من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (١٢)
فما بشرٌ مثلٌ له في جماله ... ووجدي به في العشق ليس له أخ وقلت بالإسكندرية، وقد تعذّر عليّ الحجّ عند وصولي إليها سنة تسع وثلاثين وستمائة:
قرب المزار ولا زمانٌ يسعدكم ذا أقرّب ما أراه يبعد
وارحمةً لمتيّمٍ ذي غربةٍومع التغرّب فاته ما يقصد
قد سار من أقصى المغارب قاصداًمن لذّ فيه مسيره إذ يجهد
فلكم بحارٍ مع قفار جبتهاتلقى بها الصمصام ذعراً يرعد
كابدتها عرباً وروماً، ليتنيإذ جزت صعب صراطها لا أطرد
يا سائرين ليثربٍ بلّغتمقد عاقني عنها الزمان الأنكد
أعلمتم أن طرت دون محلّهاسبقاً وها أنا إذ تدانى مقعد
يا عاذلي فيما أكابد قلّ فيما أبتغيه صبابةٌ وتسهّد
لم تلق ما لقيته فعذلتنيلا يعذر المشتاق إلاّ مكمد
لو كنت تعلم ما أروم دنوّهما كنت في هذا الغرام تفنّد
لا طاب عيشي أو أحلّ بطيبةٍأفقٌ به خير الأنام محمّد
صلّى عليه من براه خيرةًمن خلقه فهو الجميع المفرد
يا ليتني بلّغت لثم ترابهفيزاد سعداً من بنعمى يسعد
فهناك لو أعطى مناي محلّةًمن دونها حلّ السّها والفرقد
عيني شكت رمداً وأنت شفاؤهامن دائها ذاك الثرى لا الإثمد
يا خير خلق الله مهما غبت عنعليا مشاهدها فقلبي يشهد
ما باختيار القلب يترك جسمهغير الزمان له بذلك تشهد
يا جنّة الخلد التي قد جئتهامن دون بابك للجحيم توقّد
صرم التواصل ذبّلٌ وصوارمٌما للجليد على تقحّمها يد
فلئن حرمت بلوغ ما أمّلتهفلديّ ذكرى لا تزال تردّد
فلتنعشوا مني الذّماء بذكرهما دمت عن تلك المعالم أبعد
لولاه ما بقيت حياتي ساعةًهو لي إذا متّ اشتياقاً مولد
ذكرٌ يليه من الثناء سحائبٌأبداً على مرّ الزمان يجدّد
من ذا الذي نرجوه لليوم الذييقصى الظّماء به ويحمى المورد
يا لهف من وافى هناك وما لهمن حبّه ذخرٌ به يتزود
ما أرتجي عملاً ولكن أرتجيثقتي به ولحسب من يتزود
ما صحّ إيمانٌ خلا من حبّهأبلا رياشٍ يستعدّ مهنّد
عن ذكره لا حلت عنه لحظةًومديحه في كلّ حفلٍ أسرد
يا مادحي يبغى ثواباً زائلاًفثواب مدحي في الجنان أخلد
لولا رسول الله لم ندر الهدىوبه غداً نرجو النّجاة ونسعد
يا رحمةً للعالمين بعثت والدّنيا بجنح الكفر ليلٌ أربد
أطلعت صبحاً ساطعاً فهديت للإيمان إلاّ من يحيد ويجحد
لم تخش في مولاك لومة لائمٍحتى أقرّ به الكفور الملحد
ونصرت دين الله غير محاذرٍودعوت في الأخرى الألى قد أصعدوا
ولقيت من حرب الأعادي شدّةًلو كابدوها ساعةً لتبدّدوا
أيّان لا أحدٌ عليهم عاضدٌإلا الإله ولم يخن من يعضد
فحماك بالغار الذي هو من أدلّ المعجزات وخاب من يترصّد
ووقاك من سمّ الذراع بلطفهكيما يغاظ بك العدى والحسّد
والجذع حنّ إليك والماء انهمىما بين خمسك والصحابة شهّد
والذئب أنطق للذي أضحى بهيهدى إلى سبل النّجاح ويرشد
وبليلة الإسرا حباك وسمّي الصّديق من أضح لقولك يسعد
وحباك بالخلق العظيم ومعجز الكلم الذي يهدى به إذ يورد
وبعثت بالقرآن غير معارضٍفيه وأمسى من نحاه يعرّد
فتوالت الأحقاب وهو مبرّأمن أن يكون له مثالٌ يوجد
ولكم بليغٍ جال فصل خطابهوالسّرج في ضوء الغزالة تهمد
زويت لك الأرض التي لا زال حتى الحشر ربّك في ذراها يعبد
ونصرت بالرعب الذي لمّا يزليترى كأن ما عين سخصك تفقد
فمتى تعرّض طاعنٌ أو حاد عنحرم الهداية فالحسام مجرّد
يا من تخيّر من ذؤابة هاشمٍنعم الفخار لها ونعم المحتد
لسناك حين بدا بآدم أقبلترعياً لأخراه الملائك تسجد
لم أستطع حصراً لما أعطيتهفذكرت بعضاً واعتذاري منشد
ماذا أقول إذا وصفت محمّداًنفد الكلام ووصفه لا ينفد
فعليك يا خير الخلائق كلّهامني التحيّة والسلام السرمد قال: وقلت بإشبيلية:
هل تمنع النّهودما أبدت الخدود
نعم وكم طعينٍبطعنها شهيد
يا ربّة المحيّاحفّت به السعود
لم تسكر الحميّابل ريقك البرود
لله يا عذوليما تكتم البرود
ما زلت فيه أفنىوالوجد مستزيد
يا هل ترى زماناًمضى لنا يعود
لدى العروس سقّتجنابها العهود
حيث الغصون مالتكأنّها قدود
وزهرها نظيمٌكأنّه عقود
حمامها تغنّيأعطافها تميد
وبالنّسيم شقّتلنهرها برود
فروعه سيوفٌوسوره بنود
هناك كم دعتنيإلى الورود رود
فنلت كلّ سؤلٍيفنى به الحسود
قضيت فيه عيشاًما بعده مزيد
أضحي به وأمسيمرنّحاً أميد
كأنّني يزيدكأنّني الوليد
يجري الزمان طوعيبكلّ ما أريد
الخمر ملّكتنيفالخلق لي عبيد
يحقّ لي إذا ماأبصرتها تجود
فها أنا إذا مافقدتها فقيد
يا من يلوم بغياًالعذل لا يفيد
إذا عدمت كأسيفليس لي وجود وقال: وقلت بإشبيلية:
أوما نظرت إلى الحمامة تنشدوالغصن من طربٍ بها يتأوّد
ونثاره ألقاه جائزة لهالمّا يزل بيد النسيم يبدّد
ألقى عليها الطلّ برداً سابغاًفثناؤه طول الزمان يردّد
أترى الحمامة من محبٍّ ملخصٍأولى بشكرٍ حين تغمره يد
فلأثنينّ عليك ما أثنى بأعلى الغصن حنّان الهديل مغرّد
كم نعمةٍ لي في جنابك كم أكابد جهدها أيّان برّك يجهد
وقال:
أرى العين منّي تحسد الأذن كلّماجرت مدحةٌ للعلم والفضل والمجد
أحقّق أنباءً ولم أر صورةًكتحقيقي الأخبار عن جنّة الخلد
فمنّ على عيني بلقياك إنّني ... أخذت لها أمناً بذاك من السّهد قال: وقلت أمدح ابن عمي وأشكره، على ما أذكره:
آه ممّا تكنّ فيك الجوانحودموعي على نواك سوافح
واشتفاءٌ من العدوّ ببينٍكدّر العيش، أي عيشٍ لنازح
يا أتمّ الأنام حسناً أما تحسن حتى يتمّ إطراء مادح
يا زمان الوصال عوداً فإنّيطوّحت بي لمّا غدرت الطوائح
أين عيش العروس إذ يبطح السكر حبيبي ما بين تلك الأباطح
والأماني تترى ولا أحدٌ ينصح إذ لا يصغى إلى قول ناصح
وزمان السرور سمحٌ مطيعٌورسول الحبيب غادٍ ورائح
ولكم ليلةٍ أتاني بلا طيبٍ ولكن يزري بأذكى الروائح
هو ظبيّ فليس يحتاج طيباًقد كفاه عرفٌ من المسك فائح
مثل عليا محمدٍ لم تكن كسباً وما لا يكون في الطبع فاضح
يا كريماً أتى من الجود ما لاكان يدرى فأوجدته المدائح
وعلا كلّ ذي علاءٍ وأضحىنحو ما لا يرومه الناس طامح
قد أتاني إحسانك الغمر في إثر سواه فكنت أكمل مادح
فاض بحر النوال منك ولا ساحل يبدو ولم أزل فيه سابح
حللٌ مثل ما كسوتك في المدح تميت العدا ومالٌ سابح
أورد الورد منطقي كلّ شكرٍحين أضحى طوع البنان مسامح
لون خدّ الحبيب حين كسوهحلّة الحسن بالعيون اللّوامح
شفقٌ سال بين عينيه صبحٌحسنه قيّد اللحاظ السوارح
لم أجد فيه من جماحٍ ولكنّ ثنائي عليك ما زال جامح
لك يا ابن الحسين ذكرٌ جميلٌصيّر الكلّ نحو بابك جانح
قد هدى نحوك الثناء كما يهدي إلى الروض باسمات النوافح
فاعذر الناس إن أتوا لك أفواجاً فكلٌّ بقصد فضلك رابح
ما هدتهم إليك إلاّ الأمانيلم تحلهم إلا عليك القرائح
قل لذي المفخر الحديث تأخّرليس مهرٌ في شأوه مثل قارح
أيّ أصلٍ وأيّ فرعٍ أقاماشرفاً ظلّ للنّجوم يناطح
قد حوت مذحجٌ من الفخر لمّاكنت منها ما ليس يحويه شارح
أفق مجدٍ قد زانه منك بدرٌفي ظلام الخطوب ما زال لائح
بدر تمٍّ حفّت به هالةٌمن بيت مجدٍ علاؤها الدهر واضح
يا سماكاً بمسكه القلم الأعلى بدا بين أنجم الملك رامح
رفع الله للكتابة قدراًبعدما كابدت توالي الفضائح
يا أعزّ الأنام نفساً وأعلاهم محلاًّ لا زال أمرك راجح
أين أعداؤك الذين رعى سيفك فيهم فأشبهوا قوم صالح
أفسد الدهر حالهم ليرى حالك رغماً بمن يناويك صالح
دمت في عزّةٍ وسعدٍ مدى الدهر ولا زال طائرٌ منك سانح [أبو عبد الله ابن سعيد]
وابن عمه المذكور قال في حقه في المغرب ما ملخّصه:
إنّه الرئيس الأعلى، ذو الفضائل الجمة، أبو عبد الله محمد بن الحسين بنأبي الحسين سعيد بن الحسين بن سعيد بن خلف بن سعيد، قال: واجتماع نسبنا مع هذا الرئيس في سعيد بن خلف، وهو الآن قد اشتمل عليه ملك إفريقية اشتمال المقلة على إنسانها، وقدمه في مهماته تقديم الصّعدة لسنانها، وأقام لنفسه مدينة حذاء حضرة تونس، واعتزل فيها بعسكر الأندلس الذي صيّرهم الملك المنصور إلى نظره، وهو كما قال الفتح صاحب القلائد فقد جاء آخرهم، فجدد مفاخرهم، ومن نظمه وقد نزل على من قدم له مشروباً أسود اللون غليظاً وخروباً وزبيباً أسود وزبيباً كثير الغضون جاءت به عجوز في طبق، فقال:
ويوم نزلنا بعبد العزيزفلا قدّس الله عبد العزيز
سقانا شراباً كلون الهناءونقّلنا بقرون العنوز
وجاءت عجوزٌ فأهدت لنا ... زبيباً كخيلان خدّ العجوز ونزل السلطان أبو يحيى في بعض حركاته لموضع فيه نهر، وعلى شطّه نورٌ، فقال الرئيس أبو عبد الله ابن الحسين يصفه أو أمر بذلك:
ونهر يرفّ الزهر في جنباتهويثني النّسيم قضبه فتأطّر
يسيل كما عنّ الصباح بأفقهوإلا كما شيم الحسام المجوهر
عليه ليحيى قبّةٌ، هل سمعتمبقرصة شمسٍ حلّ فيها غضنفر
فإن قلت هذي قبّةٌ لعفاتها ... فقل ذلك الوادي الذي سال كوثر وقال أبو عمرو أحمد بن مالك بن سيد أمير اللخمي الشابي في ذلك:
وأرضٍ من الحصباء بيضاء قد جرتجداول ماءٍ فوقها تتفجّر
كما سبحت تبغي الحياة أراقمٌعلى روضةٍ فيها الأقاح المنوّر
وإلا كما شقّت سبائك فضّةٍبساطاً على حافاته الدّرّ ينثر وقال أبو علي يونس:
انظر إلى منظرٍ يسبيك منظرهويزدهيك بإذن الله مخبره
ومعجبٍ معجبٍ لا شيء يشبههخرير ماءٍ نميرٍ ثمّ منهره
كأنّما فرشت بالدّرّ صفحتهفالماء ينظمه طوراً وينثره
كأنّ خلجانه قدّت على قدرٍبمائها قسمٌ يجري مفجّره
أحلّ سيدنا الميمون قبّته ... بحوزه فغدا يزدان جعفره رجع إلى ما كنا فيه من أخبار الرئيس ابن الحسين، فنقول: رأيت بالمغرب آخر كتاب " روح السحر " من نسخة ملوكية كتبت له أبياتاً علق بحفظي منها الآن ما نصه:
تمّ روح السحر نسخاً فأتىمصحباً باليمن والفخر البعيد
لأبي عبد الإله المرتقيفي ذرا المجد الرئيس ابن سعيد ولم أحفظ تمام الأبيات
وقال أبو الحسن علي بن سعيد: كتبت إليه من أبيات بحضرة تونس وقد نقل إليه تعض الحساد ما أوجب تغيّره:
ومن بعد هذا قد أتيت بزلّةٍأما حسنٌ أن لا تضيق بها صدرا
وعلمك حسبي بالأمور فإنّنيعهدتك تدري سرّ أمري والجهرا
وقد أصلح الله الأمور بسعيكمونيتكم صلحاً على البشر والبشرى
ولم يبق لي إلاّ رضاك فإن بهكتبت ولو حرفاً أطبت لي العمرا
فبقّيت كهفاً للجميع وموئلاًولا زلت ما دام الزمان لنا سترا
فكتب إلي هذه الأبيات، وكان متمرضاً، وبعث إلي بما يذكر:
أكفّ الصّبا حفّت جنى زهر الربىسؤالك عن نضوٍ يسامي بك الزّهرا
بعثت بمثل الزهر في مثل صفحةٍلذلك ما قلّدتها الشّذر والدّرّا
معانٍ لها أعنو وأعنى بها فكموقفت عليها العين والسمع والفكرا
فلو عرضت للبحر لن يلفظ الدّرّاولو عارضت هاروت لم ينفث السحرا
أب حسن هنئت ما قد منحتهضروباً من الآداب تحلي بها الدهرا
ودونك بحراً من ودادي تلاطمتبه زاخرات المدّ لا يعرف الجزرا
فإن خطرت في جانبٍ منك هفوةٌفلا تحسبن أنّي أضيق بها صدرا
يزلّ الجواد عندما يبلغ المدىويعثر بالرّمث النسيم إذا أسرى
فدع ذا وخذها شائباتٍ قرونهاعروباً لعوباً جائزاً حكمها بكرا
ولو غادرت أوصافها متردّماًلشنّفت من أشعرها أذن الشّعرى
ألا فاحجبنها عن صديقٍ معمّمٍفإنّ قصارى الغمر أن يبكي العمرا
ومن كان ذا حجرٍ ونبلٍ ورقّةٍفلا يخلون إلاّ على الخمرة الحمرا
قرنت بها صفراء لم تعرف الهوىولا ألفت وصلاً ولا عرفت هجرا
ولا ضمّخت تضخ العبير وإن غدتتؤخّره لوناً وتفضحه نشرا
فإن خلتها بنت الظليم أظلّهافقد فرش الإذخرّ من تحتها تبرا
لها نسبٌ بين الثريّا أو الثرىوسل برباها المزن والغصن النضرا
فشرباً دهاقاً وانتشاقاً ولا ترمعن البيت فتراً أو تقيم به شهرا وله في الخشكلان:
هو الأهلّة لكنتدعونه خشكلانا
فإن تفاءلت صحّفتجد: حبيبك لانا انتهى باختصار
وحظي المذكور جدّاً عند السلطان ملك إفريقية أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، ولما مات السلطان المذكور، وحدثت فتنة بموته واختلاف، ثم استقرت الدولة لابنه الشهير الكبير القدر أبي عبد الله المستنصر ممدوح حازم بالمقصورة، وقاتل ابن الأبار القضاعي - سخط على الرئيس ابن الحسين المذكور، وقبض على دياره وأمواله، وصيره كالمحبوس، فكتب إليه رقعة يطلب الاجتماع به في مصلحة للدولة، فأحضره، وسأله فأخبره بأن أباه صنع داراً عظيمة تحت الأرض، وأودع فيها من أنواع المال والسلاح ما جعله عدّة وذخيرة لسلطانه، ولم يترك على وجه الأرض من له علم بهذا الموضع الذي أودعه نفائس أمواله غيري، وأوصاني أنّه إذا انتقل إلى جوار ربه، إذ توقع أن تقع فتنة بين أقاربه، أنّه إذا انقضت سنة واستقر الأمر لأحد من ولدي أو من يتيقن أنّه يصلح لأمور المسلمين، فأطلعه على هذه الذخائر، فربما فنيت الأموال بالفتنة، فلا يجد القائم بالأمر ما يصلح به الدولة إذا تفرغ للتدبير والسياسة، ففرح السلطان، وبادر إلى تلك الدار، فرأى ما ملأ عينه، وسرّ قبله، وخرج الرئيس ابن الحسين والخيل تجنب أمامه، وبدر الأموال بين يديه، وأعاده إلى أحسن أحواله، وجعله وزيراً لديه، كما كان أبوه مفوضاً أموره إليه، وقال السلطان: إن من أوجب شكر الله عليّ أن أفتتح المال بأن أؤدي منه للرعيّة الذين نهبت دورهم واحترقت في الفتنة التي كانت بيني وبين أقاربي ما خسروه، وأمر بالنداء فيهم، وأحضرهم وكلّ من حلف على شيء قبضه وانصرف.
[ذكر المستنصر الحفصي]
وكان السلطان المستنصر المذكور في بعض متصيداته، فكتب لأبي عبد الله
الرئيس المذكور يأمره بإحضار الأجناد لأخذ أرزاقهم بقوله:
ليحضر كلّ ليثٍ ذي منالزكا فرعاً لإسداء النّوال
غداً يوم الخميس فما شغلنا ... بأسد الوحش عن أسد الرجال وحكي أن السلطان المذكور عرض مرة أجناده، وقيل: بل سلّم عليه الموحدون يوم عيد بتونس، وفيهم شاب مليح وسيم اسم جده النعمان، فسأله السلطان عن اسمه، وأعجبه حسنه، فخجل واحمر وجهه، وازداد حسناً، فقال السلطان هذا المصراع:
كلّمته فكلمت صفحة خدّهوسأل من الحاضرين الإجازة، فلم يأتوا بشيء، فقال السلطان مجيزاً شطره:
فتفتّحت فيها شقائق جدّهوهذا من البدائع مع ما فيه من التورية والتجنيس
وممّا نسبه له أبو حيان بسنده إليه:
ما لي عليك سوى الدّموع معينإن كنت تغدر في الهوى وتخون
من منجدي غير الدموع وإنّهالمغثيةٌ مهما استغاث حزين
الله يعلم أن ما حمّلتني ... صعبٌ ولكن في رضاك يهون وكان للسلطان المذكور سعد يضرب به المثل، حتى إنّه كتب له صاحب مكّة البيعة من إنشاء ابن سبعين المتصوف، كما ذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه الكبير، وسرد نصّها، وهي من الغرائب.
ومن سعده أن الفرنسيس الذي كان أسر بمصر وجعل في دار ابن لقمان والطواشي صبيح يحرسه لما سرّح جاء من أمم النصرانية لبلاد المسلمين بما لم يجتمع قط مثله، حتى قيل: إنّهم كانوا ألف ألف، فكتب إليه أهل مصر من
نظم ابن مطروح القصيدة المشهورة التي منها:
قل للفرنسيس إذا جئتهمقالةً من ذي لسانٍ فصيح إلى أن قال:
دار ابن لقمان على حالها ... ومصر مصرٌ والطواشي صبيح والقصيدة مشهورة فلذلك لم أسردها، فصرف الفرنسيس جيوشه إلى تونس، فكتب إليه بعض أدباء دولة المستنصر:
أفرنسيس، تونسٌ أخت مصرٍفتأهب لما إليه تصير
لك فيها دار ابن لقمان قبرٌ ... وطواشيك منكرٌ ونكير فقضى الله ﷾ أنّه مات في حركته لتونس، وغنم المستنصر غنيمة ما سمع بمثلها قط، ويقال: إنّه دس إليه سيفاً مسموماً من سلّه أثر فيه سمّه، وقلده رسولاً إليه بعد أن جعل عليه من الجواهر النفيسة ما لم ير مثله عند غيره، وقال للرسول: إن الفرنسيس رجل كثير الطمع، ولولا ذلك ما عاود بلاد المسلمين بعد أسره، وإنّه سيرى السيف، ويكثر النظر إليه، فإذا رأيته فعل ذلك فانزعه من عنقك وقبّله، وقل له: هذا هدية مني إليك، لأن من آدابنا مع ملوكنا أن كل ما وقع نظر الملك عليه وعاود النظر إليه بالقصد فلا بد أن يكون له، ويحرم علينا أن نمسكه، لأن ما أحبه المولى على العبيد حرام، وتكراره النظر إليه دليل على حبّه له، ففرح النصراني بذلك، وأسرع الرسول العود إلى سلطانه، فسلّ النصرانيّ السيف، فتمكّن فيه السم بالنظر، فمات في الحين، وفرّج الله تعالى عن المسلمين.
رجع إلى أخبار أبي الحسن علي بن سعيد:
قال ابن العديم في تاريخ حلب: أنشدني شرف الدين أبو العباس أحمد بن
يوسف التيفاشي بالقاهرة في أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي يشير إلى كتاب أبي الحسن الذي جمعه من محاسن المغرب وسمّاه " المغرب ":
سعد الغرب وازدهى الشرق عجباًوابتهاجاً بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تجلىفأقامت قيامة التّقييد
لم يدع للمؤرخين مقالاًلا ولا للرّواة بيت نشيد
إن تلاه على الحمام تغنّت ... ما على ذا في حسنه من مزيد وأنشدني أبو العباس التيفاشي لنفسه فيه:
يا طيّب الأصل والفرع الزكيّ كمايبدو جنى ثمرٍ من أطيب الشّجر
ومن خلائقه مثل النّسيم إذايهفو على الزّهر حول النهر في السّحر
ومن محيّاه والله الشّهيد إذايبدو إلى بصري أبهى من القمر
أثقلت ظهري ببرٍّ لا أقوم بهلو كنت أتلوه قرآناً مع السّور
أهديت لي الغرب مجموعاً بعالمهفي قاب قوسين بين السمع والبصر
كأنني الآن قد شاهدت أجمعهبكلّ من فيه من بدوٍ ومن حضر
نعم ولاقيت أهل الفضل كلّهمفي مدّتي هذه والأعصر الأخر
إن كنت لم أرهم في الصدر من عمريفقد رددت عليّ الصدر من عمري
وكنت لي واحداً فيهم جميعهمما يعجز الله جمع الخلق في بشر
جزيت أفضل ما يجزى به بشرٌمفيد عمرٍ جديد الفضل مبتكر
ومن نظم أبي الحسن ابن سعيد قوله:
وعشيّةٍ بلغت بنا أيدي النّوىمنها محاسن جامعاتٍ للنّخب
فحدائقٌ ما بينهنّ جداولٌوبلابلٌ فوق الغصون لها طرب
والنّخل أمثال العرائس لبسها ... خزٌّ وحليتها قلائد من ذهب ومن نظمه رحمه الله تعالى في حلب قوله:
حادي العيس كم تنيخ المطاياسق فروحي من بعدهم في سياق
حلبٌ إنها مقرّ غراميومرامي وقبلة الأشواق
لا خلا جوسقٌ وبطياس والسعداء من كلّ وابلٍ غيداق
كم بها مرتعٌ لطرفٍ وقلبٍفيه يسقى المنى بكأسٍ دهاق
وتغنّي طيوره لارتياحٍوتثنّى غصونه للعناق
وعلّو الشهباء حيث استدارتأنجم الأفق حولها كالنطاق وقوله أيضاً في حماة:
حمى الله من شطّي حماة مناظراًوقفت عليها السمع والفكر والطّرفا
تغنّي حمامٌ أو تميل خمائلٌوتزهى مبانٍ تمنح الواصف الوصفا
يلومون أن أعصي التّصوّن والنّهىبها وأطيع الكأس واللهو والقصفا
إذا كان فيها النهر عاصٍ فكيف لاأحاكيه عصياناً وأشربها صرفا
وأشدو لدى تلك النواعير شدوهاوأغلبها رقصاً وأشبهها غرفا
تئنّ وتذري دمعها فكأنّهاتهيم بمرآها وتسألها العطفا وقوله في وداع ابن عمه وكتب بهما إليه:
وداعٌ كما ودّعت فصل ربيعيفضّ ضلوعي أو يفيض دموعي
لئن قيل في بعضٍ يفارق بعضهفإنّي قد فارقت منك جميعي
قال: فأرسل إليّ إحساناً، واعتذر ولسان الحال ينشد عنه:
أحبّك في البتول وفي أبيها ... ولكنّي أحبّك من بعيد وقوله، وقد أفلت المركب الذي كان فيه من العدو:
أنظر إلى مركبنا منقذاًمن العدا من بعد إحراز
أفلت منهم فغدا طائراً ... كطائرٍ أفلت من بازي وقال رحمه الله تعالى لما خرج من حدود إفريقية:
رفيقي جاوزنا مواطنٍصحبنا بها الأيّام طلقاً محيّاها
وما إن تركناها لجهلٍ بقدرهاولكن ثنت عنّا أعنّة سقياها
فسرنا نحثّ السّير عنها لغيرها ... إلى أن يمنّ الله يوماً بلقياها وكان وصوله بالإسكندرية في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وستمائة.
وقال رحمه الله تعالى: أخذت مع والدي يوماً في اختلاف مذاهب الناس، وأنهم لا يسلمون لأحد في اختياره، فقال: متى أردت أن يسلم لك أحد في هذا التأليف - أعني المغرب - ولا تعترض أتبعت نفسك باطلاً، وطلبت غاية لا تدرك، وأنا أضرب لك مثلاً: يحكى أن رجلاً من عقلاء الناس كان له ولد، فقال له يوماً: يا أبي، ما للناس ينتقدون عليك أشياء وأنت عاقل ولو سعيت في مجانبتها سلمت من نقدهم، فقال: يا بني، إنّك غرٌّ لم تجرّب الأمور، وإن رضى الناس غايةٌ لا تدرك، وأنا أوقفك على حقيقة ذلك، وكان عنده حمار، فقال له: اركب هذا الحمار وأنا أتبعك ماشياً، فبينما هما كذلك إذ قال رجل:
أنظر، ما أقلّ هذا الغلام بأدب، يركب ويمشي أبوه، وانظر ما أشد تخلّف والده لكونه يتركه لهذا، فقال له: انزل أركب أنا وامش أنت خلفي، فقال شخص آخر: انظر هذا الشخص، ما أقلّه بشفقة، ركب وترك ابنه يمشي، فقال له: اركب معي، فقال شخص: أشقاهما الله تعالى، انظر كيف ركبا على الحمار، وكان في واحد منهما كفاية، فقال له: انزل بنا، وقدّماه وليس عليه راكب، فقال شخص: لا خفّف الله تعالى عنهما، انظر كيف تركا الحمار فارغاً وجعلا يمشيان خلفه، فقال: يا بني، سمعت كلامهم، وعلمت أن أحداً لا يسلم من اعتراض الناس على أي حالة كان، انتهى.
[مقتبسات من خطبة المغرب]
وقال في أثناء خطبة المغرب ما نصه: والحمد لله الذي جعل الأدب أفضل ما اكتسب، وأفضل ما انتخب، إذ هو ذخر لا يخاف كساده، وكنز لا يخشى انتقاصه وإن كثر مرتاده، ولله درّ القائل:
رأيت جميع الكسب يفقده الفتىوتبقى له أخلاقه والتّأدّب
إذا حلّ في أرضٍ أقام لنفسهبآدابه قدراً به يتكسّب
وأومأ كلٌّ نحوه، ولعلّهإلى غير أهلٍ للنباهة ينسب وقال في أثناء الكلام لبعض المغاربة:
فأثبتّ في كلّ المواطن همّةًإلى طلب العلم الذي كان مطّرح
وصيّرت من قد كان بالنّظم جاهلاً ... يحاوله كيما تجود لك المدح وقال أيضاً في الخطبة: وبعد، فهذا كتاب راحةٍ قد تعبت في جمعه الأسماع والأبصار والأفكار، وكل عناء سهل إذا أنجح القصد، وقد بدأ فيه من سنة ثلاثين وخمسمائة، ومنتهاه إلى غرة سنة إحدى وأربعين وستمائة، وقال: وأول
من كان السبب في ابتداء هذا الكتاب جدّ والدي عبد الملك بن سعيد، وهو إذ ذاك صاحب قلعة بني سعيد تحت طاعة علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين ملك البربر، إلى أن استبدّ بها سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وقصده في سنة ثلاثين وخمسمائة حافظ الأندلس أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن الحجاري وصنف له كاب المسهب في غرائب المغرب في نحو ستة أسفار، وابتدأ فيه من فتح الأندلس إلى التاريخ الذي ابتدأه فيه، وهو سنة ثلاثين وخمسمائة، ثمّ ثار في خاطر عبد الملك أن يضيف إليه ما أغفله الحجاري، وتولع بمطالعته ابناه أبو جعفر ومحمد، وأضافا له ما استفاداه، ولم يزل يزيد إلى أن استبدّ به محمد، فاعتنى به أشد اعتناء، ثم استبدّ به والدي - وكان أعلمهم بهذا الشأن، وبلغ من اجتهاده في هذا الكتاب أنني أذكره يوماً وقد نوّه به ابن هودٍ وهو ملك الأندلس وولاّه الجزيرة الخضراء، فأعلمه شخص أن عند أحد المنسوبين إلى بيت نباهة كراريس من شعر شعرائها، وأخبار رؤسائها، الذين تحتوي عليهم دولة بني عبد المؤمن، فأرسل إليه راغباً في استعارتها، فأبى، وقال: عليّ يمين أن لا تخرج عن منزلي، وقال: إن كانت له حاجة يأتي على رأسه، وكان جاهلاً، فلما سمع والدي ضحك وقال: سر معي إليه، فقلت له: ومن يكون هذا حتى نمشي له على هذه الصورة فقال: إني لا أمشي له، ولكن أمشي للفضلاء الذين تضمنت الكراريس أشعارهم وأخبارهم، أتراهم لو كانوا أحياء مجتمعين في موضع أنفت أن أمشي إليهم قلت: لا، قال: فإن الأثر ينوب عن العين، فمشينا إلى منزل الرجل، فوالله ما أنصفنا في اللقاء؛ فلما قضينا منها الغرض صرفها إليه والدي وشكره، وقال: هذه فائدة لم أجدها عند غيرك، فجزاك الله تعالى خيراً، ثم انفصل وقال: ألم تعلم يا بني أنني سررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية، وإن هذا والله أوّل السعادة، وعنوان نجاحها.
[قلعة بني سعيد]
والقلعة التي كان بها بنو سعيد تعرف بهم فيقال لها: قلعة بني سعيد، وكانت تعرف قبل بقلعة أسطلير، وهو عين لها، وقال الملاّحي في تاريخه: إنّها تعرف بقلعة يحصب، قبيلٍ من اليمن نزل بها عند فتح الأندلس، وبها كما مرّ صنّف الحجاري كتاب " المسهب " لصاحبها عبد الملك بن سعيد.
وفي بني سعيد يقول الحجازي:
قومٌ لهم في فخرهمشرف الحديث مع القديم
ورثوا الندى والبأس والعليا كريماً عن كريم
من كلّ وضّاحٍ بهيجلى دجى الّليل البهيم [أولية بني سعيد]
وكان أوّل من دخل الأندلس من ولد عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه عبد الله بن سعد بن عمار، وقد ذكره ابن حيان في مقتبسه، وأخبر أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري صاحب الأندلس آخر دولة بني أمية بالمشرق كتب إليه أن يدافع عبد الرحمن بن معاوية المرواني الداخل للأندلس، وكان إذ ذاك أميراً على اليمانية من جند دمشق، وإنّما ركن إليه في محاربة عبد الرحمن لما بين بني عمار وبين بني أمية من الثأر بسبب قتل عمّار بصفّين على يد عسكر معاوية رضي الله تعالى عنه، وكان عمار من شيعة علي رضي الله تعالى عنهما.
[شعر لأبي بكر بن سعيد]
وقال الحجاري: أنشدني أبو بكر محمد بن سعيد صاحب أعمال غرناطة في مدة الملثّمين لنفسه، فيما يليق بجنسه:
إن لم أكن للعلاء أهلاًبما تراه فمن يكون
وكلّ ما أبتغيه دونيولي على همّتي ديون
ومن يرم ما يقلّ عنهفذاك من فعله جنون
فرعٌ بأفق السماء سامٍوأصله راسخٌ مكين ومن نظمه قوله أيضاً:
الله يعلم أنّيأحبّ كسب المعالي
وإنّما أتوانىعنها لسوء المآل
تحتاج للكدّ والبذل واصطناع الرجال
دع كلّ من شاء يسمولها بكلّ احتيال
فحالهم بانعكاسفيها وحالي حالي [ترجمة الغساني من المغرب]
ولما ذكر ابن سعيد في " المغرب " ترجمة الكاتب الرئيس المجيد أبي العباس أحمد الغساني كاتب ملك إفريقية قال: بماذا أصفه ولو أن النجوم تصير لي نثراً لما كنت أنصفه، وكفاك أنّي اختبرت الفضلاء من البحر المحيط إلى حضرة القاهرة، فما رأيت أحسن ولا أفضل عشرة منه، ولما فارقته لم
أشعر إلاّ برسالته قد وافتني بالإسكندرية من تونس، وفيها قصيدة فريدة منها:
إيهٍ أبا الحسن استمع شدوي فقد ... يصغي الحمام إذا الحمام ترنّما ثمّ سرد بعضاً من القصيدة، وستأتي قريباً إن شاء الله تعالى، بزيادة على ما ذكر منها في المغرب.
[إجازته للتيفاشي رواية المغرب]
رجع - وجد بخطّه رحمه الله تعالى آخر الجزء من كتاب المغرب ما نصّه: أجزت الشيخ القاضي الأجلّ أبا الفضل أحمد ابن الشيخ القاضي أبي يعقوب التّيفاشي، أن يروي عني مصنّفي هذا، وهو المغرب في محاسن المغرب ويرويه من شاء ثقة بفهمه، واستنامة إلى علمه، وكذلك أجزت لفتاه النبيه جمال الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن خطلخ الفارسي الأرموي أن يرويه عني، ويرويه من شاء، وكتبه مصنفه علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد في تاريخ الفراغ من نسخ هذا السّفر، انتهى.
[شعر لابن سعيد]
وقال في وسيم من أبناء العجم صحبه في الطريق من حلب إلى بغداد فمات، وكان ظريفاً أديباً:
لهفي على غصنٍ ذوىأفقدته لمّا استوى
ريّان من ماء الصّباومن المدامع ما ارتوى
لا تعذلوني إن نطقت الدهر فيه عن الهوى
كم ضلّ صاحبه بسحر اللحظ منه وكم غوى
أنا لا أفيق الدهر فيهـ من الصبابة والجوى
إنّ الهوى حيّاً وميتاً لا يزال له سوا
كم قد نويت به النّعيم فقدّر الله النوى
دار السلام حويت منكلّ المحاسن قد حوى
مجموع حسنٍ قد ثوى ... في جنّةٍ وبها ثوى وولد أبو الحسن علي بن موسى يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر رمضان عام عشرة وستمائة، وهو علي بن وموسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد بن خلف ابن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عمار بن ياسر، رضي الله تعالى عنه.
[ترجمة والد ابن سعيد من المغرب]
وقال في المغرب لما عرف بوالده الكاتب الشهير أبي عمران موسى ابن محمد بن عبد الملك بن سعيد، ما محصّله: لولا أنّه والدي لأطنبت في ذكره، ووفيته من الوصف حق قدره، لكن كفاه وصفاً ما أثبتّه له في هذه الترجمة، وما مر له ويمر في أثناء هذا الكتاب، وكون كلّ من اشتغل بهذا التأليف نهراً وهو بحر، واشتهاره في حفظه التاريخ والاعتناء بالآداب في بلاده، بحيث لا يحتاج إلى تنبيه ولا إطناب، وله من النظم والنثر ما تضج الأقلام من كثرته، ويستمد القطر من درّته، وممّا شاهدت من عجائبه أنّه عاش سبعاً
وستين سنة ولم أره يوماً يخلي مطالعة كتاب أو كتب ما يخلده، حتى إن أّيام الأعياد لا يخليها من ذلك، ولقد دخلت عليه في يوم عيد وهو في جهد عظيم من الكتب، فقلت له: يا سيدي، أفي هذا اليوم لا تستريح فنظر إلي كالمغضب وقال: أظنك لا تفلح أبداً، أترى الراحة في غير هذا والله لا أحسب راحة تبلغ مبلغها، ولوددت أن الله تعالى يضاعف عمري حتى أتم كتاب المغرب على غرضي؛ قال: فأثار ذلك في خاطري أن صرت مثله لا ألتذّ بنعيم غير ما ألتذ به من هذا الشأن، ولولا ذلك ما بلغ هذا التأليف إلى ما تراه. وكان أولع الناس بالتجول في البلدان، ومشاهدة الفضلاء، واستفادة ما يرى وما يسمع، وفي تولّعه بالتقييد والمطالعة للكتب يقول:
يا مفنياً عمره في الكأس والوتروراعياً في الدّجى للأنجم الزّهر
يبكي حبيباً جفاه أو ينادم منيهفو لديه كغصنٍ باسم الزّهر
منعّماً بين لذّات بمحّقهاولا يخلد من فخرٍ ولا سير
وعاذلاً لي فيما ظلت أكتبهيبدي التعجب من صبري ومن فكري
يقول ما لك قد أفنيت عمرك فيحبرٍ وطرسٍ عن الأغصان والحبر
وظلت تسهر طول الليل في تعبٍولا تني أمد الأيّام في ضجر
أقصر فإنّي أدرى بالذي طمحتلأفقه همّتي واسأل عن الأثر
واسمع لقول الذي تتلى محاسنهمن بعد ما صار مثل الترب كالسور
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهمبعد الممات جمال الكتب والسير انتهى
وولد أبو عمران موسى بن محمد في الخامس من رجب عام ثلاثة وسبعين
وخمسمائة، وتوفي بثغر الإسكندرية يوم الاثنين الثامن من شوّال عام أربعين وستمائة.
[محمد بن عبد الملك بن سعيد]
وولد أبوه محمد بن عبد الملك صاحب أعمال غرناطة وأعمال إشبيلية عام أربعة عشر وخمسمائة، وتوفي بشعبان عام تسعة وثمانين وخمسمائة بغرناطة.
وكان محمد بن عبد الملك وزيراً جليلاً، بعيد الصيت، عالي الذكر، رفيع الهمّة، كثير الأموال، وذكره ابن صاحب الصلاة في كتابه " تاريخ الموحّدين " ونبه على مكانته منهم في الحظوة والأخذ في أمور الناس، وأثنى عليه، وذكره السهيلي في " شرح السيرة الشريفة " حيث ذكر الكتاب الموجّه من رسول الله ﷺ إلى هرقل وأن محمد بن عبد الملك عاينه عند أذفونش مكرماً مفتخراً به، والقصة مشهورة؛ ومدحه الرصافي بقصيدة أوّلها:
ذهناً يفيض وخاطراً موقداًماذا عسى يثنى على علم الندى ولما أنشده قصيدته فيه التي أولها:
لمحلّك الترفيع والتعظيم ... ولوجهك التقديس والتكريم حلف لا يسمعها، وقال: عليّ إجازتك، ولكن طباعي لا تحمل مثل
هذا، فقال له الرصافي: ومن مثلك يستحق هذا في الوقت غيرك فقال له: دعني من خداعك، أنا وما أعلمه من قلبي.
وأنشد له في " الطالع السعيد ":
فلا تظهرن ما كان في الصّدر كامناًولا تركبن بالغيظ في مركبٍ وعر
ولا تبحثن فيعذر من جاء تائباً ... فليس كريماً من يباحث في العذر وولي للموحدين أعمالاً كثيرة بمراكش وسلا وإشبيلية وغرناطة، واتصلت ولايته على أعمال غرناطة، وكان من شيوخها وأعيانها، وكتب عليه عقد أن في داره من الحلى وأصنافه ما لا يمكن إلاّ في دار الملك، وأنّه إذا ركب في صلاة الصبح شوش ... ونباح الكلاب. فأمر المنصور بالقبض عليه وعلى ابن عمّه صاحب أعمال إفريقية أبي الحسين سنة، ثم رضي عنهما، وأمر محمد بن عبد الملك أن يكتب بخطّه كل ما أخذ له، فصرفه عليه، ولم ينقص منه شيئاً، وغرم له ما فات منه، وهذا ممّا يدل على قوة سعد محمد ابن عبد الملك المذكور ونباهة قدره، وحسبه من الفخر مدح أديب الأندلس وشاعرها أبي عبد الله الرصافي له، وهو ممّن يمدح الخلفاء في ذلك العصر، رحمه الله تعالى.
[عبد الملك بن سعيد]
وولد أبوه عبد الملك بن سعيد عام ستة وتسعين وأربعمائة، وتوفّي بحضرة
مراكش عام اثنين وستين وخمسمائة. قال الحجاري: لما مات يحيى بن غانية الملثّم ملك الأندلس بحضرة غرناطة، وكان وزيره ومدبر دولته عبد الملك بن سعيد، بادر الفرار لغرناطة عندما سمع بموته إلى قلعته، وثار بها، وطلبه خليفة يحيى بن غانية طلحة بن العنبر، فوجده قد فاته.
وقد قدمنا أن عبد الملك هذا هو السبب في تأليف كتاب المغرب في أخبار المغرب ثم تممه ابنه محمد بن عبد الملك، ثمّ تمّم ما بقي منه ابنه موسى ابن محمد، ثمّ أربى على الكل في إتمامه أبو الحسن علي بن موسى الذي قصدناه بالترجمة في هذا الكتاب، وقد ذكرنا من أحواله جملة كافية.
[وصف ابن سعيد للفسطاط]
ومن فوائد ابن سعيد أبي الحسن ما حكاه عن صاحب كتاب الكمائم وهو: فأمّا فسطاط مصر فإن مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن، وهو الذي عليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، ثم لمّا فتحها قسم المنازل على القبائل، ونسب المدينة إليه، فقيل: فسطاط عمرو، وتداولت عليها بعد ذلك ولاة مصر، فاتخذوها سرير السلطنة، وتضاعفت عمارتها، فأقبل الناس من كل جانب إليها، وقصروا أمانيهم عليها، إلى أن رسخت بها دولة بني طولون، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع، وبها كان مسجد بان طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة، وهي مدينة
مستطيلة يمر النيل مع طولها، وتحطّ في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل وجنوبه بأنواع الفوائد، وبها منتزهات، وهي في الإقليم الثالث، ولا ينزل فيها مطر إلا في النادر، وترابها ينتن الأرجل، وهو قبيح اللون، تستكدر منه أرجاؤها، ويسوء بسببه هواؤها، ولها أسواق ضخمة إلاّ أنّه ضيّقة، ومبانيها بالقصب والطوب طبقة على طبقة. ومذ بنيت القاهرة ضعفت مدينة الفسطاط، وفرّط في الاعتناء بها بعد الإفراط، وبينهما نحو ميلين، وأنشدت فيها للشريف العقيلي:
أحنّ إلى الفسطاط شوقاً وإنّنيلأدعو لها أن لا يحلّ بها القطر
وهل في الحيا من حاجةٍ لجنابهاوفي كل قطرٍ من جوانبها نهر
تبدّت عروساً والمقطّم تاجها ... ومن نيلها عقدٌ كما انتظم الدّرّ وقال عن كتاب اجار: والفسطاط هو قصبة مصر، والجبل المقطّم شرقيها، وهو متصل بجبل الزمرد، وقال عن كتاب ابن حوقل: الفسطاط مدينة حسنة، ينقسم النيل لديها، وهي كبيرة، ومقدارها نحو فرسخ، على غاية العمارة والطيب واللذّة ذات رحاب في محالّها، وأسواق عظام فيها ضيق
ومتاجر فخام، ولها ظاهر أنيق، وبساتين نضرة، ومنتزهات على ممر الأيام خضرة، وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالكوفة والبصرة، إلاّ أنّها أقلّ من ذلك، وهي سبخة الأرض، غير نقية التربة، وتكون الدار بها سبع طبقات وخمساً وستّاً، وربما يسكن في الدار المائتان من الناس، ومعظم بنيانهم بالطوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة، بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط، والآخر على الموقف بناه ابن طولون، وكان خارج الفسطاط أبينة بناها أحمد بن طولون ميلاً في ميل يسكنها جنده، وتعرف بالقطائع، كما بنى الأغلب خارج القيروان رقّادة، وقد خربتا في وقتنا هذا، وأخلف الله بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة.
قال ابن سعيد: لما استقررت بالقاهرة تشوّفت إلى معاينة الفسطاط، فسار معي إليها أحد أصحاب القرية، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة، لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حماراً، وأشار إليّ أن أركب حماراً آخر، فأنفت من ذلك جرياً على عادة ما خلفته من بلاد المغرب، فأخبرني أنّه غير معيب على أعيان مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة يركبونها، فركبت، وعندما استويت راكباً أشار المكاري إلى الحمار، فطار بي، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عينيّ، ودنس ثيابي، وعاينت ما كرهته، ولقلة معرفتي بركوب الحمار وشدة عدوه على قانون لم أعهده، وقلة رفق المكاري، وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج، فقلت:
لقيت بمصر أشدّ البوارركوب الحمار وكحل الغبار
وخلفي مكارٍ يفوق الرياحلا يعرف الرفق مهما استطار
أناديه مهلاً فلا يرعويإلى أن سجدت سجود العثار
وقد مدّ فوقي رواق الثرى ... وألحد فيه ضياء النّهار فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك أن تتركني أمشي على رجليّ، ومشيت إلى أن بلغتها؛ وقدرت الطريق بين الفسطاط والقاهرة وحققته بعد ذلك نحو ميلين، ولمّا أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرة، وتأمّلت أسواراً مثلّمة سوداء وآفاقاً مغبرة، ودخلت من بابها وهو دون غلق يفضي إلى خراب معمور بمبان متشتتة الوضع، غير مستقيمة الشوارع، قد بنيت من الطوب الأدكن والقصب والنخيل طبقة فوق طبقة، وحول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الظريف، فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال، إلى أن صرت في أسواقها الضيقة، فقاسيت من ازدحام الناس فيها لحوائج السوق والرّوايا التي على الجمال ما لا تفي به إلاّ مشاهدته ومقاساته، إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضده في جامع إشبيلية وجامع مرّاكش، ثم دخلت إليه فعاينت جامعاً كبيراً قديم البناء، غير مزخرف، ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه، وتنبسط فيه، وأبصرت العامة رجالاً ونساء قد جعلوه معبراً بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك وما سوى ذلك، والناس يأكلون في عدة أمكنة منه غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك، وعدة صبيان بأواني ماء يطوفون على كل من يأكل، قد جعلوا ما يحصل لهم منه رزقاً، وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع، وفي زواياه العنكبوت قد عظم
نسجه في السقف والأركان والصبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة، إلاّ أن مع ذلك على الجامع المذكور من الرونق وحسن القبول وانبساط النفس ما لا تجده في جامع إشبيلية مع زخرفته والبستان الذيفي صحنه، ولقد تأملت ما وجدت فيه من الارتياح والأنس دون منظر يوجب ذلك، فعلمت ان ذلك سر مودع من وقوف الصحابة رضي الله تعالىعنهم في ساحته عند بنائه، واستحسنت ما أبصرته من حلق المتصدرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدة أماكن، وسألت عن مواد أرزاقهم فأخبرت أنها من فروض الزكاة وما أشبه ذلك، ثم أخبرت أن اقتضاء ذلك يصعب إلا بالجاه والتعب. ثم انفصلنا من هناك إلى ساحل النيل، فرأيت ساحلاً كدير التربة، غير نظيف ولا متسع الساحة، ولا مستقيم الاستطالة، ولا عليه سور أبيض، إلا أنّه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار النيل، ولئن قلت إنّي لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل فإنّي أقول حقّاًن والنيل هنالك ضيق، لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط، وبحسن سورها المبيض الشامخ حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل. وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدّاً من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البر الغربي المعروف ببر الجيزة جسر آخر من الجزيرة إليه، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب، لأن هذين الجسرين قد احترما لحصولهما في حيز قلعة السلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكباً احتراماً
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع