من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (٦)
وقال ابن خفاجة رحمه الله تعالى:
درسوا العلوم ليملكوا بجدالهمفيها صدور مراتبٍ ومجالس
وتزهدوا حتى أصابوا فرصةًفي أخذ مال مساجدٍ وكنائس وهذا المعنى استعمله الشعراء كثيراً
وقال - فيما أظن - الفقيه الكاتب المحدث الأديب الشهير أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي، وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب في مواضع:
لقد غضبت حتى على السّمط نخوةًفلم تتقلّد غير مبسمها سمطا
وأنكرت الشّيب الملمّ بلمّتيومن عرف الأيام لم ينكر الوخطا [نقول من القدح المعلى]
وقال ابن سعيد في القدح المعلى في حقه: كاتب مشهور، وشاعر مذكور، كتب عن ولاة بلنسية، وورد رسولاً حين أخذ النصارى بمخنق تلك الجهات، وأنشد قصيدته السينية:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا وعارضه جمعٌ من الشعراء ما بين مخطئٍ ومحروم، وأغري الناس بحفظها
إغراء بني تغلب بقصيدة عمر بن كلثوم، إلا أن أخلاقه لم تعنه على الوفاء بأسباب الخدمة، فقلصت عنه تلك النعمة، وأخر عن تلك العناية، وارتحل إلى بجاية، وهو الآن بها عاطلٌ من الرتب، خالٍ من حلى الأدب، مشتغلٌ بالتصنيف في فنونه، متنفل منه بواجبه ومسنونه، ولي معه مجاسات آنق من الشباب، وأبهج من الروض غب نزول السحاب، ومما أنشدنيه من شعره:
يا حبّذا بحديقةٍ دولابسكنت إلى حركاته الألباب
عنّى ولم يطرب وسقى وهو لميشرب ومنه العود والأكواب
لو يدّعي لطف الهواء أو الهوىما كنت في تصديقه أرتاب
وكأنّه ممّا شدى مستهزئوكأنّه ممّا بكى ندّاب
وكأنّه بنثاره ومدارهفلكٌ كواكبه لها أذناب وقال أبو المعالي القيجاطي:
فقلت يا ربعهم أين منأحببته فيك وأين النديم
فقال عهدٌ قد غدا شمله ... كمثل ما ينثر درٌّ نظيم وقال أبو عمرو ابن الحكم القبطلي، وقبطلة من أعمال وادي إشبيلية:
كم أقطع الدهر بالمطالساءت وحقّ الإله حالي
رحلت أبغي بكم نجاحاًفلم تفيدوا سوى ارتحالي
وعدتم ألف ألف وعدٍلكنّني عدت بالمحال وقال أبو عمران القلعي:
طلعت عليّ والأحوال سودٌكما طلع الصباح على الظلام
فقل لي كيف لا أوليك شعريوإخلاص التّحيّة والسّلام وقال أبو إسحاق إبراهيم بن أيوب المرسي:
أنا سكران ولكنمن هوى ذاك الفلاني
كلمّا رمت سلوّاًلم يزل بين عياني وقال:
حبيبي ما لصبّك من مرادسوى أن لا تدوم على البعاد
وإن كان ابتعادك بعد هذا ... مقيماً فالسّلام على فؤادي قال ابن سعيد: وكان المذكور إذا غنى هذه الأشعار اللطيفة على الأوتار لم يبق لسامعه عند الهموم من ثار، مع أخلاق كريمة، وآداب كانسكاب الديمة، انتهى.
وقال ابن سعيد في أبي بكر محمد بن عمار البرجي كاتب ابن هود القائل:
[قل] لمن يشهد حرباًتحت رايات ابن هود إلخ ...:
يا ابن عمّار لقد أحييت لي ذاك السميّا
في حلى نظمٍ ونثرٍعلّقا في مسمعيّا
ولقد حزت مكاناًمن ذرى الملك عليّا
مثل ما قد حاز لكن ... عش بنعماك هنيّا وقال أبو بكر عبد الله بن عبد العزيز الإشبيلي المعروف بابن صاحب الرد:
يا أبدع الخلق بلا مريةوجهك فيه فتنة الناظرين
لا سيّما إذ نلتقي خطرةًفيغلب الورد على الياسمين
طوبى لمن قد زرته خالياًفمتّع النفس ولو بعد حين
من ذلك الثغر الذي وردهما زال فيه لذة الشاربين
وما حوى ذاك الإزار الذي ... لم يعد عنه أمل الزائرين وهذه الأبيات يقولها في غلام كان أدباء إشبيلية قد فتنوا به، وكان مروره على داره.
وحكى عنه أنه أعطاه في زيارة خمسين دينار، ومرت أيام ثم صادفه عند داره، فقال له: أتريد أن أزورك ثانية فقال له: لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين، وهذا الجواب على ما فيه من قلة الأدب، وهتك حجاب الشريعة - من أشد الأجوبة إصابةً للغرض، والله تعالى يسمح له، فقد قال ابن سعيد في حقه: إن بيته بإشبيلية من أجل البيوت، ولم يزل له مع تقلب الزمان ظهور
وخفوت، وكان أديباً شاعراً ذواقاً لأطراف العلوم، انتهى.
ومن المشهورين بالمجون والخلاعة بالأندلس - مع البلاغة والبراعة - أبو جعفر أحمد بن طلحة الوزير الكاتب، وهو من بيت مشهور من جزيرة شقر، من عمل بلنسية، وكتب عن ولاة من بني عبد المؤمن، ثم استكتبه السلطان ابن هود حين تغلب على الأندلس، وربما استوزره في بعض الأحيان، قال ابن سعيد: وهو ممن كان والدي يكثر مجالسته، ولم أستفد منه إلا ما كنت أحفظه في مجالسته، وكان شديد التهور، كثير الطيش، ذاهباً بنفسه كل مذهب، سمعته مرة وهو في محفلٍ يقول: تقيمون القيامة لحبيب والبحتري والمتنبي وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه فأهوى له شخصٌ له قحةٌ وإقدام، فقال: يا أبا جعفر، فأرنا برهان ذلك، ما أظنك تعني إلا نفسك، فقال: نعم، ولم لا وأنا الذي أقول ما لم يتنبه إليه متقدم، ولا يهتدي لمثله متأخر:
يا هل ترى أظرف من يومناقلّد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانهامرقصةً كلّ قضيبٍ وريق
والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض إلا بكؤوس الشقيق فلم ينصفوه في الاستحسان، وردوه في الغيظ إلى أضيق مكان، فقلت له: يا سيدي، هذا هو السحر الحلال، فبالله إلا ما زدتني من هذا النمط، فقال:
أدرها فالسّماء بدت عروساًمضخّمة الملابس بالغوالي
وخدّ الروض حمّره أصيلٌوجفن النهر كحّل بالظلال
وجيد الغصن يشرق في لآلٍ ... تضيء بهنّ أكناف الليالي فقلت: زد وعد، فعاد والارتياح ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه، فقال:
لله نهرٌ عندما زرتهعاين طرفي منه سحراً حلال
إذ أصبح الطلّبه ليلةًوجال فيه الغصن شبه الخيال فقلت: زد، فأنشد:
ولمّا ماج بحر الليل بينيوبينكم وقد جدّدت ذكرا
أراد لقاءكم إنسان عينيفمدّ له المنام عليه جسرا فقلت: إيه، فقال:
ولمّا أن رأى إنسان عينيبصحن الخدّ منه غريق ماء
أقام له العذار عليه جسراً ... كما مدّ الظّلام على الضياء فقلت: أعد، فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني، فلا تقوم بحق قيمتها، وأنشد:
هات المدام إذا رأيت شبيههافي الأفق يا فرداً بغير شبيه
فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه ثم قال: وكان قد تهتك في غلام لابن هود، ولكثرة انهزام ابن هود ربما انهزم مع العلج، وفيه يقول:
ألفت الحرب حتى علّمتنيمقارعة الحوادث والخطوب
ولم أك عالماً وأبيك حرباًبغير لواحظ الرشإ الرّبيب
فها أنا بين تلك وبين هذي ... مصابٌ من عدوٍّ أو حبيب ولما هرب بالعلج إلى سبتة أحسن غليه القائم بها أبو العباس الينشتي، فلم يقنع بذلك الإحسان، وكان يأتي بما يوغر صدره، فقال يوماً في مجلسه: رميت مرةً بقوس، فبلغ السهم إلى كذا، فقال ابن طلحة لشخصٍ بجانبه: لو كان قوس قزح ما بلغ إلى كذا، فشعر بقوله، فأسرها في نفسه، ثم بلغه أن هجاه بقوله:
سمعنا بالموفّق فارتحلناوشافعنا له حسبٌ وعلم
ورمت يداً أقبّلها وأخرىأعيش بفضلها أبداً وأسمو
فأنشدنا لسان الحال فيه ... يدٌ شلاّ وأمرٌ لا يتمّ فزاد في حنقه، وبقي مترصداً له الغوائل، فحفظت عنه أبياتٌ قالها وهو في حالة استهتار في شهر رمضان، وهي:
يقول أخو الفضول وقد رآناعلى الإيمان يغلبنا المجون
أتنتهكون شهر الصوم هلاّحماه منكم عقلٌ ودين
فقلت اصحب سوانا، نحن قومزنادقةٌ مذاهبنا فنون
ندين بكلّ دينٍ غير دين الرعاع فما به أبداً ندين
بحيّ على الصّبوح الدّهر نحن ندعووإبليسٌ يقول لنا أمين
فيا شهر الصّيام إليك عنّا ... إليك ففيك أكفر ما نكون فأرسل إليه من هجم عليه وهو على هذه الحال، وأظهر أنه يرضي العامة بقتله، فقتله، وذلك سنة، انتهى. وحاكي الكفر ليس بكافر، والله ﷾ للزلات غير الكفر غافر.
وقال محمد بن أحمد الإشبيلي ابن البناء:
كأنك من جنس الكواكب كنت لميفتك طلوعاً حالها وتواريا
تجلّيت من شرقٍ تروق تلألؤاً ... فلمّا انتحيت الغرب أصبحت هاويا ولما أمر المستنصر الموحدي بضرب ابن غالب الداني ألف سوط وصلبه، وضرب بغشبيلية خمسمائة فمات، وضرب بقية الألف حتى تناثر لحمه، ثم صلب، قال ابنه أبو الربيع يرثيه:
جهلاً لمثلك أن يبكي لما قدراوأن يقول أسىً يا ليته قبرا
فاضت دموعك أن قاموا بأعظمهوقد تطاير عنه اللحم وانتثرا ومنها:
ضاقت به الأرض ممّا كان حمّلهامن الأيادي فمجّت شلوه ضجرا
وعزّ جسمك أن يحظى به كفنٌ ... فما تسربل إلاّ الشمس والقمرا وقال أبو العلاء عبد الحق المرسي رحمه الله تعالى:
يا أبا عمران دعني والذيلم يمل خاطري إلاّ إليه
ما نديمي غير من يخدمنيلا الذي يجلسني بين يديه
يرفع الكلفة عنّي ويرىأنها واجبةٌ منّي عليه وقال ابن غالب الكاتب بمالقة:
لا تخش قولاً قد عقدت الألسناوابعث خيالك قد سحرت الأعينا
واعطف عليّ فإنّ روحي زاهقٌوانظر إليّ بنظرةٍ إن أمكنا
لا يخدعنّك أن تراني لابساًثوبي فقد أصبحت فيه مكفّنا
ما زال سحرك يستميل خواطريبأرقّ من ماء الصفاء وألينا
حتى غدوت ببحر حبٍّ زاخرٍفرمت بي الأمواج في شطّ الضّنى وقال:
ما للنسيم لدى الأصيل عليلاأتراه يشكو زفرةً وغليلا
جرّ الذيول على ديار أحبّتي ... فأتى يجرّ من السّقام ذيولا وقال أبو عبد الله بن عسكر الغساني قاضي مالقة:
أهواك يا بدر وأهوى الذييعذلني فيك وأهوى الرقيب
والجار والدار ومن حلّهاوكلّ من مرّ بها من قريب
ما إن تنصّرت ولكنّنيأقول بالتثليث قولاً غريب
تطابق الألحان والكاس إذ ... تبسم عجباً والغزال الربيب وكان أبو أمية ابن عفير قاضي إشبيلية - مع براعته، وتقدمه في
العلوم الشرعية - أقوى الناس بالعلوم الأدبية المرعية، وقد اشتهر بسرعة الخاطر في الارتجال، وعدم المناظر له في ذلك المجال، قال ابن سعيد: رأيته كثيراً ما يصنع القصائد والمقاطعات، وهو يتحدث أو يفصل بين الغرماء في أكثر الأوقات، ومن شعره:
ديارهم صاح نصب عينيوليس لي وصلةٌ إليها
إلاّ سلامي لدى ابتعادٍمن بعد سكانها عليها وقوله رحمه الله تعالى:
ووجهٍ تغرق الأبصار فيهولكن يترك الأرواح هيما
أتاني ثمّ حيّاني حبيبٌبه وأباحني الخدّ الرقيما
فمرّ لنا مجونٌ في فنونٍ ... سلكت به الصراط المستقيما قلت: أما مجرد الارتجال فأمر عن الكثير صادر، وأما كونه مع التحدث أو فصل الخصومات فهو نادر، وقد حكينا منها في هذا الكتاب من القسم الأول موارد ومصادر.
[عود للحديث عن ابن ظافر]
ويعجبني من الواقع لأهل المشرق من ذلك قضية علي بن ظافر، إذ قال: بتّ ليلة والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، والانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانه، وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه في زرقة قناع السماء، وكسا الجدران
ثياباً من فضة، ونثر كافوره على مسك الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه، والنسيم قد عانق قامات الأغصان فميّلها، وغصبها مباسم نورها فقبّلها، وعندنا مغنٍ قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورق ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقه الموشى بالذهب، ويديم حرقته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقه، وآونةً يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديهاً في المجلس، وكتبت بها إلى الأعز بن المؤيد رحمه الله تعالى أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام العيد، كارتفاع الرؤوس عن الأجياد، بل فضلت ليلات الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر:
غبت عنّي يابن المؤيد في وقتٍ شهيٍّ يلهي المحبّ المشوّقا
ليلة ظلّ بدرها يلبس الجدران ثوباً مفضّضاً مرموقا
وغدا الطّلّ فيه ينثر كافوراً فيعلو مسك التراب السحيقا
وتبدّى النّسيم يعتنق الأغصان لمّا سرى عناقاً رفيقا
بتّ فيها منادماً لصديقٍظلّ بين الأنام خلاًّ صدوقا
هو مثل الهلال وجهاً صبيحاًومثال النسيم ذهناً رقيقاً
وغزال كالبدر وجهاً وغصن البان قدّاً والخمرة الصرف ريقا
مظهرٌ للعيون ردفاً مهيلاًوحشاً ناحلاً وقدّاً رشيقا
إن تغنّى سمعت داود، أو لاح تأمّلت يوسف الصدّيقا
وإذا قابل السراج رأينامنه بدراً يقابل العيّوقا
وأظنّ الصباح هام بمرآهـ فأبدى قلباً حريقاً خفوقا
هو نجمٌ ما لاح في الجدر كافور بياضٍ إلاّ كساه خلوقا
ما بدا نرجس الكواكب إلاقام من نومه يرينا الشقيقا
وإذا ما بدت جواهرها في الجوّ وأبدى في الأرض منهم عقيقا
فغدونا تحت الدجى نتعاطىمن رقيق الآداب خمراً رحيقا
وجعلنا ريحاننا طيب ذكراك فخلناه عنبراً مفتوقا
ذاك وقتٌ لولا مغيبك عنهكان بالمدح والثناء خليقا قال فأجاب عنها من الوزن دون الروي:
قد أتتني من الجمال قصيدٌيا لها من قصيدةٍ غرّاء
جمعت رقّة الهواء وطيب المسك في سبكها وصفو الماء
فأرتنا طباعه وشذاهوالذي حاز ذهنه من ذكاء
سيدي هل جمعت فيها اللآلييا أخا المجد أم نجوم السماء
أفحمتني حسناً وحقّ أياديك التي لا تعدّ بالإحصاء
فتركت الجواب والله عجزاًفابسط العذر فيه يا مولائي
هل يسامي الثّرى الثريّا وأنّىيدّعي النجم فرط نور ذكاء رجع إلى أهل الأندلس:
وقال ابن السماك:
إياك أن تكثر الإخوان مغتنماًفي كلّ يومٍ إلى أن يكثر العدد
في واحدٍ منهم تصفي الوداد لهمن التكاليف ما يفنى به الجلد وله:
تحنّ ركابي نحو أرضٍ وما لهاوما لي من ذاك الحميم سوى الهمّ
وكم راغبٍ في موضعٍ لا ينالهوأمسيت منه مثل يونس في اليمّ
بهذا قضى الرحمن في كلّ ساخطٍ ... يموت على كرهٍ ويحيى على رغم ولما قام الباجي بإشبيلية وخلع طاعة ابن هود، وأبدل أشعاره الأسود العباسي في البنود، قال أبو محمد عبد الحق الزهري القرطبي في ذلك:
كأنما الراية السوداء قد نعبتلهم غراباً ببين الأهل والولد
مات الهوى تحتها من فرط روعتهفأظهر الدهر منها لبسة الكمد وأنشدهما القائم الباجي في جملة قصيدة
وقال الوزير أبو الوليد إسماعيل بن حجاج الأعلم الإشبيلي:
أمسى الفراش يطوف حول كؤوسناإذ خالها تحت الدّجى قنديلا
ما زال يخفق حولها بجناحهحتى رمته على الفراش قتيلا وله:
لاموا على حبّ الصبا والكاسلمّا بدا وضح المشيب براسي
والغصن أحوج ما يكون لسقيه ... أيّام يبدو بالأزاهر كاسي وله، وقد رأى على نهر قرطبة ثلاثين نفساً مصلوبين من قطاع الطريق:
ثلاثون قد صففوا كلّهموقد فتحوا أذرعاً للوداع
وما ودّعوا غير أرواحهمفكان وداعاً لغير اجتماع وله في فتىً وسيم عضّ كلبٌ وجنته:
وأغيد وضّاح المحاسن باسمٍإذا قامر الأرواح ناظره قمر
تعمّد كلبٌ عضّ وجنته التيهي الورد إيناعاً وأبقى بها أثر
فقلت لشهب الأفق كيف صماتكم ... وقد أثّر العوّاء في صفحة القمر وقال الفقيه أبو الحجاج يوسف بن محمد البياسي المؤرخ الأديب، المصنف الشهير، وكان حافظاً لنكت الأندلسيين حديثاً وقديماً، ذاكراً لفكاهاتهم التي صيرته للمملوك خليلاً ونديماً، في صبي من أعيان الجزيرة الخضراء تهافت في حبه جماعة من الأدباء والشعراء:
قد سلونا عن الذي تدريهوجفوناه إذ جفا بالتيه
وتركناه صاغراً لأناسٍخدعوه بالزّور والتمويه
لمضلٍّ يسوقه لمضلٍّ ... وسفيهٍ يقوده لسفيه وكان من القوم الذين هاموا بالمذكور، وقاموا فيه المقام المشهور، أديبٌ يقال له الفار، فتسلط على البياسي حتى سافر من الجزيرة وكان يلقب بالقط، [فقال أحد الشعراء]:
عذرت أبا الحجاج من ربّ شيبةٍغدا لابساً في الحبّ ثوباً من القار
وألجأه الفار المشارك للنوىولم أر قطّاً قبله فرّ من فار
وله، وقد كتب إلى بعض أصحابه يذكره بالأيام السوالف:
أبا حسنٍ لعمرك إنّ ذكريلأيام النعيم من الصواب
أمثلي ليس يذكر عهد حمصٍوقد جمحت بنا خيل التصابي
ونحن نجرّ أثواب الأمانيمطرّزةً هنالك بالشباب
وعهدٌ بالجزيرة ليس ينسىوإن أغفلته عند الخطاب
هو الأحلى لديّ وإن حماني ... عن العسل اجتماعٌ للذّباب أشار إلى المحبوب وكان كثير الاجتماع به في جنة لوالده على وادي العسل وقال:
جنّة وادي العسلكم لي بها من أمل
لو لم يكن ذبابها ... يمنع ذوق العسل قال ابن سعيد: ولما التقينا بتونس بعد إيابي من المشرق، وقد ولج ظلام الشعر على [صبح] وجهه المشرق، قلت لأبي الحجاج مشيراً إلى محبوبه، وقد غطى هواه عنده على عيوبه:
خلّ أبا الحجاج هذا الذيقد كنت فيه دائم الوجد
وانظر إلى لحيته واعتبر ... ممّا جنى الشّعر على الخدّ والله سبحانه يسمح للجميع، في هذا الهزل الشنيع، ويصفح عنا في ذكره، إنه مجيبٌ سميع.
[عود إلى النقل عن بدائع البدائه]
وقال صاحب " البدائع " ركب الأستاذ أبو محمد ابن صارة مع أصحاب له في نهر إشبيلية في عشية سال أصيلها على لجين الماء عقيانا، وطارت زواريقها في سماء النهر عقبانا، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سرراً وأعكانا، في زورقٍ يجول جولان الطّرف، ويسودّ اسوداد الطّرف، فقال بديهاً:
تامّل حالنا والجوّ طلقٌمحيّاه وقد طفل المساء
وقد جالت بنا عذراء حبلىتجاذب مرطها ريحٌ رخاء
بنهرٍ كالسجنجل كوثريٍّ ... تعبّس وجهها فيه السماء واتفق أن وقف أبو إسحاق ابن خفاجة على القطعة واستظرفها واستلطفها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقتها:
ألا يا حبّذا ضحك الحميّابحانتها وقد عبس المساء
وأدهم من جياد الماء مهرٍتنازع جلّه ريحٌ رخاء
إذا بدت الكواكب فيه غرقى ... رأيت الأرض تحسدها السماء وقال الأديب ابن خفاجة في ديوانه: صاحبت في صدري من المغرب سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ابا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو جعفر ابن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في النفاق فقطع السبيل، وأخاف الطريق، ولما حاذينا قلعته وقد احتدمت جمرة الهجير،
وملّ الركب رسيمه وزميله، وأخذ كلٌّ منّا يرتاد مقيله، اتفقنا على أن لا نطعم طعماً، ولا نذوق مناناً، حتّى نقول في صورة تلك الحال، وذلك التّرحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون واعتذر، وأخذت عفو خاطري، فقلت أتربص به، وأعرّض بعظم لحيته:
ألا قل للمريض القلب مهلاًفإنّ السيف قد ضمن الشفاء
ولم أر كالنفاق شكاة حرٍّولا كدم الوريد له دواء
وقد دحي النجيع هناك أرضاًوقد سمك العجاج به سماء
وديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... مذ أعشب شعر لحيته ضراء وقال ابن خفاجة أيضاً: حضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تحاوروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به:
صلني لك الخير برمّانةٍلم تنتقل عن كرم العهد
لا عنباً أمتصّ عنقودهثدياً كأني بعد في المهد
وهل يرى بينهما نسبةًمن عدل الخصية بالنّهد فخجل خجلاً شديداً وانصرف
قال: وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السّمّارين، ابتغاء الفرجة على خرير ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة، وإذا بالفقيه أبي عمران ابن أبي تليد رحمه الله تعالى قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، مستأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:
يا من يمرّ ولا تمرّبه القلوب من الفرق
بعمامةٍ من خدّهأو خدّه منها استرق
فكأنه وكأنهاقمرٌ تعمّق بالشفق
فإذا بدى وإذا انثنىوإذا شدى وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا ... نح والمسمع والحدق فقلت، وقد أعجبت بها جدّاً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطعة سياقة الاعداد، وإلاّ فأنت تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله فينزل بإزاء كلّ واحدة منها ما يلائمها، وهل ينزل بإزاء قوله وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في هذا غاية الجهد، فقلت بديهاً:
ومهفهفٍ طاوي الحشاخنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بصورةٍتليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشىوإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والغمامة والحمامة والقمر فجنّ بها استحساناً، انتهى
قال ابن ظافر: والقطعة القافيّة ليست لابن رشيق، بل هي لأبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة.
وكان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المريّة واقع لمدح
مدحه فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الرجل دعوة للمعتصم بن صمادح صاحب المرية واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة سلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلمّا حاذاه رفع صوته بقوله:
يا أيها الملك الميمون طائرهومن لذي مأتم في وجهه عرس
لا تفرسنّ طعاماً عند غيركم ... إنّ الأسود على المأكول تفترس فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل ما كان عمله.
[حكاية مشرقية]
ونظير هذه الحكاية أن عبّاد بن الحريش كان قد مدح رجلاً من كبار أصبهان أرباب الضيع والأملاك والتبع الكثير، فمطله بالجائزة، ثمّ أجازه بما لم يرضه، فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة غرم عليها ألوف دنانير كثيرة لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي على أن يجيء إليه من الكرج، ووصل أبو دلف، فلمّا عين عبّاد عليه وهو يساير بعض خواصه أومأ إلى ذلك السائر وأنشد بأعلى صوته:
قل له يا فديتهقول عبّاد: ذا سمج
جئت في ألف فارسٍلغداء من الكرج
ما على النّفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج فقال أبو دلف، وكان أخوف الناس من شاعر: صدق والله، أجيء من
الكرج إلى أصبهان حتّى أتغذى بها والله بعد هذا ما في دناءة النفس من شيء.
ثمّ رجع من طريقه، وفسد على الرجل كلّ ما غرمه، وعرف من أين أتي.
وتخوف أن يعود عبّاد عليه بشرّ منها، فسيّر إليه جائزة سنيّة مع جماعة من أصحابه، فاجتمعوا به، وسألوه فيه، وفي قبول الجائزة، فلم يقبل الجائزة، ثمّ أنشد بديهاً:
وهبت يا قوم لكم عرضهفقالوا: جزاك الله تعالى خيراً، فقال:
كرامةً للشعر لا للفتى ...
لأنه أبخل من ذرّةٍعلى الذي تجمعه في الشتا انتهى
وذكر أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي ما معناه: أنه عزم بمصر هو ورفقة له على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش، في وقت ولاية الغبش، وحلّوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروا كؤوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشاطين الهموم رجوماً، فطرب حتّى أظهر الطرب نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال:
لله يومي ببركة الحبشوالجوّ بين الضياء والغبش
والنّيل تحت الرّياح مضطربٌكصارمٍ في يمين مرتعش
ونحن في روضةٍ مفوّقةٍدبّج بالنّور عطفها ووشي
قد نسجتها يد الغمام لنافنحن من نورها على فرش
فعاطني الراح إنّ تاركهامن سورة الهمّ غير منتعش
وأسقني بالكبار مترعةًفهنّ أروى لشدّة العطش
فأثقل النّاس كلّهم رجلٌ ... دعاه داعي الصّبا فلم يطش وهذا أبو الصّلت أمية من كبراء أدباء الأندلس العلماء الحكماء، وقد ترجمناه في الباب الخامس في المرتحلين من الأندلس إلى المشرق.
وقال رحمه الله تعالى: كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد وقف يرمي بالنشاب، فصنعت فيه بديهاً:
ياملكاً مذ خلقت كفّهلم تدر إلاّ الجود والباسا
إنّ النّجوم الزّهر مع بعدهاقد حسدت في قربك الناسا
وودّت الأفلاك لو أنّهاتحوّلت تحتك أفراسا
كما تمنّى البدر لو أنهعاد لنشّابك برجاسا انتهى
وصنع الوزير أبو جعفر أحمد الوقشي وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله بن مردنيش في غلام أسود في يده قضيب نور بديهاً:
وزنجيٍّ أتى بقضيب نورٍوقد زفّت لنا بنت الكروم
فقال فتى من الفتيان صفهافقلت الليل أقبل بالنّجوم
ولمّا أفرط أبو [بكر] يحيى اليكي في هجاء أهل فاس تعسّفوا عليه، وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني، وكان يتولى أمورأً سلطانية بها، فقدّموا رجلاً ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل فقيه يعرف بالزناتي، ورجل آخر يكنّى بأبي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً، فلمّا وصل إلى بابه طلب ورقة من كاتبه، وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب:
ارشوا الزناتيّ الفقيه ببيضةٍيشهد بأنّ مظفّراً ذو بيضتين
واهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما ناك عبد الله عرس أبي الحسين وقال أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري: عمل والدي محملاً للكتب من قضبان تشبه سلّماً، فدخل عليه أبو محمد عبد الله بن مفيد، فرآه، فقال ارتجالاً:
أيها السيّد الذكيّ الجنانلا تقسني بسلّم البنيان
فضل شكل على السلالم أنّيمحملٌ للعلوم والقرآن
حزت من حلية المحبين ضعفيواصفراري ورقّة الأبدان
فادع للصانع المجيد بفوزٍثمّ وال الدعاء للإخوان ثمّ عمل أيضاً:
أيها السيد الكريم المساعيالتفت صنعتي وحسن ابتداعي
أنا للنّسخ محملٌ خفّ حمليأنا في الشّكل سلّم الإطلاع وقال أحمد بن رضى المالقي:
ليس المدامة ممّا أستريح لهولا مجاوبة الأوتار والنغم
وإنّما لذّتي كتبٌ أطالعهاوخادمي أبداً في نصرتي قلمي وقال أبو القاسم البلوي الإشبيلي:
لمن أشكو مصابي في البراياولا ألقى سوى رجلٍ مصاب
أمورٌ لو تدبّرها حكيمٌلعاش مدى الزمان أخا اكتئاب
أما في الدّهر من أفشي إليهبأسراري فيؤنس بالجواب
يئست من الأنام فما جليسٌ ... يعزّ على نهاي سوى كتابي وقال أبو زكريا يحيى، ابن صفوان بن إدريس صاحب كتاب " العجالة " و " زاد المسافر " وغيرهما:
ليت شعري كيف أنتموأنا الصبّ المعنّى
كلّ شيء لم تكونوافيه لفظٌ دون معنى وله في نصراني وسيم لقيه يوم عيد:
توحّد في الحسن من لم يزليثلث والقلب في صدّه
يشفّ لك الماء من كفّه ... ويقتدح النّار من خدّه وهذان البيتان نسبهما له بعض معاشريه، وأبوه صفوان سابق الميدان.
وقال ابن بسام: ساير ابن عمّار في بعض أسفاره غلامان من
بني جهور أحدهما أشقر العذار والآخر أخضره.
فجعل يميل بحديثه لمخضر العذار. ثم قال ارتجالاً:
تعلّقته جهوريّ النّجارحليّ اللّمى جوهريّ الثنايا
من النّفر البيض أسد الزمانرقاق الحواشي كرام السجايا
ولا غرو أن تغرب الشارقاتوتبقى محاسنها بالعشايا
ولا وصل إلاّ جمان الحديثنساقطه من ظهور المطايا
شنأت المثلّث للزعفران ... وملت إلى خضرةٍ في التفايا ومعناه أن ابن عمّار أبغض المثلّث لدخول الزعفران فيه لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحبّ خضرة التفايا، وهو لون طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما.
وقال أبو العرب ابن معيشة الكناني السبتي: أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عبّاد، وكان عليه من أثر كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق، قال: كنت في صبايّ حسن الصورة، بديع الخلقة، لا تلمحني عين أحد إلاّ ملكت قلبه، وخلبت خلبه، وسلبت لبّه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على باب دارنا إذا بالوزير أبي بكر ابن عمّار قد أقبل في موكب زّجل، على فرس كالصخرة الصمّاء قدّت من قنّة الجبل، فحين حاذاني ورآني اشرأبّ إليّ ينظرني وبهت يتأملني ثمّ دفع بمخصرة كانت بيده في صدري، وأنشد:
كفّ هذا النّهد عنيفبقلبي منه جرح
هو في صدرك نهدٌ ... وهو في صدري رمح وعبر في البدائع على طريقة القلائد بما صورته: ذكر الفتح بن خاقان ما هذا معناه: أخبرني ذو الوزارتين أبو مطرف ابن عبد العزيز أنّه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجو فيه أشقر برقه، ورمى بنبل ودقه، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بالقطر، ونشرت ما يفوق ألوان البزّ وبثّت ما يعلو العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خدّها حسناً فتكلل بعرق حبابه، إذا بفتىً رومي من أصبح فتيان المؤتمن قد أقبل متدرعاً كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر اكتست حباباً، والطاووس انقلب حباباً، فهو ملكٌ حسناً إلاّ أنه جسد، وغزالٌ ليناً إلاّ أنّه في هيئة الأسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عوّل فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمّار والسكر قد استحوذ على لبّه، وانبثّت سراياه في ضواحي قلبه، فأشار إليه وقرّبه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجدّ في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدّلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلى الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء أمثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها، ورمت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها، ارتجل ابن عمّار:
وهويته يسقي المدام كأنّهقمرٌ يدور بكوكبٍ في مجلس
متناوح الحركات يندى عطفهكالغصن هزّته الصبا بتنفسّ
يسقي بكأسٍ في أنامل سوسنٍويدير أخرى من محاجر نرجس
يا حامل السيف الطويل نجادهومصرّف الفرس القصير المحبس
إيّاك بادرة الوغى من فارسٍخشن القناع على عذارٍ أملس
جهمٍ وإن حسر القناع فإنماكشف الظلام عن النهار المشمس
يطغى ويلعب في دلال عذارهكالمهر يلعب في اللجام المجرس
سلّم فقد قصف القنا غصن النقاوسطا بليث الغاب ظبي المكنس
عنّا بكأسك قد كفتنا مقلةٌحوراء قائمةٌ بسكر المجلس وصنع فيه أيضاً:
وأحور من ظباء الروم عاطٍبسالفتيه من دمعي فريد
قسا قلباً وشنّ عليه درعاًفباطنه وظاهره حديد
بكيت وقد دنا ونأى رضاهوقد يبكي من الطرب الجليد
وإنّ فتىً تملّكه برقٍّوأحرز حسنه لفتىً سعيد انتهى
وذكر في " البدائع " مؤلفه ما نصه: خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوماً إلى بعض متنزهاته، فحلّ بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست عن مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلؤلؤ الطلّ أجياد قضبانها، فتشوّق إلى الوزير أبي طالب ابن غانم أحد كبراء دولته، وسيوف صولته، فكتب إليه بديهاً بورقة كرنب بعود من شجرة:
أقبل أبا طالبٍ إلينا ... واسقط سقوط النّدى علينا وجلس المعتصم بن صمادح المذكور يوماً وبين يديه ساقية قد أخمدت ببردها حرّ الأوار، والتوى ماؤها فيها التواء فضة السوار، فقال ارتجالاً:
انظر إلى الماء كيف انحطّ من صببهكأنّه أرقمٌ قد جدّ في هربه وقال السميسر:
بعوضٌ شربن دمي قهوةًوغنيّنني بضروب الأغان
كأنّ عروقي أوتارهنّوجسمي الرباب وهنّ القيان وأحسن منه قول ابن شرف القيرواني:
لك مجلس كملت بشارة لهونافيه، ولكن تحت ذلك حديث
غنّى الذباب فظلّ يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث والسابق إلى هذا المعنى أبو [الحسن] أحمد بن أيوب من شعراء اليتيمة إذ قال:
لا أعذل الليل في تطاولهلو كان يدري ما نحن فيه نقص
لي والبراغيث والبعوض إذاأجنّنا حندس الظلام قصص
إذا تغنّى بعوضه طرباًأطرب برغوثه الغنا فرقص
ونحو هذا قول الحصري فيما نسبه إليه ابن دحية:
ضاقت بلنسيةٌ بيوذاد عني غموضي
رقص البراغيث فيهاعلى غناء البعوض رجع إلى أهل الأندلس، فنقول:
كان ابن سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان، ظاهر التغفل، على جوده نظمه، ورطوبة طبعه، وكان كثيراً ما يسلك سكة الإسكافيين الذين يعملون الخفاف على بغلة له، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادةً لها، واتفق أن عبر في السكة راجلاً، ومعه جماعة من أصحابه، فلمّا رأى الجلود الملقاة قفز ووثب راجعاً
على عقبيه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ فقال: البغلة نفرت، فعجبوا من تخلّفه وتغفله كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي ونصب التعب أنه راكب وأن حركته الاختيارية منه حركة الدابة الضرورية له، فكان تغفله ربما أوقعه في تهمة عند من لم يعرفه، فاقترح عليه بعض الأمراء أن يصنع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذئب، وأول الآخر جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديهاً:
كتاب نجيعٍ لاح في حومة الوغىوقارنه نسرٌ هنالك أو ذيب
جوارح أهليه حروفٌ وربما ... تولّته من نقط الطعان أنابيب وقال الحميدي: ذكر لي أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوباً الشاعر النحوي قال بديهة في صفة ناعورة:
وذات حنينٍ ما تغيض جفونهامن اللجج الخضر الصوافي على شطّ
وتبكي فتحيي من دموع جفونهارياضاً تبدّت بالأزاهر في بسط
فمن أحمرٍ قانٍ وأصفر فاقعٍوأزهر مبيضٍّ وأدكن مشمطّ
كأنّ ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمانٍ قد نظمن على قرط وقال أبو الخطاب ابن دحية: دخلت على الوزير الفقيه الأجلّ أبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديهاً:
أيها العالم ادّركني سماحاًفلمثلي يحقّ منك السماح
إن تخلني إذا نطقت عييّاًفبناني إذا كتبت وقاح
أحرز الشأو في نظامٍ ونثرٍثمّ أثني وفي العنان جماح
فبهزلٍ كما تأوّد غصنٌ ... وبجدٍّ كما تهزّ الصفاح وقال: دخلت عليه منزله بشاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديهاً:
أيها الواقف اعتباراً بقبرياستمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوامن ذنوبٍ كلومها بأديمي
ودعوني بما اكتسبت رهيناً ... غلق الرهن عند مولى كريم وقال ابن طوفان: دعا أبي أبا الوليد النّحلي، فلمّا قضوا وطرهم من الطعام سقيتهم، وجعلت أترع الكاسات، فلمّا مشت في النّحلي
سورة الحميّا ارتجل:
لابن طوفانٍ أيادٍقلّ فيها مشبهوه
ملأ الكاسات حتّى ... قيل في البيت أبوه ونظيره قول المنفتل من شعراء الذخيرة في الشاعر ابن الفراء:
فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه وذكر في " بدائع البدائه " أن جماعة من الشعراء في أيّام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويتأملوا ما سطره الدّهر من العبر فيها، فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظراًعلى ما رأت عيناك من هرمي مصر
أنافا بأعنان السّماء فأشرفاعلى الجوّ إشراف السماك أو النسر
وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياًكأنهما نهدان قاما على صدر وصنع أبو منصور ظافر الحداد:
تأمّل هيئة الهرمين وانظروبينهما أبو الهول العجيب
كعماريتين على رحيلٍبمحبوبين بينهما رقيب
وفيض البحر عندهما دموعٌوصوت الريح بينهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صبٍّتخلّف فهو محزون كئيب
وقال ابن بسام: كان للمتوكل ابن الأفطس فرس أدهم أغر محجل على كفله ست نقط بيض، فندب المتوكل الشعراء لصفته، فصنع النّحلي أبو الوليد فيه بديهاً:
ركب البدر جواداً سابحاًتقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصاً سابغاًوالثريّا نقطٌ في كفله
وغدير الصبح قد خيض بهفبدا تحجيله من بلله
كلّ مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله ثمّ انتدب الشعراء بعد ذلك للعمل فيه، فصنع ابن اللبّانة:
لله طرفٌ جال يا ابن محمّدٍفحبت به حوباؤه التأميلا
لمّا رأى أنّ الظّلام أديمهأهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسمٌ ... تبغي هناك لرجله تقبيلا وقال فيه أبو عبد الله ابن عبد البر الشنتريني من قطعة:
وكأنما عمرٌ على صهواتهقمرٌ تسير به الرياح الأربع ويعني بعمر المتوكل المذكور لأن اسمه عمر
وقال أحمد بن عبد الرحمن بن الصقر الخزرجي قاضي إشبيلية:
لله إخوانٌ تناءت دراهمحفظوا الوداد على النوى أو خانوا
يهدي لنا طيب الثناء ودادهمكالندّ يهدي الطيب وهو دخان
[أخبار عن المروانيين]
وحكي أن أيوب بن سليمان السهيلي المرواني حضر يوماً عند ابن باجة والشاعر أبو الحسن ابن جودي هناك، فتكلم المرواني بكلام ظهر فيه نبل وأدب، فتشوف أبو الحسن ابن جودي لمعرفته، وكان إذ ذاك فتيّ السن، فقال له: من أنت أكرمك الله تعالى فقال: هلا سألت غيري عني فيكون ذلك أحسن لك أدباً ولي توقيراً، فقال ابن جودي: قد سألت من المعرف عنك فلم يعرفك، فقال: يا هذا، لطالما مر علينا زمان يعرفنا من يجهل، ولا يحتاج من يرانا فيه إلى أن يسأل، وأطرق ساعة، ثمّ رفع رأسه وأنشد:
أنا ابن الألى قد عوّض الدهر عزّهمبذلٍّ وقلوا واستحبّوا التنكرا
ملوكٌ على مرّ الزمان بمشرقٍوغربٍ دهاهم دهرهم وتغيّرا
فلا تذكرنهم بالسؤال مصابهم ... فإن حياة الرّزء أن يتذكّرا ففطن ابن جودي أنه منبني مروان، فقام وقبّل رأسه، واعتذر إليه، ثمّ انصرف المرواني، فقال ابن باجة لابن جودي: أساء أدبك بعد ما عهدت منك كيف تعمد إلى رجل في مجلسي تراني قد قربته وأكرمته وخصصته بالإصغاء إلى كلامه فتقدم عليه بالسؤال عن نفسه فاحذر أن تكون لك عادة، فإنها من أسوء الأدب، فقال ابن جودي: لم أزل من الشيخ على ما قاله أبو تمام:
نأخذ من ماله ومن أدبه ... وحكي أن بكاراً المرواني لمّا ترك وطنه وخرج في الجهاد وقتل، قال صاحب السقط: إنه اجتمع به في أشبونة فقال: قصدت منزله بها، ونقرت
الباب، فنادى: من هذا فقلت: رجل ممّن يتوسل لرؤيتك بقرابة، فقال: لا قرابة إلاّ بالتقى، فإن كنت من أهله فادخل، وإلاّ فتنحّ عني، فقلت: أرجو في الاجتماع بك والاقتباس منك أن أكون من أهل التقى، فقال: ادخل، فدخلت عليه فإذا به في مصلاّه وسبحة أمامه، وهو يعدّ حبوبها ويسبّح فيها، فقال لي: ارفق عليّ حتّى أتمم وظيفتي من هذا التسبيح، وأقضي حقك، فقعدت إلى أن فرغ، فلمّا قضى شغله عطف عليّ وقال: ما القرابة التي بيني وبينك فانتسبت له، فعرف أبي وترحّم عليه، وقال لي: لقد كان نعم الرجل، وكان لديه أدب ومعرفة، فهل لديك أنت ممّا كان لديه شيءٌ فقلت له: إنه كان يأخذني بالقراءة وتعلّم الأدب، وقد تعلقت من ذلك بما أتميز به، فقال لي: هل تنظم شيئاً قلت: نعم، وقد ألجأني الدّهر إلى أن أرتزق به، فقال: يا ولدي إنه بئسما يرتزق به، ونعم ما يتحلى به إذا كان على غير هذا الوجه، وقد قال رسول الله، ﷺ: " إنّ من الشّعر لحكمةً " ولكن تحلّ الميتة عند الضرورة، فأنشدني أصلحك الله تعالى ممّا على ذكرك من شعرك، قال: فطلبت بخاطري شيئاً أقابله به ممّا يوافق حاله فما وقع لي إلاّ فيما لا يوافقه من مجون ووصف خمر وما أشبه ذلك، فأطرقت قليلاً، فقال: لعلك تنظم، فقلت: لا ولكن أفكر فيما أقابلك به، فقولي أكثره فيما حملني عليه الصّبا والسخف، وهو لائق بغير مجلسك، فقال: يا بني، ولا هذا كله، إنّا لا نبلغ من تقوى الله إلى حدّ نخرج به عن السلف الصالح، وإذا صح عندنا أن عبد الله ابن عباس ابن عم رسول الله، ﷺ، ومفسر كتاب الله تعالى ينشد مثل قول القائل:
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع