من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تتمة (٨)
بدر السيادة يبدو في مطالعه من المحلسن محفوفاً بشهبان
له التمام وما بالأفق من قمر متمم دون أن يرمى بنقصان
به الشبيه تزهى من نضارتها كما تساقط طل فوق بستان
معصفر الحسن للأبصار ناصعه كأنه فضة شيبت بعقيان
نبئت عنه بأنباء إذا نفحت تعطلت نفحات المسك والبان
قامت عليه براهين تصدقها كالشكل قام عليه كل برهان
قد زادها ابن عبيد الله من وضح ما زادت الشمس نور الفجر للراني
بالله بلغه تسليمي إذا بلغت تلك الركاب وعجل غير ليان
وليت أني لو شاهدت أنسكما على كؤوس وطاسات وكيزان
فألفظ الكلم المنثور بينكما كأنما هو من در ومرجان
لله درك يا ذا الخطتين لقد خططت بالمدح فيه كل ديوان
كلاكما البحر في جود وفي كرم أو الغاماة تقي كل ظمآن
إن كان فارس هيجاء ومعترك فأنت فارس إفصاح وتبيان
فاذكر أبا نصر المعمور منزله بالرفد ما شئت من مثنى ووحدان
قصائداً لأخي ود وإن نزحت بك الركاب إلى أقصى خراسان
ترجمة عبد المعطي من المطمح
وقال في ترجمة الأديب أبي بكر عبد المعطي: بيت شعر ونباهة، وأبو بكر ممن انتبه خاطره للبدائع أي انتباهه، وله أدب باهر، ونظم كما سفرت أزاهر، وقد أثبت له جمالاً، يبلغ آمالاً، فمن ذلك قوله، وقد اجتمنا في ليلة لم يضرب لها وعد، ولم يعزب عنها سعد، وهو قعدي، وقد شب عن طوق الأنس في الندي، وما قال خالي عمرو ولا عدي، والكهولة قد قبضته، وأقعدته عن ذلك وما أنهضته:
إمام النثر والمنظوم فتح جميع الناس ليل وهو صبح
له قلم جليل لا يجارى يقر بفضله سيف ورمح
يباري المزن ما سحت سماحاً وإن شحت فليس لديه شح
وكان مرتسماً في عسكر قرطبة، وكان ابن سراج يقوم له بكل ما يبغي تطلبه، خبفة من لسانه، ومحافظة على إحسانه، ولما خرج إلى إقليش خرج معه، وجعل يساير من شيعه، فلما حصلوا بفحص سرادق، وهو موضع توديع المفارق للمفارق، قرب منه أبو الحسين ابن سراج لوداعه، وأنشده في تفرق الشمل وانصداعه:
هم رحلوا عنا لأمر لهم عنا فما أحد منهم على أحد حنا
وما رحلوا حتى استقادوا نفوسنا كأنهم كانوا أحق بها منا
فيا ساكني نجد لتبعد داركم ظننا بكم ظناً فأخلفتم الظنا
غدرتم ولم أغدر، وخنتم ولم أخن وقلتم ولم أعتب، وجرتم وما جرنا
وأقسمتم أن لاتخونون في الهوى فقد، وذمام الحب، خنتم وما خنا
ترى تجمع الأيام بيني وبينكم ويجمعنا دهر نعود كما كنا
فلما استتم إنشاده لحق بالسلطان واعتذر إليه بمريض خلفه، وهو يخاف تلفه، فأذن له بالانصراف، وكتب إلى أبي الحسين ابن سراج:
أما والهدايا ما رحلنا ولا حلنا وإن عن من دون الترحل ما عنا
تركنا ثواب الفضل والعز للعزى ... على مضض منا وعدنا كما كنا وليس لنا عنكم على البين سلوة وإن كان أنتم عندكم سلوة عنا
وجمعتنا عشية بربض الزجالي بقرطبة، ومعنا لمة من الإخوان وهو في
جملتهم، وناهض لأعيانهم وجلتهم، بفضل أدبه، وكثرة سحبه، فجعل يرتجل ويروي، وينشر محاسن الآداب ويطوي، ويمتعنا بتلك الأخبار، ويقطعنا منها جانب اعتبار، ويطلعنا على إقبال الأيام والإدبار، ثم قال:
أيا ابن عبيد الله يا ابن الأكارم لقد بخلت يمناك صوب الغمائم
لك القلم الأعلى الذي عطل القنا وفل ظبات المرهفات الصوارم
وأخلاقك الزهر الأزاهر بالربىترف بشؤبوب الغيوث السواجم بقيت لتشييد المكارم والعلى تظاهرها بالسالف المتقادم
واجتمع عند أبيه لمة من أهل الأدب، وذوي المنازل والرتب، في عشية غيم أعقب مطراً، وخط فيها البرق أسطراً، والبرد يتساقط كدر من نظام، ويتراءى كثنايا غادة ذات ابتسام، وهو غلام ما نضا برد شبابه، ولا انتضى مرهف آدابه، فقال معرضاً بهم، ومتعرضاً لتحقق أدبهم:
كأن الهواء غدير جمد بحيث البروق تذيب البرد
خيوط وقد عقدت في الهواء وراحة ريح تحل العقد
وشرب في دار ابن الأعلم في يوم لم ير الدهر فيه إساءة، وليل نسخ نور أنسه مساءه، ومعهم جملة من الشعراء، وجماعة من الوزراء، منهم أبناء القبطرنة فوقع بينهم عتاب وتعذال، وامتهان في ميدان المشاجرة وابتذال، آل به إلى تجريد السيف، وتكدير ما صفا بذلك الخيف، فسكنوه بالاستنزال، وثنوه عن ذلك النزال.
ترجمة ابن بقي من المطمح والقلائد
وقال في المطمح في حق أبي بكر يحيى بن بقي القرطبي صاحب الموشحات البديعة: كان نبيل السيرة والنظام، كثير الارتباط في سلكه والانتظام، أحرز خصالاً، وطرز بمحاسنه بكراً وآصالاً، وجرى في ميدان الإحسان إلى أبعد
أمد، وبنى من المعارف أثبت عمد، إلا أن الأيام حرمته، وقطعت حبل رعايته وصرمته، فلم تتم له وطراً، ولم تسجم عليه الحظوة مطراً، ولا سوغت من الحرمة نصيباً، ولا انزلته مرعى خصيباً، فصار راكب صهوات، وقاطع فلوات، لا يستقر يوماً، ولا يستحسن نوماً، مع توهم لا يظفره بأمان، وتقلب ذهن كالزمان، إلا أن يحيى بن علي بن القاسم نزعه من ذلك الطيش، وأقطعه جانباً من العيش، وأرقاه إلى سمائه، وسقاه صيب نعمائه، وفيأه ظلاله، وبوأه أثر النعمة يجوس خلاله، فصرف به أقواله، وشرف بعواقبه فعاله، وأفرده منها بأنفس در، وقصده منها بقصائد غر، انتهى المقصود جلبه من ترجمته في المطمح.
وقال في حقه في القلائد: رافع راية القريض، وصاحب آية التصريح فيه والتعريض، أقام شرائعه، وأظهر روائعه، وصار عصيه طائعه، إذا نظم زرى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رقم البرود، وطفا عليه حرمانه، فما صفا له زمكانه، انتهى.
وابن بقي المذكور هو القائل:
بأبي غزال غازلته مقلتي بين العذيب وبين شطي بارق
الأبيات المذكورة في غير هذا الموضع.
ومن موشحاته قوله:
غلب الشوق بقلبي فاشتكى ألم الوجد فلبت أدمعي
أيها الناس فؤادي شغف
وهو من بغي الهوى لا ينصف
كم أداريه ودمعي يكف
أيها الشادن من علمكما بسهام اللحظ قتل السبع
بدر تم تحت ليل أغطش
طالع في غصن بان منتشي
أهيف القد بخد أرقش
ساحر الطرف وكم ذا فتكا بقلوب الأسد بين الأضلع
أي ريم رمته فاجتنبا
وانثنى يهتز من سكر الصبا
كقضيب هزه ريح الصبا
قلت هب لي يا حبيبي وصلكا واطرح أسباب هجري ودع
قال خدي زهره مذ فوفا
جردت عيناي سيفاً مرهفا
حذراً منه بأن لا يقطفا
إن من رام جناه هلكا فأزل عنك علال الطمع
ذاب قلبي في هوا ظبي غرير
وجهه في الدجن صبح مستنير
وفؤادي بين كفيه أسير
لم أجد للصبر عنه مسلكا فانتصاري بانسكاب الأدمع
وقال رحمه الله تعالى:
خذ حديث الشوق عن نفسي وعن الدمع الذي همعا
ما ترى شوقي وقد وقدا
وهما دمعي واطردا
واغتدى قلبي عليك سدى
آه من ماء ومن قبس بين طرفي والحشا جمعا
بأبي ريم إذا سفرا
أطلعت أزراره قمرا
فاحذروه كلما نظرا
فبألحاظ الجفون قسي أنا منها بعض من صرعا
أرتضيه جار أو عدلا
قد خلعت العذر والعذلا
إنما شوقي إليه جلا
كم وكم أشكو إلى اللعث ظمئي لو أنه نفعا
صال عبد الله بالحور
وبطرف فاتر النظر
حكمه في أنفس البشر
مثل حكم الصبح في الغلس إن تجلى نوره صدعا
شبهته بالرشا الأمم
فلعمري أنهم ظلموا
فتغنى من به السقم
أين ظبي القفر والكنس من غزال في الحشا رتعا
انتهى.
وله أيضاً:
ما ردني لابسثوب الضنى الدارسإلا قمر
في غصن مائسشعاعه عاكسضوء البصر
أسير كالسيلإليه لا باعإلا ودادي
والطيف في خيللهن إسراعمع الرقاد
يا كوكب الليلإن كنت تراعفلم فؤادي
كالأسد العابسلكنه خانسمن الحور
ومن نظمه قصيدة مدح يحيى بن علي بن القاسم المذكور بها، منها في المديح قوله:
نوران ليسا يحجبان عن الورى كرم الطباع ولا جمال المنظر
وكلاهما جمعا ليحيى فليدع كتمان نور علائه المتشهر
في كل أفق من جمال ثنائه عرف يزيد على دخان المجمر
رد في شمائله ورد في جوده بين الحديقة والغمام الممطر
بدر عليه من الوقار سكينة فيها لقيطة كل ليث مخدر
مثل الحسام إذا انطوى في غمده ألقى المهابة في نفوس الحضر
أربى على المزن الملث لأنه أعطى كما أعطى ولم يستعبر
ومنها:
أقبلت مرتاداً لجودك إنه صوب الغمامة بل زلال الكوثر
ولاأيت وجه النجح عندك أبيضاً فركبت نحوك كل لج أخضر
وهي طويلة.
استطراد
وقوله " أربى على المزن الملث - البيت " هو معنى تلاعب الشعراء بكرته
وأورده كل منهم على حسب مقدرته، فقال بعض:
من قاس جدواك بالغمام فما أنصف في الحكم بين شيئين
أنت إذا جدت ضاحك أبداً وهو إذا جاد دامع العين
وقال آخر:
ما نوال الغمام يوم ربيع كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عين ونوال الغمام قطرة ماء
وهما من شواهد البديع.
وقال أبو عبد الله الحوضي التلمساني في قصيدة مدح بها سلطان تلمسان أبا عبد الله الزياني:
أصبح المزن من عطائك يحكي يوم الاثنين للأنام عطاء
كيف يدعى لك الغمام شبيهاً ولقد فقته سناً وسناء
أنت تعطي إذا تقصر مالاً وهو يعطي إذا تطول ماء
رجع - وذكر العماد في الخريدة ابن بقي المذكور، وأورد له جملة من المقطعات، ومحاسنه كثيرة رحمه الله تعالى؛ وبقي على وزن علي.
رجع إلى بني عباد
وقال ابن اللبانة في بني عباد ما نصه: بماذا أصفهم وأحليهم، وأي منقبة من الجلالة أوليهم، فهم القوم الذين تجل مناقبهم عن العدل والاحصاء، ولا يتعرض لها بالاستيفاء والاستقصاء، ملوك زينت بهم الدنيا وتحلت، وترقت حيث شاءت وحلت، إن ذكرت الحروب فعليهم يوقف منها الخبر اليقين، أو عدت المآثر فهم في ذلك في درجة السابقين، أصبح الملك بهم مشرق القسام، والأبام
ذات بهجة وابتسام، حتى أناخ بهم الحمام، وعطل من محاسنهم الوراء والأمام، فنقل إلى العدم وجودهم، ولم يرع بأسهم جودهم، وكل ملك آدمي فمفقود، " وما نؤخره إلا لأجل معدود "، فأول ناشئة ملكهم، ومحصل الأمر تحت ملكهم، عظيمهم الأكبر، وسابقة شرفهم الأجل الأشهر، وزينهم الذي يعد في الفضائل بالوسطى والخنصر، محمد بن عباد، ويكنى أبا القاسم، واسم والده اسماعيل، ومن شعره قوله:
يا حبذا الياسمين إذ يزهر فوق غصون رطيبة نضر
قد امتطى للجبال ذروتها فوق بساط من سندس أخضر
كأن والعيون ترمقه زمرد في حلاله جوهر
ولنذكر كلام ابن اللبانة وغيره في حقهم فنقول: وصف المعتضد رحمه الله تعالى بما صورته: المعتضد أبو عمرو عباد رحمه الله تعالى، لم تخل أيامه في أعدائه من تقييد قدم، ولا عطل سيفه من قبض روح وسفك دم، حتى لقد كانت في باب داره حديقة لا تثمر إلا رؤوساً، ولا تنبت إلا رئيساً ومرؤوساً، فكان نظره إليها أشهى مقترحاته، وفي التلفت إليها استعمل جل بكره وروحاته، فبكى وأرق، وشتت وفرق، ولقد حكي عنه من أوصاف التجبر ما ينبغي أن تصان عنه الأسماع، ولا يتعرض له بتصريح ولا إلماع، ومن نظمه عفا الله عنه:
أتتك أم الحسن تشدو بصوت حسن
تمد في ألحانها من الغناء المدني
تقود مني ساكناً كأنني في رسن
أوراقها أستارها إذا شدت في فنن
وقوله:
شربنا وجفن الليل يغسل كحله بماء صباح، والنسيم رقيق
معتقة كالتبر أما نجارها فضخم وأما جسمها فرقيق
وقوله:
لقد وجدنا الحبيب يصي وداده وحمدنا ضميره واعتقاده
قرب الحب من فؤاد محب لا يرى هجره ولا إبعاده
وقال عند حصول رندة في ملكه:
لقد حصلت يا رنده فصرت لملكنا عده
أفادتناك أرماح وأسياف لها حده
وقال رحمه الله تعالى:
اشرب على وجه الصباح وانظر إلى نور الأقاح
واعلم بأنك جاهل ما لم تقل بالصطباح
فالدهر شيء بارد ما لم تسخنه براح
ابن خفاجة والمعتضد
ومن حكايات المعتضد عباد ما ذكره غير واحد أن ابن جاخ الشاعر ورد على حضرته، فدخل الدار المخصوصة بالشعراء، فسألوه، فقال: إني شاعر، فقالوا: أنشدنا من شعرك، فقال:
إني قصدت إليك يا عبادي قصد القليق بالجري للوادي
فضحكوا منه وازدروه، فقال بعض العقلاء: دعوه فإن هذا شاعر، وما يبعد أن يدخل مع الشعراء ويندرح في سلكهم، فلم يبالوا بكلام الرجل، وتنادروا على المذكور، فبقي معهم، وكان لهم في تلك الدولة يوم مخصوص
لا يدخل فيه على الملك غيرهم، وربما كان يوم الاثنين، فقال بعض لبعض: هذه شنعة بنا أن يكون مثل هذا البادي يقدم علينا، ويجترئ على الدخول معنا، فاتفقوا على أن يكون هو أول متكلم في اليوم المخصوص بهم عند جلوس السلطان، وقد رأوا أن يقول مثل ذلك الشعر المضحك فيطرده عنهم، ويكون ذلك حسماً لعلة إقدام مثله عليهم. فلما كان اليوم المذكور، وقعد السلطان في مجلسه، ونصب الكرسي لهم، رغبوا منه أن يكون هذا القادم أول متكلم في ذلك اليوم، فأمر بذلك، فصعد الكرسي، وانتظروا أن ينشد مثل الشعر المضحك المتقدم، فقال:
قطعت يا يوم النوى أكبادي وحرمت عن عيني لذيذ رقادي
وتركتني أرعى النجوم مسهداً والنار تضرم في صميم فؤادي
فكأنما آلى الظلام ألية لا ينجلي إلا إلى ميعاد
يا بين بين أين تقتاد النوى إبل الذين تحملوا بسعاد
ولرب خرق قد قطعت نياطه والليل يرفل في ثياب حداد
بشملة حرف كأن ذميلها سرح الرياح وكل برق غادي
والنجم يحدوها وقد ناديتها يا ناقتي عوجي على عباد
ملك إذا ما أضرمت نار الوغى وتلاقت الأجناد بالأجناد
فترى الجسوم بلا رؤوس تنثني وترى الرؤوس لقى بلا أجساد
يا أيها الملك المؤمل والذي قدماً سما شرفاً على الأنداد
إن القريض لكاسد في أرضنا وله هنا سوق بغير كساد
فجلبت من شعري إليك قوافياً يفنى الزمان وذكرها متمادي
من شاعر لم يضطلع أدباً ولا خطت يداه صحيفة بمداد
فقال له الملك: أنت ابن جاخ فقال: نعم، فقال: اجلس فقد وليتك رئاسة الشعراء، وأحسن إليه، ولم يأذن في الكلام في ذلك اليوم لأحد بعده، انتهى.
رحع إلى أخبار بقية بني عباد
المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن المعتضد أبي عمرو عباد ابن القاضي أبي القاسم ابن عباد رحمه الله تعالى، ملك مجيد، وأديب على الحقيقة مجيد، وهمام تحلى به للملك وللنظم جيد، أفنى الطغاة بسيفه وأباد، وأنسى بسيبه ذكر الحارث بن عباد، فأطلع أيامه في الزمان حجولاً وغروراً، ونظم معاليه في أجيادها جواهر ودرراً، وشيد في كل معلوة فناءه، وعمر بكل نادرة مستغربة وبادرة مستظرفة أوقاته وآناءه، فنفقت به للمحامد سوق، وبسقت ثمرات إحسانه أي بسوق، منع وقرى، وراش وبرى، ووصل وفرى، وكان له من أبنائه عدة أقمار نظمهم نظم السلك، وزين بهم سماء ذلك الملك، فكانوا معاقل بلاده، وحماة طارفه وتلاده، إلى أن استدار الزمان كهيئته، وأخذ البؤس في فيئته، واعتز الخلاف وظهر، وسل الشتات سيفه وشهر، والمعتمد رحمه الله تعالى يطلب نفسه أثناء ذلك بالثبات، بين تلك الثبات، والمقام، في ذلك المقام، إلى أن بدل القطب بالواقع، واتسع الخرق على الراقع، فاستعضد بابن تاشفين فورد عليه خطابه يشعر بالوفاء، فثاب إليه فكر خاطره وفاء، وثبت خلال تلك المدة للنزال، ودعا من رام حربه نزال، إلى أن أصبح والحروب قد نهبته، والأيام تسترجع منه ما وهبته، فثل ذلك العرش، واعتدت الليالي حين أمنت من الأرش، فنقل من صهوات الخيول إلى بطون الأجفان، وهذه الدنيا جميع ما لديها زائل وكل من عليها فان، فما أغنت تلك المملكة وما دفعت، وليتها ما ضرت إذ لم تكن نفعت، وكل يلقى معجله ومؤجله، ويبلغ الكتاب أجله.
وقال الفقيه القاضي أبو بكر ابن خميس رحمه الله تعالى حين ذكر تاريخ بني عباد: وقد ذكر الناس للمعتمد من أوصافه، ما لا يبلغ مع كثرته إلى إنصافه، وأنا الآن أذكر نبذاً من أخباره، وأردفها بما وقفت عليه من منظومات
أشعاره، فإنه رحمه الله تعالى جم الأدب رائقه، عالي النظم فائقه، كان يسمى بمحمد، ويكنى بأبي القاسم، على كنية جده القاضي، استبد بالأمر عند موت أبيه المعتضد، وفي ذلك يقول الحصري رحمه الله تعالى:
مات عباد ولكن بقي الفرع الكريم
قكأن الميت حي غير أن الضاد ميم
قال ابن اللبانة رحمه الله تعالى: ولم يزل المعتمد بخير إلى أن كانت سنة خمس وسبعين وأرعمائة، ووصل اليهودي ابن شاليب لقبض الجزية المعلومة مع قوم من رؤساء النصارى، وحلوا بباب من أبواب إشبيلية، فوجه لهم المعتمد المال، مع جماعة من وجوه دولته، فقال اليهودي: والله لا أخذت هذا العيار، ولا آخذه منه إلا مشجراً، وبعد هذا العام لا آخذ منه إلا أجفان البلاد، ردوه إليه، فرد المال إلى المعتمد، وأعلم بالقصة، فدعا بالجند، وقال: ائتوني باليهودي وأصحابه، واقطعوا حبال الخباء، ففعلوا وجاؤوا بهم، فقال: اسجنوا النصارى، واصلبوا اليهودي الملعون، فقال اليهودي: لا تفعل، وأنا أفتدي منك بزنتي مالاً، فقال: والله لو أعطيتني العدوة والأندلس ما قبلتهما منك، فصلب، فبلغ الخبر النصراني، فكتب فيهم، فوجه إليه بهم، فأقسم النصراني أن يأتي من الجنود بعدد سعر رأسه حتى يصل إلى بحر الزقاق، وأمير المسلمين يوسف بن تاشفين إذ ذاك محاصر سبتة، فجاز المعتمد إليه، ووعده بنصرته، فرجع وحث ملوك الأندلس على الجهاد، ثم وصل ابن تاشفين، فكانت غزوة الزلاقة المشهورة، ورجع ابن تاشفين إلى المغرب، ثم جاز بعد ذلك إلى الأندلس، وتوهم ابن عباد أنه إذا أخذ البلاد يأخذ أموالها ويترك الأجفان، فعزم ابن تاشفين على أن يخلع ملوك الأندلس، ودارت إذ ذاك مكايد جمة، ثم وجه ابن تاشفين من سبتة إلى المعتمد يطلب منه الجزيرة الخضراء وفيها ابنه يزيد، فكتب إليه معتذراً عنها، فلم يكن إلا كلمح بالبصر وإذا بمائة شراع قد أطلت على الجزيرة
فطير ابنه الحمام إليها، فأمره بإخلائها، فظهر عند ذلك ابن تاشفين، وقيل: إنه لم يجز المرة الأولى حتى طلب من المعتمد الجزيرة لتكون عدة له، وكان ذلك بدسيسة بعض أهل الأندلس نصحاً لابن تاشفين، ثم شرع ابن تاشفين في خلع ملوك الأندلس وقتالهم، وأرسل إلى كل مملكة حماعة من أخل دولته وأجناده يحاصرونها، وأرسل إلى حضرة المعتمد إشبيلية، وشرع في قتالها، والناس قد ملوا الدولة العبادية وسئموها، على ما جرت به العادة من حب الجديد، لا سيما وقد ظهر من ابن عباد من التهتك في الشرب والملاهي ما لا يخفى أمره، فتمنى أكثر الناس الراحة من دولتهم، ولما اشتد مخنق المعتمد وجه عن النصارى، فأعد لهم ابن تاشفين من لقيهم في الطريق، فهزمهم، وجهز ابن تاشفين القطائع لإشبيلية، وجد في حصارها، والمعتمد مع ذلك منغمس في لذاته، وقد ألقى الأمور بيد ابنه الرشيد، فلم يشعر ابن عباد إلا والعسكر معه في البلد، فأفاق من نومه، وصحا من سكره، وركب فرسه وحسامه في يده، وليس عليه إلا ثوب واحد، فوافق العسكر قد دخل من باب الفرج، ووافق هنالك طبالاً فضربه بسيفه ضربة قسمه بها نصفين، ففر الناس أمامه، وتراموا من السور، ووقف حتى بان الباب، وفي ذلك يقول الأبيات المذكورة فيما يأتي:
إن يسلب القوم العدا.... إلخ.
فلما وصل إلى باب الصباغين وجد ابنه مالكاً مقتولاً، فاسترحم له، ودخل القصر، وزاد الأمر بعد ذلك، ودخل البلد من كل جهاته فطلب الأمان له ولمن معه، فأمن وجميع من له، وأعدت له مراكب، واجتاز إلى طنجة، فلقيه الحصري الشاعر، وكان قد ألف له كتاب " المستحسن من الأشعار " فلم يقض بوصوله إليه إلا وهو على تلك الحالة، فلما أخذ المعتمد الكتاب قال للحصري: ارفع ذلك البساط فخذ ما تحته، فوالله ما أملك غيره، فوجد تحته جملة مال، فأخذه، ثم انتقل حتى وصل أغمات، ولم يزل بها إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
وقال الفتح في ترجمة ما نصه: ملك قمع العدا، وجمع البأس والندى، وطلع على الدنيا بدر هدى، لم يتعطل يوماً كفه ولا بنانه، آونة يراعه وآونة سنانه، وكانت أيامه مواسم، وثغوره بواسم، ولياليه كلها دررا، وللزمان حجولاً وغرراً، لم يغفلها من سمات عوارف، ولم يضحها من ظل إيناس وارف، ولا عطلها من مأثرة بقي أثرها بادياً، ولقي معتفيه منها إلى الفضل هادياً، وكانت حضرته مطمحاً للهمم، ومسرحاً لآمال الأمم، ومقذفاً لكل كمي، وموقفاً لكل ذي أنف حمي، لم تخل من وفد، ولم يصح جوها من انسجام رفد، فاجتمع تحت لوائه من جماهير الكاة، ومشاهير الحماة، أعداد يغص بهم الفضاء، وأنجاد يزهى بهم النفوذ والمضاء، وطلع في سمائه كل نجم متقد، وكل ذي فهم منتقد، فأصبحت حضرته ميداناً لرهان الأذهان، ومضماراً لإحراز الخصل، في كل معنى وفصل، فلم يلتحق بزمامه إلا كل بطل نجد، ولم يتسق في نظامه إلا ذكاء ومجد، فأصبح عصره أجمل عصر، وغدا مصره أكمل مصر، تسفح فيه ديم الكرم، ويفصح فيه لساناً سيف وقلم، ويفضح الضى في وصفه أيام ذي سلم، وكان قومه وبنوه لتلك الحلبة زيناً، ولتلك الجملة عيناً، إن ركبوا خلت الأرض فلكاً يحمل نجوماً، وإن وهبوا رأيت الغمائم سجوماً، وإن أقدموا أحجم عنترة العبسي، وإن فخروا أفحم عرابة الأوسي، ثم انحرفت الأيام فألوت بإشراقه، وأذوت يانع إيراقه، فلم يدفع الرمح ولا الحسام، ولم تنفع تلك المنن الجسام، فتملك بعد الملك، وحط من فلكه إلى الفلك، فأصبح خائضاً تحدوه الرياح، وناهضاً يجزيه البكاء والصياح، قد ضجت عليه أياديه، وارتجت جوانب ناديه، وأضحت منازله قد بان عنها الأنس والحبور، وألوت ببهجتها الصبا والدبور، فبكت العيون عليه دماً، وعاد
موجود الحياة عدماً، وصار أحرار الدهر فيه خدماً، فسحقاً لدنيا ما رعت حقوقه، ولا أبقت شروقه، فكم أحياها لبنيها، وأبداها رائقة لمجتنيها، وهي الأيام لا يتقى من تجنيها، ولا تبقي على مواليها ومدانيها، أدثرت آثار جلق، وأخمدت نار المحلق، وذلت عزة ابن شداد، وهدت القصر ذا الشرفات من سنداد، ونعمت ببؤس النعمان، وأكمنت غدرها له في طلب الأمان، انتهى.
ثم ذكر الفتح من أخباره وأشعاره ومجالس أنسه وغير ذلك من أمره نبذاً ذكرنا بعضها في هذا الكتاب.
الراضي ابن المعتمد
وقال في ترجمة ابنه الراضي بالله أبي خالد يزيد بن المعتمد ما نصه: ملك تفرع من دوحة سناء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتحدر من سلالة أكابر، ورقاة أسرة ومنابر، وتصرف أثناء شبيبته بين دراسة معارف وإفاضة عوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضة أجفانه، لا يستريح بغرته منه إلا إلى متن سائل الغرة، ميمون الأسرة، يسابق به الرياح، ويحاسن بغرته البدر اللياح، عريق في السناء، عتيق الاقتناء، سريع الوخد والإرقال، من آل أعوج أو لذي العقال، إلى أن ولاه أبوه الجزيرة الخضراء، وضم إليها رندة الغراء، فانتقل من متن الجواد، إلى ذروة الأعواد، وأقلع عن الدراسة، إلى تدبير الرياسة، وما زال يدبرها بجوده ونهاه، ويورد الآمل فيها مناه، حتى غدت عراقاً، وامتلأت إشراقاً، إلى أن اتفق في أمر الجزيرة ما اتفق، وخاب
فيها الرجاء وأخفق، واستحالت بهجتها، وأحالت عليها من الحال لجتها، فانتقل إلى رندة معقل أشب، ومنزل للسماك منتسب، وأقام فيها رهين حصار، ومهين حماة وأنصار، ولقيت ريحه كل إعصار، حتى رمته سهام الخطوب عن قسيها، وأمكنت منه يدي مسيها، فحواه رمسه، وطواه عن غده أمسه، حسبما بسطنا القول فيه فيما مر من أخبار أبيه، انتهى.
والذي أشار إليه هنا وأحال عليه فيما تقدم له من أخبار المعتمد هو قوله بعد حكايته قتل المأمون بن المعتمد بقرطبة وسياقه أخبار ذلك ما نصه: ثم انتقلوا إلى رندة أحد معاقل الأندلس الممتنعة، وقواعدها السامية المرتفعة، تطرد منها على بعد مرتقاها، ودنو النجوم من ذراها، عيون لانصبابها دوي كالرعد القاصف، والرياح العواصف، ثم تتكون وادياً يلتوي بجوانبها التواء الشجاع، ويزيدها في التوعر والامتناع، وقد تجونت نواحيها وأقطارها، وتكونت فيها لباناتها وأوطارها، لا يتعذر لها مطلب، ولا يتصور فيها عدو إلا علقه ناب أو مخلب، فلما أناخوا منها على بعد، وأقاموا من الرجاء فيها على غير وعد، وفيها ابنه الراضي لم يحفل بإناختهم بإزائه، ولا عدها من أرزائه، لامتناعه من منازلتهم، وارتفاعه عن مطاولتهم، إلى أن انقضى في أمر إشبيلية ما انقضى، وأفضى أمر أبيه إلى ما أفضى، فحمل على مخاطبته لينزل عن صياصيه، ويمكنهم من نواصيه، فنزل براً بأبيه، وإبقاء على أرماق ذويه، بعد أن عاقدهم مستوثقاً، وأخذ عليهم عهداً من الله وموثقاً، فلما وصل إليهم، وحصل في يديهم، مالوا به عن الحصن وجرعوه الردى، وأقطعوا الثرى حين أودى، وفي ذلك يقول المعتمد يرثيهما، وقد رأى قمربة بائحة بشجنها، نائحة بفننها على سكنها، وأمامها وكر فيه طائران يرددان نغماً، ويغردان ترحة وترنماً:
بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر مساء وقد أخنى على إلفها الدهر
وناحت فباحت واستراحت بسرها وما نطقت حرفاً يبوح به سر
فما لي لا أبكي أم القلب صخرة وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر
بكت واحداً لم يشجها غير فقده وأبكي لألاف عديدهم كثر
بني صغير أو خليل موافق يمزق ذا قفر وغرق ذا بحر
ونجمان زين للزمان احتواهما ... بقرطبة النكداء أو رندة القبر غدرت إذاً إن ضن جفني بقطرة وإن لومت نفسي فصاحبها الصبر
فقل للنجوم الزهر تبكيهما معي لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر
وقال في ترجمة الراضي ما صورته: وكان المعتمد رحمه الله تعالى كثيراً ما يرميه بملامه، ويصميه بسهامه، فلربما استلطفه بمقال أفصح من دمع المحزون، وأملح من روض الحزون، فإنه كان ينظم من بديع القول لآلئ وعقوداً، تسل من النفوس سخائم وحقوداً، وقد أثبت من كلامه في بث آلامه، واستجارة عذله وملامه، ما تستبدعه، وتحله النفوس وتودعه، فمن ذلك ما قاله وقد أنهض جماعة من إخوته وأقعده، وأدناهم وأبعده:
أعيذك أم يكون بنا خمول ويطلع غيرنا ولنا أفول
حنانك إن يكن جرمي قبيحاً فإن الصفح عن جرمي جميل
ألست بفرعك الزاكي وماذا يرجي الفرع خانته الأصول
ثم قال الفتح بعد كلام: ومرت عليه - يعني الراضي - هوادج وقباب، فيها حبائب كن له وأحباب، ألفهن أيام خلائه من دولة، وجال معهن في
ميدان المنى أعظم جولة، ثم انتزعوا منه ببعده، وأودعوا الهوادج من بعده، ووجهوا هدايا إلى العدوة، وألموا بها إلمام قريش بدار الندوة، فقال:
مروا بنا أصلاً بغير ميعاد فأوقدوا نار شوقي أي إيقاد
وأذكروني أياماً لهوت بهن فيها ففازوا بإيثاري وإحمادي
لا غرو أن زاد في وجدي مرورهم فرؤية الماء تذكي غلة الصادي
ولما وصل المعتمد لورقة أعلم أن العدو قد جيش لها واحتشد، ونهد نحوها وقصد، ليتركها خاوية على عروشها، طاوية الجوانح على وحوشها، فتعرض له المعتمد دون بغيته، وطلع عليه من ثنيته، وأمر الراضي بالخروج إليه في عسكر جرده لمحاربته، وأعده لمصادمته ومضاربته، فأظهر التمارض والتشكي، وأضمر التقاعص والتلكي، فراراً من المصادمة، وإحجاماً عن المساومة، وجزعاً من منازلة الأقران، ومقابلة ذوابل المران، ومقاساة الطعان، وملاقاة أبطال كالرعان، ورأى أن المطالعة، أرجح من المقارعة، ومعانة العلوم، أربح من مداواة الكلوم، فقد كان عاكفاً على تلاوة ديوان، عارفاً بإجادة سطر وعنوان، فعلم المعتمد ما نواه، وتحقق ما لواه، فأعرض عنه، ونفض يده منه، ووجه المعتد مع ذلك الجيش الذي لم تنشر بنوده، ولا نصرت جنوده، فعندما لاقوا العدو لاذوا بالفرار، وعاذوا بإعطاء الغرة بدلاً من الغرار، وتفرقوا في تلك الأماريت، وفرقوا من تخطف أولئك العفاريت، فتحيف العدو من بقي مع المعتمد واهتضمه، وخضم ما في العسكر وقضمه، وغدت مضاربه مجر عواليه، ومجرى مذاكيه، وآب أخسر من بائع السدانة، ومضيع الأمانة، فانطبقت سماء المعتمد على أرضه، وشغلته عن إقامة نوافله وفرضه، فكتب إليه الراضي:
لايكرثنك خطب الحادث الجاري فما عليك بذاك الخطب من عار
ماذا على ضيغم أمضى عزيمته إن خانه حد أنياب وأظفار
لئن أتوك فمن جبن ومن خور قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري
عليك للناس أن تبقى لنصرتهم ... وما عليك لهم إسعاد أقدار لو يعلم الناس فيما أن تدوم لهم بكوا لأنك من ثوب الصبا عاري
ولو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم لم يتحفوك بشيءً غير أعمار
فحجب عنه وجه رضاه، ولم يستنزله بذلك ولا استرضاه، وتمادى على إعراضه، وقعد عن إضهاره وإنهاضه، حتى بسطته سوانح السلو، وعطفته عليه جوانح الحنو، فكتب إليه بهزل، غلب فيه كل منزع جزل، وهو:
الملك في طي الدفاتر فتخل عن قود العسكر
طف بالسريرمسلماً وارجع لتوديع المنابر
وازحف الى جيش المعا رف تقهر الحبر المقامر
واطعن بأطراف اليرا ع نصرت في ثغر المحابر
واضرب بسكين الدوا ة مكان ماضي الحد باتر
أولست رسطاليس إن ذكر الفلاسفة الأكابر
وأبو حنيفة ساقط في الرأي حين تكون حاضر
وكذاك إن ذكر الخلي ل فأنت نحوي وشاعر
من هرمس من سيبوي هـ من ابن فورك إذ تناظر
هذي المكارم قد حوي ت فكن لمن حاباك شاكر
واقعد فإنك طاعم كاس وقل: هل من مفاخر
لحجبت وجه رضاي عن ك وكنت قد تلقاه سافر
أولست تذكر وقت لو رقة وقلبك ثم طائر
لا يستقر مكانه وأبوك كالضرغام خادر
هلا اقتديت بفعله وأطعته إذ ذاك آمر
قد كان أبصر بالعوا قب والموارد والمصادر
فكتب إليه الراضي مراجعاً بقطعة منها:
مولاي قد أصبحت كافر بجميع ما تحوي الدفاتر
وفللت سكين الدوا ة وظلت للأقلام كاسر
وعلمت أن الملك ما بين الأسنة والبواتر
والمجد والعلياء في ضرب العساكر بالعساكر
لا ضرب أقوال بأق وال ضعيفات مناكر
قد كنت أحسب من سفا هـ أنها أصل المفاخر
فإذا بها فرع لها والجهل للإنسان عاذر
لا يدرك الشرف الفتى إلابعسال وباتر
وهاجرت من سميتهم وجحدت أنهم أكابر
لو كنت تهوى ميتتي لوجدتني للعيش هاجر
ضحك الموالي بالعبي د إذا تؤمل غير ضائر
إن كان لي فضل فمن ك وهل لذاك النور ساتر
أو كان بي نقص فم ني غير أن الفضل غامر
ذكرت عبدك ساعة يبقى لها ما عاش ذاكر
يا ليته قد غيبت هـ عندها إحدى المقابر
أتريد مني أن أكو ن كمن غدا في الدهر نادر
هيهات ذلك مطمع يعيي الأوائل والأواخر
لاتنس يا مولاي قو لة ضارع لا قول فاخر
ضبط الجزيرة عندما نزلت بعقوبتها العساكر
أيام ظلت بها فري داً ليس غير الله ناصر
إذ كان يعشي ناظري لمع الأسنة والبواتر
ويصم أسماعي بها قرع الحجارة بالحوافر
وهي الحضيض سهولة لكن ثبت بها مخاطر
هبني أسأت كما أسأ ت أما لهذا العتب آخر
هب زلتي لبنوتي واغفر فإن الله غافر
فقربه وأدناه، وصفح عما كان جناه، ولم تزل الحال آخذة في البوار، والأمور معتلة اعتلال حب الفرزدق للنوار، حتى مضوا لغير طية، وقضوا بين الصوارم والرماح الخطية، حسبما سردناه، وإذا أراد الله سبحانه إنفاذ أمر سبق في علمه، فلا مرد له ولا معقب لحكمه، ولا إله إلا هو رب العالمين؛ انتهى كلام الفتح.
وعلى الجملة فكانت دولة بني عباد بالأندلس من أبهج الدول في الكرم والفضل والأدب، حتى قال ابن لبانة رحمه الله تعالى: إن الدولة العبادية بالأندلس أشبه شيء بالدولة العباسية ببغداد، سعة مكارم، وجمع فضائل، ولذلك ألف فيها كتاباً مستقلاً سماه " الاعتماد في أخبار بني عباد " ولا يلتفت لكلب عقور نبح بقوله:
مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتضد فيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد
لأن هذه مقالة متعسف كافر للنعم، ومثل ذلك في حقهم لا يقدح، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح.
وللمعتمد أولاد ملوك منهم المأمون والرشيد والراضي والمعتد وغيرهم، وقد سردنا خبر بعضهم.
مدائح ابن اللبانة في بني عباد
وكان الداني المذكور مائلاً إلى بني عباد بطبعه، إذ كان المعتمد هو الذي جذب بضبعه، وله فيه المدائح الأنيقة، التي هي أذكى من زهر الحديقة، فمن ذلك قوله من قصيدة يمدحه بها ويذكر أولاده الأربعة، الذين عمروا من المجد أربعة، وهم الرشيد عبيد الله والراضي يزيد والمأمون والمؤتمن، وكانوا نجوم ذلك الأفق وغيوث ذلك الزمن، ولقد أجاد في ذلك كل الإجادة، وأطال لمجدهم نجاده:
يغيثك في محل، يعينك في ردى يروعك في درع، يروقك في برد
جمال وإجمال وسبق وصولة كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد
بمهجته شاد العلا ثم زادها بناء بأبناء جحاجحة لد
بأربعة مثل الطباع تركبوا لتعديل ذكر المجد والشرف العد
والمأمون بن المعتمد قتله لمتونة بقرطبة، والراضي يزيد قتلوه برندة كما سقنا خبره آنفاً، وفي حالتهم هذه يقول الشاعر المشهور عبد الجبار بن حميدس الصقلي:
ولما رحلتم بالندى في أكفكم وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لساني بالقيامة قد دنت فهذي الجبال الراسيات تسير
وفي قصة المعتمد يقول الداني المذكور:
لكل شيء من الأشاء ميقات وللمنى في مناياهن غايات
والدهر في صفة الحرباء منغمس ألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشطرنج في يده وطالما قمرت بالبيدق الشاة
انفض يديك من الدنيا وزينتها فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها الأرضي قد كتمت سريرة العالم العلوي أغمات
وهي طويلة ذكرها الفتح وغيره.
وللداني أيضاً قصيدة عملها في المعتمد وهو بأغمات سنة:
تنشق بريحان السلام فإنما أفض به مسكاً عليك مختما
وقل لي مجازاً إن عدمت حقيقة لعلك في نعمي فقد كنت منعما
أفكر في عصر مضى بك مشرقاً فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
وأعجب من أفق المجرة إذ رأى كسوفك شمساً كيف أطلع أنجما
لئن عظمت فيك الرزية إننا وجدناك منها في الرزية أعظما
قناة سعت للطعن حتى تقسمت وسيف أطال الضرب حتى تثلما
ومنها:
بكى آل عباد ولا كمحمد ... وأولاده صوب الغمامة إذ همى حبيب إلى قلبي حبيب لقوله عسى طلل يدنو بهم ولعلما
صباحهم كنا به نحمد السرى فلما عدمناهم سرينا على عمى
وكنا رعينا العز حول حمامهم فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى
وقد ألبست أيدي الليالي قلوبهم مناسج سدى الغيث فيها وألحما
قصور خلت من ساكنيها فما بها سوى الأدم تمشي حول واقفة الدمى
تجيب بها الهام الصدى ولطالما أجاب القيان الطائر المترنما
كأن لم يكن فيها أنيس، ولا التقى بها الوفد جمعاً والخميس عرمرما
ومنها:
حكيت وقد فارقت ملكك مالكاً ومن لهي أحكي عليك متمما
مصاب هوى بالنيرات من العلا ولم يبق في أرض المكارم معلما
تضيق علي الأرض حتى كأنما خلقت وإياها سواراً ومعصما
ندبتك حتى لم يخل لي الأسى دموعاً بها أبكي عليك ولا دما
وإني على رسمي مقيم فإن أمت سأجعل للباكين رسمي موسما
بكاك الحيا والريح شقت جيوبها عليك وناح الرعد باسمك معلما
ومزق ثوب البرق واكتست الضحى حداداً وقامت أنجم الجو أفحما
وحار ابنك الإصباح وجداً فما اهتدى وغار أخوك البحر غيضاً فما طمى
وما حل بدر التم بعدك دارة ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما
قضى الله أن حطوك عن ظهر أشقر بشم وأن أمطوك أشأم أدهما
وكان قد انفكت عنه القيود، فأشار إلى ذلك بقوله فيها:
قيودك ذابت فنطلقت لقد لقدغدت قيودك منهم بالمكارم أرحما
عجبت لأن لان الحديد وأن قسوا لقد كان منهم بالسريرة أعلما
سينجيك من نجى من السجن يوسفاً ويؤويك من آوى المسيح بن مريما
ولأبي بكر الداني المذكور في البكاء على أيامهم وانتثار نظامهم عدة مقطوعات وقصائد، هي قرة عين الطالب ونجعة الرائد، وقد اشتمل عليها جزء لطيف، صدر عنه في هيئة تصنيف، سماه " السلوك في وعظ الملوك "، ووفد على المعتمد وهو بأغمات، عدة وفادات، لم يخل في جميعها من إفادات، وقال في إحداها، هذه وفادة وفاء لا وفادة اجتداء.
مقتطفات من أخبار المعتمد
قال غير واحد: من النادر الغريب أنه نودي في جنازته " الصلاة على الغريب " بعد عظم سلطانه، وسعة أوطانه، وكثرة صقلبته وحبشانه، وعظم أمره وشانه، فتبارك من له العزة والبقاء والدوام، واجتمع عند قبره جماعة من الأقوام، الذين لهم في الأدب حصة، ولقضية المعتمد في صدورهم غصة، منهم البالغ في البلاغة الأمد، شاعره أبو بحر عبد الصمد، وكان به خصيصاً، وكم ألبسه من بره حلة وقميصاً، فقال من قصيدة طويلة أجاد فيها ما شا، وجلب بها إلى أنفس الحاضرين بعد الأنس إيحاشا، مطلعها:
ملك الملوك أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عوادي
ومنها:
لما خلت منك القصور ولم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد
قبلت من هذا الثرى لك خاضعاً وجعلت قبرك موضع إنشاد
فلما بلغ من إنشاده، إلى مراده، قبل الثرى ومرغ جسمه وعفر خده، فبكى كل من حضر وصرفه ذلك عن سرور العيد وصده، إذ كانت هذه القصة يوم عيد، فسبحان المبدئ المعيد.
ويحكى أن رجلاً رأى في منامه إثر الكائنة على المعتمد بن عباد كأن رجلاً صعد منبر جامع قرطبة فاستقبل الناس وأنشد هذه الأبيات متمثلاً:
رب ركب قد أناخوا عيسهم في ذرى مجدهم حين بسق
سكت الدهر زماناً عنهم ثم أبكاهم دماً حين نطق
وعاش أبو بكر ابن اللبانة المعروف بالداني المذكور آنفاً بعد المعتمد، وقدم ميورقة آخر شعبان سنة، ومدح ملكها مبشر بن سليمان بقصيدة مطلعها:
ملك يروعك في حلى ريعانه راقت برونقه صفات زمانه
وأين هذا من أمداحه في المعتمد
وتذكرت هنا من أحوال الداني أنه دخل على ابن عمار في مجلس، فأراد أن يندر به وقال له: اجلس ياداني، بغير ألف، فقال له: نعم يا ابن عمار، بغير ميم، وهذا هو الغاية في سرعة الجواب والأخذ بالثأرفي المزاح.
ونظيره - وإن كان من باب آخر - أن المعتمد مر مع وزيره ابن عمار ببعض أرجاء إشبيلية، فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط، فكشفت وجهها، وتكلمت بكلام لايقتضيه الحياء، وكان ذلك بموضع الجباسين الذين يصنعون به الجبس والجيارين الصانعين للجير، بإشبيلية، فالتفت المعتمد إلى موضع الجيارين، وقال: يا ابن عمار الجيارين، ففهم مراده، وقال في الحال: يا مولاي والجباسين، فلم يفهم الحاضرون المراد، وتحيروا، فسألوا ابن عمار، فقال له المعتمد: لاتبعها منهم إلا غالية، وتفسيرها أن ابن عباد صحف " الحيا زين " بقوله
الجيارين إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان لها حياء لازدانت، فقال له والجباسين وتصحيفه " والخناشين " أي: هي وإن كانت جميلة بديعة الحسن لكن الخنا شانها، وهذا شأو لا يلحق.
ومن أخبار المعتمد أنه جلس يوماً والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها، فصنع ابن وهبون بديهاً:
للصيد قبلك سنة مأثورة لكنها بك أبدع الأشياء
تمضي البزاة وكلما أمضيتها عاطيتها بخواطر الشعراء
فاستحسنهما، وأسنى جائزته.
وذكر ابن بسام أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد يوماً وقد حمل إليه حمولة وافرة من قراريط الفضة، فأمر له بسكين منها، وكان بين يديه تماثيل
عنبر من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلئ، فقال أبو العرب معرضاً: ما يحمل هذين الكيسين إلا جمل، فابتسم المعتمد وأمر له به، فقال أبو العرب بديهاً:
أهديتني جملاً جوناً شفعت به ... حملاً من الفضة البيضاء لو حملاً نتاج جودك في أعطان مكرمة لا قد تصرف من منع ولا عقلا
فاعجب لشأني فشأني كله عجب رفهتني فحملت الحمل والجملا
وذكر الحجاري هذه القصة فقال: قعد المعتمد في مجلس احتفل في تنضيده وإحضار الطرائف الملوكية، وكان في الجملة تمثال جمل من بلور، وله عينان من ياقوتتين، وقد حلي بنفائس الدر، فأنشده أبو العرب قصيدة، فأمر له بذهب كثير مما كان بيده من السكة الجديدة، فقال معرضاً بذلك الجمل: ما يحمل هذه الصلة إلا جمل! فقال: خذ هذا الجمل، فإنه حمال أثقال، فارتجل شعراً منه:
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع