من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تتمة (٦)
ضللت كل ضلال ولم تفدك الزعامه
ما زلت تصحب مذ كن ت في السباق السلامه
حتى عثرت وأخجل ت بافتضاح السآمه
بالله في كل وقت يبدي السحاب انسجامه
والزهر في كل حين يشق عنه كمامه
لو كنت تعرف عذري كففت غرب الملامه
ووجهت هذه البيات مع موصل أبياته، بعدما لعنته وسبته، وقالت له: لعن الله المرسل والمرسل، فما في جميعكما خير، ولا لي برؤيتكما حاجة، وانصرف بغاية من الخزي، ولما أطل على أبي جعفر وهو في قلق لانتظاره قال له: ما وراءك يا عصام قال: ما يكون وراء من وجهه خلف إلى فاعلة تاركة، إقرأ الأبيات تعلم، فلما قرأ الأبيات قال للرسول: ما أسخف عقلك وأجهلك! إنها وعدتني للقبة في جنتي المعروفة بالكمامة، سر بنا، فبادروا للكمامة، فما كان إلا قليلاً، وإذا بها قد وصلت، وأراد عتبها، فأنشدت:
دعي عد الذنوب إذا التقينا تعالي لا نعد ولا تعدي
وجلسا على أحسن حالة، وإذا برقعة الكتندي الشاعر لأبي جعفر، وفيها:
أبا جعفر يا ابن الكرام الأماجد خلوت بمن تهواه رغماً لحاسد
فهل في خل قنوع مهذب كتوم عليم باختفاء المراصد
يبيت إذا يخلو المحب بحبه ممتع لذات بخمس ولائد
فقرأها على حفصة، فقالت: لعنه الله، قد سمعنا بالوارش على الطعام والواغل على الشراب، ولم نسمع اسماً لمن يعلم باجتماع محبين فيروم الدخول عليهما، فقال لها: بالله سميه لنكتب له بذلك، فقالت: أسميه الحائل، لأنه يحول بيني وبينك إن وقعت عيني عليه، فكتب له في ظهر رقعته:
يا من إذا ما أتاني جعلته نصب عيني
تراك ترضى جلوساً بين الحبيب وبيني
إن كان ذاك فماذا تبغي سوى قرب حيني
والآن قد حصلت لي بعد المطال بديني
فإن أتيت فدفعاً منها بكلتا اليدين
أو ليس تبغي وحاشا ك أن ترى طير بين
وفي مبيتك بالخم س كل قبح وشين
فليس حقك إلا ال خلو بالقمرين
وكتب له تحت ذلك ما كان منها من الكلام، وذيل ذلك بقوله:
سماك من أهواه حائل إن كنت بعد العتب واصل
مع أن لونك مزعج لو كنت تحبس بالسلاسل
فلما رجع إليه الرسول وجده قد وقع بمطمورة نجاسة، وصار هتكة، فلما قرأ البيات قال للرسول: أعلمها بحالي، فرجع الرسول، وأخبرهما بذلك، فكاد أن يغشى عليهما من الضحك، وكتب إليه كل واحد بيتاً، وابتدأ أبو جعفر فقال:
قل للذي خلصنا منه الوقوع في الخرا
ارجع كما شاء الخرا يا ابن الخرا إلى ورا
وإن تعد يوماً إلى وصالنا سوف ترى
يا أسقط الناس ويا أنذلهم بلا مرا
هذا مدى الدهر تلا قي لوأتيت في الكرى
يا لحية تشغف في ال خرء وتشنا العنبرا
لا قرب الله اجتماعاً بك حتى تقبرا ومن شعرها:
سلام يفتح في زهره ال كمام وينطق ورق الغصون
على نازح قد ثوى الحشا وإن كان تحرم منه الجفون
فلا تحسبوا البعد ينسيكمفذلك والله ما لا يكون وقولها من أبيات:
ولو لم يكن نجماً لكان ناظري وقد غبت عنه مظلماً بعد نوره
سلام على تلك المحاسن من شج تناءت بنعماه وطيب سروره
وقولها:
سلوا البارق الخفاق والليل ساكن أظل بأحبابي يذكرني وهنا
لعمري لقد أهدى لقلبي خفقة وأمطرني منهل عارضه الجفنا
ونسب بعض إليها البيتين الشهيرين:
أغار عليك من عيني رقيبي ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كفاني
والله تعالى أعلم.
وكتبت إلى أبي جعفر:
رأست فما زال العداة بظلمهم ... وعلمهم النامي يقولون ما رأس وهل منكر أن ساد أهل زمانه جموح إلى العليا حرون عن الدنس
وقال ابن دحية: حفصة من أشراف غرناطة، رخيمة الشعر، رقيقة النظم والنثر، انتهى.
ومن قولها في السيد أبي سعيد ملك غرناطة تهنئه بيوم عيد، وكتبت بذلك إليه:
يا ذا العلا وابن الخلي فة والإمام المرتضى
يهنيك عيد قد جرى فيه بما تهوى القضا
وأتاك من تهواه في قيد الإنابة والرضى
ليعيد من لذاته ما قد تصرم وانقضى
وذكر الملاحي في تاريخه أنها سألتها امرأة من أعيان أهل غرناطة أن تكتب لها شيئاً بخطها، فكتبت إليها:
يا ربة الحسن، بل يا ربة الكرم غضي جفونك عما خطه قلمي
تصفحيه بلحظ الود منعمة لا تحفلي برديء الخط والكلم
واتفق أن بات أبو جعفر ابن سعيد معها في بستان بحور مؤمل، على ما يبيت به الروض والنسيم، من طيب النفحة ونضارة النعيم، فلما حان الانفصال، قال أبو جعفر وكان يهواها كما سبق:
رعى الله ليلاً لم يرح بمذمم عشية وارانا بحور مؤمل
وقد خفقت من نحو نجد أريجة إذا نفحت هبت بريا القرنفل
وغرد قمري على الدوح وانثنى قضيب من الريحان من فوق جدول
يرى الروض مسروراً بما قد بدا له: عناق وضم وارتشاف مقبل
وكتب بها إليها بعد الافتراق، لتجيبه على عادتها في مثل ذلك، فكتبت إليه بقولها:
لعمرك ما سر الرياض بوصلنا ولكنه أبدا لنا الغل والحسد
ولا صفق النهر ارتياحاً لقربنا ولا غرد القمري إلا لما وجد
فلا تحسن الظن الذي أنت أهله فما هو في كل المواطن بالرشد
فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه لأمر سوى كيما تكون لنا رصد
وقال ابن سعيد في الطالع السعيد: كتبت حفصة الركونية إلى بعض أصحابها:
أزورك أم تزور فإن قلبي إلى ما تشتهي أبداً يميل
فثغري مورد عذب زلال وفرع ذؤابتي ظل ظليل
وقد أملت أن تظمى وتضحى إذا وافى إليك بي المقيل
فعجل بالجواب فما جميل إباؤك عن بثينة يا جميل
سلمى بنت القراطيسي
قال التجاني: تشبه أبيات حفصة هذه أبيات أنشدها ابن أبي الحصين في تاريخه لسلمى بنت القراطيسي من أهل بغداد، وكانت مشهورة بالجمال، وهي:
عيون مها الصريم فداء عيني وأجياد الظباء فداء جيدي
أزين بالعقود وإن نحري لأزين للعقود من العقود
ولا أشكو من الأوصاب ثقلاً وتشكو قامتي ثقل النهود
وبلغت هذه الأبيات المقتفي أمير المؤمنين فقال: اسألوا هل تصدق صفتها قولها فقالوا: ما يكون أجمل منها، فقال: اسألوا عن عفافها، فقالوا: هي أعف الناس، فأرسل إليها مالاً جزيلاً، وقال: تستعين به على صيانة جمالها، ورونق بهجتها، انتهى.
رجع إلى حفصة:
وقال أبو جعفر ابن سعيد: أقسم ما رأيت ولا سمعت بمثل ححفصة، ومن
بعض ما أجعله دليلاً على تصديق عزمي، وبر قسمي، أني كنت يوماً في منزلي مع من يحب أن يخلى معه من الأجواد الكرام على راحة سمحت بها غفلات الأيام، فلم نشعر إلا بالباب يضرب، فخرجت جارية تنطر من الضارب، فوجدت إمرأة، فقالت لها: ما تريدين فقالت: ادفعي لسيدك هذه الرقعة، فجاءت برقعة فيها:
زائر قد أتى بجيد الغزال مطلع تحت جنحه للهلال
بلحاظ من سحر بابل صيغت ورضاب يفوق بنت الدوالي
يفضح الورد ما حوى منه خد وكذا الثغر فاضح للآلي
ما ترى في دخوله بعد إذن أو تراه لعارض في انفصال
قال: فعلمت أنها حفصة، وقمت مبادراً للباب، وقابلتها بما يقابل به من يشفع له حسنه وآدابه والغرام به، وتفضله بالزيارة دون طلب في وقت الرغبة في الأنس به، انتهى.
أبو جعفر ابن سعيد
قلت: وإذ قد جرى ذكر أبي جعفر ابن سعيد سابق الحلبة فلنلم ببعض أحواله فنقول: هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي، قال قريبه أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد في المغرب: سمعت أبي يقول: لا أعلم في بني سعيد أشعر منه، بل لا أعلم في بلده، وعشق حفصة شاعرة الأندلس، وكانا يتجاوبان تجاوب الحمام، ولما استبد والده بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس بسبب صولة بني عبد المؤمن على الملثمين اتخذه وزيراً، واستنابه في
أموره، فلم يصبر على ذلك، واستعفى فلم يعفه، وقال: أفي مثل هذا الوقت الشديد تركن إلى الراحة فكتب إليه:
مولاي في أي وقت أنال في العيش راحه
إن لم أنلها وعمري ما إن أنار صباحه
وللملاح عيون تميل نحو الملاحه
وكأس راحي ما إن تمل مني راحه
والخطب عني أعمى لم يقترب لي ساحه
وأنت دوني سور من العلا والرجاحه
فأعفني وأقلني مما رأيت صلاحه
ما في الوزارة حظ لمن يريد ارتياحه
كل وقال وقيل ممن يطيل نباحه
أنسي أتى مستغيثاُ فاترك فديت سراحه
فلما قرأ الأبيات قال: لا ينفع الله بما لا يكون مركباً في الطبع مائلة له النفس، ثم وقع على ظهر ورقته: قد تركنا سراح أنسك، وألحقنا يومك بأمسك.
ولما رجع ثوار الأندلس إلى عبد المؤمن وبايعه عبد الملك بن سعيد فغمره إحساناً وبراً، وولي السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن غرناطة طلب كاتباً من أهلها، فوصف له فضل أبي جعفر وحسبه وأدبه، فاستكتبه، فطلب أن يعفيه، فأبى إلى أن شرب أبو جعفر يوماً مع خواصه، وخرج ثاني يوم إلى الصيد وكان اليوم ذا غيم وبرد، ولما اشتد البرد مالوا يوماً مع خواصه، وخرج ثاني يوم إلى الصيد وكان اليوم ذا غيم وبرد، ولما اشتد البرد مالوا إلى خيمة ناطور، وجعلوا يصطلون ويشربون على ما اصطادوا، فحمل أبا جعفر بقية السكر على أن قال يصف يومه، ويستطرد بما في نفسه:
ويوم تجلى فيه الأفق بعنبر من الغيم لذنا فيه باللهو والقنص
وقد بقيت فينا من الأمس فضلة من السكر تغرينا بمنتهب الفرص
ركبنا له صبحاً وليلاً وبعضنا أصيلاً وكل إن شدا جلجل رقص
وشهب بزاة قد رجمنا بشهبها طيوراً يساغ اللهو إن شكت الغصص
وعن شفق تغري الصباح أو الدجى إذا أوثقت ما قد تحرك أو قمص
وملنا وقد نلنا من الصيد سؤلنا على قنص اللذات والبرد قد قرص
بخيمة ناطور توسط عذبها جحيم به من كان عذب قد خلص
أدرنا عليه مثله ذهبية دعته إلى الكبرى فلم يجب الرخص
فقل لحريص أن يراني مقيداً بخدمته لا يجعل الباز في القفص
وما كنت إلا طوع نفسي فهل أرى مطيعاً لمن عن شأو فخري قد نقص
فكان في أصحابه من حفظ هذين البيتين، ووشى بهما للسيد، فعزله أسوأ عزل، ثم بلغه بعد ذلك أنه قال لحفصة الشاعرة: ما تحبين في ذلك الأسود وأنا أقدر أن أشتري لك من سوق العبيد عشرة خيراً منه وكان لونه مائلاً إلى السواد، فأسرها في نفسه إلى أن فر عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد إلى ملك شرق الأندلس محمد بن مردنيش، فوجد له بذلك سبباً، فقتله صبراً بمالقة.
وكان عبد الملك بن سعيد يذكر ابنه ابا جعفر لعبد المؤمن، وينشده من شعره رغبة في تشريفه بالحضور بين يديه وإنشاده في مجلسه، فأمره بحضوره، فعندما دخل عليه قبل يده وأنشد قصيدة منها قوله:
عليك أحالني داعي النجاحونحوك حثني حادي الفلاح وكنت كساهر ليلا طويلا ترنح حين بشر بالصباح
وذي جهل تغلغل في قفار شكا ظمأ فدل على القراح
دعانا نحو وجهك طيب ذكر ويذكر للرياض شذا الرياح
وله في غلام أسود ساق ارتجالا
أدار علينا الكاس ظبي مهفهف غدا نشره واللون للعنبر الشحري
وزاد لنا حسناً بزهر كؤوسه وحسن ظلام الليل بالانجم الزهر
وقوله فيه وقد لبس ابيض:
وغصنٍ من ألابنوس ارتدى بعاج كليل علاه فلق
يحاكي لنا الكأس في كفه صباح بجنح علاه شف
وقوله مما كتب به إلى أخيه محمد وقد ورد منه كتاب بإنعام:
وافى كتابك ينبي عن سابغ الانعام
فقلت در ودر من زاخر وغمام
وقوله يذم حماماً:
يا رب حمام لعنا بما أبدى إلينا كل حمام
أفق له قطر حميم كما أصمت سهام من يدي رامي
يخرق سحباً للدخان الذي لاح لغيم العارض الهامي
وقيم يجذبني جذبة وتارة يكسر إبهامي
وجمع الأوساخ من لؤمه في عضدي قصداً لإعلامي
وازدحم الأنذال فيه وقد ضجوا ضجيجاً دون إفهام
وجملة الأمر دخلنا بني سام وعدنا كبني حام
وله في ضد ذلك، والنصف الأخير لابن بقي:
لا أنس ما عشت حماماً ظفرت به وكان عندي أحلى من جني الظفر
نعمت جسمي في ضدين مغتنماً تنعم الغصن بين الشمس والمطر
وقال له السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن صاحب غرناطة: ما أنت إلا حسن الفراسة وافر العقل، فقال:
نسبتم لمن هذبتموه فراسةً وعقلاً ولولاكم للازمه الجهل
وما هو أهل للثناء وإنما علاكم لتقليد الأيادي له أهل
وما أنا إلا منكم وإليكم وما في من خير فأنتم له أصل
وقال:
ولما رأيت السعد في صفح وجهه منيراً دعاني ما رأيت إلى الشكر
وأقبل يبدي لي غرائب نطقه وما كنت أدري قبله منزع السحر
فأصغيت إصغاء الجديب إلى الحيا وكان ثنائي كالرياض على القطر
وله:
لا تكثرن عتابي إن طال عنك فراقي
فما يضر بعاد يطول والود باقي
وله:
ما خدمناكم لأن تشفعوا في نا بدار الجزاء يوم الحساب
ذاك يوم أنا وأنت سواء فيه، كل يخاف سوء العقاب
إنما الشأن الذب في هذه الدن يا بسلطانكم عن الأصحاب
وإذا ما خذلتموهم بشكوى وبخلتم عنهم برد الجواب
فاعذروهم أن يطلبوا من سواكم نصرة وارفعوا حجال العتاب
وإذا أرض مجدب لفظته فله العذر في اتباع السحاب
وله وقد تقدم أمامه في ليلة مظلمة أحد أصحابه، فطفئ السراج في يده، فقال لوقته:
لي من جبينك هادي في الليل نحو مرادي
فما أريد سراجاً يدلني لرشاد
أنى وكفك سحب يبدو بها ذا اتقاد
وله في قوادة:
قوادة تفخر بالعار أقود من ليل على سار
ولاجة في كل دار وما يدري بها من حذقها داري
ظريفة مقبولة الملتقى خفيفة الوطء على الجار
لحافها لا ينطوي دائماً أقلق من راية بيطار
قد ربيت مذ عرفت نفعها ما بين فتاك وشطار
جاهلة حيث ثوى مسجد عارفة حانة خمار
بسامة مكثرة برها ذات فكاهات وأخبار
علم الرياضيات حوته وسا سته بتقويم وأسحار
مناعة للنعل من كيسها موسرة في حال إعسار
تكاد من لطف أحاديثها تجمع بين الماء والنار
وما سمعنا في هذا الباب أحسن من هذا، والبيت السائر:
تقود، من السياسة، ألف بغل إذا حرنت، بخيط العنكبوت
وشرب ليلة مع أصحاب له وفيهم وسيم، فأعرض بجانبه وقطب، فتكدر المجلس، فقال أبو جعفر:
يا من نأى عنا إلى جانب صد كميل الشمس عند الغروب
لا تزو عنا وجهك المجتلى فالشمس لا يعهد منها قطوب
إن دام هذا الحال ما بيننا فإننا عما قريب نتوب
ما تشتكي الدهر ولا خطبه لولاك ما دارت علينا خطوب
وله أيضاً:
أيا لائمي في حمل صحبة جاهل قطوب المحيا سيء اللحظ والسمع
لمنفعة ترجى لديه صحبته وإن كان ذا طبع يخالفه طبعي
كما احتمل الإنسان شرب مرارة ال دواء لما يرجو لديه من النفع
وله، وقد أحسن ما شاء:
تركتكم لا كارهاً في جنابكم ولكن أبى ردي إلى بابكم دهري
وطاحت بي الأطماع غي كل وجهة تنقلني من كل سهل إلى وعر
وما باختيار فارق الخلد آدم وما عن مراد لاذ أيوب بالصبر
ولكنها الأيام ليست مقيمة على ما اشتهاه مشته أمد الدهر
وإنك إن فكرت فيما أتيته تيقنت أن الترك لم يك عن غدر
ولكن لجاج في النفوس إذا انقضى رجعت كما قد عاد طير إلى وكر
وإني لمنسوب إليكم وإن نأت بي الدار عنكم والغدير إلى القطر
وإني لمثن بالذي نلت منكم مقيم على ما تعلمون من البر
وإن خنتكم يوماًفخانني المنى وساء لديكم بعد إحماده ذكري
على أنني أقررت أني مذنب وذو المجد من يغني المقر عن العذر
وله يصف ناراً:
نظرت إلى نار تصول على الدجى إذا ما حسبناها تدانت يبعد
ترفعها أيدي الرياح، وتارة تخفضها مثل المكبر يسجد
وإلا فمن لا يملك الصبر قلبه يقوم به غيظ هناك ويقعد
لها ألسن تشكو بها ما أصابها وقد جعلت من شدة القر ترعد
وله على لسان إنسان أخلقت بردته:
مولاي هذي بردتي أخلقت وليس شيء دونها أملك
وصرت من بأس ومن فاقة أبكي إذا أبصرتها تضحك
وله يستدعي أحد أبناء الرؤساء إلى يوم اجتماع:
تداركنا فإنا في سرور وما بسواك يكتمل السرور
أهلة أنسنا بك في تمام أليس تتم بالشمس البدور
وله، وقد خطر على منزله من إليه له ميل، وقال: لولا أخاف التثقيل لدخلت، وانصرف، فلما أعلم أبو جعفر كتب إليه:
مولاي لم تقصد تعذيب من يهوى وما قصدك مجهول
طلبت تخفيفاً ببعد وفي تخفيف من تهواه تثقيل
غيرك إن زار جنى ضجرة ولج منه القال والقيل
وأنت إن زرت حياة وما ال ... عيش إذا ما طال مملول وله، وقد جلس إلى جانبه رجل تكلم فأنبأ عن علو قدر، فسأله عن بلده، فقال: إشبيلية، ففكر ثم قال:
يا سيداً لم أكن من قبل أعرفه حتى تكلم مثل الروض بالعبق
وزادني أن غدا في حمص منشؤه لقد تشاكل بين البدر والأفق
وله وقد حضر مجلساً مع إخوان له في انبساط ومزاح، فدخل عليهم أحد ظرفاء الغرباء بوجه طلق وبشاشة، فاهتز لما سمع بينهم، وجعل يصل ما
يحتاج من مزاحهم إلى صلة بأحسن منزع وأنبل مقصد، فأنشده أبو جعفر ارتجالاً:
يا سيداً قد ضمه مجلس حل به للمزح إخوان
لم نلق من فجأته خجلة ولا ثنانا عنه كتمان
كأنه من جمعنا واحد لم ينب منا عنه إنسان
ولم نكن ندريه لكن بدا في وجهه للظرف عنوان
وله وقد لقي أحد إخوانه وكان قد أطال الغيبة عنه، فدار بينهما ما أوجب أن قال:
إن لحت لم تلمح سواك الأعين أو غبت لم تذكر سواك الألسن
أنت الذي ما إن يمل حضوره ومغيبه السلوان عنه يؤمن
وله وهو من آياته:
إني لأحمد طيفها وألومها والفرق بينهما لدي كبير
هي إن بدت لي شيبة في جفوة والطيف في حين المشيب يزور
وإذا توالى صدها أو بينها وافى على أن المزار عسير
وله وقد سافر بعض الأرذال بماله، فنكب في سفره، وعاد فقيراً بأسوإ أحواله:
اغد ولا يغن عنك القيل والقال ... فالجود مبتسم والفضل يختال قالوا فلان رماه الله في سفر رآه رأياً بما حالت به الحال
فآب منه سليباً مثل مولده عليه ذل وتفجيع وإقلال
فقلت لا خفف الرحمن عنه، فلم يكن لديه على القصاد إقبال
فقل له: دام في ذل ومسغبة ولا أعيدت له في المال آمال
قد كان حمقك حسن المال يستره فاليوم أصبحت لا عقل ولا مال
وله وقد سافر أحد الرؤساء من أصحابه:
أيا غائباً لم يغب ذكره ولا حال عن وده حائل
لئن مال دهري بي عنكم فقلبي نحوكم مائل
فإني شاهدت منكم علاً من العجز قس بها باقل
لئن طال بي البعد عن لحظكم فما في حياتي إذاً طائل
وله وهو من حسناته:
شقت جيوب فرحاً عندما آبت، وفي البعد تشق القلوب
فقلت هذا موقف ما يشق ال جيب فيه غير صب طروب
فابتسمت زهواً وقالت كذا ال أفق لعود الشمس شق الجيوب
وله وقد أجمع رأيه على أن يفد على أمير المؤمنين عبد المؤمن، فأخذ في ذلك مع أصحاب له، فجعلوا يثنونه عن ذلك، وظهر عليهم الحسد له، فقال:
سر نحو ما تختار لا تسمعن ما قاله زيد ولا عمرو
كلهم يحمد ما رمته مهما يساعد رأيك الدهر
عجبت ممن رام صدر العلا يروم أن يصفو له دهر
فقالوا له: اتهمتنا في الود، فقال: لو لم أتهمكم كنت أتهم عقلي، والعياذ بالله تعالى من ذلك، وكيف لا أتهمكم وقد غدوتم تثنونني عن زيارة خليفة لوالدي عنده مكان، وله علينا إحسان، ولي شافع عنده مقرب لمجلسه عقلي ولساني، ولكنني أنا المخطئ الذي عدلت عن العمل بقول القائل:
ولم يستشر في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
وله في شعاع القمر والشمس على النهر:
ألا حبذا نهر إذا ما لحظته أبى أن يرد اللحظ عن حسنه الأنس
ترى القمرين الدهر قد عنيا به يفضضه بدر وتذهبه شمس
وله في والده وقد سن عليه درعاً:
أيا قائد الأبطال في كل وجهة تطير قلوب الأسد فيها من الذعر
لقد قلت لما أن رأيتك دارعاً أيا حسن ما لاح الحباب على البحر
وأنشدت والأبطال حولك هالة أيا حسن ما دار النجوم على البدر
وفوله وقد بلغه أن حاسداً شكره:
متى سمعت ثناء عمن غدا لك حاسد
فكان منك انخداع به فرأيك فاسد
بصدره منك نار لهيبها غير خامد
وعله لك ما زد ت في السعادة زائد
وإنما ذاك منه كالحب في فخ صائد
وله:
أبصره من يلوم فيه فقال ذا في الجمال فائق
أما ترى ما دهيت منه كان عذولاً فصار عاشق
وله في أبيه وقد سجنه عبد المؤمن:
مولاي إن يحبسك خير خليفة فبذاك فخرك واعتلاء الشأن
فالجفن يحبس نوره من غبطة والمرهفات تصان في الأجفان
فابشر فنزع الدر من أصدافه يعليه للأسلاك والتيجان
ولئن غدا من ظل دونك مطلقاً إن القذى ملقىً عن الأجفان
والعين تحبس دائماً أجفانها وهداية الإنسان بالإنسان
والطرس يختم ما حواه نفاسة ويهان ما يبدو من العنوان
فاهنأ به لكن ملياً مكثه سجناً لغير مذاة وهوان
فلتعلون رغم الأعادي بعده بذرى الخليفة في ذرى كيوان
مولاي غيرك يعزى بما لم يزل يجري على الكرام، ويذكر تأنيساَ له في الوحشة بما يطرأ من الكسوف والخسوف على الشمس المنيرة والبدر التمام:
وأنت تعلم الناس التعزي ... وخوض الموت في الحرب السجال وقد كان مولاي أنشدني لعلي بن الجهم قائلاً: إن أحداً لم يسل نفسه عما ناله من السجن بمثله:
قالوا سجنت فقلت ليس بضائر سجني وأي مهند لا يغمد
الأبيات، ماذا تفيدك من العلم وصدرك ينبوعه، وبحاطرك لا يزال غروبه وطلوعه، وإنما هي عادة تبعناها أدباً، وقضينا بها في النفس من الإعلام بالتوجع والتفجيع أرباً، ولعل الله تعالى يتبع هذه التسلية بتهنئة، ويعقب بالنعمة هذه المرزئة. فقال: فأمر الملك بتسريحه إثر ذلك، فلما اجتمع وجهه بوجهه جعل يحمد الله جهراً ويغرد بهذه الأبيات، وكان سراحه بكرة:
طلعت علينا كالغزالة بالضحى وعزك طماح ووجهك مشرق
فغفراً لذنب الدهر أجمع إنه أتى اليوم من حسناه ما هو أليق
فلح في سماء العز بالسعد طالعاً وقدرك سام أفقه ليس يلحق
فقد سرحت لما غدوت مسرحاً قلوب وأفكار وسمع ومنطق
فاهتز أبوه من شدة الطرب، وقال له: والله إنك لتملا الدلو إلى عقد الكرب.
وله يعتذر، وقد دعي إلى مجلس أنس: سيدي ساعدك سولك، لما وصل إلى أخيك المعتد بك رسولك، قابله بما يجب من القبول، وأبدى له من الشغل ما منع من الوصول:
ومن ذا الذي يدعى لعدن فلا يرى على الرأس إجلالاً إليها يبادر
ولكن الاضطرار، لا يكون معه اختيار، وإني لأشوق الناس إلى مشاهدة تلك المكارم، وأحبهم في محاضرة تلك الآداب المترادفة ترادف الغمائم، ولكن شغلني عارض قاطع، وبرغمي أني لدعوتك عاص وله طائع، وإني بعد ذلك لحامل على تلك السجية الكريمة في الغفران، مستجير بالخلاص الذي أعهد من خرق فلان ومكر فلان، فإني متى غبت لا أعدم مترصداً قرحة يقع عليها ذبابه، ومستجمعاً إذا أبصر فرصة سل عليها ذبابه:
ولكنني أدري بأني نازح ودان سواء عند من يحفظ العهدا
وإني لأقول وقد غبت عن تلك الحضرة العلية، وجانبت ذلك الجناب السامي والمثابة السنية:
لئن غبت عمن نوره نور ناظري فحسبي لديه أن أغيب عقابا
وسوف أوافيه مقراً بزلتي وفي حلمه أن لا يطيل حسابا
وله في قصر النهار، ولو لم يكن له غيره لكفاه:
لله يوم مسرة أضوا وأقصر من ذباله
لما نصبنا للمنى فيه بأوتار حباله
طار النهار به كمر تاع وأجفلت الغزاله
وهذا المعنى لم يسبق إليه، ولم يقدر أحد أن ينتزعه من يديه.
ولما وصل صحبة والده إلى إشبيلية افتتن بواديها، واعتكف على الخلاعة فيها، مصعداً ومنحدراً بين بساتينه ومنازهه، فمر ليلة بطريانة فمال نحو منزه فيه طرب سمعه، فاستوقفه هنالك، وهو في الزورق متكئ وأصحابه وأصحاب أبيه مظهرون انحطاطهم عنه في المرتبة، فأخرج رأسه أحد الأنذال المعتادين بالنادر من شرجب، - والشرجب: هو الدرابزين من خشب فيه طاقات، وطريانة مقابلة إشبيلية، وبها المنازه والأبنية الحسنة - فضرط له ذلك النذل بغاية ما قدر، فرفع رأسه وقد أخذ منه السكر، ولم يعتد مثل ذلك في بلده، وقال: يا سفلة، أتقدم علي بهذا قبل معرفتي! فثنى عليه والحدة أخرى، ثم رفع ثوبه عن ذكره وهو منعظ، وقال: يا وزير اجعل هذا عندك وديعة حتى أعرف من تكون، ثم رفع ما على استه من ثيابه وقال: واعمل من هذا غلافاً للحيتك فإذا عرفناك ذهبناه لك؛ فغلبه الضحك على الحرج، وجعل أصحابه يقولون له: ما سمعت أن من دخل هذا الوادي يعول على هذا وأمثاله فمال عن ذلك المنزه قليلاً، وأطرق ساعة وقال:
نهر حمص لا عدمنا ك فما مثلك نهر
فيك يلتذ ارتياح أبد الدهر وسكر
كل عمر قد خلا من ك فما ذلك عمر
خصه الله بمعنى فيه للألباب سر
يلعن الإنسان فيه وهو يصغي ويسر
ثم سأل بعد ذلك عن رب المنزه، فسمي له؛ وأعلم أن ابن سيد الشاعر المشهور باللص كان حاضراً وأنه أملى على السفلة ما قال وصنع. فكتب له أبو جعفر:
ياسميي وإن أفاد اشتراك غير ما يرتضيه فضل وود
أكذا يزدرى الخليل بأفق أنت فيه ولم يكن منك رد
لا أدري من سلطت وغداً ولكن ليس يخفى عليك من هو وغد
فلما وقف على هذه الأبيات كتب له: مولاي وسيدي، وأجل ذخري للزمان وعضدي، الذي أفخر بمشاركة اسمه، وتتيه هذه الصناعة بذكره ورسمه:
وخير الشعر أشرفه رجالاً وشر الشعر ما قال العبيد
سلام كتسنيم، على ذلك المقام الكريم، ورحمة الله تعالى وبركاته، وإن كان مولاي لم يفاتحني بالسلام، ولا رآني أهلاً لمقاومة الكرام، لكن حط قدري عنده ما نسب لي من الذنب المختلق، ولا والله ما نطقت بلسان ولا كنت ممن رمق، بل الذي زور لسيدي في هذه الوشاية كان المعين عليها، والملم إليها، فبادر إليكم قبل أن أسبقه فاتسم بأسقط خطتين: النذالة الأولى والوشاية الأخرى، ولولا أن المجالس بالأمانات، وأن الخلاعة بساط يطوى على ما كان فيه، لكنت أسبق منه، لكني يأبى ذلك خلقي، وما تأدبت به، ومع ذلك فإني أقول:
فإن كنت ذا ذنب فقد جئت تائباً ومثلك غفار ومثلك قابل
ولولا ما أخشى من التثقيل، وما أتوقع من الخجل إذا التقى الوجهان، لأتيت ختى أبلغت في الاعتذار بالمشافهة ما لا يسع القرطاس، لكنني متكل على حلم سيدي وإغضائه، متوسل إليه في الغفران بعلائه، وكتب ذلك شعراً طويلاً منه:
ولا غرو أن تعفو وأنت ابن من غدا تعود عفواً عن كبار الجرائم
لكم آل عمار بيوت رفيعة تشيد من كسب الثنا بدعائم
إذا نحن أذنبنا رجونا ثوابكم ولم نقتنع بالعفو دون المكارم
وإنك فرع من أصول كريمة ولا تلد الأزهار غير الكمائم
وإني مظلوم لزور سمعته مقد جئت أرجو العفو في زي مظلوم
فأجابه أبو جعفر بما نصه: سيدي الذي أكبر قدره، وأجل ذكره، وأجزل شكره، وصل جوابك الذي لو كان لك من الذنب ما تحمله ابن ملجم، لأضربت لك عنه صفحاً ونسيت بما تأخر ما تقدم، ومعاذ الله أت أنسب لفضلك عيباً، فأذم لك حضوراً أو غيباً، وإنما قصدت بالمعاتبة، ما تحتها من المطارحة والمداعبة، على أن سيدي لو تيقنت أنه ظالم لأنشدت:
منذ غدا طرفك لي ظالماً آليت لا أدعو على ظالم
لكنني أتيقن خلاف ذلك، وأعلم حتى كأني حاضر ما كان هنالك، وقد أطلت عليك، وبعد هذا فلتعتمد على أن تصل إلي أو أصل إليك، فهذا يوم كما قال البستي:
يوم له فضل على الأيام مزج السحاب ضياءه بظلام
فالبرق يخفق مثل قلب هائم والغيم يبكي مثل جفن هام
فالختر لنفسك أربعاً هن المنى وبهن تصفو لذة الأيام
وجه الحبيب ومنظراً مستشرفاً ومغنياً غرداً وكأس مدام
وقد حضرت عند محبك الثلاثة فكن رابعها، ونادت بك همم الأماني فكن بفضلك سامعها، ومركز أفلاك هذه المسرة حين كتب هذه الرقعة إلى مجدك منزه مطل على جزيرة شنتبوس لا زال أترنم فيه بقول ابن وكيع:
قم فاسقني والخليج مضطرب والرح تثني ذوائب القضب
كأنها والرياح تعطفها صف قناً سندسية العذب
والجو في حلة ممسكة قد طرزتها البروق بالذهب
فإن كان سيدي في مثل هذا المكان، جرينا إليه جري الحلبة لخصل الرهان، وإن كان في كسر بيته فليبادر إلى محل تقصر عنه همة قيصر وكسرى، وإن أبطأ فإن الرقاع بالاستدعاء لا تزال عليه تترى، وإن كان لا يجدي هذا الكلام، فما نقنع من العقوبة المؤلمة بالملام، وعلى المودة المرعية الداعية أكمل ما يكون من السلام.
فعندما قرأ الرقعة ركب إليه زورقاً وصنع هذه الأبيات في طريقه، فعند وصوله أنشده إياها:
ركبت إليك النهر يا بحر فالقنا بما يتلقى جوده كل قادم
بفيض ولكن من مدام وهزة ولكن إلى بذل الندى والمكارم
وكنا نسمي قبل كونك حاتماً ومذ لحت فينا لم نعد ذكر حاتم
بآل سعيد يفخر السعد والعلا فأيديهم تلغي أيادي الغمائم
فامتلأ أبو جعفر سروراً، وخلع عليه ما كان عنده هناك، ووعده بغير ذلك، فأطرق لينظم شيئاً في شكره، فأقسم عليه ألا يشغل خاطره في ذلك
الوقت عن الارتياح، وحث أكؤس الراح، فأقبلوا على شأنهم، وكان ابن سيد في ذلك الحين متستراً بشرب الراح، وكان عند أبي جعفر خديم كثير النادر والالتفات، يخاف أهل التستر من مثله، فقال ابن سيد: هات دواة وقرطاساً، فأعطاه ذلك، فكتب:
يا سيدي قد علمت أني بهذه الحال لا أظاهر
أخشى أناساً لهم عيون نواظر مني المعاير
أحذرهم طاقتي وإني وثقت بالله فهو غافر
ولا تقس حالتي بحالمنك اعتذار فالفرق ظاهر فأنت إن كنت ذا جهار غيرمبال فالجاه ساتر
لا تخش من قول ذي اعتراض ولا حسود عليك قادر
وإنني قد رأيت ممن يكثر القول وهو ساخر
ما قد أراب العفيف منه ضحك وظن به يجاهر
أخشى إذا قيل كيف كنتم قال بحال تسر ناظر
واللص ما بيننا صريعاً بكل كأس عليه دائر
مطرحاً للصلاة يصغي لصولة الدف والمزامر
فأغتدي سيدي مشاراً إلي مهما مررت خاطر
وإن أتيت الملوك أبغي نوالهم قيل أي شاعر
يذكر في شعره خلافاً ... وهو لزور المحال ذاكر بالأمس قد كان ذا انتهاك فما له بعد ذاك عاذر
إن كان هذا فإن حظي وافى لربح فآب خاسر
فقال أبو جعفر: يا أبا العباس، اشرب هنيئاً غير مقدر ما قدرت، فلو كان
هذا المضحك على الصفة التي ذكرت كان الذنب منسوباً إلي في كوني إحضر في مجلسي من يهتك ستر المستةرين، ومهما تره هنا بهذه الخفة والطيش والتسرع للكلام فإنه إذا فارقنا أثقل من جبل، وأصمت من سمكة، متزي بزي خطيبفي نهاية من السكون والوقار:
وتحت الثياب العار لو كان باديا
فكن في أمن ما شربت معي، فإني والله لا أسمع أحداً من أصحابنا تكلم في شأنك بأمر إلا عاقبته أشد العقاب، والذنب في ذلك راجع إلي. فسكن ابن سيد وجعل يحث الأقداح، ويمرح أشد المراح، على ما كان يظهره من الانقباض، تقية لما يخشاه من الاعتراض، إلى أن قاربت الشمس الغروب، ومد لها في النهر معصم مخضوب، فقال أبو جعفر:
انظر إلى الشمس قد أل صقت على الأرض خدا
فقال ابن سيد:
هي المرآة ولكن من بعدها الأفق يصدا
فقال أبو جعفر:
مدت طرازاً على النه ر عندما لاح بردا
فقال ابن سيد:
أهدت لطرفك منه ما للأكارم يهدى
فقال أبو جعفر:
درع اللجين عليه سيف من التبر مدا
فقال ابن سيد:
فاشرب عليه هنيئاً وزد سروراً وسعدا
ثم لما أظلم الليل نظروا إلى منارة شنتبوس قد عكست مصابيحها في النهر، وإلى النجوم قد طلعت فيه، فقال ابن سيد:
اخلع على النهر ثوب ال كرى فذلك واجب
فقال أبو جعفر:
وانظر إلى السرج فيه كالزهر ذات الذوائب
وحين صفق للأف ق نقطته الكواكب
فقبل ابن سيد رأسه، وقال: ما تركت بعد هذا مقالاًلقائل، ثم جعلوا يشربون.
فقال أبو جعفر:
سقني والأفق برد بنجوم الليل معلم
فقال ابن سيد:
وبساط النهر منها وهو فضي مدرهم
فقال أبو جعفر:
ورواق الليل مرخى والشذا بالروض قد نم
فقال ابن سيد:
والندى في الزهر منثو ر على عقد منظم
فقال أبو جعفر:
والصبا جرت على مي ت الطلى كف ابن مريم
فقال ابن سيد:
كان مبهوتاً فلما نفخت فيه تكلم
فقال أبو جعفر:
وكأن الكأس والقه وة دينار ودرهم
فقال ابن سيد:
وبدا الدف يناغي ال عود والمزمار هيم
فقال أبو جعفر:
فأذاع الأنس منا كل ما قد كان مكتم
فقال ابن سيد:
أي عيش يهتك المس تور لو كان ابن أدهم
فقال أبو جعفر:
هكذا العيش ودعني من زمان قد تقدم
فقال ابن سيد:
حين لا خمر سوى ما بكؤوس البيض من دم
فقال أبو جعفر: والله ما تعديت ما جال الساعة في خاطري، فإني ذكرت أيام الفتنة وما كابدنا فيها من المحن، وأنا لم نزل في مصادمة ومقارعة، ثم رأيت ما نحن الآن فيه بهذه الدولة السعيدة التي أمنت وسكنت، فشكرت الله تعالى، ودعوت بدوامها.
ثم لما طلع الفجر قال أبو جعفر:
نثر الطل عقوده ونضا الليل بروده
فقال ابن سيد:
وبدا الصبح بوجه مطلع فينا سعوده
فقال أبو جعفر:
وغدا ينشر لما فتر الليل بنوده
فقال ابن سيد:
فهلم اشرب وقبل من غدا ينطق عوده
فقال أبو جعفر:
ثم صافحه على رغ م النوى وافرك نهوده
فقال ابن سيد:
واجعل الشكر على ما نلته منه جحوده
فقال أبو جعفر: يا أبا العباس، إنك أغرت على التهامي في هذا البيت في قوله:
وشكر أيادي الغانيات جحودها
قال: فلم لقبت باللص لولا هذا وأمثاله ما كان ذلك.
واللص المذكور اسمه أحمد بن سيد، يكنى أبا العباس، وهو من مشهوري شعراء الأندلس. ولما أنشد أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بجبل الفتح قوله:
غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل وانظر إلى الجبل الراسي على جبل
قال له: أنت شاعر هذه الجزيرة، لولا أنك بدأتنا بغمض وزحل والجبل.
ومن بديع نظم اللص قوله:
سلبت قلبي بلحظ أبا الحسين خلوب
فلم أسمي بلص وأنت لص القلوب
ولما اجتمع أبو جعفر ابن سعيد المترجم به باللص أبي العباس المذكور في جبل الفتح عندما وفد فضلاء الأندلس على عبد المؤمن، واستنشده، فجعل ينشده ما استجفاه به لخروجه عن حلاوة منزع أبي جعفر، إلى أن أنشده قوله:
وما أفنى السؤال لكم نوالا ولكن جودكم أفنى السؤالا
فقال له أبو جعفر: لا جعلك الله في حل من نفسك، يكون في شعرك مثل هذا وتنشدني ما كان يحملني على أن أسأت معك الأدب والله لو لم يكن لك غير هذا البيت لكنت به أشعر أهل الأندلس.
وكتب إلى أبي جعفر أبو الحكم بن هرودس في يوم بارد بغرناطة:
يا سميي، في علم مجدك ما يح تاج فيه هذا النهار المطير
نديف الثلج فيه قطناً علينا ففرنا بعدلكم نستجير
والذي أبتغيه في اللحظ منه ... ورضاب الذي هويت نظير يوم قر يود من حل فيه لو تبدي لمقلتيه سعير
فوجه بما طلب، وجاوبه بما كتب:
أيها السيد الأجل الوزير الذي قدره معلى خطير
قد بعثنا بما أشرت إليه دمت للأنس والسرور تشير
كان لغزاً فككتهدون فكر إن فهمي بما تريد خبير
ومن نظم أبي الحكم:
إذا ضاقت عليك فول عنها وسر في الأرض واختبر العبادا
ولا تمسك رحالك في بلاد غدوت بأهلها خبراً معادا
أخيل الرندي
ولما مدح أبو القاسم أخيل بن إدريس الرندي عبد المؤمن في جبل الفتح بقصيدة أولها:
ما الفخر إلا فخر عبد المؤمن أثنى عليه كل عبد مؤمن
قال أبو جعفر ابن سعيد: دعاه التجنيس إلى الضعف والخروج عن المقصود، والأولى أن لو قال " شاد الخلافة وهو أول مبتني ".
ومن هذه القصيدة:
أما ابن سعد فهو أول مارق يا ليته بأبيه سعد يكتني
ما قدر مرسية وحكمك نافذ إن شئت من عدن لأرض المعدن
فلما أكملها قال له عبد المؤمن: أجدت، فقال ارتجالاً:
من لي أمير المؤمنين بموقفي هذا وقولك لي أجدت ولم تن
فلقد مدحتك خائفاً أن لا يفي لسني بما يعيي جميع الألسن
ولابن إدريس المذكور:
أيها البدر هل علمت بأني لم أبت راعياً محياك ودا
أنا لو بات من حكيت بجنبي لم يكن عنه ناظري يتعدى
وله:
شتان ما بيني وبينك في الهوى أنا أبتغيك وأنت عني تصدف
وإذا عتبتك وارعويت يبين لي في الحين منك بأن ذاك تكلف
ياليت شعري كيف يقضى وصلنا والعمر يفنى والمواعد تخلف
وقيل له لما هجره عبد المؤمن: اكتب له واعتذر وبرهن عن نفسك، فقال: ما يكون أمير المؤمنين هجرني إلا وقد صح عنده، ولا أنسبه في أمري لقلة التثبت والجور، وإنما أرغب في عفوه ورحمته، فكأن هذا الكلام ألان عليه قلب عبد المؤمن لما بلغه، وكان قد نقل عنه حساده أنه قال: كيف تصح له الخلافة، وليس بقرشي
ترجمة النص
ولا بأس أن نزيد من أخبار اللص الذي جرى ذكرنا له مع أبي جعفر ابن سعيد فنقول:
وهو النحوي المبرز في الشعر أبو العباس أحمد بن سيد، الإشبيلي، ذكره ابن دحية في المطرب وأخبر أنه شيخه، وختم كتاب سيبويه مرتين على النحوي أبي القاسم ابن الرماك، واجتمع به أبو جعفر ابن سعيد بجبل الفتح كما سبق، ولقب اللص لإغارته على أشعار الناس.
وله:
شاموا الردى فأشموا الترب آنفهم ولم يبالوا بما فيها من الشمم
ثم جعل يقول: قطع الله لساني إن كان اليوم على وجه الأرض من يعرف
أن يسمعه، فضلاً عن أن يقوله.
وله القصيدة الشهيرة:
نداك الغيث إن محل توالى وأنت الليث إن شاءوا القتالا
سلبت الليث شدة ساعديه نعم، وسلبت عينيه الغزالا
وما أفنى السؤال لكم نوالا ولكن جودكم أفنى السؤالا
وقد تقدم في حلقة خياط، وهو من محاسنه:
كأنها بيضة وخز الرماح بها بادوقونسها بالسيف قد قطعا
وقال:
فالليل إن واصلت كالليل إن هجرت أشكو من الطول ما أشكو من القصر
رجع إلى أخبار أبي جعفر ابن سعيد
قال في الأزهار المنثورة في الأخبار المأثورة ما نصه: لما قبض على الوزير أبي جعفر ابن عبد الملك بن سعيد العنسي، وثقف بمالقة، دخل إليه ابن عمه، ووصل إلى الاجتماع به ريثما استؤذن السيد أبو سعيد ابن الخليفة عبد المؤمن في أمره، قال: فدمعت عيناي حين رأيته مكبولاً، فقال لي: أعلي تبكي بعدما بلغت من الدنيا أطايب لذاتها، فأكلت صدور الدجاج، وشربت في الزجاج، ولبست الديباج، وتمتعت بالسراري والأزواج، واستعملت من الشمع السراج الوهاج، وركبت كل هملاج، وها أنا في يد الحجاج، منتظر محنة الحلاج، قادم على غافر لا يحتاج إلى اعتذار ولا احتجاج، قال فقلت: أفلا يؤسف
على من ينطق بهذا الكلام، ثم يفقد وقمت عنه فكان آخر العهد به، انتهى.
رجع إلى أخبار النساء
ومن أشهرهن بالأندلس ولادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن ابن عبيد الله بن الناصر لدين الله، وكانت واحدة زمانها، المشار إليها في أوانها، حسنة المحاضرة، مشكورة المذاكرة، كتبت بالذهب على طرازها الأيمن:
أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وكتبت على الطراز الأيسر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها
وكانت مع ذلك نشهورة بالصيانة والعفاف، وفيها خلع ابن زيدون عذاره، وقال فيها القصائد الطنانة والمقطعات، وكانت لها جارية سوداء بديعة المعنى، فظهر لولادة أن ابن زيدون مال إليها، فكتبت إليه:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا لم تهو جاريتي ولم تتخير
وتركت غصناً مثمراً بجماله وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما لكن ولعت، لشقوتي، بالمشتري
ولقبت ابن زيدون بالمسدس، وفيه تقول:
ولقبت المسدس وهو نعت تفارقك الحياة ولا يفارق
فلوطي ومأبون وزان وديوث وقرنان وسارق
وقالت فيه:
إن ابن زيدون على فضله يغتابني ظلماً ولا ذنب لي
يلحظني شزراً إذا جئته كأنني جئت لأخصي علي
وقالت فيه أيضاً:
إن ابن زيدون على فضله يعشق قضبان السراويل
لو أبصر الأير على نخلة صار من الطير الأبابيل
وقالت ولادة تهجو الأصبحي:
يا أصبحي اهنأ فكم نعمة جاءتك من ذي العرش رب المنن
قد نلت باست ابنك ما لم ينل براج بوران أبوها الحسن
وكتبت إليه لما أولع بها بعد طول تمنع:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر
ووفت بما وعدت، ولما أرادت الانصراف ودعته بهذه الأبيات:
ودع الصبر محب ودعك ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخطى إذ شيعك
يا أخا البدر سناءً وسناً حفظ الله زماناً أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم بت أشكو قصر الليل معك
وكتبت إليه:
ألا هل لنا من بعد هذا التفرق سبيل فيشكو كل صب بما لقي
وقد كنت أوقات التزوار في الشتا أبيت على جمر من الشوق محرق
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع