تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

تتمة (٧)

فكيف وقد أمسيت في حال قطعة لقد عجل المقدور ما كنت أتقي

تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ولا الصبر من رق التشوق معتقي

سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً بكل سكوب هاطل الوبل مغدق

فأجابها بقوله:

لحى الله يوماً لست فيه بملتق محياك من أجل النوى والتفرق

وكيف يطيب العيش دون مسرة وأي سرور للكئيب المؤرق

وكتب في أثناء الكلام بعد الشعر: وكنت ربما حثثتني على أن أنبهك على ما أجد فيه عليك نقداً، وإني انتقدت عليك قولك:

سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً

فإن ذا الرمة قد انتقد عليه قوله مع تقديم الدعاء بالسلامة:

ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلاً بجرعائك القطر

إذ هو أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له، وأما المستحسن فقول الآخر:

فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي

وبسببها خاطب ابن عبدوس بالرسالة المشهورة التي شرحها غير واحد من أدباء المشارقة كالجمال ابن نباتة والصفدي وغيرهما، وفيها من التلميحات والتنديرات ما لا مزيد عليه.

وقد ذكر ولادة ابن بشكوال في الصلة فقال: كانت أديبة، شاعرة، جزلة القول، حسنة الشعر، وكانت تناضل الشعراء، وتساجل الأدباء، وتفوق البرعاء، وعمرت عمراً طويلاً، ولم تتزوج قط، وماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانين، وقيل: أربع وثمانين وأربعمائة، رحمها الله تعالى.

وكان أبوها المستكفي بايعه أهل قرطبة لما خلعوا المستظهر، كما ألمعنا به في غير هذا الموضع، وكان جاهلاً ساقطاً، وخرجت هي في نهاية من الأدب والظرف: حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، وعلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، على أنها أوجدت للقول فيها السبيل بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. ولما مرت بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وأمام داره بركة تتولد عن كثرة الأمطار، وربما استمدت بشيء مما هنالك من الأقذار، وقد نشر أبو عامر كميه، ونظر في عطفيه، وحشر أعوانه إليه، فقالت:

أنت الخصيب وهذه مصر فتدفقا فكلاكما بحر

فتركته لا يحير حرفاً، ولا يرد طرفاً.

وقال في المغرب بعد ذكره أنها بالغرب كعلية بالشرق: إلا أن هذه تزيد بمزية الحسن الفائق، وأما الأدب والشعر والنادر وخفة الروح فلم تكن تقصر عنها، وكان لها صنعة في الغناء، وكان لها مجلس يغشاه أدباء قرطبة وظرفاؤها فيمر فيه من النادر وإنشاد الشعر كثير لما اقتضاه عصرها من مثل ذلك، وفيها يقول ابن زيدون:

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

وقال أيضاً يخاطب ابن عبدوس لاشتراكه معه في هواها:

أثرت هزبر الشرى إذ ربض ونبهته إذ هدا فاغتمض

وما زلت تبسط مسترسلاً إليه يد البغي لما انقبض

حذار حذار فإن الكريم إذا سيم خسفاً أبى فامتعض

وإن سكون الشجاع النهو س ليس بمانعه أن يعض

عمدت لشعري ولم تتئد تعارض جوهره بالعرض

أضاقت أساليب هذا القري ض أم قد عفا رسمه فانقرض

لعمري فوقت سهم النضال وأرسلته لو أصبت الغرض

ومنها:

وغرك من عهد ولادة سراب تراءى وبرق ومض

هي الما يعز على قابض ويمنع زبدته من محض

ومن أخبار ولادة مع ابن زيدون ما قاله الفتح في القلائد: إن ابن زيدون كان يكلف بولادة ويهيم، ويستضيء بنور محياها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف، وتتميم السمع والطرف، بحيث تختلس القلوب والالباب، وتعيد الشيب الى أخلاق الشباب، فلما حل بذلك الغرب، وانحل عقد صبره بيد الكرب، فر إلى الزهراء ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية موافيها، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده، ونشر سوسنه وورده، وأترع جداولها، وانطق بلابلها، فارتاح ارتياح جميل بوادي القرى، وخاف تلك النوائب والمحن، فكتب إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده إليها وطلقه، ويعلمها أنه ما سلا عنها بخمر، ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب جمر، ويعاتبها على إغفال تعهده، ويصف حسن محضره بها ومشهده:

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقأ والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا

وللنسيم اعتلال في أصائله كأنما رق لي فاعتل إشفاقا

والروض عن مائه الفضي مبتسم كما حللت عن اللبات أطواقا

يوم كأيام لذات لنا انصرمت بتنا لها حين نام الدهر سراقا

نلهو بما يستميل العين من زهر جال الندى فيه حتى مال أعناقا

كأن أعينه إذ عاينت أرقي بكت لما بي فجال الدمع رقراقا

ورد تألق في ضاحي منابته فازداد منه الضحى في العين إشراقا

سرى ينافحه نيلوفرعبق وسنان نبه منه الصبح أحداقا

كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا إليك، لم يعد عنها الصدر أن ضاقا

لو كان وفى المنى في جمعنا بكم لكان من أكرم الأيام أخلاقا

لا سكن الله قلباً عن ذكركم فلم يطر بجناح الشوق خفاقا

لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا وافاكم بفتىً أضناه ما لاقا

يا علقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى نفسي إذا ما اقتنى الأحباب أعلاقا

كان التجاري بمحض الود مذ زمن ميدان أنس جرينا فيه أطلاقا

فالآن أحمد ما كنا لعهدكم سلوتم وبقينا نحن عشاقا

وقال أيضاً: أن ابن زيدون لم يزل يروم دنو ولادة فيعتذر، ويباح دمه دونها ويهدر، لسوء أثره في ملك قرطبة وواليها، وقبائح كان ينسبها إليه ويواليها، أحقدت بني جهور عليه، وسددت أسهمهم إليه، فلما يئس من لقياها، وحجب عنه محياها، كتب إليها يستديم عهدها، ويؤكد ودها، ويعتذر من فراقها بالخطب الذي غشيه، ويعلمها أنه ما سلا عنها بخمر، ولا خبى ما في ضلوعه من ملتهب الجمر، وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعاً قصر عنه حبيب وابن الجهم، وأولها:

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

تكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

وأخبار ولادة كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية.

ومن المشهورات بالأندلس " اعتماد " جارية المعتمد بن عباد، وأمك أولاده، وتشتهر بالرمكية، وفي المسهب والمغرب أنه ركب المعتمد في النهر ومعه ابن عمار وزيره، وقد زردت الريح النهر، فقال ابن عباد لابن عمار: أجز:

صنع الريح من الماء زرد

فأطال ابن عمار الفكرة، فقالت امرأة من الغسالات:

أي درع لقتال لو جمد

فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به، مع عجز ابن عمار، ونظر إليها فإذا هي صورة حسنة، فأعجبته فسألها: أذات زوج هي فقالت: لا، فتزوجها، وولدت له أولاده الملوك النجباء، رحمهم الله تعالى.

وحكى البعض منهم صاحب البدائه بسنده إلى بعض أدباء الأندلس، وسماه ولم يحضرني الآن، أنه هو الذي قال للمعتمد:

أي درع لقتال لو جمد

قال: فاستحسنه المعتمد، وكنت رابعاً فجعلني ثانياً، وأجازني بجائزة سنية.

قال ابن ظافر: وقد أخذت هذا المعنى، فقلت أصف روضاً:

فلو دام ذاك النبت كان زبرجداً ولو جمدت أنهاره كانت بلورا

ولما قال ابن ظافر:

وقد أذكت الشمس على الما لهبا

قال القاضي الأعز:

فكست الفضة منه ذهبا

رجع:

ولما خلع المعتمد وسجن بأغمات قالت له: يا سيدي لقد هنا هنا، فقال:

قالت لقد هنا هنا مولاي أين جاهنا

قلت لها إلهنا صيرنا إلى هنا

وحكي أنها قالت له وقد مرض: يا سيدي، ما لنا قدرة على مرضاتك في مرضاتك.

ولما قال الوزير ابن عمار قصيدته اللامية الشهيرة في المعتمد والرمكية أغرت المعتمد به حتى قتله، وضربه بالطبرزين ففلق رأسه، وترك الطبرزين في رأسه، فقالت الرمكية: قد بقي ابن عمار هدهداً، والقصيدة أولها:

ألا حي بالغرب حياً حلالا أناخوا جمالاً وحازوا جمالا

وعرج بيومين أم القرى ونم فعسى أن تراها خيالا

ويومين: قرية بإشبيلية كانت منها أولية بني عباد، وفي هذه القصيدة يقول معرضاً بالرمكية:

تخيرتها من بنات الهجان رمكية ما تسلاوي عقالا

فجاءت بكل قصير العذار لئيم النجارين عماً وخالا

قصار القدود ولكنهم أقاموا عليها قروناً طوالا

أتذكر أيامنا بالصبا وأنت إذا لحت كنت الهلالا

أعانق منك القضيب الرطيب وأرشف من فيك ماءً زلالا

وأقنع منك بدون الحرام فتقسم جهدك أن لا حلالا

سأهتك عرضك شيئاً فشيئاً وأكشف سترك حالاً فحالا

ومنها:

فيا عامر الخيل يا زيدها منعت القرى وأبحت العيالا

وسبب قول ابن عمار هذه القصيدة أن المعتمد ندر به وذيل على قصيدته الرائية المذكورة في القلائد بعد قوله:

كيف التفلت بالخديعة من يدي رجل الحقيقة من بني عمار

وسخر به في أبيات مشهورة.

أخبار المعتمد

قال الفتح في حق المعتمد بعد كلام: وما زالت تلك الداخلة تدب، وريحها العاصفة تهب، ونارها تقد، وضلوعها تحنق وتحقد، وتضمر الغدر وتعتقد، حتى دخل البلد من واديه، وبدت من المكروه بواديه، وكر عليه الدهر بعوائده وعواديه، وهو مستمسك بعرى لذاته، منغمس فيها بذاته، ملقى بين جواريه، مغتر بودائع ملكه وعواريه، التي استرجعت منه في يومه، ونبهه فواتها من نومه، ولما انتشر الداخلون في البلد، وأوهنوا القوى والجلد

خرج والموت يتسعر في الحاظه، ويتصور من الفاظه، وحسامه يعد بمضائه، ويتوقد عند انتضائه، فلقيهم برحبة القصر، وقد ضاق بهم فضاؤها، وتضعضعت من رجتهم أعضاؤها، فحمل فيهم حملة صيرتهم فرقاً، وملأتهم فرقاً، ومازال يواري عليهم الكر المعاد، حتى أوردهم النهر وما بهم جواد، وأودعهم حشاه كأنهم له فؤاد، ثم انصرف وقد أيقن بانتهاء حاله، وذهاب ملكه وارتحاله، وعاد إلى قصره واستمسك فيه يومه وليلته مانعاً لحوزته، دافعاً للذل عن عزته، وقد عزم على أفظع أمر، وقال: بيدي لا بيد عمرو، ثم صرفه تقاه، عما كان نواه، فنزل من القصر بالقسر، إلى قبضة الأسر، فقيد للحين، وحان له يوم شر ما ظن أنه يحين، ولما قيدت قدماه، وذهبت عنه رقة الكبل ورحماه، قال يخاطبه:

إليك فلو كانت قيودك أسعرت تضرم منها كل كف ومعصم

مخافة من كان الرجال بسيبه ومن سيفه في جنة أو جهنم

ولما آلمه عضه، ولازمه كسره ورضه، وأوهاه ثقله، وأعياه نقله، قال:

تبدلت من عز ظل البنود بذل الحديد وثقل القيود

وكان حديد سناناً ذليقاً وعضباً رقيقاً صقيل الحديد

فقد صار ذاك وذا أدهماً يعض بساقي عض الأسود

ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمتهم جوانحها كأنهم أموات، بعدما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حشروا بضفتي الوادي، وبكوا بدموع كالغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وفي ذلك يقول ابن اللبانة:

تبكي السماء بمزن رائح غاد على البهاليل من أبناء عباد

على الجبال التي هدت قواعدها وكانت الأرض منها ذات أوتاد

عريسة دخلتها النائبات على أساود لهم فيها وآساد

وكعبة كانت الآمال تخدمها فاليوم لا عاكف فيها ولا باد

يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد

ويا مؤمل واديهم ليسكنه خف القطين وجف الزرع بالوادي

وأنت يا فارس الخيل التي جعلت تختال في عدد منهم وأعداد

ألق السلاح وخل المشرفي فقد أصبحت في لهوات الضيغم العادي

لما دنا الوقت لم تخلف له عدة وكل شيء لميقات وميعاد

إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا وقد خلت قبل حمص أرض بغداد

حموا حريمهم حتى إذا غلبوا سيقوا على نسق في حبل مقتاد

وأنزلوا عن متون الشهب واحتملوا فويق دهم لتلك الخيل أنداد

وعيسى في كل طوق من دروعهم فصيغ منهن أغلال لأجياد

نسيت إلا غدات النهر كونهم في المنشآت كأموات بألحاد

والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا من لؤلؤ طافيات فوق أزياد

حط القناع فلم تستر مخدرة ومزقت أوجه تمزيق أبراد

حان الوداع فضجت كل صارخة وصارخ من مفداة ومن فاد

سارت سفائنهم والنوح يصحبها كأنها إبل يحدوا بها الحادي

كم سال في الماء من دمع وكم حملت تلك القطائع من قطعات أكباد

انتهى ما قصد جلبه من كلام الفتح رحمه الله تعالى وسامحه.

وقال ابن اللبانة في كتاب نظم السلوك في مواعظ الملوك في أخبار الدولة العباسية: إن طائفة من أصحاب المعتمد خامرت عليه، فأعلم باعتقادها، وكشف له عن مرادها، وحض على هتك حرمها، وأغري بسفك دمها، فأبى ذلك مجده الأثيل، ومذهبه الجميل، وما خصه الله تعالى به من حسن اليقين، وصحة الدين، إلى أن أمكنتهم الغرة فانتصروا ببغاث مستنسر، وقاموا بجمع

غير مستبصر، فبرز من قصره، متلافياً لأمره، عليه غلالة ترف على جسده، وسيفه في يده:

وذاك السيف راق وراع حتى كأن عليه شيمة منتضيه

كأن الموت أودع فيه سراً ليرفعه إلى يوم كريه

فلقي على باب من أبواب المدينة فارساً مشهوراً بنجدة، فرماه الفارس برمح التوى على غلالته، وعصمه الله تعالى منه، وصب هو سيفه على عاتق الفارس، فشقه إلى أضلاعه فخر صريعاًسريعاً، فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها، وبعدما أمسكوا الأبواب تخلوا عنها، وأخذوا على غير طريق، وهوت بهم ريح الهيبة في مكان سحيق، فظننا أن البلد من أقذائه قد صفا، وثوب العصمة علينا قد ضفا، إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب فعظم الأمر في الخطب الواقع، واتسع الخرق فيه على الراقع، ودخل البلد من جهة واديه، وأصيب حاضره بعادية باديه، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه، وتراميه على الموت بنفسه، ما لا مزيد عليه، ولا انتهى خلق إليه، فشنت الغارة في البلد، ولم يبق فيه على سبد لأحد ولا لبد، وخرج الناس من منازلهم، يسترون عوراتهم بأناملهم، وكشفت وجوه المخدرات العذارى، ورأيت الناس سكارى، وما هم بسكارى، ورحل بالمعتمد وآله، بعد استئصال جميع ماله، لم يصحب معه بلغة زاد، ولا بغية مراد، فأمضيت عزيمتي في اتباعه، فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف استنقذه الله منه، فذكرت به شعراً كان لي في صديق اتفق له مثل ذلك الشهر بعينه من العام الماضي، وهو الأمير أبو عبد الله ابن الصفار، وهو:

لم نقل في الثقاف كان ثقافا كنت قلباً به وكان شغافا

يمكث الزهر في الكمام ولكن بعد مكث الكمام يدنو القطافا

وإذا ما الهلال غاب بغيم لم يكن ذلك المغيب انكسافا

إنما أنت درة للمعالي ركب الدهر فوقها أصدافا

حجب البيت منك شخصاً كريماً مثلما تحجب الدنان السلافا

أنت للفضل كعبة ولو اني كنت أسطيع لاستطعت الطوافا

قال أبو بكر: وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدل على السماح، من فجر على صباح، انتهى.

ثم قال: ولما خلع المعتمد وذهب إلى أغمات طلب من حواء بنت تاشفين خباء عارية، فاعتذرت بأنها ليس عندها خباء، فقال:

هم أوقدوا بين جنبيك نارا أطالوا بها في حشاك استعارا

أما يخجل المجد أن يرحلوك ولم يصحبوك خباء معارا

فقد قنعوا المجد إن كان ذاك وحاشاهم منك خزياً وعارا

يقل لعينيك أن يجعلوا سواد العيون عليكم شعارا

ثم إنه بقي مأسوراً بأغمات إلى سنة، فأخذ بمالفة رجل كبير يعرف بابن خلف، فسجن مع أصحاب له، فنقبوا السجن وذهبوا إلى حصن منت ميور ليلاً فأخرجوا قائدها، ولم يضروه، وبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رجل، فسألوه فإذا هو عبد الجبار بن المعتمد، فولوه على أنفسهم، وظن الناس أنه الراضي، فبقي في الحصن، ثم أقبل مركب من الغرب يعرف بمركب ابن الزرقاء، فانكسر بمرسى الشجرة قريباً من الحصن، فأخذوا بنوده وطبوله وما فيه من طعام وعدة فاتسعت بذلك حالهم، ثم وصلت أم عبد الجبار إليه، ثم خاطبه أهل الجزيرة وأهل أركش فدخلها سنة، ولما بلغ خبر عبد الجبار إلى ابن تاشفين أمر بثقاف المعتمد في الحديد، وفي ذلك يقول:

قيدي أما تعلمني مسلماً أبيت أن تشفق أو ترحما

يبصرني فيك أبو هاشم فينثني القلب وقد هشما

وبقي إلى أن توفي ﵀ سنة.

وقد ساق الفتح قضية ثورة عبد الجباربن المعتمد بعبارته البارعة فقال: وأقام بالعدوة برهة لا يروع له سرب وإن لم يكن آمناً، ولا يثور له كرب وإن كان في ضلوعه كامناً، إلى أن ثار أحد بنيه بأركش - معقل كان مجاوراً لإشبيلية مجاورة الأنامل للراح، ظاهر على بسائط وبطاح، لا يمكن معه عيش، ولا يتمكن من منازالته جيش، فغدا على أهلها بالمكاره وراح، وضيق عليهم المتسع من جهاتها والبراح، فسار نحوع الأمير سير بن أبي بكر رحمه الله تعالى، قبل أن يرتد طرف استقامته إليه، فوجده وشره قد تشمر، وضره قد تنمر، وجمره مستعر، وأمره متوعر، فنزل عدوته، وحل للحزم حبوته، وتدارك داءه قبل إعضاله، ونازله وما أعد آلات نضاله، وانحشدت الجيوش إليه من كل قطر، وأفرغ من مسالكه كل قطر، فبقي محصوراً لا يشد إليه إلا سهم، ولا ينفذ عنه إلا نفس أو وهم، وامتسك شهوراً حتى حتى عرضه أحد الرماة بسهم فرماه، فأصماه، فهوى في مطلعه، وخر قتيلاً في موضعه، فدفن إلى جانب سريره، وأمن عاقبة تغريره، وبقي أهله ممتنعين مع طائفة من وزرائه حتى اشتد عليهم الحصر، وارتد عنهم النصر، وعمهم الجوع، وأغب أجفانهم الهجوع، فنزلت منهم طائفة متهافتة، وولت بأنفاس خافتة، فتبعهم من بقي، ورغب في التنعم من شقي، فوصلوا إلى قبضة الملمات، وحصلوا في قبضة الممات، فوسمهم الحيف، وتقسمهم السيف، ولما زأر الشبل خيفت سورة الأسد، ولم يرج صلاح الكل والبعض قد فسد، فاعتقل المعتمد خلال تلك الحال وأثناءها، وأحل ساحة الخطوب

وفناؤها، وحين أركبوه أساودا، وأورثوه حزناً بات له معاودا، فقال:

غمتك أغماتية الألحان ثقلت على الأرواح والأبدان

قد كان كالثعبان رمحك في الورىفغدا عليك القيد كالثعبان متمرداً يحميك كل تمرد متعطفاً لا رحمة للعاني

قلبي إلى الرحمن يشكو بثه ماخاب من يشكو إلى الرحمن

يا سائلاً عن شأنه ومكانه ما كان أغنى شأنه عن شان

هاتيك قينته وذلك قصره من بعد أي مقاصر وقيان

ولما فقد من يجالسه، وبعد عنه من كان يؤانسه، وتمادى كربه، ولم تسالمه حربه، قال:

تؤمل للنفس الشجية فرجة وتأبى الخطوب السود إلا تماديا

لياليك في زاهيك أصفى صحبتها كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا

نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخ وبعدهما نسخ المنايا الأمانيا

ولما امتدت في الثقاف مدته، واشتدت عليه قسوة الكبل وشدته، وأقلقته همومه، وأطبقته غمومه، وتوالت عليه الشجون، وطالت لياليه الجون، قال:

أنباء أسرك قد طبقن آفاقا بل قد عممن جهات الأرض إقلاقا

سرت من الغرب لا تطوى لها قدم حتى أتت شرقها تنعاك إشراقا

فأحرق الفجع أكباداً وأفئدة وأغرق الدمع آماقاً وأحداقا

قد ضاق صدر المعالي إذ نعيت لها وقيل: إن عليك القيد قد ضاقا

أنى غلبت وكنت الدهر ذا غلب للغالبين وللسباق سباقا

قلت الخطوب أذلتني طوارقها وكان غربي إلى الأعداء طراقا

متى رأيت صروف الدهر تاركة إذا انبرت لذوي الأخطار أرماقا

وقال لي من أثقه: لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المؤمنين عليه ما أثار، جزع جزعاً مفرطاً، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطاً، وجعل يتشكى من فعله ويتظلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول: عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن، ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بعدي، ويتحيفه بعدي، ثم أطرق ورفه رأسه وقد تهللت أسرته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، وتشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه قد رحا عودة إلى لطانه وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة، حتى قال:

كذا يهلك السيف في جفنه على هز كفي طويل الحنين

كذا يعطش الرمح لم أعتقله ولم تروه من نجيع يميني

كذا يمنع الطرف علك الشكي م مرتقباً غرة في كمين

كأن الفوارس فيه ليوث تراعي فرائسها في عرين

ألا شرف يرحم المشرفي مما به من شمات الوتين

ألا كرم ينعش السمهري ويشفيه من كل داء دفين

ألا حنة لابن محنية شديد الحنين ضعيف الأنين

يؤمل من صدرها ضمة تبوئه صدر كفؤ معين

وكانت طائفة من أهل فاس قد عاثوا فيها وفسقوا، وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا، ومنعوا جفون أهلا السنات، وأخذوا البنين من حجور آبائهم والبنات، وتلقبوا بالإمارة، وأركبوا السوء نفوسهم الأمارة، حتى كادت أن تقفز على أيديهم، وتدثر رسومها بإفراط تعديهم، إلى أن تدارك أمير المسلمين رحمه الله تعالى أمرهم، وأطفأ جمرهم، وأوجعهم ضرباً، وأقطعهم ما شاء حزناً وكرباً، وسجنهم بأغمات، وضمتهم جوانح الملمات

والمعتمد إذ ذاك معتقل هناك، وكانت فيهم طائفة شعرية، مذنبة أو بيرة، فرغبوا إلى سجانهم، أن يستريحوا مع المعتمد من أشجانهم، فخلى ما بينهم وبينه، وغمض لهم في ذلك عينه، فكان المعتمد رحمه الله تعالى يتسلى بمجالستهم، ويجد أثر مؤانستهم، ويستريح إليهم بجواه، ويبوح لهم بسره ونجواه، إلى أن شفع فيهم وانطلقوامن وثاقهم، وانفرج لهم مبهم أغلاقهم، وبقي المعتمد في محبسه يشتكي من ضيق الكبل، ويبكي بدمع كالوبل، فدخلوا عليه مودعين، ومن بثه متوجعين، فقال:

أما لانسكاب الدمع في الخد راحة لقد آن أن يفنى، ويفنى به الخد

هبوا دعوة يا آل فاس لمبتلىً بما منه قد عافاكم الصمد الفرد

تخلصتم من سجن أغمات والتوت علي قيود لم يحن فكها بعد

من الدهم أما خلقها فأساود تلوى وأما الأيد والبطش فالأسد

فهنيتم النعما، ودامت لكلكم سعادته إن كان قد خانني سعد

خرجتم جماعات وخلفت واحداً ولله في أمري وأمركم الحمد

ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطاً لم يعلق لها جناح، ولا تعلق بها من الأيام جناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البشام ولا الأراك، وهي تمرح في الجو، وتسرح في مواقع النو، فتنكد بما هو فيه من الوثاق، وما دون أحبته من الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرنه وشهدنه، فقال:

بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي سوارح لا سجن ولا كبل

ولم تك، والله المعيذ، حسادة ولكن حنيناً أن شكلي لها شكل

فأسرح لا شملي صديع، ولا الحشا وجيع، ولا عيناي يبكيهما ثكل

هنيئاً لها أن لم يفرق جميعها ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل

وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل

وما ذاك مما يعتريه، وإنما وصفت التي في جبلة الخلق من قبل

لنفسي إلى لقيا الحمام تشوف ... سواي يحب العيش في ساقه كبل ألا عصم الله القطا في فراخها فإن فراخي خانها الماء والظل

وفي هذه الحالة زاره الأديب أبو بكر ابن اللبانة، وهو أجد شعراء دولته المرتضعين دررها، المنتجعين دررها، وكان المعتمد رحمه الله تعالى يميزه بالشفوف والإحسان، ويجوزه في فرسان هذا الشان، فلما رآه وحلقات الكبل قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يريق دمعاً إلا ممزوجاً بدم، بعدما عهده فوق منبر وسرير، ووسط جنة وحرير، تخفق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، وتكف الأمطار من راحته، وتشرف الأقدار بحلول ساحته، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه، ويقصر النسر أن يقارنه أو يضاهيه، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد، ويثير فيها لوعة الحرث بن عباد، أبدع من أناشيد معبد، وأصدع للكبد من مراثي أربد، أو بكاء ذي الرمة بالمربد، سلك فيها للاحتفاء طريقاً لاحباً، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحباً، فمن ذلك قوله:

انفض يديك من الدنياوساكنها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا

وقل لعالمها السفلي قد كتمت سريرة العالم العلوي أغمات

طوت مظلتها لا بل مذلتها من لم تزل فوقه للعز رايات

من كان بين الندى ولبأس أنصله هندية وعطاياه هندية

رماه من حيث لم تستره سابغة دهر مصيباته نبل مصيبات

أنكرت إلا التواءات القيود به وكيف تنكر في الروضات حيات

غلطت بين همامين عقدن له وبينها فإذا الأنواع أشتات

وقلت هن ذؤابات فلم عكسن من رأسه نحو رجليه الذؤابات

حسبتها من قناه أو أعنته إذا بها لثقاف المجد آلات

دروه ليثاً فخافوا منه عادية عذرتهم فلعدو الليث عادات

لم كان يفرج عنه بعض آونة قامت بدعوته حتى الجمادات

بحر محيط عهدناه تجيء له كنقطة الدارة السبع المحيطات

لهفي على آل عباد فإنهم أهلة ما لها في الأفق هالات

راح الحيا وغدا منهم بمنزلة كانت لنا بكر فيها وروحات

أرض كأن على أقطارها سرجاً قد أوقدتهن بالأدهان أنبات

وفوق شاطئ واديها رياض ربىً قد ظللتها من الأنشام دوحات

نهر شربت بعبريه على صور كانت لها في قبل الراح سورات

وربما كنت أسمو للخليج به وفي الخليج لأهل الراح راحات

وبالعروسات لا جفت منابتها من النعيم غروسات جنيات

ولم تزل كبده تتوقد بالزفرات، وخلده يتردد بين النكبات والعثرات، ونفسه تتقسم بين الأشجان والحسرات، إلى أن شفته منيته، وجاءته بها أمنيته، فدفن بأغمات، وأريح من تلك الأزمات:

وعطلت المآثر من حلالها وأفردت المفاخر من علاها

ورفعت مكارم الأخلاق، وكسدت نفائس الأعلاق، وصار أمره عبرة في عصره، وصاب أندى عبرة في مصره. وبعد أيام وافى أبو بحر ابن عبد الصمد شاعره المتصل به، المتوصل إلى المنى بسببه، فلما كان يوم العيد وانتشر

الناس ضحىً، وظهر كل متوار واضحاً، قام على قبره عند انفصالهم من مصلاهم، واختيالهم بزينتهم وحلاهم، وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه، وخر على تربه ولثمه:

ملك الملوك، أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عوادي

لما خلت منك القصور فلم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد

قبلت في هذا الثرى لك خاضعاً وتخذت قبرك موضع الإنشاد

وهي قصيدة أطال إنشادها، وبنى بها اللواعج وشادها، فانحشر الناس إليه وانحفلوا، وبكوا ببكائه وأعولوا، وأقاموا أكثر نهارهم مطيفين به طواف الحجيج، مديمين للبكاء والعجيج، ثم انصرفوا وقد نزفوا ماء عيونهم، وأقرحوا مآقيهم بفيض شؤونهم، وهذه نهاية كل عيش، وغاية كل ملك وجيش، والأيام لا تدع حياً، ولا تألو كل نشر طياً، تطرق رزاياها كل سمع، وتفرق مناياها كل جمع، وتصمي كل ذي أمر ونهي، وترمي كل مشيدبوهي، ومن قبله طوت النعمان ابن الشقيقة، ولوت مجازه في تلك الحقيقة، انتهى ما قصدنا جلبه من كلام الفتح مما يدخل في أخبار المعتمد بن عباد المناسبة لما مر.

وكلام الفتح كله الغاية، وليس الخبر كالعيان، ولذا قال بعض من عرف به: إنه أراد أن يفضح الشعراء الذين ذكرهم في كتبه بنثره، ساكحه الله تعالى.

وأخبار المعتمد رحمه الله تعالى تحتمل مجلدات، وآثاره إلى الآن بالغرب مخلدات، وكان من النادر الغريب قولهم في الدعاء في الصلاة على جنازته الصلاة على الغريب بعد اتساع ملكه، وانتظام سلكه، وحكمه على إشبيلية وأنحائها، وقرطبة وزهرائها، وهكذا شأن الدنيا في تدريسها نحو ندبتها وإغرائها.

وقد توجه لسان الدين الوزير ابن الخطيب إلى أغمات لزيارة قبر المعتمد رحمه

الله تعالى، ورأى ذلك من المهمات، وأنشد على قبره أبياته الشهيرة التي ذكرتها في جملة نظمه الذي هو أرق من النسيم، وأبهج من المحيا الوسيم.

قلت: وقد زرت أنا قبر المعتمد والرميكية أم أولاده، حين كنت بمراكش المحروسة عام عشرة وألف، وعمي علي أمر القبر المذكور، وسألت عنه من تظن معرفته له، حتى هداني إليه شيخ طعن في السن، وقال لي: هذا قبر ملك ملوك الأندلس، وقبر حظيته التي كان قلبه بحبها خفاقاً غير مطمئن، فرأيته في ربوة حسبما وصفه ابن الخطيب رحمه الله تعالى في الأبيات، وحصلت لي في ذلك المحل خشية وادكار، وذهبت بي الأفكار، في ضروب الآيات، فسبحان من يؤتي ملكه من يشاء لا إله غيره وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

وما أحسن قول الوزير ابن عبدون في مطلع رائيته الشهيرة:

الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور

وهو القائل:

يا نائم الليل في فكر الشباب أفق فصبح شيبك في أفق النهى بادي

غضت عنانك أيدي الدهر ناسخة علماً بجهل وإصلاحاً بإفساد

وأسلمت للمنايا آل مسلمة وعبدت للرزايا آل عباد

لقد هوت منك، خانتها قوادمها، بكوكب في سماء المجد وقاد

ومنها:

ومالك كان يحمي شول قرطبةأستغفر الله، لا بل شول بغداد

شق العلوم نطافاً والعلا زهراً ثبين، ما بين رواد ووراد

وأين هذه القصيدة في مدحهم من قصيدة الغض منهم، وهي قول أبي الحسن جعفر بن إبراهيم ابن الحاج اللورقي:

تعز عن الدنيا ومعروف أهلها إذا عدم المعروف في آل عباد

حللت بهم ضيفاً ثلاثة أشهر بغير قرىً ثم ارتحلت بلا زاد

وهذا يدلك على أن الشعراء، لم يسلم من لسانهم من أحسن فضلاً عمن أساء، من العظماء والرؤساء، وما أمدح قول أبي محمد غانم فيهم:

ومن الغريب غروب شمس في الثرى وضياؤها باق على الآفاق

وقال في المطمح في حق بني عباد وأوليتهم ما صورته: الوزير أبو القاسم محمد بن عباد، هذه بقية منتماها في لخم، ومرتماها إلى مفخر ضخم، وجدهم المنذر بن ماء السماء، ومطلعهم من جو تلك السماء، وبنو عباد ملوك أنس بهم الدهر، وتنفس منهم عن أعبق الزهر، وعمروا ربع الملك، وأمروا بالحياة والهلك، ومعتضدهم أحد من أقام وأقعد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتعد، وافترش من عريسته، وافترس من مكايد فريسته، وزاحم بعود، وهد كل طود، وأخمل كل ذي زي وشاة، وختل بوحي وإشارة، ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيرات تلك الأفلاك، وهو القائل، وقد شغل عن منادمة خواص دولته بمنادمة العقائل:

لقد حننت إلى ما اعتدت من كرم حنين أرض إلى مستأخر المطر

فهاتها خلعاً أرضي السماح بها محفوفة في أكف الشرب بالبدر

وهو القائل وقد حن في طريقه، إلى فريقه:

أدار النوى كم طال فيك تلذذي وكم غقتني عن دار أهيف أغيد

حلفت به لو قد تعرض دونه كماة الأعادي في النسيج المسرد

لجردت للضرب المهند، فانقضى مرادي، وعزماً مثل حد المهند

والقاضي أبو القاسم هذا جدهم، وبه سفر مجدهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر، واختصهم منه بالحظ الوافر، فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى من ظلالها أعيان أكابر، عندما أناخت بها أطماعهم، وأصاخت إليها أسماعهم، وامتدت إليها من مستحقيها اليد، وأتلعوا أجياد زانها الجيد، وفغر عليها فمه حتى هجا بيت العبدى، وتصدى إليها من تحضر وتبدى، فاقتعد سنامها وغاربها، وأبعد عنها عجمها وأعاربها، وفاز من الملك بأوفر حصة، وغدت سمته به صفة مختصة، فلم يمح رسم القضاء، ولم يتسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، وما زال يحمي حوزته، ويجلو غرته، حتى حوته الرجام، وخلت منه تلك الآجام، وانتقل الملك إلى ابنه المعتضد، وحل منه في روض نمق له ونضد، ولم يعمر فيه ولم يدم ولاه، وتسمى بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاده، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدر ذلك المنهل، وعكر أثناء ذلك صفو العل والنهل، وما زال للأرواح قابضاً، وللوثوب عليها رابضاً، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوكر، وينتصف منهم بالدهاء والمكر، إلى أن أفضى الملك إلى ابنه المعتمد، فاكتحل منه طرفه الرمد، وأحمد مجده، وتقلد منه أي بأس ونجدة، ونال به الحق مناه، وجر رسنه، وأقام في الملك ثلاثاً وعشرين سنة، لم تعدم له فيها حسنة ولا سيرة مستحسنة، إلى أن غلب على سلطانه، وذهب به من أوطانه، فنقل،

إلى حيث اعتقل، وأقام كذلك إلى أن مات، ووارته برية أغمات، وكان للقاضي جده أدب غض، ومذهب مبيض، ونظم يرتجله كل حين، ويبعثه أعطر من الرياحين، فمن ذلك قوله يصف النيلوفر:

يا ناظرين لذا النيلوفر البهج وطيب مخبره في الفوح والأرج

كأنه جام در في تألقه قد أحكموا وسطه فصاً من السبج

انتهى المقصود منه.

تراجم منقولة عن الفتح

ترجمة ابن البني من المطمح

وهو - أعني الفتح - يشيد قصور الشرف إذا مدح، ويهدم معاقلها إذا هجا وقدح.

ومن أغراضه قوله في المطمح في حق الأديب أبي جعفر ابن البني: رافع رايات القريض، وصاحب آيات التصريح والتعريض، أقام شرائعه، وأظهر بدائعه، إذا نظم أزرى بالعقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، وكان أليف غلمان، وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متشرعاً، ولا رمق متورعاً، ولا اعتقد حشراً، ولا صدق بعثاً ولا نشراً، وربما تنسك مجوناً وفتكاً، وتمسك باسم التقى وقد هتكه هتكاً، لا يبالي كيف ذهب، ولا بما تمذهب، وكانت له أهاجي جرع بها صاباً، ودرع منها أوصاباً، وقد أثبت له ما يرتشف ريقاً، ويشرب تحقيقاً، فمن ذلك قوله يتغزل:

من لي بغرة فاتن يختال في حلل الجمال إذا بدا وحليه

لو شمت في وضح النهار شعاعها ما عاد جنح الليل بعد مضيه

شرقت لآلي الحسن حتى خلصت ذهبيه في الخد من فضيه

في صفحتيه من الجمال أزاهر غذيت بوسمي الحيا ووليه

سلت محاسنه، لقتل محبه من سحر عينيه، حسام سميه

وله فيه:

كيف لا يزداد قلبي من جوى الشوق خبالا

وإذا قلت علي بهر الناس جمالا

هو كالغصن وكالبد ر قواماً واعتدالا

أشرق البدر كمالا وانثنى الغصن اختيالا

إن من رام سلوي عنه قد رام محالا

لست أسلو عن هواه كان رشداً أو ضلالا

قل لمن قصر فيه عذل نفسي أو أطالا

دون أن تدرك هذا تسلب الأفق الهلالا

وكنت بميورقة وقد حلها متسماً بالعبادة، وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي عبادة، وقد لبس أسمالاً، ولبس منه أقوالاً وأفعالاً، سجوده هجود، ولإقراره بالله جحود، وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مرتبطاً، ولا بسكناها مغتبطاً، سماها بالعقيق وسمى فتى كان يتعشقه بالحمى، وكان لا يتصرف إلا في صفاته، ولا يقف إلا بعرفاته، ولا يؤرقه إلا جواه، ولا يشوقه إلا هواه، فإذا بأحد دعاة حبيبه، ورواة تشبيبه، قال له: كنت البارحة بحماه، وذكر لي خبراً ورى به عني وعماه، فقال:

تنفس بالحمى مطلول أرضفأودع نشره نشراً شمالا فصبحت العيون إلي كسلى تجرر فيه أرداناً خضالا

أقول وقد شممت الترب مسكاً بنفحتها يميناً أوشمالا

نسيم جاء يبعث منك طيباً ويشكو من محبتك اعتلالا

ولما تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر، وتردد على سمعه انتهاكه وتكرر، أخرجه من بلده ونفاه، وطمس رسم فسقه وعفاه، فأقلع إلى المشرق وهو جار، فلما صار من ميورقة على ثلاثة مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، إلى فقد مهجته، فلما لحق بميورقة أراد ناصر الدولة إماحته، وأخذ ثأر الدين منه وإراحته، ثم آثر صفحه، وأخمد ذلك الجمر ولفحه، وأقام أياماً ريحاً علها تزجيه، ويستهديها لتخلصه وتنجيه، وفي أثناء بلوته، لم يتجاسر أحد على إتيانه من إخوته، فقال يخاطبهم:

أحبتنا الألى عتبوا علينا فأقصرنا وقد أزف الوداع

لقد كنتم لنا جذلاً وأنساً فهل في العيش بعدكم انتفاع

أقول وقد صدرنا بعد يوم أشوق بالسفينة أم نزاع

إذا طارت بنا حامت عليكم كأن قلوبنا فيها شراع

وله يتغزل:

بني العرب الصميم ألا رعيتم مآثركم بآثار السماح

رفعتم ناركم فعشا إليها بوهن فارس الحي الوقاح

فهل في القعب فضل تنضحوه به من محض ألبان اللقاح

لعل الرسل شابته الثنايا بشهد من ندى نور الأقاح

وله أيضاً:

وكأنما رشأ الحمى لما بدا لك في مضلعة الحديد المعلم

غصب الغمام قسيه فأراكها من حسن معطفه قويم الأسهم

وله أيضاً:

نظرت إليه فاتقاني بمقلة ترد إلى نحري صدور رماح

حميت الجفون النوم يا رشأ الحمى وأظلمت أيامي وأنت صباحي

وقال:

قالوا تصيب طيور الجو أسهمه إذا رماها فقلنا عندنا الخبر

تعلمت قوسها من قوس حاجبه وأيد السهم من ألحاظه الحور

يروح في بردة كالنفس حالكة كما أضاء بجنح الليل القمر

وربما راق في خضراء مورقة كما تفتح في أوراقه الزهر

ترجمة ابن لبال من المطمح

وقال في ترجمة أبي الحسن ابن لبال: شاعر سمح، متقلد بالإحسان متشح، أم الملوك والرؤساء، ويمم تلك العزة القعساء، فانتجع مواقع خيرهم، واقتع ما شاء من ميرهم، وتمادت أيامه إلى هذا الأوان، فجالت به في ميدان الهوان، فكسد نفاقه، وارتدت آفاقه، وتوالى عليه حرمانه وإخفاقه، وأدركته وقد خبنته سنونه، وانتظرت منونه، ومحاسنه كعهدها في الاتقاد، وبعدها من الانتقاد، وقد أثبت منها ما يعذب جنىً وقطافاً، ويستعذب استنزالاً واستلطافاً، فمن ذلك قوله يستنجد الأمير الأجل أبا إسحاق ابن أمير المسلمين:

قل للأمير ابن الأمير بل الذي أبدا به في المكرمات وفي الندى

والمجتنى بالرزق وهي بنفسج ورد الجراح مضعفاً ومنضدا

جاءتك آمال العفاة ظوامئاً فاجعل لها من ماء جودك موردا

وانثر على المداح سيبك، إنهم نثروا المدائح لؤلؤاً وزبرجدا

فالناس إن ظلموا فأنت هو الحمى والناس إن ضلوا فأنت هو الهدى

أخبرني وزير السلطان أن هذه القطعة لما ارتفعت، اعتنت بجملة الشعراء وشفعت، فأنجز لهم الموعود، وأورق لهم ذلك العود، وكثر اللغط في تعظيمها، واستجادة نظيمها، وحصل له بها ذكر، وانصقل له بسببها فكر.

وله من قطعة يصف بها سيفاً:

كل نهر توقدت شفرتاه كاتقاد الشهاب في الظلماء

فهو ماء قد ركبت فوق نار أو كنار قد ركبت فوق ماء

وكتب إلي معزياً عن والدتي:

على مثله من مصاب وجب ... على من أصيب به المنتجب وقلب فروق ولب خفوق ونفس تشب، وهم نصب

فقد خشعت للتقى هضبة ذؤابتها في صميم العرب

من الجاعلات محاريبها هوادجها أبداً والقتب

من القائمات بظل الدجى ولا من تسامر إلا الشهب

فكم ركعت إثرها في الدجى تناجي بها ربها من كثب

وكم سكبت في أوان السجود مدامع كالغيث لما انسكب

وقد خلفت ولداً باسلاً فصيحاً إذا ما قرا أو خطب

يفل السيوف بأقلامه ويكسر صم القنا بالقصب

وكان القائد أبو عمرو عثمان بن يحيى بن إبراهيم أجل من جال في خلد، واستطال على جلد، رشأ يحيى باحتشامه، ويسترد البدر بلثامه، ويزري بالغصن تثنيه، ويثمر الحسن لو دنت قطوفه لمجتنيه، مع لوذعية تخالها جريالا، وسجية يختال فيها الفضل اختيالا، وكان قد بعد عن أنسنا بحمص، وانتضى من تلك القمص، وكان بثغر الأشبونة فسده، ولم ينفرج لنا من الأنس بعده ما يسد مسده، إلى أن صدر، فأسرع إلينا وابتدر، فالتقينا وبتنا ليلة نام عنها الدهر وغفل، وقام لنا بما شئنا فيها وتكفل، فبينا نحن نفض ختامها، وننفض عنا غبار الوحشة وقتامها، إذا أنا بابن لبال هذا وقد دخل إذنه علينا فأمرناه بالنزول والتقيناع بترحيب، وأنزلناه بمكان من المسرة رحيب، وسقيناه صغاراً وكباراً، وأريناه إعظاماً وإكباراً، فلما شرب، طرب، وكلما كرعها، التحف السلوة وتدرعها، ومازال يشرب أقداحاً، وينشد فينا أمداحاً، ويفدي بنفسه، ويستهدي الاستزادة من أنسه، فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع، واجتلينا محاسنه كالصديع، وانفصلت ليلته عن أتم مسرة، وأعم مبرة، وارتحل عثمان أعزه الله إلى ثغره، وأقام به برهة من دهره، فمشيتبها إليه مجدداً عهداً، ومتضلعاً من مؤانسته شهداً، فكتب ابن لبال هذه القطعة من القصيدة يذهب إلى شكره، ويجتهد في تجديد ذكره:

ما شام إنسان إنسان كعثمان ولا كبغيته من حسن إحسان

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.