تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

تتمة (١٠)

يا عين صار الدمع عندك عادة تبكين في فرح وفي أحزان

وهذا البيت من جملة أبيات هي:

جاء الكتاب من الحبيب بأنه سيزورني فاستعبرت أجفاني

غلب السرور علي حتى إنهمن عظم فرط مسرتي أبكاني وبعده البيت، وبعده:

فاستقبلي بالبشر يوم لقائه ودعي الدموع لليلة الهجران

ومنهن مهجة القرطبية صاحبة ولادة رحمهما الله تعالى، وكانت من أجل نساء زمانها، وعلقت بها ولادة، ولازمت تأديبها، وكانت من أخف الناس روحاً، ووقع بينها وبين ولادة ما اقتضى أن قالت:

ولادة قد صرت ولادة من غير بعل، فضح الكاتم

حكت لنا مريم لكنه نخلة هذي ذكر قائم

قال بعض الأكابر: لو سمع ابن الرومي هذا لأقر لها بالتقديم.

ومن شعرها:

لئن قد حمى عن ثغرها كل حائم فما يزال يحمى

فذلك تحميه القواضب والقنا وهذا حماه من لواحظها السحر

وأهدى إليها من كان يهيم بها خوخاً، فكتبت إليه:

يا متحفاً بالخوخ أحبابه أهلاً به من مثلج للصدور

حكى ثدي الغيد تفليكه لكنه أخزى رؤوس الأيور

ومنهن هند جارية أبي محمد عبد الله بن مسلمة الشاطبي، وكانت أديبة شاعرة، كتب إليها أبو عامر ابن ينق يدعوها للحضور عنده بعودها:

يا هند هل لك في زيارة فتية نبذوا المحارم غير شرب السلسل

سمعوا البلابل قد شدوا فتذكروا نغمات عودك في الثقيل الأول

فكتبت إليه في ظهر رقعته:

يا سيداً حاز العلا عن سادة شم الأنوف من الطراز الأول

حسبي من الإسراع نحوك أنني كنت الجواب مع الرسول المقبل

ومنهن الشلبية، قال ابن الأبار، ولم أقف على اسمها، وكتبت إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلم من ولاة بلدها وصاحب خراجه:

قد آن أن تبكي العيون الآبية ولقد أرى أن الحجارة باكية

يا قاصد المصر الذي يرجى به إن قدر الرحمن رفع كراهية

ناد الأمير إذا وقفت ببابه يا راعياً إن الرعية فانية

أرسلتها هملاً ولا مرعى لها وتركتها نهب السباع العادية

شلب كلا شلب، وكانت جنة فأعادها الطاغون ناراً حامية

حافوا وما خافوا عقوبة ربهم والله لا تخفى عليه خافية

فيقال: إنها ألقيت يوم الجمعة على مصلى المنصور، فلما قضى الصلاة وتصفحها بحث عن القصة فوقف على حقيقتها، وأمر للمرأة بصلة.

وحكي أن بعض قضاة لوشة كانت له زوجة فاقت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل، وكان قبل أن يتزوجها ذكر له وصفها فتزوجها، وكان في مجلس قضائه تنزل به النوازل، فيقوم إليها فتشير عليه بما يحكم به، فكتب إليه بعض أصحابه مداعباً بقوله:

بلوشة قاض له زوجة وأحكامها في الورى ماضية

فيا ليته لم يكن قاضياً ويا ليتها كانت القاضية

فأطلع زوجته عليه حين قرأه فقالت: ناولني القلم، فناولها، فكتبت بديهة:

هو شيخ سوء مزدرى له شيوب عاصية

كلا لأن لم ينته لنسفعاً بالناصية

وسمعت بعض أشياخنا يحكي القضية عن لسان الدين بن الخطيب، وأنه هو الذي كتب يداعب زوج المرأة فكتبت إليه:

إن الإمام ابن الخطيب له شيوب عاصية

إلى آخره، فالله أعلم.

ومنهن نزهون الغرناطية.

قال في المغرب: من أهل الماء الخامسة ذكرها الحجاري في المسهب ووصفها بخفة الروح، والانطباع الزائد، والحلاوة، وحفظ الشعر، والمعرفة بضرب الأمثال، مع جمال فائق، وحسن رائق، وكان الوزير أبو بكر ابن سعيد أولع الناس بمحاضرتها ومذاكرتها ومراسلتها، فكتب لها مرة:

يا من له ألف خل من عاشق وصديق

أراك خليت للنا س منزلاً في الطريق

فأجابته:

حللت أبا بكر محلاً منعته سواك، وهل غير الحبيب له صدري

وإن كان لي كم من حبيب فإنما يقدم أهل الحق حب أبي بكر

قيل: لو قالت " وإن كان خلاني كثيراً...... إلخ " لكان أجود.

ولما قال فيها المخزومي:

على وجه نزهون من الحسن مسحة وتحت الثياب العار لو كان باديا

قواصد نزهون توارك غيرها ومن قصد البحر استقل السواقيا

قالت:

إن كان ما قلت حقاً من بعض عهد كريم

فصار ذكري ذميماً يعزى إلى كل لوم

وصرت أقبح شيء في صورة المخزومي

وقد تقدمت حكايتها في الباب الأول من هذا، فلتراجع.

وقال لها بعض الثقلاء: معلى من أكل معك خمسمائة صوت فقالت:

وذي شقوة لما رآني رأى له تمنيه أن يصلى معي جاحم الضرب

فقلت له كلها هنيئاً فإنما خلقت إلى لبس المطارف والشرب

ابن قزمان

وقال ابن سعيد في طالعه لما وصف وصول ابن قزمان إلى غرناطة واجتماعه بجنته بقرية الزاوية من خارجها بنزهون القلاعية الأديبة، وما جرى بينهما، وأنها قالت له بعقب ارتجال بديع - وكان يلبس غفارة صفراء على زي الفقهاء حينئذ - أحسنت يا بقرة بني إسرائيل، إلا أنك لا تسر الناظرين، فقال لها: إن لم أسر الناظرين فأنا أسر السامعين، وإنما يطلب سرور الناظرين يا فاعلة يا صانعة، وتمكن السكر من ابن قزمان، وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة، فما خرج إلا وهو قد شرب كثيراً من الماء، وثيابه تهطل، فقال: اسمع يا وزير، ثم أنشد:

إيه أبا بكر ولا حول لي بدفع أعيان وأنذال

وذات فرج واسع دافق بالماء يحكي حال أذيالي

غرقتني في الماء يا سيدي كفره بالتغريق في المال

فأمر بتجريد ثيابه، وخلع عليه ما يليق به، ومر لهم يوم بعد عهدهم بمثله. ولم ينتقل ابن قزمان من غرناطة إلا من بعد ما أجزل له الإحسان، ومدحه بما هو ثابت له في ديوان أجزاله. وحكي عنه فيما أظن - أعني ابن قزمان - ويحتمل أنه غيره أنه تبع إحدى الماجنات، وكان أحول، فأطعمته في نفسها، وأشارت إليه أن يتبعها، فاتبعها حتى أتت سوق الصاغة بإشبيلية، فوقفت على صائغ من صياغها، فقالت له: يا معلم مثل هذا يكون فص الخاتم الذي قلت لك عنه، تشير إلى عين ذلك الأحول الذي تبعها، وكانت قد كلفت ذلك الصائغ أن يعمل لها خاتماً يكون فصه عين إبليس، فقال لها الصائغ: جيئيني بالمثال، فإني لم أر هذا ولا سمعته قط، فجاءته به عن مثال، وحكاها بعضهم على وجه آخر وأنها ذهبت إلى الصائغ وقالت له: صور لي صورة الشيطان، فقال لها: ائتيني بمثال، فلما تبعها ابن قزمان جاءت به، وقالت له: مثل هذا، فسأل ابن قزمان فأعلمه فخجل ولعنها، وكتب أبو بكر ابن قزمان على باب جنته:

وقائل يا حسنها جنة لا يدخل الحزن على بابها

فقلت والحق له صولة أحسن منها مجد أربابها

وله:

كثير المال تمسكه فيفنى وقد يبقى مع الجود القليل

ومن غرست يداه ثمار جود ففي ظل الثناء له مقيل

رجع إلى أخبار نزهون بنت القليعي

حكي أنها مكانت تقرأ على أبي بكر المخزومي الأعمى، فدخل عليهما أبو

بكر الكتندي، فقال يخاطب المخزومي:

لو كنت تبصر من تجالسه

فأفحم، وأطال الفكر فما وجد شيئاً، فقالت نزهون:

لغدوت أخرس من خلاله

البدر يطاع من أزرته والغصن يمرح في غلائله

وكانت ماجنة، ومن شعرها قولها:

لله در الليالي ما أحيسنها وما أحيسن منها ليلة الأحد

لو كنت حاضرنا فيها وقد غفلت عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد

أبصرت شمس الضحى في ساعدي قمر بل ريم خازمة في ساعدي أسد

مقطعات لابن الزقاق

وهذا المعنى متفق مع قول ابن الزقاق:

ومرتجة الأرداف أما قوامها فلدن وأما ردفها فرادح

ألمت فبات الليل من قصر بها يطير، ولا غير السرور جناح

فبت وقد زارت بأنعم ليلة يعانقني حتى الصباح صباح

على عاتقي من ساعديها حمائل وفي خصرها من ساعدي وشاح

وابن الزقاق هذا له في النظم والغوص على المعاني الباع المديد، ومن نظمه قوله:

رئيس الشرق محمود السجايا يقصر عن مدائحه البليغ

نسميه بيحيى وهو ميت كما أن السليم هو اللديغ

يعاف الورد إن ظمئت حشاه وفي مال اليتيم له ولوغ

زقزله:

كتبت ولو أنني أستطيع لإجلال قدرك بين البشر

قددت اليراعة من أنملي وكان المداد سواد البصر

وقوله:

غرير يباري الصبح إشراق خده وفي مفرق الظلماء منه نصيب

ترف بفيه ضاحكاً أقحوانة ويهتز في برديه منه قضيب

وقوله:

ومهفهف نبت الشقيق بخده واهتز أملود النقا في برده

ماء الشبيبة والغرام أرق من صقل الحسان المنتقى وفرنده

يحيي الورى بتحية من وصله من بعد ما وردوا الحمام بصده

إن كنت أهديت الفؤاد له فقل أي الجوى بجوانح لم يهده

وقوله:

أرق نسيم الصبا عرفه وراق قضيب النقا عطفه

ومر بنا يتهادى وقد نظر سيف أجفانه طرفه

ومد لمبسمه راحة فخلت الأقاح دنا قطفه

أشارت بتقبيلها للسلام فقال فمي ليتني كفه

وقوله:

بأبي من لم يدع لي لحظه في الهوى من رمق حين رمق

جمعت نكهته في ثغره عبقاً في نسق يسبي الحدق

وبدت خجلته في خده شفقاً في فلق تحت غسق

وقال:

وعشية لبست ملاء شقيق تزهى بلون للخدود أنيق

أبقت بها الشمس المنيرة مثل ما أبقى الحياء بوجني معشوق

لو أستطيع شربتها كلفاً بها وعدلت فيها عن كؤوس رحيق

وقال في مسامرة كتاب زعماء:

لله ليلتنا التي استخذى بها فلق الصباح لسدفة الإظلام

طرأت علي مع النجوم بأنجم من فتية بيض الوجوه كرام

إن حوربوا فزعوا إلى بيض الظبى أو خوطبوا فزعوا إلى الأقلام

فترى البلاغة إن نظرت إليهم والبأس بين يراعة وحسام

وقال:

ومجدين في السرى قد تعاطوا غفوات الهوى بغير كؤوس

جنحوا وانحنوا على العيس حتى خلتهم يعتبون أيدي العيس

نبذوا الغمض وهو حلو إلى أن وجدوه سلافة في الرؤوس

وقال:

وحبب يوم السبت عندي أنني ينادمني فيه الذي أنا أحببت

ومن أعجب الأشياء أني مسلم حنيف ولكن خير أيامي السبت

ولنقتصر من نساء الأندلس على هذا المقدار، ونعد غلى ما كنا فيه من جلب كلام بلغاء الأندلس ذوي الأقدار، فنقول:

قال الخفاجي رحمه الله تعالى:

وهاتفة في البان تملي غرامها علينا وتتلو من صبابتها صحفا

عجبت لها تشكو الفراق جهالة وقد جاوبت من كل ناحية إلفا

ويشجي قلوب العاشقين أنينها وما فهموا مما تغنت به حرفا

ولو صدقت فيما تقول فيه من الأسى لما لبست طوقاً ولا خضبت كفا

وقال الأستاذ أبو محمد ابن صارة:

متى تلتقي عيناي بدر مكارم تود الثريا أنها من مواطئه

ولما أهل المدلجون بذكره وفاح تراب البيد مسكاً لواطئه

عرفنا بحسن الذكر حسن صنيعه كما عرف الوادي بخضرة شاطئه

وقال يتغزل:

يا من تعرض دونه شحط النوى فاستشرفت لحديثه أسماعي

إني لمن يحظى بقربك حاسد ونواظري يحسدن فيك رقاعي

لم تطوك الأيام عني إنما نقلتك من عيني إلى أضلاعي

مقطعات لابن العطار

وقال الأديب أبو القاسم ابن العطار:

عبرنا سماء الجو والنهر مشرق وليس لنا إلا الحباب النجوم

وقد ألبسته الأيك برد ظلالها وللشمس في تلك البرود رقوم

وله أيضاً:

لله بهجة نزهة ضربت به ... فوق الغدير رواقها الأنشام فمع الأصيل النهر درع سابغ ومع الضحى يلتاح فيه حسام

وقال أيضاً:

هبت الريح بالعشي فحاكت زرداً للغدير ناهيك جنه

وانجلى البدر بعد هدء فحاكتكفه للقتال منه أسنه وقال أيضاً:

لله حسن حديقة بسطت لنا منها النفوس سوالف ومعاطف

تختال في حلل الربيع وحليه ومن الربيع قلائد ومطارف

وله:

وسنان ما إن يزال عارضه يعطف قلبي بعطفة اللام

أسلمني للهوى فوا حزني أن بزني عفتي وإسلامي

لحاظه أسهم، وحاجبه قوس، وإنسان عينه رامي

وارتجل أبو جعفر ابن خاتمة رحمه الله تعالى لما بات في قرية بيش:

لله منزلنا بقرية بيش كاد الهوى فيها ادكاراً بي يشي

رحنا إليها والبطاح كأنها صحف مذهبة بإبريز العشي

فأجازه الوزير ابن جزي بقوله:

في فتية هزت حميا الأنس من أعطافهم فالكل منها منتشي

يأتي علاهم بالصحيح، ولفظهم بالمنتقى، وجمالهم بالمدهش

وقال السلطان أبو الحجاج النصري مرتجلاً أيام مقامه بظاهر جبل الفتح سنة:

ولم يتركوا أوطانهم بمرادهم ولكن لأحوال أشابت مفارقي

أقام بها ليل التهاني تقلباً وقد سكنت جهلاً نفوس الخلائق

فعوضتها ليل الصبابة بالسرى وأنس التلاقي بالحبيب المفارق

ولم يثنني طرف من النور ناعس ولا معطف للبان وسط الحدائق

ولا منهض الأشبال في عقر غيرهم ولا ملعب الغزلان فوق النمارق

وعاطيتها صبح الدياجي مدامة تميل بها الركبان فوق الأيانق

إذا ما قطعنا بالمطي تنوفة دلجنا لأخرى بالجياد السوابق

بحيث التقى موسى مع الخضر آية عسى ترجع العقبى كموسى وطارق

وله:

من عاذري من غزال زانه حور قد هام لما بدا في حسنه البشر

ألحاظه كسيوف الهند ماضية لها بقلبي وإن سالمتها أثر

وقال القاضي أبو القاسم ابن حاتم:

شكوت بما دهاك وكان سراً لمن ليست مودته صحيحه

فتلك مصيبة عادت ثلاثاً لصحبتها الشماتة والفضيحه

وقال الفقيه محمد بن سعيد الأندلسي مخاطباً للفقيه الفخار:

خفف علينا قليلاً أيها المعلم فربما كان فينا من به ألم

لا يستطيع نهوضاًمن ألمه وإن تمادى قليلاً خانت القدم

كفى وصية مولانا وسيدنا محمد فاسمعوا ما قال والتزموا

وقال ابن جبير اليحصبي فيمن أهدى إليه تفاحاً:

خليل لم يزل قلبي قديماً يميل بفرط صاغية إليه

أتاني مقبلاً والبشر يبدي وسائل برة كرمت لديه

وجاء بعرف تفاح ذكي فقلت أتى الخليل بسيبويه

فأهدى من جناه بكل شكل يلوح جمال مهديها عليه

وقال قاضي مالقة سيدي إبراهيم البدوي:

قطعت يأسي فصنت نفسي عن الوقوف لذي وجاهه

قصدت ربي فكان حسبي ألبسني فضله وجاهه

فال يرى ينثني عناني مدى حياتي إلا تجاهه

وقال ابن خليل السكوني في فهرسته: شاهدت بجامع العدبس بإشبيلية ربعة مصحف في أسفار ينحى به لنحو خطوط الكوفة إلا أنه أحسن خطاً وأبينه وأبرعه وأتقنه، فقال لي الشيخ الأستاذ أبو الحسن ابن الطفيل بن عظيمة: هذا خط ابن مقلة، وأنشد:

خط ابن مقلة من أرعاه مقلته ودت جوارحه لو أنها مقل

ثم قسنا حروفه بالضابط فوجدنا أنواعها تتماثل في القدر والوضع، فالألفات على قدر واحد، واللامات كذلك، والكافات والواوات وغيرها بهذه النسبة، انتهى.

قلت: رأيت بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مصحفاً بخط ياقوت المستعصمي بهذه المثابة، وهو من الأوقاف الرستمية، ورأيت بالحجرة الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام مصحفاً مكتوباً في آخره ما صورته: كتبته بقلم واحد فقط ما قط قط إلا مرة فقط، انتهى.

رجع:

وقال ابن عبدون رحمه الله تعالى:

أذهبن من فرق الفراق نفوسا ونثرن من در الدموع تفيسا

فتبعتها نظر الشجي فحدقت رقباؤها نحوي عيوناً شوسا

وحللن عقد الصبر إذ ودعنني فحللن أفلاك الخدور شموسا

حلته إذ حلته حتى خلته عرشاً لها وحسبتها بلقيسا

فازور جانبها وكان جوابها: لو كنت تهوانا صحبت العيسا

وهي طويلة.

قلت: ما أظن لسان الدين نسج قصيدته من هذا البحر والروي إلا على منوال هذه، وإن كان الحافظ التنسي قال: إنه نسجها على قصيدة أبي تمام حسبما ذكرنا ذلك في محله، فليراجع.

وقال أبو عبد الله ابن المناصف قاضي بلنسية ومرسية رحمه الله تعالى:

ألزمت نفسي خمولا عن رتبة الأعلام

لا يخسف البدر إلا ظهوره في تمام

وتذكرت به قول غيره:

ليس الخمول بعار على امرئ ذي جلال

فليلة القدر تخفى وتلك خير الليالي

وقال الوزير ابن عمار، وقد كتب له أبو المطرف ابن الدباغ شافعاً لغلام طر له عذار:

أتاني كتابك مستشفعاً بوجه أبي الحسن من رده

ومن قبل فضي ختم الكتاب قرأت الشفاعة في خده

وقال القاضي الأديب، والفيلسوف الأريب، أبو الوليد الوقشي قاضي طليطلة:

برح بي أن علوم الورى قسمان ما إن فيهما من مزيد

حقيقة يعجز تحصيلها وباطل تحصيله لا يفيد

وقال أبو عبد الله ابن الصفار وهو من بيت القضاء والعلم بقرطبة:

لا تحسب الناس سواء متى ما اشتبهوا فالناس أطوار

زانظر إلى الأحجار، في بعضها ماء، وبعض ضمنه نار

وهذا مثل قول غيره:

الناس كالأرض ومنها هم من خشن الطبع ومن لين

مرو تشكى الرجل منه الوجى وإثمد يجعل في الأعين

ومن نظم ابن الصفار المذكور:

إذا نويت انقطاعاً فاعمل حساب الرجوع

وقال أبو مروان الجزيري:

ومن العجائب والعجائب جمة أن يلهج الأعمى بعيب الأعور

وقال حسان بن المصيصي كاتب بن عباد ملك قلطبة:

لا تأمنن من العدو لبعده إن امرأ القيس اشتكى الطماحا

وقال الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي في كتابه الإسفار عن نتائج الأسفار: أنشدني الكاتب أبو عمرو ابن مهيب بإشبيلية أبياتاً عملها في حمود بن إبراهيم بن أبي بكر الهرغي، وكان أجمل أهل زمانه، رآه عندنا زائراً وقد خط عذاره، فقلت: يا أبا عمرو، ما تنظر إلى حسن هذا الوجه فعمل الأبيات في ذلك، وهي:

وقالوا العذار جناح الهوى إذا ما استوى طار عن وكره

وليس كذاك فخبرهم قياماً بعذري أو عذره

إذا كمل الحسن في وجنة فخاتمه ويك من شعره

قال بعضهم: رأيت آخر الكتاب المذكور بعد فراغه شعراً نسبه إليه، وهو:

يا جاضراً بجماله في خاطري ومحجباً بجلاله عن ناظري

إن غبت عن عيني فإنك نورها وضمير سرك سائر في سائري

ومن العجائب أنني أبداً إلى رؤياك ذو شوق مديد وافر

وع أنني ما كنت قط بمجلس إلا وكنت كنادمي ومسامري

وأنشد في الإحاطة لعبد الله الجذامي:

أيا سيدي أشكو لمجدك أنني صددت مراراً عن مثولي بساحتك

شكاة اشتياق أنت حقاً طبيبها وما راحتي إلا بتقبيل راحتك

قال: وهو عبد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد الجذامي، فاضل ملازم

للقراءة، عاكف على الخير، مشارك في العربية، خاطب للرياسة الأدبية، اختص بالأمير أبي علي المنصور ابن السلطان أيام مقامه بالأندلس، ومما خاطبه به معتذراً:

أيا سيدي...... البيتين

انتهى.

وقال في ترجمة عبد الله بن أحمد المالقي قاضي غرناطة، وكان فقيهاً بارع الأدب: إنه كتب إلى أبي نصر صاحب القلائد والمطمح أثناء رسالة بقوله:

تفتحت الكتابة عن نسيم نسيم المسك في خلق كريم

أبا نصر رسمت لها رسوماً تخال رسومها وضح النجوم

وقد كانت عفت فأنرت منها سراجاً لاح في الليل البهيم

فتحت من الصناعة كل باب فصارت في طريق مستقيم

فكتاب الزمان ولست منهم إذا راموا مرامك في هموم

فما قس بأبدع منك لفظاً ولا سحبان مثلك في العلوم

وقال الذهبي، وقد جرى ذكر محمد بن الحسن المذحجي الأندلسي ابن الكتاني: إنه أديب شاعر متفنن ذو تصانيف، حمل عنه ابن حزم، ومن شعره:

ألا قد هجرنا الهجر واتصل الوصل وبانت ليالي البين واجتمع الشمل

فسعدي نديمي، والمدامة ريقها، ووجنتها روضي، وتقبيلها النقل

وقال العلامة محمد بن عبد الرحمن الغرناطي:

الشعب ثم قبيلة وعمارة بطن وفخذ والفصيلة تابعه

فالشعب مجتمع القبيلة كلها ثم القبيلة للعمارة جامعه

والبطن تجمعه العمائر فاعلمن والفخذ تجمعه البطون الواسعه

والفخذ يجمع للفصائل هاكها جاءت على نسق لها متتابعه

فخزيمة شعب، وإن كنانة لقبيلة منها الفصائل شائعه

وقريشها تسمى العمارة يا فتى وقصي بطن للأعادي قامعه

ذا هاشم فخذ وذا عباسها أثر الفصيلة لا تناط بسابعه

وكتبت هذه الأبيات وإن لم تشتمل على البلاغة لما فيها من الفائدة، ولأن بعض الناس سألني فيها لغرابتها، والأعمال بالنيات.

ولما دخل أبو محمد الكلاعي الجياني على القاضي ابن رشد قام له فأنشده أبو محمد بديهة:

قام لي السيد الهمام قاضي قضاةالورى الإمام

فقلت قم بي، ولا تقم لي فقلما يؤكل القيام

وقال أبو عبد الرحمن ابن جحاف البلنسي:

لئن كان الزمان أراد حطي وحاربني بأنياب وظفر

كفاني أن تصافيني المعالي وإن عاديتني يا أم دفر

فما اعتز اللئيم وإن تسامى ولا هان الكريم بغير وفر

وقال أبو محمد ابن برطله:

ألا إنما سيف الفتى صنو نفسه فنافس بأوفى ذمة وإخاء

يزينك مرأى أو يعينك حاجة فيحسن حالي شدة ورخاء

وقال أيضاً:

أنفسي صبراً لا يروعك حادث بإرتاجه واستشعري عاجل الفتح

فرب اشتداد في الخطوب لفرجةكما انشق ليل طال عن فلق الصبح وقال أيضاً:

متى يدنو لوعدكم انتجاز ويبعد من حقيقته المجاز

أيجمل أن يؤمكم رجائي فيوقف لا يرد ولا يجاز

وجدكم كفيل بالأماني ومطلوبي قريب مستجاز

إذا ما أمكنت فرص المساعي فعجز أن يطاولها انتهاز

وها أنا قد هززتكم حساماً ويحسن للمهندة اهتزاز

فما الإنصاف أن ينضى كهام ويودع غمده العضب الجراز

كما نعم العراق بعذب بحر ويشقى بالظما البرح الحجاز

فأعيى الناس في المقدار حكم ... تجاذبه خمول واعتزاز وأنشد الشيخ أبو بكر ابن حبيش لابن وضاح البيت المشهور، وهو:

أسرى وأسير في الآفاق من قمر ومن نسيم ومن طيف ومن مثل

وابن حبيش المذكور هو أبو بكر محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش - بفتح الحاء - وقد عرف به تلميذه ابن الفهري في رحلته، فقال بعد كلام: أما النظم فبيده عنانه، وأما النثر فإن مال إليه توكف له بنانه، مع تواضع زائد، على صلة مخبره عائد، لقيته بمنزله ليوم أو يومين من مقدمي على تونس، فتلقى بكل فن يونس، وصادفته بحالة مرض، من وثء في رجله عرض، وعنده جملة من العواد، من الصدور الأمجاد، فأدنى وقرب، وسهل ورحب، وتفاوض أولئك الصدور، في فنون من الأدب كأنها الشذور، إلى أن خاضوا في الأحاجي، واستضاءوا بأنوار أفكارهم في تلك الدياجي، فخضت معهم في الحديث، وأنشدتهم بيتين كنت صنعتهما وأنا حديث، لقصة بلغتني عن أبي الحسن سهل بن مالك، وهي أنه كان يسائل أصحابه وهو في المكتب ويقول لهم: أخرجوا اسمي، فكل ينطق على تقديره، فيقول لهم: إنكم لم تصيبوه مع أنه سهل، فنظمت هذا المعنى فقلت:

وما اسم فكه سهل يسير يكون مصغراً نجماً يسير

مصحفه له في العين حسن وقلبي عند صاحبه أسير

وكان الشيخ أبو بكر على فراشه، فزحف مع ما به من ألم، إلى محبرة وطرس وقلم، وكتب البيتين بخطه، وقال للحاضرين: ارووا هذين البيتين عن قائلهما.

ومن شيوخ ابن حبيش المذكور أبو عبد الله ابن عسكر المالقي، كتب له ولأخيه أبي الحسين بخطه إجازة جميع ما يجوز له، وعنه، وضمن آخرها هذه الأبيات:

أجبتكما لكن مقراً بأنني أقصر فيما رمتما عن مداكما

فإنكما بدران في العلم أشرقا فسلم إذعاناً وقسراً عداكما

فسيروا على حكم الوداد فإنني أجود بنفسي أن تكون فداكما

قال ابن رشيد: وقد جمع صاحبنا أبو العباس الأشعري لابن حبيش فهرسة جامعة، ولما وقف عليها ابن حبيش كتب في أولها ما نصه: الحمد لله حق حمده، أحسن هذا الفاضل فيما صنع أحسن الله إليه، وبالغ فيما جمع بلغ الله تعالى به أشرف المراتب لديه، غير أني أقول واحدة، ما سريرتي لها بجاحدة، وأصرح بمقال، لا يسعني كتمه بحال: والله ما أنا للإجازة بأهل، ولا مرامها لدي بسهل، إذ من شرط المجيز أن يعد فيمن كمل، ويعد العلم والعمل، اللهم غفراً، كيف ينيل من عدم وفراً، أو يجيز من أصبح صدره من المعارف قفراً، وصحيفته من الصالحات صفراً، وكيف يرتسم في ديوان الجلة، من يتسم بالأفعال المخلة، ومتى يقترن الشبه بالإبريز، أو يوصف السكيت بالتبريز، ومن ضعف النهى، مجانسة الأقمار بالسها، ومن أعظم التوبيخ، تشييخ من لا يصلح للتشييخ، وإن هذا المجموع ليروق ويعجب، ولكنه جمع لمن لا يستوجب، وإن القراءة قد تحصلت، ولكن القواعد ما تأصلت، وإن القارئ علم، ولكن المقروء عليه عدم، ولقد شكرت لهذا السري ما جلب، وكتبت مسعفاً له بما طلب، وقرنت إلى دره هذا المخشلب، قلت وحليي عطل، ونطقي خطل، مكره أخاك لا بطل، والله ﷾ ينفع بما أخلص له عند الاعتقاد، ويسمح للبهرج عند النتقاد، كتبه العبد المذنب [المستغفر] محمد بن الحسن بن يوسف بن حبيش اللخمي حامداً الله تعالى

ومصلياً على نبيه الكريم المصطفى وعلى آله أعلام الطهارة والهدى ومسلماً تسليماً.

وكتب أيضاً رحمه الله تعالى في جواب استجازة: المسؤول مبذول، إن شاء الله تعالى على التنجيز، ولكن شروط الإجازة موجودة في المجاز معدومة في المجيز، والله تعالى يصفح بكرمه ومنه، ويشكر كل فاضل على تحصيل ظنه، وهو المسؤول سبحانه أن يحفظ بعنايته مهجاتهم، ويرفع بالعلم والعمل درجاتهم، ويمتعهم بالكمال الرائق المعجب، ويقر بالنجيبين عين المنجب، وكتبه ابن حبيش، انتهى.

وقال الوزير الكاتب أبو بكر ابن القبطرنة يستجدي بازياً من المنصور بن الأفطس صاحب بطليوس:

يا أيها الملك الذي آباؤه شم الأنوف من الطراز الأول

حليت بالنعم الجسام جسيمة عنقي فحل يدي كذاك بأجدل

وامنن به ضافي الجناح كأنما حذيت قوائمه بريح شمأل

متلفتاً والطل ينثر برده منه على مثل اليماني المحمل

أغدو به عجباً أصرف في يدي ريحاً وآخذ مطلقاً بمكبل

وأدخلت على المعتمد يوماً باكورة نرجس، فكتب إلى ابن عمار يستدعيه:

قد زارنا النرجس الذكي وآن من يومنا العشي

ونحن في مجلس أنيق وقد ظمئنا وفي ري

ولي خليل غدا سميي يا ليته ساعد السمي

فأجابه ابن عمار:

لبيك لبيك من مناد له الندى الرحب والندي

ها أنا بالباب عبد قن قبلته وجهك السني

شرفه والداه باسم شرفته أنت والنبي

واصطبح المعتمد يوم غيم مع أم الربيع، واحتجب عن الندماء، فكتب إليه ابن عمار:

تجهم وجه الأفق واعتلت النفس لأن لم تلح للعين أنت ولا الشمس

فإن كان هذا منكما من توافق وضمكما أنس فيهنيكما الأنس

فأجابه المعتمد بقوله:

خليلي قولا هل علي ملامة إذا لم أغب إلا لتحضرني الشمس

وأهدي بأكواس المدام كواكباً إذا أبصرتها العين هشت لها النفس

سلام سلام أنتما الأنس كله وإن غبتما أم الربيع هي الأنس

واستدعى جماعة من إخوان ابن عمار منه شراباً في موضع هو فيه مفقود، فبعث لهم به وبرمانتين وتفاحتين، وكتب لهم مع ذلك:

خذاهما مثلما استدعيتماهما عروساً لا تزف إلى اللئام

ودونكما بها ثديي فتاة أضفت إليهما خدي غلام

وشرب ذو الوزارتين القائد أبو عيسى ابن لبون مع الوزراء والكتاب ببطحاء لورقة عند أخيه، وابن اليسع غائب، فكتب إليه:

لو كنت تشهد يا هذا عشيتنا والمزن يسكن أحياناً وينحدر

والأرض مصفرة بالمزن طافية أبصرت دراً عليه التبر ينتثر

وقال الحجاري من القصيدة المشهورة:

عليك أحالني الذكر الجميل

في وصف زيه البدوي المستثقل وما في طيه:

ومثلني بدن فيه خمر يخف به ومنظره ثقيل

ولما انصرف عن ابن سعيد إلى ابن هود عذله ابن سعيد على تحوله عنه، فقال: النفس تواقة، وما لي بغير التغرب طاقة، ثم قال:

يقولون لي ماذا الملال تقيم في محل فعند الأنس تذهب راحلا

فقلت لهم مثل الحمام إذا شدا على غصن أمسى بآخر نازلا

وقد رأيت أن أكفر ما تقدم ذكره من الهزل الذي أتينا به على سبيل الإحماض بما لا بد منه من الحكم والمواعظ وما يناسبها، فنقول:

قال أبو العباس ابن خليل:

فهموا إشارات الحبيب فهاموا وأقام أمرهم الرشاد فقاموا

وتوسموا بمدامع منهلة تحت الدياجي والأنام نيام

وتلوا من الذكر الحكيم جوامعاً جمعت لها الألباب والأفهام

يا صاح لو أبصرت ليلهم وقد صفت القلوب وصفت الأقدام

لرأيت نور هداية قد حفهم فسرى السرور وأشرق الإظلام

فهم العبيد الخادمون مليكهم نعم العبيد وأفلح الخدام

سلموا من الآفات لما استسلموا فعليهم حتى الممات سلام

وقال العالم الكبير الشهير صاحب التآليف أبو محمد عبد الحق الإشبيلي رحمه الله تعالى:

قالوا صف الموت يا هذا وشدته فقلت وامتد مني عندها الصوت

يكفيكم منه أن الناس إن وصفوا ... أمراً يروعهم قالوا هو الموت وقال الخطيب الأستاذ أبو عبد الله محمد بن صالح الكناني الشاطبي نزيل بجاية:

جعلت كتاب ربي لي بضاعه فكيف أخاف فقراً أو إضاعه

وأعددت القناعة رأس مال وهل شيء أعز من القناعه

وقال القاضي الكبير الأستاذ الشهير أبو العباس أحمد بن الغماز البلنسي نزيل إفريقية:

هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة وأنت على سوء من الفعل عاكف

وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ولا لحظة إلا وقلبك واجف

وبادر بأعمال تسرك أن ترى إذا نشرت يوم الحساب الصحائف

ولا تيأسن من رحمة الله إنه لرب العباد بالعباد لطائف

وقال رحمه الله تعالى:

أما آن للنفس أن تخشعا أما آن للقلب أن يقلعا

أليس الثمانون قد أقبلت فلم تبق في لذة مطمعا

تقضى الزمان ولا مطمع لما قد مضى منه أن يرجعا

تقضى الزمان فواحسرتي لما فات منه وما ضيعا

ويا ويلتاه لذي شيبة يطيع هوى النفس فيما دعا

وبعداً وسحقاً له إذ غدايسمع وعظاً ولن يسمعا

وقال الأستاذ الزاهد أبو إسحاق الإلبيري الغرناطي رحمه الله تعالى:

كل امرئ فيما يدين يدان سبحان من لم يخل منه مكان

يا عامر الدنيا ليسكنها وما هي بالتي يبقى بها سكان

تفنى وتبقى الأرض بعدك مثلما يبقى المناخ وترحل الركبان

أأسر في الدنيا بكل زيادةوزيادتي فيها هي النقصان وقال أيضاً رحمه الله تعالى:

وذي غنى أوهمته همته أن الغنى عنه غير منفصل

يجر أذيال عجبه بطراً واختال للكبرياء في الحلل

بزته أيدي الخطوب بزته فاعتاض بعد الجديد بالسمل

فلا تثق بالغنى فآفته ال فقر وصرف الزمان ذو دول

كفى بنيل الكفاف عنه غنى فكن به فيه غير محتفل

وقال رحمه الله تعالى:

لا شيء أخسر صفقة من عالم لعبت به الدنيا مع الجهال

فغدا يفرق دينه أيدي سبا ويديله حرصاً لجمع المال

لا خير في كسب الحرام وقلما يرجى الخلاص لكاسب الحلال

فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلة فالفضل تسأل عنه أي سؤال

وقال رحمه الله تعالى:

الشيب نبه ذا النهى فتنبها ونهى الجهول فما استفاق ولا انتهى

فإلى متى أهو وأخدع بالمنى والشيخ أقبح ما يكون إذا لها

ما حسنه إلا التقى لا أن يرى صباً بألحاظ الجآذر والمها

أنى يقاتل وهو مفلول الشبا كابي الجواد إذا استقل تأوها

محق الزمان هلاله فكأنما أبقى له منه على قدر السها

فغدا حسيراً يشتهي أن يشتهى ولكم جرى طلق الجموح كما اشتهى

إن أن أواه وأجهش بالبكا لذنوبه ضحك الجهول وقهقها

ليست تنبهه العظات ومثله في سنه قد آن أن يتنهنها

فقد اللدات وزال غياً بعدهم هلا تيقظ بعدهم وتنبها

يا ويحه ما باله لا ينتهي عن غيه والعمر منه قد انتهى

وقال الأستاذ ولي الله سيدي أبو العباس ابن العريف:

من لم يشافه عالماً بأصوله فيقينه في المشكلات ظنون

من أنكر الأشياء دون تيقن وتثبت فمعاند مفتون

الكتب تذكرة لمن هو عالم وصوابها بمحالها معجون

والفكر غواص عليها مخرج والق فيها لؤلؤ مكنون

وقال أبو القاسم ابن الأبرش:

أيأسوني لما تعاظم ذنبي أتراهم هم الغفور الرحيم

فذروني وما تعاظم منه ... إنما يغفر العظيم العظيم وقال أبو العباس ابن صقر الغرناطي أو المري، وأصله من سرقسطة:

أرض العدو بظاهر متصنع إن كنت مضطراً إلى استرضائه

كم من فتى ألقى بوجه باسم وجوانحي تنقد من بغضائه

وقال الكاتب الشهير الشهيد أبو عبد الله محمد بن الأبار القضاعي البلنسي رحمه الله تعالى من أبيات:

يا شقيق النفس أوصيك وإن شق في الإخلاص ما تنتهجه

لا تبت في كمد من كبد رب ضيق عاد رحباً مخرجه

وبلطف الله أصبح واثقاً كل كرب فعليه فرجه

ولابن الأبار المذكور ترجمة طويلة استوفيت منها ما أمكنني في أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض.

قال الغبريني في " عنوان الدراية ": لو لم يكن له من الشعر إلا قصيدته السينية التي رفعها للأمير أبي زكريا رحمه الله تعالى يستنجده ويستصرخه لنصرة الأندلس لكان فيها كفاية، وإن كان قد نقدها ناقد، وطعن عليه فيها طاعن، ولكن كما قال أبو العلاء المعري:

تكلم بالقول المضلل حاسد وكل كلام الحاسدين هراء

ولو لم يكن له من التآليف إلا كتابه المسمى ب " معادن اللجين في مراثي الحسين " لكفاه في ارتفاع درجته، وعلو منصبه وسمو رتبته.

ثم قال: توفي بتونس ضحوة يوم الثلاثاء الموفي عشرين لمحرم سنة ومولده لآخر شهر ربيع سنة ببلنسية، رحمه الله تعالى وسامحه، انتهى.

وقال ابن علوان: إنه يتصل سنده به من طرق، منها من طريق الرواية أبي عبد الله محمد بن جابر القيسي الوادي آشي عن الشيخ المقرئ المحدث المتبحر أبي عبد الله محمد بن حيان الأوسي الأندلسي نزيل تونس عنه، ومن طريق والدي صاحب عنواو الدراية عن الخطيب أبي عبد الله ابن صالح عنه، انتهى.

قلت: وسندي إليه عن العم عن التنسي عن أبيه عن ابن مرزوق عن جده

الخطيب عن ابن جابر الوادي آشي به كما مر.

وقال ابن عبد ربه:

بادر إلى التوبة الخلصاء مجتهداً والموت ويحك لم يمدد إليك يدا

وارقب من الله وعداً ليس يخلفه لا بد لله من إنجاز ما وعدا

وقال الصدر أبو العلاء ابن قاسم القيسي:

يا واقف الباب في رزق يؤمله لا تقطنن فإن الله فاتحه

إن قدر الله رزقاً أنت طالبه لا تيأسن فإن الله مانحه

وقال الأعمى التطيلي:

تنافس الناس في الدنيا وقد علموا أن سوف تقتلهم لذاتها بددا

قل للمحدث عن لقمان أو لبد لم يترك الدهر لقماناً ولا لبدا

وللذي همه البنيان يرفعهإن الردى لم يغادر في الثرى أحدا
للشاعر الأعمى التطيلي، اقرأ القصيدة
ما لابن آدم لا تفنى مطامعهيرجو غداً وعسى أن لا يعيش غدا وقال أبو العباس التطيلي:

والناس كالناس إلا أن تجربهم وللبصيرة حكم ليس للبصر

كالأيك مشتبهات في منابتها وإنما يقع التفضيل في الثمر

وقال القاضي أبو العباس ابن الغماز البلنسي:

من كان يعلم لا محالة أنه لا بد أن يؤدي وإن طال المدى

هلا استعد لمشهد يجزي به من قد أعد من اهتدى ومن اعتدى

وقال أيضاً:

هو الموت فاحذر أن يجيئك بغتة وأنت على سوء من الفعل عاكف

وإياك أن تمضي من الدهر ساعة ولا لحظة إلا وقلبك واجف

فبادر بأعمال تسرك أن ترى إذا نشرت يوم الحساب الصحائف

ولا تيأسن من رحمة الله إنه لرب العباد بالعباد لطائف

ولما اسوزر باديس صاحب غرناطة اليهودي الشهير بابن نغدلة، وأعضل داؤه المسلمين، قال زاهد إلبيرة وغرناطة أبو إسحاق الإلبيري قصيدته النونية المشهورة التي منها في إغراء صنهاجة باليهود:

ألا قل لصنهاجة أجمعين بدور الزمان وأسد العرين

مقالة ذي مقة مشفق صحيح النصيحة دنيا ودين

لقد زل سيدكم زلة أقر بها أعين الشامتين

تخير كاتبه كافراً ولو شاء كان من المؤمنين

فعز اليهود به وانتموا وسادوا وتاهوا على المسلمين

وهي قصيدة طويلة، فثارت إذ ذاك صنهاجة على اليهود، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وفيهم الوزير المذكور - وعادة أهل الأندلس أن الوزير هو الكاتب - فأراح الله البلاد والعباد، ببركة هذا الشيخ الذي نور الحق على كلامه باد.

وقال أبو الطاهر الجياني المشهور بابن أبي ركب - بفتح الراء وسكون الكاف -:

يقول الناس في مثل تذكر غائباً تره

فما لي لا أرى وطني ... ولا أنسى تذكره وكان أبو الطاهر هذا في جملة من الطلبة، فمر بهم رجل معه محبرة آبنوس تأنق في حليتها واحتفل في عملها، فأراهم إياها، وقال: أريد أن أقصد بها بعض الأكابر، وأريد أن تتموا احتفالي بأن تصنعوا لي بينكم أبيات شعر أقدمها معها، فأطرق الجماعة، وقال أبو طاهر:

وافتك من عدد العلا زنجية في حلة من حلية تتبختر

صفراء سوداء الحلي كأنها ليل تطرزه نجوم تزهر

فلم يغب الرجل عنهم إلا يسيراً، وإذا به قد عاد إليهم، وفي يده قلم نحاس مذهب، فقال لهم: وهذا مما أعددته للدفع مع هذه المحبرة، فتفضلوا بإكمال الصنيعة عندي بذكره، فبدر أبو الطاهر وقال:

حملت بأصفر من نجار حليها تخفيه أحياناً وحيناً يظهر

خرسان إلا حين يرضع ثديها فتراه ينطق ما يشاء ويذكر

قال ابن الأبار في تحفة القادم: وحضر يوماً في جماعة من أصحابه وفيهم أبو عبد الله ابن زرقون في عقب شعبان في مكان، فلما تملأوا من الطعام قال أبو الطاهر لابن زرقون: أجز يا أبا عبد الله، وأنشد:

حمدت لشعبان المبارك شبعة تسهل عندي الجوع في رمضان

كما حمد الصب المتيم زورة تحمل فيها الهجر طول زمان

فقال:

دعوها بشعبانية ولو أنهم دعوها بشبعانية لكفاني

وقال أبو عبد الله ابن خميس الجزائري:

تحفظ من لسانك، ليس شيء أحق بطول سجن من لسان

وكن للصمت ملتزماً إذا ما أردت سلامة في ذا الزمان

وقال أيضاً:

كن حلس بيتك مهما فتنة ظهرت تخلص بدينك وافعل دائماً حسنا

وإن ظلمت فلا تحقد على أحد إن الضغائن فاعلم تنشئ الفتن

وقال:

بدا لي أن خير الناس عيشاً من آمنه الإله من الأنام

فليس لخائف عيش لذيذ ولو ملك مع الشآم

وله:

جانب جميع الناس تسلم منهم ... إن السلامة في مجانبة الورى وإذا رأيت من إمرئ يوماً أذى لا تجزه أبداً بما منه ترى

وله:

من أدب ابناً له صغيراً قرت به عينه كبيرا

وأرغم الأنف من عدو يحسد نعماءه كثيرا

وقال أبو محمد ابن هرون القرطبي:

بيد الإله مفاتح الرزق الذي أبوابه مفتوحة لم تغلق

عجباً لذي فقر يكلف مثله في الوقت شيئاً عنده لم يخلق

وقال أيضاً:

لعمرك ما الإنسان يرزق نفسه ولكنما الرب الكيريم يسخره

وما بيد المخلوق في الرزق حيلة تقدمه عن وقته أو تؤخره

وقال الأديب الأستاذ أبو محمد ابن صارة رحمه الله تعالى:

يا من يصيخ إلى داعي السفاة وقد نادى به الناعيان الشيب والكبر

إن كنت لا تمسع الذكرى ففيما ثوى في رأسك الواعيان السمع والبصر

ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر

لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال أعلى ولا النيران الشمس والقمر

ليرحلن عن الدنيا وإن كره فراقهما الثاويان البدو والحضر

وقال رحمه الله تعالى في ابنة ماتت له:

ألا يا موت كنت بنا رؤوفاً فجددت الحياة لنا بزوره

حماد لفعلك المشكور لما كفيت مؤونة وسترت عوره

فأنكحنا الضريح بلا صداق وجهزنا الفتاة بغير شوره

وأنشد أبو عبد الله ابن الحاج البكري الغرناطي:

يا غادياً في غفلة ورائحاً إلى متى تستحسن القبائحا

وكم إلى كم لا تخاف موقفاً يستنطق الله به الجوارحا

يا عجباً منك وكنت مبصراً كيف تجنبت الطريق الواضحا

كيف تكون حين تقرا في غد صحيفة قد ملئت فضائحا

أم كيف ترضى أن تكون خاسراً يوم يفوز من يكون رابحا

وممن روى عنه هذه الأبيات الكاتب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب، وتوفي ابن الحاج المذكور سنة رحمه الله تعالى.

وقال حافظ الأندلس ومحدثها أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي رحمه الله تعالى:

إلهي مضت للعمر سبعون حجة ولي حركات بعدها وسكون

فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى يكون الذي لا بد أن سيكون

والصواب أنهما لغيره كما ذكرته في غير هذا الموضع، وبالجملة فهما من كلام الأندلسيين، وإن لم يحقق ناظمهما بالتعيين.

وقال أبو بكر يحيى التطيلي رحمه الله تعالى:

إليك بسطت الكف في فحمة الدجى نداء غريق في الذنوب عريق

رجاك ضميري كيف تخلص جملتي وكم من فريق شافع لفريق

وحكي أن بعض المغاربة كتب إلى الملك الكامل بن العادل بن أيوب رقعة في ورقة بيضاء، إن قرئت في ضوء السراج كانت فضية، وإن قرئت في

الشمس كانت زهبية، وإن قرئت في الظل كانت حبراً أسود، وفيها هذه الأبيات:

لئن صدني البحر عن موطني وعيني بأشواقها زاهره

فقد زخرف الله لي مكة بأنوار كعبته الزاهره

وزخرف لي بالنبي يثربا وبالملك الكامل القاهره

فقال الملك الكامل قل:

وطيب لي بالنبي طيبة وبالملك الكامل القاهره

وأظن أن المغربي أندلسي لقوله: لئن صدني البحر عن موطني، فلذلك أدخلته في أخبار الأندلسيين ولست على تحقيق ويقين، والله أعلم.

وأنشد ابن الوليد المعروف بابن الخليع قال: أنشدنا أبو عمر ابن عبد البر النمري الحافظ:

تذكرت من يبكي علي مداوماً فلم ألف إلى العلم بالدين والخبر

علوم كتاب الله والسنن التي أتت عن رسول الله مع صحة الأثر

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.