من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (٢١)
وقد أورد قاضي القضاة ابن جماعة للشيخ أبي حيان من النظيم غير ما قدمنا ذكره قوله:
أما إنه لولا ثلاثٌ أحبّها تمنّيت أني لا أعدّ من الأحيا
فمنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ تكفّر لي ذنباً وتنجح لي سعيا
ومنهنّ صوني النفس عن كل جاهلٍ لئيمٍ فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنهنّ أخذي بالحديث إذا الورى نسوا سنّة المختار واتّبعوا الرأيا
أتترك نصّاً للرسول وتقتدي بشخصٍ لقد بدّلت بالرّشد الغيّا
وقوله:
سال في الخدّ للحبيب عذارٌ وهو لا شكّ سائلٌ مرحوم
وسألت التثامه فتجنّى فأنا اليوم سائلٌ محروم
وقوله:
أمدّعياً علماً ولست بقارئٍ كتاباً على شيخٍ به يسهل الحزن
أتزعم أن الذهن يوضح مشكلاً بلا موضح كلا لقد كذب الذهن
وإن الذي تبغيه دون معلّمٍ كموقد مصباحٍ وليس له دهن
وقوله عداتي - البيتين قال: وأخذ هذا المعنى من قول الطغرائي:
من خصّ بالودّ الصّحاب فإنني أحبو بخالص ودّي الأعداء
جعلوا التنافس في المعالي ديدني حتى وطئت بأخمصي الجوزاء
ونعوا إليّ مثالبي فحذرتها ونفيت عن أخلاقي الأقذاء
ولربما انتفع الفتى بعدوّه كالسّمّ أحياناً يكون دواء
ومن نظم أبي حيان:
يا منضي الطّرف في ميدان لذته وناضي الطّرف بين الراح والرود
ستشرب الروح راح الوقت كارهةً ويذهب الجسم بين الترب في الدود
وله رحمه الله تعالى قصيدة سمّاها بالمورد العذب في معرضة قصيدة كعب وقصيدة في مدح الإمام الشافعي مطلعها:
غذيت بعلم النحو إذ درّ لي ثديا
وله رحمه الله تعالى من قصيدة في مدح أم ولده حيّان:
جننت بها سوداء لونٍ وناظرٍ ويا طالما كان الجنون بسوداء
وجدت بها برد النعيم وإن يكن فؤادي منها في جحيمٍ ولأواء
وشاهدت معنى الحسن فيها مجسّداً فأعجب لمعنىً صار جوهر أشياء
أطاعنةً من قدّه بمثقفٍ أصبت وما أغنى الفتى لبس حصداء
لقد طعنت والقلب ساهٍ فمادرى أبالقد منها أم بصعدة سمراء
ثمّ غير البيت الأول، وأنشد:
جننت بها سوداء شعرٍ وناظرٍ وسمراء لونٍ تزدري كلّ بيضاء
وقال يهنئ، قال ابن جماعة: خاطبني به ارتجالاً عند ولادة ابني عمر بعد بنتين:
حبيت بريحانتي روضة وبعدهما جاء نجلٌ أغرّ
وسمّيته اسم إمامٍ إذا رآه أبو مرّةٍ منه فرّ
ولا عجبٌ منك عبد العزيز إذا كان نجلك يسمى عمر
تفرّعتما من إمام الهدى وبدر الدجى ورئيس البشر
فلا زال يوضح سبل الهدى ولا زلتما تقفوان الأثر
وقال:
لقد زادني بالناس علماً تجاربي ومن جرّب الأيّام مثلي تعلّما
وإنّي وتطلابي من الناس راحةً ... لكالمبتغي وسط الجحيم تنعّما سأزهد حتى لا أرى لي صاحباً وأنجد حتى لا ألاقي متهما
قال ابن جماعة: وقال في إملاك علي ابن قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي، وكان جميل الصورة، على أختي شقيقتي فاطمة:
هنيئاً بتأليفٍ غريبٍ نظامه لقد حار في أوصافه نظم عارف
غدت شمس حسن بنت بدرٍ سيادةً تزفّ لبدرٍ نجل شمس معارف
سميّان للزهرا البتول وللرضا عليٍّ ونجلا الأكرمين الغطارف
فدام عليٌّ عالي الجدّ سيّداً ولا زال في ظلٍّ من العيش وارف
وقال يخاطب شيخه ابن النحاس وقد أغب زيارته:
أعين حياتي والذي ببقائه بقائي لقد أصبحت نحوك شيّقا
أقمت بقلبي غير أنّ لمقلتي برؤيتك الحظّ الذي يذهب الشقا
وما كان ظني انك الدهر تاركي ولو أنني أصبحت بين الورى لقا
لطائف معنىً في العيان ولم تكن لتدرك إلاّ بالتزاور واللّقا
وقال يخاطب قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي، وقد أعيد إلى منصب القضاء، وكان يتطلّع إليه رجل يدعى نجم الدين:
ذوو العلم في الدنيا نجومٌ زواهرٌ وإنك فيها الشمس حقّاً بلا لبس
إذ لحت أخفى نوركم كلّ نيرٍ ألم تر أن النجم يخفى مع الشمس
وقال:
لم أؤخّر عمّن أحبّ كتابي لقلىً فيه أو لترك هواه
غير أني إذا كتبت كتاباً غلب الدّمع مقلتي فمحاه
وقال:
تذكّري للبلى في قعر مظلمةٍ أصارني زاهداً في المال والرّتب
أنّى أسرّ بحالٍ سوف أسلبها عمّا قريبٍ وأبقى رمّى الترب
وقال:
أتيت وما أدعى وأقبلت سامعاً فوائد مولى سيدٍ مساجدٍ ندب
وأحضر جمعاً أنت فيه جماله أشنّف سمعي منك باللؤلؤ الرّطب
وقال:
لنا غرامٌ شديدٌ في هوى السّود نختارهنّ على بيض الطّلى الغيد
لونٌ به أشرقت أبصارنا وحكى في اللون والعرف نفح المسك والعود
لا شيء أحسن من آسٍ تركّبه في آبنوسٍ ولا أشفى لمبرود
لا تهو بيضاء لون الجصّ واسم إلى سوداء حسناء لون الأعين السود
في جيدها غيدٌ، في قدّها ميدٌ في خدّها صيدٌ، من سادةٍ صيد
من آل حامٍ حمت قلبي بنار جوىٍ من هجرها وابتلت عين بتسهيد
وقال في عكسه:
إذا مال الفتى للسّود يوماً فلا رأيٌ لديه ولا رشاد
أتهوى خنفساء كأنّ زفتاً كسا جلداً لها وهو السّواد
وما السّوداء إلاّ قدر فرنٍ وكانونٍ وفحمٌ أو مداد
وما البيضاء إلاّ الشمس لاحت تنير العين منها والفؤاد
سبيكة فضةٍ حشيت بوردٍ يلذّ السّهد معها والرقاد
وبين البيض والسودان فرقٌ لدى عقلٍ به اتضح المراد
وجوه المؤمنين بها ابيضاضٌ ووجه الكافرين به اسوداد
وقال رحمه الله تعالى:
أعاذل ذرني وانفرادي عن الورى فلست أرى فيهم صديقاً مصافيا
نداماي كتبٌ أستفيد علومها أحبّاي تغني عن لقائي الأعاديا
وآنسها القرآن فهو الذي به نجاتي إذا فكرت أو كنت تاليا
لقد جلت في غرب البلاد وشرقها أنقّب عمّن كان لله داعيا
فلم أر إلاّ طالباً لرياسةٍ وجمّاع أموالٍ وشيخاً مرئيا
قبضت يدي عنهم وآثرت عزلةً عن الناس واستغنيت بالله كافيا
قال العز ابن جماعة: وخاطب والدي وقد أبلّ من ضعف أشيع فيه موته مهنئاً:
أدام الإله لك العافيه وصيّر دور العدا عافيه
إذا لاح من بدركم نوره فكلّ النجوم به خافيه
تخذت كلام الإله الدوا فآياته كانت الشافيه
تشوّف ناسٌ لمنصبكم ورتبتهم للعلا نافيه
فأين العلوم وأين الحلوم وخلقٌ موارده صافيه
هم عصبةٌ لا تنال العلا ولو أنها قد سعت حافيه
إذا كان خرقٌ تداركته وليست لما مزّقت رافيه
فإن عنّ خطبٌ ثبتّ له وآراؤهم عنده هافيه
سجاياك لينٌ ورفقٌ بنا وأخلاقهم كلّها جافيه
تصلي على سبعةٍ منهم وثامنهم نفسه طافيه
يقيمون في تربهم همّداً وتسفي على قبرهم سافيه
فلا زلت في صحّةٍ دائماً تجرّ ذيول السنى ضافيه
ويوردك الله عين الحياة فتحيا بها مائةً وافيه
فإن زاد عشراً فذاك المنى وعشرون أيضاً هي الكافيه
وهذه القوافي أتت كمّلاً فلم تبق لي بعدها قافيه
وقال رحمه الله تعالى أيضاً:
خلق الإنسان فيكبد بوجود الأهل والولد
كلّ عضوٍ فيه نافعه غير عضوٍ ضرّ للأبد
منتجٌ ذلاًّ وفقد غنىً وفراخاً جمّة العدد
من يمت منهم يذقه أسىً أو يعش ألقاه في نكد
عاش في أمنٍ فتىً عزبٌ مستريح الفكر والجسد
وقال رحمه الله تعالى أيضاً:
جنّ غيري بعارضٍ فترجّى أهله أن يفيق عمّا قريب
وفؤادي بعارضين مصابٌ فهو داءٌ أعيا دواء الطبيب
وقال:
سعت حيّةٌ من شعره نحو صدغه وما انفصلت من خدّه، إنّ ذا عجب
وأعجب من ذا أنّ سلسال ريقه برودٌ ولكن شبّ في قلبي اللهب
وقال:
طالع تواريخ من في الدهر قد وجدوا تجد خطوباً تسلّي عنك ما تجد
تجد أكابرهم قد جرّعوا غصصاً من الرزايا بها كم فتّتت كبد
عزلٌ ونهبٌ وضربٌ بالسياط وحب سٌ ثمّ قتلٌ وتشريدٌ لمن ولدوا
وغن وقيت بحمد الله شرّتهم فتحمد الله فالعقبى لمن حمدوا
وقال رحمه الله تعالى يمدح البخاري وكتابه الصحيح:
أسامع أخبار الرسول لك البشرى لقد سدت في الدنيا وقد فزت في الأخرى
تشنّف آذاناً بعقد جواهرٍ تودّ الغواني لو تقلّده النحرا
جواهر كم حلّت نفوساً نفيسةً فحلّت بها صدراً وحلّت بها قدرا
هل الدين إلاّ ما روته أكابرٌ لنا نقلوا الأخبار عن طيبٍ خبرا
وأدّوا أحاديث الرسول مصونةً عن الزّيف والتصحيف فاستوجبوا الشكرا
وإنّ البخاريّ الإمام لجامعٌ بجامعه منها اليواقيت والدرّا
على مفرق الإسلام تاجٌ مرصعٌ أضاء به شمساً ونار به بدرا
وبحر علومٍ يلفظ الدرّ لا الحصا فأنفس بها درّاً وأعظم به بحرا
تصاينفه نورٌ ونورٌ لناظر فقد أشرقت زهراً وقد أينعت زهرا
نحا سنّة المختار ينظم شتّها يلخّصها جمعاً ويخلصها تبرا
وكم بذل النفس المصونة جاهداً فجاز لها بحراً وجاب لها برّا
فطوراً عراقياً وطوراً يمانياً وطوراً حجازياً وطوراً أتى مصرا
إلى أن حوى منها الصحيح صحيفةً فوافى كتاباً قد غدا الآية الكبرى
كتابٌ له من شرع أحمد شرعةٌ مطهّرةٌ تعلو السماكين والنسرا
قلت: وتتصل روايتي عن الإمام أبي حيّان من طرق عديدة: منها عن عمي وليّ الله العارف به شيخ الإسلام مفتي الأنام الخطيب الإمام ملحق الأحفاد بالأجداد سيدي سعيد بن أحمد المقّري التّلمساني، عن شيخه العالم أي عبد الله التّنسي، عن والده حافظ عصره سيدي محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التّنسي ثمّ التّلمساني الأموي، عن عالم الدنيا أبي عبد الله ان مرزوق، عن جده الرئيس الخطيب سيدي أبي عبد الله محمد بن مرزوق، عن الأثير أبي حيان بكل مروياته:
فمنها أن أبا حيان قال: حدثنا ابن أبي الأحوص عن قاضي الجماعة أبي القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن ابن أحمد بن بقّي بن مخلد بن يزيد القرطبي عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه الإمام بقّي بن مخلد عن ابي بكر المقدمي عن عمر بن علي وعبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع عن عبد الله بن عمرو أن النبي، ﷺ، مر بمجلسين أحدهما يدعون الله ويدعون إليه، والآخر يتعلمون العلم ويعلمونه، فقال: " كل المجلسين خير، وأحدهما أفضل من الآخر، أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وأما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأنا بعثت معلماً "، ثم جلس معهم.
قال أبو حيان: قلت: لا أعرف حديثاً اجتمعت فيه رواية الأبناء عن الآباء بعدد ما اجتمع في هذا إلاّ ما أخبرنابه أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن بن مامة بقراءتي عليه، أنبأنا أبو المعالي الأبرموي أنبأنا أبو بكر ابن عبد محمد بن سابور القلانسي، أنبأنا أبو المبارك عبد العزيز بن محمد بن مصور الشيرازي، أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال: سمعت أبي أبا الفرج عبد الوهاب يقول: سمعت أبي أبا الحسن عبد العزيز يقول: سمعت أبي أبا بكر الحارث يقول: سمعت أبي أسداً يقول: سمعت أبي الليث يقول: سمعت أبي سليمان يقول: سمعت أبي الأسود يقول: سمعت أبي سفيان يقول: سمعت أي يزيد يقول: سمعت أبي أكيمة يقول: سمعت أبي الهشيم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: " ما اجتمع قوم على ذكر إلاّ حفّتهم الملائكة وعمتهم الرحمة "، انتهى.
قلت: قال الحافظ ابن حجر في فوائده: ما اجتمع حديث فيه من عدد الآباء أكثر من هذا، انتهى.
ورأيت بخط بعض الحفاظ على قول أبي أكيمة ما صورته: صوابه أكينة
انتهى، فليحرر.
ومنها أنّ أبا حيان قال: أنبأنا الأستاذ أبو جعفر الزبير صاحب الصلة، أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الأزدي، أنبأنا عبد الله محمد ابن حسن بن عطية، ح قال أبو حيان: وأنبأنا الأصولي أبو الحسين ابن القاضي أبي عامر ابن ربيع الأشعري، عن أبي الحسن الغافقي، قال: أنبأنا عياض، ح وكتب لنا الخطيب أبو الحجاج يوسف بن أبي ركانة، عن القاضي أبي القاسم أحمد بن عبد الودود بن سمحون عن عبد الله بن عطية قال هو وعياض: أنبأنا القاضي أبو بكر ابن العربي، أنبأنا أبو محمد هبة الله الأكفاني، أنبأنا الحافظ عبد العزيز الكناني الدمشقي، أنبأنا أبو عصمت نوح ابن الفرغاني، قال: سمعت أبا المظفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن قتٍّ الخزرجي وأبا بكر محمد بن عيسى البخاري قالا: سمعنا أبا ذر عمّار بن محمد بن مخلد التميمي يقول: سمعت أبا المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاري يقول: لما عزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن يزيد الهمداني عن قضاء الري ورد بخارى سنة لجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل البلعمي، فنزل في جزارنا، فحملني معلمي أبو إسحاق بن إبراهيم الختلي إليه فقال له: أسألك أن تحدث هذا الصبي ما سمعته من مشايخك فقال: ما لي سماع، فقال: وكيف وأنت فقيه فما هذا قال: لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إلى طلب الحديث ورواية الأخبار وسماعها، فقصدت محمد بن إسماعيل البخاري ببخارى صاحب التاريخ والمنظور إليه في علم الحديث، وأعلمته مرادي، وسألته الإقبال على ذلك، فقال لي: يا بني، لا تدخل في أمر إلاّ بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره، فقلت: عرّفني - رحمك الله تعالى - حدود ما قصدتك له، ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أن الرجال لا يصير محدّثاً كاملاً في حديثه إلاّ بعد أن يكتب أربعاً في أربع كأربع مثل أربع في أربع عند أربع بأربع على أربع عن أربع لأربع، وكل هذه الرباعيات لا تتم إلاّ بأربع مع أربع، فإذا تمت له كلها
هان عليه أربع، وابتلي بأربع، فإذا صبر على ذلك أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع وأثابه في الآخرة بأربع، قلت له: فسّر - رحمك الله تعالى - ما ذكرت من أحوال هذه الرباعيات من قلب صافٍ بشرحٍ كافٍ وبيان شاف طلباً للأجر الواف، فقال: نعم، أما الأربع التي تحتاج إلى كتبها فهي أخبار الرسول، ﷺ، وشرائعه، والصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ومقاديرهم، والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم، مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمانهم، كالتحميد مع الخطب، والدعاء مع التوسّل، والبسملة مع السورة، والتكبير مع الصلوات، مثل المسندات والمرسلات، والموقوفات والمقطوعات، وفي صغره وفي إدراكه، وفي شبابه وفي كهولته، عند فراغه وعند شغله، وعند فقره وعند غناه، بالجبال والبحار، والبلدان والبراري، على الأحجار والأخزاف، والجلود والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق، عمّن هو فوقه وعمّن هو مثله وعمّن هو دونه، وعن كتاب أبيه يتيقّن أنه بخط أبيه دون غيره، لوجه الله تعالى طلباً لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله، ﷿، منها، ونشرها بين طالبيها ومحبيها، والتأليف في إحياء ذكره بعده، ثمّ لا تتم له هذه الأشياء إلاّ بأربع، هي من كسب العبد، أعني معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو، مع أربع هي من إعطاء الله تعالى، أعني القدرة والصحة والحرص والحفظ، فإذا صحت له هذه الأشياء كلّها هان عليه أربع: الأهل، والولد، والمال، والوطن، وابتلي بأربع: بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء، فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله جل وعلا في الدنيا بأربع: بعز القناعة، وبهيبة النفس، وبلذّة العلم، وبحياة الأبد، وأثابه في الآخرة بأربع: الشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش حيث لا ظل إلاّ ظله، وبسقي من أراد من حوض نبيه، ﷺ، بجوار النبيين في أعلى علّيين في الجنة، فقد أعلمتك يا بني بمجملات جميع ما سمعت من مشايخي متفرقاً في هذا الباب، فأقبل الآن إلى ما قصدتني له أو دع، فهالني
قوله، فسكتّ متفكراً، وأطرقت متأدباً، فلما رأى ذلك مني قال: وإن لم تطق حمل هذه المشاق كلها فعليك بالفقه، يمكنك تعلمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ لا تحتاج إلى بعد الأسفار، ووطء الديار، وركوب البحار، وهو ذا ثمرة الحديث، وليس ثواب الفقه دون ثواب المحدّث في الآخرة، ولا عزّه بأقلّ من عز المحدث، فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدماً، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من علمه بتوفيق الله تعالى ومنته، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه لذا الصبي يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خيرٌ للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك، انتهى. وركوب البحار، وهو ذا ثمرة الحديث، وليس ثواب الفقه دون ثواب المحدّث في الآخرة، ولا عزّه بأقلّ من عز المحدث، فلما سمعت ذلك نقض عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه متقدماً، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من علمه بتوفيق الله تعالى ومنته، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه لذا الصبي يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خيرٌ للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك، انتهى.
وجاء أبو حيان إلى ابن تيميّة والمجلس غاصٌّ فقال يمدحه ارتجالاً:
لمّا أتينا تقيّ الدين لاح لنا داعٍ إلى الله فردٌ ما له وزر
على محيّاه من سيما الألى صحبوا خير البريّة نورٌ دونه القمر
حبرٌ تسربل منه دهره حبراً بحرٌ تقاذف من أمواجه الدّرر
قام ابن تيميّةٍ في نصر شرعتنا مقام سيد تيمٍ إذ عصت مضر
فأظهر الحقّ إذ آثاره درست وأخمد الشرّ إّ طارت له الشرر
كنا نحدّث عن حبرٍ يجيء فها أنت الإمام الذي قد كان ينتظر
ثمّ انحرف أبو حيان فيما بعد عن ابن تيمية، ومات وهو على انحرافه، ولذلك أسباب: منها أنه قال له يوماً: كذا قال سيبويه، فقال: يكذب سيبويه، فانحرف عنه، رحم الله تعالى الجميع.
وحضرا لشيخ أبو حيان مع ابن بنت الأعز في الروضة فكتب إلى أبي حيان ووجّهه مع بعض غلمانه:
حيّيت أثير الدين شيخ الأدبا أقضي له حقّاً كما قد وجبا
حييت فتىً يطاق آسٍ نضرٍ كالقدّ بدا ملئت منه طربا
قال: فأنشدته:
أهدى لنا غصناً من ناضر الآس أقضى القضاة حليف الجود والباس
لمّا رأى سقمي أهداه مع رشإ حلو التثني فكان الشافي الآسي
ولما أنشد الشيخ أبو حيان قول نور الدين القصري في روضة مصر:
ذات وجهين فيهما قسم الحس ن فأضحت بها القلوب تهيم
ذا يلي مصر فهو مصرٌ وهذا يتولّى وسيم فهو وسيم
قد أعادت التصابي صباها وأبادت فيها الغموم الغيوم
زاد فيها بيتاً، وهو:
فبلجّ البحار يسبح نونٌ وبفجّ القفار يسفح ريم
قال أبو حيان: وكنت ماشياً بين القصرين مع ابن النحاس، فعبر علينا صبي يدعى بجمال، وكان مصارعاً، فقال البهاء: لينظم كل منا فيه، ثمّ قال:
مصارعٌ تصرع الآساد شمرته تيهاً فكلّ مليحٍ دونه سمج
لما غدا راجحاً في الحسن قلت لهم عن حسنه حدثوا عنه ولا حرج
فنظمت أنا:
سباني جمالٌ من مليحٍ مصارعٍ عليه دليلٌ للملاحة واضح
لئن عزّ منه المثل فالكلّ دونه وإن خفّ منه الخصر فالرّدف راجح
وسمع العزازي نظمنا فقال، وأنشدنيه:
هل حكمٌ ينصفني في هوى مصارعٍ يصرع أسد الشرى
مذ فرّ عنّي الصبر فيحبّه حكى عليه مدمعي ما جرى
أباح قتلي في الهوى عامداً وقال كم لي عاشق في الورى
رميته في أسر حبّي ومن أجفان عينيه أخذت الكرى
وقال لسان الدين في الإحاطة: كان أثير الدين أبو حيان نسيج وحده في ثقوب الذهن، وصحة الإدراك، والاضطلاع بعلم العربية والتفسير وطريق الرواية، إمام النحاة في زمانه غير مدافع، نشأ في بلده غرناطة مشاراً إليه في التبريز بميدان الإدراك، وتغبير السوابق في مضمار التحصيل، ونالته نبوة لحق بسببها بالمشرق، واستقر بمصر، فنال بها ما شاء من عز وشهرة وتأثلٍ وافر وحظوة، وأضحى لمن حل بساحته من المغاربة ملجأ وعدّة، وكان شديد البسط مهيباً جهوريّاً، مع الدّعابة والغزل وطرح اتّسمّت، شاعراً، مكثراً، مليح الحديث، لا يمل وإن أطال، وأسنّ جدّاً فانتفع به، قال لي بعض أصحابنا: دخلت عليه وهو يتوضأ، وقد استقر على إحدى رجليه لغسل الأخرى كما تفعل البرك والإوز، فقال لي: لو كنت اليوم جار شلّير ما تركني لهذا العمل في هذا السن، ثمّ قال لي بعد كلام حدثنا عنه الجملة الكثيرة من أصحابنا كالحاج أبي يزيد خالد بن عيسى والمقري الخطيب أبي جعفر الشّقوري والشريف أبي عبد الله ابن راجح وشيخنا الخطيب أبي عبد الله ابن مرزوق قال: حدّثنا شيخنا أبو حيان في الجملة سنة بالمدرسة الصالحية بين القصرين بمنزله، حدّثنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير سماعاً من لفظه وكتبه من خطه بغرناطة، عن الكاتب أبي إسحاق ابن عامر الهمداني الطّوسي - بفتح الطاء - حدّثنا أبو عبد الله ابن محمد العنسي القرطبي، وهو آخر من حدّث عنه، أنبأنا عبد الله محمد الحافظ الجيّاني، أنبأنا حكم بن محمد، أنبأنا أبو بكر ابن المهندس، أنبأنا عبد الله بن محمد، أنبأنا طالوت بن عباد بن نصال بن جعفر، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول " اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة، إذا حدّث أحدكم فر يكذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف
غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم ".
ثمّ قال ابن الخطيب: إن أبا حيان حملته حدّة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه ابن الزبير الوحشة، فنال منه، وتصدّى للتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره للسلطان، فامتعض له، ونفذ الأمر بتنكيله، فاختفى، ثمّ أجاز البحر مختفياً، ولحق بالمشرق يلتفت خلفه.
ثمّ قال: وشعره كثير يتصف بالإجادة وضدها، فمن مطوّلاته قوله:
تعذلاه فما ذو الحبّ معذول العقل مختبلٌ والقلب متبول
هزّت له أسمراً من خوط قامتها فما انثنى الصبّ إلا وهو مقتول
جملة فصّل الحسن البديع لها فكم لها جملٌ منه تفصيل
فالنحر مرمرةٌ، والنشر عنبرةٌ، والثغر جوهرةٌ، والريق معسول
والطرف ذو غنج، والعرف ذو أرجِ، والخصر مختطفٌ، والمتن مجدول
هيفاء ينطق في الخصر الوشاح لها درماء تخرس في الساق الخلاخيل
من اللواتي غذاهنّ النعيم فما يشقين، آباؤها الصّيد البهاليل
إلى أن قال: وقوله:
نورٌ بخدّك أم توقّج نار وضنىً بجفنك أم فتور عقار
وشذاً بريقك أن تأرّج مسكةٍ وسناً بثغرك أم شعاع دراري
جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت قيد القلوب وفتنة الأبصار
متصاونٌ خفراً إذا ناطقته أغضى حياءً في سكون وقار
فيوجهه زهرات روضٍ تجتلى من نرجسٍ مع وردةٍ وبهار
خاف اقتطاف الورد من وجناتها فأدار من آسٍ سياج عذار
وتسلّلت نمل العذار بخدّه ليردن شهدة ريقه المعطار
وبخدّه نارٌ حمته وردها فوقفن بين الورد والإصدار
كم ذا أداري فيهواه محبّتي ولقد وشى بي فيه فرط أواري
وقال ابن رشيد: حدثنا أبو حيان قال: حدثنا التاجر أبو عبد الله التبرجوني بمدينة عيذاب من بلاد السودان، وبرجونة قرية من قرى دار السلام، قال: كنت بجامع لولم من بلاد الهند ومعنا رجل مغربي اسمه يونس، فقال لي: اذكر لنا شيئاً، فقلت له: قال علي، رضي الله تعالى عنه: إذا وضع الإحسان في الكريم أثمر خيراً، وإذا وضع في اللئيم أثمر شرّاً، كالغيث يقع في الأصداف فيثمر الدر، ويقع في فيم الأفاعي فيثمر السم، فما راعنا إلاّ يونس المغربي قد أنشد لنفسه:
صنائع المعروف إن أودعت عند كريمٍ زكّت النّعما
وإن تكن عند لئيمٍ غدت مكفورةً موجبةً إثما
كالغيث في الأصداف درٌّ، وفي فم الأفاعي يثمر السّمّا
قال أبو حيان: فلما سمعت هذه الأبيات نظمت معناها في بيتين، وهما:
إذا وضع الإحسان في الخبّ لم يفد سوى كفره، والحرّ يجزي به شكرا
كغيثٍ سقى أفعى فجاءت بسمّها وصاحب أصدافاً فأثمرت الدّرّا
قال أبو حيان: وأنشدنا الأمير بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن سيف الدولة أبي المعالي ابن رمّاح الهمداني لنفسه بالقاهرة:
فلا تعجب لحسن المدح منّي صفتك أظهرت حكم البوادي
وقد تبدي لك المرآة شخصاً ويسمعك الصدى ما قد تنادي
وبعد كتبي ما نقله ابن رشيد عن أبي حيان رأيت لبعضهم أن أبا حيان هذا الذي ذكره ابن رشيد ليس هو أبا حيان النحوي الأندلسي، وإنما هو شخص
آخر، وفيه عندي نظر لا يخفى، والذي أعتقده ولا أرتاب فيه أنه أبو حيان النحوي.
وقال ابن رشيد: وأنشدني أبو حيان لنفسه:
إذا غاب عن عيني أقول سلوته وإن لاح حال اللون فاضطرب القلب
يهيّجني عيناه والمبسم الذي به المسك منظومٌ به اللؤلؤ الرطب
وقال الشريف ابن راجح: رايت أن ما وضعه الشيخ أبو حيان في تقدّم لسان الأتراك تضييع لعمره، وقلت:
نفائس الأعمار أنفقتها أنا وأمثالي على غير شي
شيوخ سوءٍ ليس يرضى بما ترضى به من المخازي صبي
ومن نظم أبي حيان قوله:
إنّ علماً تعبت فيه زماني باذلاً فيه طارفي وتلادي
لجديرٌ بأن يكون عزيزاً ومصوناً إلاّ على الأجواد
وقوله:
وما لك والإتعاب نفساً شريفةً وتكليفها في الدهر ما ليس يعذب
أرحها فعن قربٍ تلاقي حمامها فتنعم في دار البقا أو تعذّب
واستشكل هذان البيتان بأن ظاهرهما خلاف الشرع، وأجيب بأن مراده أمر الرزق، لا أمر التكليف.
وأفاد غير واحد أن سبب رحلة الشيخ أبي حيان عن الأندلس أنه نشأ شر بينه وبين شيخه أحمد بن علي بن الطباع فألف أبو حيان كتاباً سمّاه الإلماع في إفساد إجازة ابن الطباع فرفع ابن الطباع أمره للأمير محمد بن نصر المدعو بالفقيه، وكان أبو حيان كثير الاعتراض عليه أيام قراءته عليه، فنشأ شر عن
ذلك، وذكر أبو حيان أنه لم يقم بفاس إلاّ ثلاثة أيام، وأدرك فيها أبا القاسم الزياتي، وخرج أبو حيان من الأندلس سنة تسع وسبعين وستمائة.
وكان جماعة من أعلام الأندلس رحلوا منها، فلما وصلوا إلى العدوة أقاموا بها، ولم يذهبوا إلى البلاد الشرقية:
منهم الشيخ النحوي الناظم الناثر أبو الحسن حازم بن محمد القرطاجني، وهو القائل يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله صاحب تونس:
أمن بارقٍ أورى بجنح الدّجى سقطا تذكرت منحلّ الأجارع فالسّقطا
وبان ولكن لم يبن عنك ذكره وشطّ ولكن طيفه عنك ما شطّا
حبيب لو أن البدر جاراه في مدىً من الحسن لاستدنى مدى البدر واستبطا
إذا انتجعت مرعاً خصيباً ركابه غدا لحظ عيني يشتكي الجدب والقحطا
لقد أسرعت عني المطيّ بشادنٍ تسرّع في قتل النفوس وما أبطا
ظننت الفلا دار ابن ذي يزنٍ بها وخلت المحاريب الهوادج والغبطا
فكم دميةٍ للحسن فيها وصورةٍ تروق وتمثالٍ من الحسن قد خطا
حمائل لاحت كالخمائل بهجةً سقيط الحيا فيهنّ لا يسأم السقطا
توسّد غزلان الأوانس والمها به لوشي والديباج لا السّدر والأرطى
ولم يسب قلبي غير أبهرها سناً وأطولها جيداً وأخفقها قرطا
أيا أربّة الأحداج سيري فتعلميوما بك جهلٌ، أنّ سهمك ما أخطا
قفي تستبيني ما بعينيك من ضنىً كجسمي وعنوان الهوى فيه مختطّا
فلم أر أعدى منك لحظاً وناظراً لقلبي ولا أعدى عليه ولا أسطى
سقى الله عيشاً قد سقانا من الهوى كؤوساً بمعسول اللّمى خلطت خلطا
وكم جنّةٍ قد ردت في ظلّ كافرٍ فلم أجز ما أولاه كفراً ولا غمطا
وكم ليلةٍ قاسيتها نابغيةٍّ إلى أن بدت شيباً ذوائبها شمطا
وبتّ أظنّ الشّهب مثلي لها هوىً وأغبطها في طول ألفتها غبطا
على أنها مثلي عزيزة مطلبٍ ومن ذا الذي ما شاء من دهره يعطى
كأنّ الثريّا كاعبٌ أزمعت نوىً وأمّت بأقصى الغرب منزلةً شحطا
كأنّ نجوم الهقعة الزّهر هودجٌ لها عن ذرا الحرف المناخة قد حطّا
كأنّ رشاء الدلو رشوة خاطبٍ لها جعل الأشراط في مهرها شرطا
كأنّ السّها قد دقّ من فرط شوقه إليها كما قد دقّق الكاتب النّقطا
كأنّ سهيلاً إذ تناءت وأنجدت غدا يائساً منها فأتهم وانحطّا
كأنذ خفوق القلب قلب متيّمٍ تعدّى عليه الدّهر في البين واشتطّا
كأنّ كلا النسرين قد ريع إذ رأى هلال الدّجى يهوي له مخلباً سلطا
كأنّ الذي ضمّ القوادم منهما هوى واقعاً للأرض أو قص أو قطّا
كأنّ أخاه رام فوتاً أمامه فلم يعج أن مدّ الجناح وأن مطّا
كأنّ بياض الصبح معصم غادةٍ جنت يدها أزهار زهر الدجى لقطا
كأنّ ضياء الشمس وجه إمامنا إذا ازداد بشراً في الوغى وإذا أعطى
محمدٌ الهادي الي أنطق الورى ثناءً بما أسدى إليهم وما أنطى
إمامٌ غدا شمس المعالي وبدرها وقد أصبحت زهر النجوم له رهطا
جميل المحيّا مجملٌ طيب ذكره يعاطى سروراً كالحميّا ويستعطى
إذا ما الزمان الجعد أبدى تجهّماًأرانا الحياء الطّلق والخلق السّبطا
كلا أبوي حفصٍ نماه إلى العلا فأصبح عن مرقاته النجم منحطّا
بسيماه تدري أنّ كعباً جدوده وإن هو لم يذكر رزاحاً ولا قرطا
إذا قبض الروع الوجوه فوجهه يزيد، لكون النصر نصلاً، له بسطا
به تترك الأبطال صرعى لدى الوغى كأن قد سقوا من خمر بابل إسفنطا
تراه إذا يعطي الرغائب باسماً له جذلٌ يربي على جذل المعطى
وكم عنقٍ قد قلّدت بنوالهفريداً وقد كانت قلادتها لطّا
متى ما تقس جود الكرام بجودهفبالبحر قايست الوقيعة والوقطا
يشفّ له عن كلّ غيبٍ حجابهفتحسبه دون المحجّب ما لطّا
تطيع الليالي أمره في عصاته ... وتردي أعاديه أساودها نشطا وتمضي عليهم سيفه وسنانه فتبري الكلاى طعناً وتفري الطّلى قطّا
فكيف ترجّت غرةً منه فرقةٌ غدا عزّها ذلاًّ ورفعتها هبطا
وكم بالنّهى والحلم غطّى عليهم إلى أن جنوا ذنباً على العلم قد غطّى
فأمطاهم دهم الحديد وطالما أنالهم دهم الجياد وما أمطى
ورم لهم هدياً ولكنهم أبوا بغيّهم إلاّ الضلالة والخبطا
وكان لهم يبغي المثوبة والرضى ولكن أبوا إلاّ العقوبة والسّخطا
ولو قوبلت بالشكر منه مآربٌ ... لما اعتاض منها أهلها الأثل والخمطا هو الناصر المنصور والملك الذي أعاد شباب الدهر من بعد ما اشمطّا
أصاخت له الأيّام سمعاً وطاعةً وأحكمت الدنيا له عهدها ربطا
فلا بدّ من أن يملك الأرض كلّها وأن تملأ الدّنيا إيالته قسطا
ويغزو في آفاق أندلس العدا بجيش تخطّ الأرض ذبّله خطّا
وكلّ جوادٍ خفّ سنبكه فما ... يمسّ الثرى إلاّ مخالسةً فرطا يؤمّ بها الأعداء ملكٌ أمامه من الرّعب جيشٌ يسع السير إن أبطا
ويرمي جبال الفتح من شطّ سبتةٍ بها فتوافي سبّقاً ذلك الشطّا
بحيث التقى بالخضر موسى، وطارقٌ وموسى به رحلاً لغزو العدا حطّا
وسعيك ينسي ذكر سعيهما به ويوسع سعي المشركين به حبطا
ويوقع في الأعداء أعظم وقعةٍ بها تملأ الأسماع طير الملا لغطا
تجاوب سحم الطير فيه وشهبها كما راطن الزنج النبيط أو القبطا
وتنكر فيها الجوّ والأرض أعينٌ ترى الجوّ ناراً والصعيد دماً عبطا
فتخضب منهم من أشابت بخوفها نصولٌ ترى منها بفود الدّجى وخطا
ويحسم أدواء العدا كلّ صارمٍ ... حسامٍ إذا لاقى الطّلى حدّه قطّا وكلّ كميٍّ كلما خطّ صفحةً بسيفٍ غدا بالرمح ينقط ما خطّا
شجاع إذا التفّ الرماحان مثل ما ... تقلقل في أسنان مشطٍ يدٌ مشطا إذا ما رجت منه أعاديه غرّةً رأت دون ما ترجو القتادة والخرطا
فيجدع آناف العداة بسيفه ... وينشقها بالرمح ريح الردى سعطا يبيد الأعادي سطوةً ومكيدةً فيحكي الأسود الغلب والأذؤب المعطا
سرى في طلاب المعلوات فلم يزل يمدّ يداً مبسوطةً وندى بسطا
ولو نازعت يمناه جذباً شماله لبوساً من الماذيّ لانعقّ وانعطّا
يصول بخطّيٍّ لكلّ مرشّةٍ به أثرٌ يعزوه للحية الرّقطا
قناً تبصر الآكام فرعاً كواسياًبهنّ وقد أبصرن عاريةً مرطا
إذا نسبت للخطّ أو لردينةٍ نسبن إلى العلينا ردينة والخطّا
كماةٌ حماةٌ ما يزال إلى الوغى حنينٌ لهم ما حنّ نضوٌ وما أطّا
عليهم نسيح السابغات كأنها جلودٌ عن الحيّات قد كشطت كشطا
إذا لمعٌ للشمس لاحت عليهم رأيت صلالاً ألبست حللاً رقطا
ترجرج كالزاروق ليناً ومثله ... ترى نقطةً من بعد ما طرحت خطّا جيوش إذا غطى البلاد عبابها وأمواجها غطّت نفوس العدا غطّا
فكم قد حكت في حصر حصن ومعقلّ ... وشاحاً على خصرٍ فآسفنه ضغطا وخيل كأمثال النّعام تخالها لإفراط لوك اللّجم تبغي لها سرطا
تخيّلها فتخاً إذا ارتفعت وإن سبحن بماء خلتها خفّةً بطّا
فينعقّ منها مرط كلّ عجاجةٍ موازع لا يسأمن مرّاً ولا مرطا
وكم خالطت سمر الرماح وأوردت مياهاً غدت حمر الدماء لها خلطا
يجمّونها ليل السّرى فإذا دعوا نزال امتطوا منهنّ أشرف ما يمطى
فكم جنبوها خلف معتادة السّرى عوارف لم تسمع لها أذنٌ نحطا
وقد وسمت أعناقهن أزمّةٌ ... بطول السّرى حتى تظن لها علطا إذا أوقدت ناراً بقذف الحصا حكت وبحر الدجى طامٍ سفيناً رمت نفطا
وألقحتهم عقم المنى عن حيالهافما ولدت عقماً ولا نتجت سقطا
وصيرهم في عقلةٍ سارح العدا ... وسرحتم الآمال من عقلها نشطا ومن كان يشكو سطوة الدهر قد غدا بعدلك لا يعدى عليه ولا يسطى
ففي كلّ حالٍ تؤثر القسط جارياً على السنن التّقوى وتجتنب القسطا
فبوركت سبطاً جدّه عمر الرضى وبورك من جدٍّ غدوت له سبطا
تلوت الإمام العدل يحيى فلم تزل ... تزيد أمور الخلق من بعده ضبطا فزتم وضوحاً بعده واستقامةً وتوطئةً نهج السبيل الذي وطّا
وما كان أبقى غايةً غير أنه حبيت بما لم يحب خلقٌ ولم يعطا
إذا درر الأملاك في الفخر نظّمتعلى نسقٍ عقداً فدولتك الوسطى وله أيضاً فيه:
في كلّ أفقٍ من كل صباح دجاكم نورٌ جلا خيط الظلام بخيطه
راقت محاسن مجدكم فبهرن ما كسيته من حبر المديح وريطه
وله - رحمه الله تعالى - عدة تآليف، وولد سنة، وتوفي ليلة السبت رمضان سنة أربع وثمانين وستمائة بتونس، وممّن أخذ عنه الحافظ ابن رشيد الفهري، وذكره في رحلته وأثنى عليه، كما أثنى عليه العبدري في رحلته، فقال: حازم، وما أدراك ما حازم، وقد عرّفت به في أزهار الرياض ممّا يغني عن الإعادة، وكان هو والحافظ أبو عبد الله ابن الأبار فرسي رهان، غير أن ابن الأبار كان أكثر منه رواية.
وهو الإمام الحافظ الكاتب الناظم الناثر المؤلف الراوية أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر ابن عبد الله بن أبي بكر، القضاعي، الأندلسي، البلنسي، كتب ببلنسية عن السيد أبي عبد الله ابن السيد أبي حفص ابن أمير
المؤمنين عبد المؤمن بن علي، ثم عن ابنه السيد أبي زيد، ثم كتب عن الأمير ابن مردنيش، ولما نازل الطاغية بلنسية بعثه الأمير زيان بن مردنيش مع وفد أهل بلنسية بالبيعة للسلطان أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص وفي ضمن ذلك استصرخه لدفع عادية العدو، فأنشد السلطان قصيدته السينية التي مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إنّ السبيل إلى منجاتها درسا
وقد ذكرناها في غير هذا الموضع، ثم لما كان من أمر بلنسية ما كان رجع بأهله إلى تونس غبطة بإقبال السلطان عليه، فنزل منه بخير مكان، ورشّحه لكتب علامته في صدور مكاتباته، فكتبها مدة، ثم أراد السلطان صرفها لأبي العباس الغساني لكونه يحسن كتابتها، فكتبها مدة بالخط المشرقي، وكان آثر عند السلطان من المغربي، فسخط ابن الأبار أنفةً من إيثار غيره عليه، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه، لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى موضع العلامة منه لكاتبها، فجاهر بالرد، ووضعا استبداداً وأنفة، وعوتب على ذلك، فاستشاط غضباً، ورمى بالقلم، وأنشد متمثلاً:
اطلب العزّ في لظىً وذر الذ لّ ولو كان في جنان الخلود
فنمي ذلك إلى السلطان، فأمر بلزومه بيته، ثم استعتب السلطان بتأليفٍ رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتّاب، وأعتبه، وسماه إعتاب الكتّاب، واستشفع فيه بابنه المستنصر، فغفر السلطان له، وأقال عثرته، وأعاده إلى الكتابة، ولما توفي السلطان رفعه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضور مجلسه، ثم حصلت له أمور معه كان آخرها أنه تقبض عليه، وبعث إلى داره، فرفعت إليه كتبه أجمع، وألفى أثناءها، فيما زعموا، رقعةً بأبيات أولها:
طغى بتونس خلفٌ سمّوه ظلماً خليفه
فاستشاط السلطان لها، وأمر بامتحانه، ثمّ بقتله، فقتل قعصاً بالرماح وسط محرّم سنة، ثمّ أحرق شلوه، سيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه، وكان مولده ببلنسية سنة.
وقال في حقه ابن سعيد في " المغرب " ما ملخصه: حامل راية الإحسان، المشار إليه في هذا الأوان، ومن شعره قوله يصف الياسمين:
حديقة ياسمينٍ لا تهيم بغيرها الحدق
إذا جفن الغمام بكى تبسّم ثغرها اليقق
فأطراف الأهلّة سا ل في أثنائها الشّفق
وكتب إلى الوزير أبي عبد الله ابن أبي الحسين ابن سعيد يستدعي منه منثوراً:
لك الخير أتحفني بخيريّ روضةٍ لأنفاسه عند الهجوم هبوب
أليس أديب الروض يجعل ليله نهاراً فيذكو تحته ويطيب
ويطوى مع الإصباح منشور نشره كما بان عن ربع المحبّ حبيب
أهيم به عن نسبةٍ أدبيّةٍ ولا غرو أن يهوى الأديب أديب
وقوله في الخسوف:
نظرت إلى البدر عند الخسوف وقد شين منظره الأزين
كما سفرت صفحةٌ للحبي ب يحجبها برقعٌ أدكن
وقوله في المعنى:
ألم تر للخسوف وكيف أبدى ببدر التمّ لمّاع الضياء
كمرآةٍ جلاها القين حتى أنارت ثمّ ردّت في غشاء
وقوله:
والثريّا بجانب البدر تحكي راحةً أومأت لتلطم خدّا
وقوله:
من عاذري من بابليٍّ طرفه ولعمره ما حلّ يوماً بابلا
أعتدّه خوطاً لعيشي ناعماً فيعود خطّيّاً لقتلي ذابلا
وهو حافظ متقن، له في الحديث والأدب تصانيف، وله كتاب في متخير الأشعار سماه قطع الرياض وتكملة الصلة لابن بشكوال، وهداية المعترف في المؤتلف والمختلف، وكتاب التاريخ، وبسببه قتله صاحب إفريقية، وأحرقت كتبه على ما بلغنا، رحمه الله تعالى، وله تحفة القادم في شعراء الأندلس، و " الحلة السيراء في أشعار الأمراء ".
ومن شعره قوله:
أمري عجيبٌ في الأمور بين التواري والظهور
مستعملٌ عند المغي ب ومهملٌ عند الحضور
وسبب هذا أن ملك تونس كان إذا أشكل عليه شيء أو ورد عليه لغز أو
معمّىً أو مترجم بعث به إليه، فيحله، وإذا حضر عنده لا يكلّمه ولا يلتفت إليه، ووجد في تعاليقه ما يشين دولة صاحب تونس فأمر بضربه، فضرب حتى مات، أحرقت كتبه، رحمه الله تعالى، وكان أعداؤه يلقبونه بالفار، وحصلت بينه وبين أبي الحسن علي بن شلبون المعافري البلنسي مهاجاةٌ، فقال فيه:
لا تعجبوا لمضرّةٍ نالت جمي ع الناس صادرة عن الأبار
أوليس فاراً خلقةً وخليقةً والفار مجبولٌ على الإضرار
فأجابه ابن الأبار:
قل لابن شلبونٍ مقال تنزّهٍ غيري يجاريك الهجاء فجار
إنّا اقتسمنا خطّتينا بيننا فحملت برّة واحتملت فجار
وهذا مضمّن من شعر النابغة الذبياني، انتهى ما لخصناه من كلام ابن سعيد في حقه.
ومن شعر ابن الأبار أيضاً:
لو عنّ لي عونٌ من المقدار لهجرت للدار الكريمة داري
وحللت أطيب طيبة من طيبةٍ جاراً لمن أوصى بحفظ الجار
حيث استبان الحقّ للأبصار لمّا ستثار حفائظ الأنصار
يا زائرين القبر قبر محمّدٍ بشرى لكم بالسّبق في الزوّار
أوضعتم لنجاتكم فوضعتم ما آدكم من فادح الأوزار
فوزوا بسبقكم وفوها بالذي حمّلتم شوقاً إلى المختار
أدّو السّلام سلمتم وبردّه أرجو الإجازة من ورود النار
اللهم أجرنا منها يا رحيم يا رحمن يا كريم.
ولنختم ترجمته بقوله:
رجوت الله في اللأواء لمّا بلوت الناس من ساهٍ ولاهي
فمن يك سائلاً عن فإني غنيت بالافتقار إلى إلهي
وقد جوّدت ترجمته في أزهار الرياض في أخبار عياض فليراجع ذلك فيه من شاء.
رجع إلى ما كنّا فيه من ذكر المرتحلين من الأندلس إلى المشرق:
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع