان سنة ست وأربعمائة.

قال ابن بشكوال: كان رجلاً صالحاً فاضلاً، من أهل الاجتهاد في العبادة مائلاً إلى التقشف والزهادة، قديم الطلب حسن المذهب متبعاً للسنن.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان بن أحمد بن إبراهيم الزهري الأندلسي الإشبيلي، ولد بمالقة، وطاف الأندلس، وطلب العلم، وحصّل طرفاً صالحاً من علم الأدب، ودخل مصر قبل التسعين وخمسمائة فسمع الحديث بها، ودخل الشام وبلاد الجزيرة، وقدم بغداد سنة، وعمره ثلاثون سنة، وأقام بها مدة، وسمع من شيوخها كأبي الفرج ابن كليب ونحوه، وقرأ ونسخ بخطه، وسافر إلى أصبهان وبلاد الجبل، وكان فاضلاً حسن المعرفة بالأدب، يقول الشعر، وينشئ المقامات، وصنف كتاب البيان والتبيين في أنساب المحدثين ستة أجزاء، وكتاب البيان فيما أبهم من الأسماء في القرآن مجلد، وكتاب " أقسام البلاغة وأحكام الصناعة " في مجلدين، وكتاب شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في خمسة عشر مجلداً، وكتاب شرح المقامات مجلد، وكتاب " شرح اليميني " في مجلد، قال المنذري: توفي شهيداً قتله التتار في رجب؛ وقال ابن النجار: في سابع عشر رجب سنة، رحمه الله تعالى.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الأعلى بن القاسم، القرطبي، المقرئ المعروف بالورشي، نسبة إلى قراءة ورش لاشتهاره بها، وهو أحد القراء المعروفين. قال الحاكم: هو من الصالحين المذكورين بالتقدم في علم القرآن، سمع بمصر والشام والحجاز والعراقين والجبل وأصبهان، وورد نيسابور، ودخل خراسان فسمع علي بن المرزبان بأصبهان، وبالأهواز عبد الواحد ابن خلف الجنديسابوري، وبفارس أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي،

وقال ابن النجار: قدم بغداد، وحدّث بها، توفي بسجستان في ربيع الأول سنة.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الباجي، اللخمي، قال ابن بشكوال: مولده في صفر سنة، وسمع عن جده، ورحل إلى المشرق.

وقال ابن غلبون في مشيخته: إنه كان من أهل العلم والحديث والرواية والحفظ للمسائل، قائماً بها، واقفاً عليها، قاعداً للشروط، محسناً لها، عارفاً، وبيتهم بيت علم، ونشأ فيهم هو وأبوه وجده، وكان جميعهم في الفضل والتقدم على درجاتهم في السن، وعلى منازلهم في السبق، وكانت رحلته مع أبيه وروايتهما واحدة، وشاركه في السماع والرواية عن جده، وسمع بمصر على أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن حميد بن رزيق المخزومي.

وقال ابن بشكوال: كان من أجلّ الفقهاء عندنا دراية ورواية، بصيراً بالعقود، ومتقدماً على أهل الوثائق، عارفاً بعللها، وألّف فيها كتاباً حسناً، وكتاباً في السجلات إلى ما جمع فيه من أقوال الشيوخ والمتأخرين، مع ما كان عليه من الطريقة المثلى، وتوفية العلم حقه من الوفاء والتصون، توفي في المحرم سنة لعشرين بقين منه.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد العزيز، العتبي، الأندلسي، القرطبي، الفقيه المالكي المشهور، صاحب العتبيّة، سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى وسعيد ين حسان وغيرهما، ورحل إلى المشرق فسمع من سحنون وأصبغ بن الفرج وغيرهما، وكان حافظاً للمسائل، جامعاً لها، عالماً بالنوازل، وهو الذي جمع المستخرجة من الأسمعة المسموعة غالباً من مالك

ابن أنس، وتعرف بالعتبية، وأكثر فيها من الروايات المطوحة والمسائل الغريبة الشاذة، وكان يؤتى بالمسألة الغريبة الشاذة فإذا سمعها قال: أدخلوها في المستخرجة، ولذا روي عن ابن وضاح أنه كان يقول: المستخرجة فيها خطأ كثير، كذا قال، ولكن الكتاب وقع عليه الاعتماد من أعلام الملكية كابن رشد وغيره.

قال ابن يونس: توفي بالأندلس سنة.

والعتبي: نسبة إلى عتبة بن أبي سفيان ابن حرب، وقيل: إلى جد للمذكور يسمى عتبة، وقيل: إلى ولاء عتبة بن أبي يعيش.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن زكريا المعافري، المقرئ، الفرضي، الأديب، ولد بالأندلس سنة، ونشأ ببلنسية، وأقام بالإسكندرية، وقرأ القرآن على أصحاب ابن هذيل، ونظم قصيدة في القراءات على وزن الشاطبية، لكن أكثر أبياتاً، وصرح فيها بأسماء القراء، ولم يرمز كما فعل الشاطبي، وكانت له يد في الفرائض والعروض، مع معرفة القراءات والأدب.

ومن شعره:

إذا ما اشترت بنتٌ أباها فعتقهابنفس الشرا شرعاً عليها تأصّلا
وميراثه إن مات من غير عاصبومن غير ذي فرضٍ لها قد تأثلا
لها النصف بالميراث والنصف بالولافإن وهب ابناً أو شرّاه تفضلا
فأعتق شرعاً ذلك الابن ما لهاسوى الثلث، والثلثان للأخ أصلا
وميراثها فيه إذا مات قبلهاكميراثها في الأب من قبل يجتلى

ومولى أبيها ما لها الدهر فيه من ... ولاء ولا إرث مع الأب فاعتلى وهذه المسألة ذكر الغزالي في الوسيط أنه قضى فيها أربعمائة قاضٍ وغلطوا وصورتها ابنة اشترت أباها فعتق عليها، ثم اشترى الأب ابناً فعتق عليه، ثم

اشترى الأب عبداً فأعتقه، ثم مات الأب، فورثه الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم مات العبد المعتق، فلمن يكون ولاؤه وفرضها المالكية على غير هذا الوجه وهي مشهورة.

ومنهم محمد بن أحمد بن محمد بن سهل، أبو عبد الله الأموي، الأندلسي، الطّليطلي، المعروف بالنقاش، نزل مصر، وقعد للإقراء بجامع عمرو بن العاص، وأخذ عنه جماعة، وتوفي بمصر سنة.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد القيسي، القبري القرطبي، المؤدب، رحل من الأندلس سنة، فسمع بمصر من أبي محمد ابن الورد وأبي قتيبة مسلم بن الفضل البغدادي وغيره، وكان صالحاً خيّراً مؤدباً، سمع الناس منه كثيراً، وتوفي سنة.

والقبري - بفتح القاف، وسكون الباء الموحدة، ثم راء مهملة - نسبة إلى قبرة بلدٍ بالأندلس بقرب قرطبة بنحو ثلاثين ميلاً.

ومنهم جمال الدين أبو بكر الوائلي، محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن سجمان، الشريشي، المالكي، ولد بشريش سنة، ورحل فسمع بالإسكندرية من ابن عماد الحراني، وبدمشق من مكرم بن أبي الصقر، وبحلب من أبي البقاء يعيش بن علي النحوي، وسمع بإربل وبغداد، وأقام بالمدرسة الفاضلية من القاهرة مدة يفيد الناس فتخرّج به جماعة، وولي مشيخة المدرسة بالقدس، ومشيخة الرباط الناصري بالجبل، وأقام بدمشق يفتي

ويدرّس، وكان من العلماء الزهاد كثير العبادة والورع والزهد، أحد الأئمة المبرزين المتبحرين في العربية والفقه على مذهب الإمام مالك، والتفسير، والأصول، وصنّف كتاباً في الاشتقاق، وشرح ألفية ابن معطي، وأخذ عنه الناس، وطلب للقضاء بدمشق فامتنع منه زهاداً وورعاً، وبقي المنصب لأجله شاغراً إلى أن مات برجب سنة، ودفن بقاسيون.

وسجمان: بسين مهملة مضمومة، ثم جيم ساكنة، بعدها ميم مفتوحة، ونون.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرّج القرطبي، المعروف والده بالقنتوري، وكان جد أبيه مفرج صاحب الركاب للحكم بن عبد الرحمن الداخل، وكان أبوه أحمد بن يحيى رجلاً صالحاً، وولد هو سنة، وكان سكناه بقرطبة بقرب عين قنت أورية، وسمع بقرطبة من قاسم ابن أصبغ كثيراً، ومن ابن أبي دليم والخشني، ورحل سنة فسمع بمكة من ابن الأعرابي، ولزمه حتى مات، وسمع بها من جماعة غيره، وسمع بجدة، وبالمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام، ودخل صنعاء وزبيد وعدن سمع بها من جماعة، وسمع بمصر من البرقي صاحب أحمد البزار، وسمع من السيرافي وجماعة كثيرة، وسمع بغزّة وعسقلان وطبرية ودمشق وطرابلس وبيروت وصيدا والرملة وصور وقيسارية والقلزم والفرما والإسكندرية، فبلغت عدة شيوخه إلى مائتين وثلاثين شيخاً، وروى عنه أبو عمر الطلمنكي وجماعة، وكتب تاريخ مصر عن مؤلفه أبي سعيد ابن يونس، وروى عنه ابن يونس وهو من أقرانه، وعاد إلى الأندلس من رحلته سنة، واتصل بالحكم المستنصر، وصارت له عنده مكانة، وألّف له عدة كتب، واستقضاه على

إستجة ثم على المريّة، ومات برجب سنة.

قال الحميدي: هو محدّث، حافظ جليل، صنف كتباً في فقه الحديث، وفي فقه التابعين: فمنها فقه الحسن البصري في سبع مجلدات، وفقه الزهري في أجزاء كثيرة، وسمع مسند ابن افرضي وحديث قاسم بن أصبغ.

قال ابن الفرضي: وكان عالماً بالحدث، بصيراً برجاله، صحيح النقل حافظاً، جيد الكتابة على كثرة ما جمع.

وقال ابن عفيف في حقه: إنه كان من أعنى الناس بالعلم، وأحفظهم للحديث وأبصرهم بالرجال، ما رأيت مثله في هذا الفن، من أوثق المحدثين بالأندلس، وأصحهم كتباً، وأشدهم تعباً لروايته، وأجودهم ضبطاً لكتبه، وأكثرهم تصحيحاً لها، لا يدع فيها شبهة، رحمه الله تعالى.

ومنهم أبو عبد الله القيسي الوضاحي، محمد بن أحمد بن موسى، رحل من المغرب، وسمع من السّلفي وغيره جملة صالحة، ثم عاد إلى الأندلس بعد الحج، وسكن المرية مدة وبها مات سنة، وقيل: في التي بعدها، وكان من أظرف الناس، وأحسنهم أدباً، فقيهاً، فاضلاً، ثقة، ذا فرائد جمة، عفيفاً، معتنياً بالعلم.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى بن هذيل، العبدري، البلنسي، ولد سنة، وسمع من أبيه وجماعة، ورحل حاجّاً فسمع من السّلفي وابن عوف والحضرمي والتنوخي والعثماني وغيرهم،

ورجع بعد الحج إلى الأندلس فحدّث، وكان غاية في الصلاح والورع وأعمال البر، وله حظ من علم العبارة، ومشاركة في اللغة، وكتب بخطه على ضعفه كثيراً، رحمه الله تعالى.

ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن نوح الإشبيلي، ومولده سنة إحدى وثلاثين وستمائة بإشبيلية، وجال في بلاد المغرب والمشرق، وقرأ على الشيوخ الفضلاء، وحصّل كثيراً في علم القرآن والأدب، وله نظم ونثر، وكان كثير التلاوة للقرآن، جيد الأداء له، وأقام بدمشق حتى مات بها سنة، رحمه الله تعالى.

ومنهم محمد بن أسباط، المخزومي القرطبي، روى عن يحيى ابن يحيى، وقدم مصر فسمع من الحارث بن مسكين، وكان حافظاً للفقه، عالماً، توفي سنة.

ومنهم أبو بكر محمد بن إسحاق، الشهير بابن السليم، قاضي الجماعة بقرطبة مولده سنة، روى عن قاسم بن أصبغ وطبقته، ورحل سنة، فسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبمصر من الزبيريّ وابن النحاس وغيرهما، وعاد إلى الأندلس فأقبل على الزهد ودراسة العلم، وحدث، فسمع منه الناس، وكان حافظاً للفقه، بصيراً بالاختلاف، حسن الخط والبلاغة متواضعاً، وتوفي بجمادى الأولى سنة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.