من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تتمة (١٧)
وقال المخزومي في تاريخ ميورقة: إن سبب أخذها من المسلمين أن أميرها محمد بن علي بن موسى كان في الدولة الماضية أحد أعيانها، ووليها سنة ست وستمائة، واحتاج إلى الخشب المجلوب من اليابسة، فأنفذ طريدة بحرية وقطعة حربية، فعلم بها والي طرطوشة، فجهز إليها من أخذها، فعظم ذلك على الوالي، وحدث نفسه بالغزو لبلاد الروم، وكان ذلك رأياً مشؤوماً، ووقع بينه وبين الروم، وفي آخر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بلغه أن مسطحاً من برشلونة ظهر على يابسة، ومركباً آخر من طرطوشة انضم إليه، فبعث ولده في عدة قطع إليه حتى نزل مرسى يابسة، ووجد فيه لأهل جنوة مركباً كبيراً، فأخذه وسار حتى وصل إلى المسطح، فقاتله وأخذه، وظن أنه غاب الملوك، وغاب عنه أنه أشأم من عاقر الناقة، وأن الروم لما بلغهم الخبر
قالوا لملكهم وهو من ذرية أذفونش: كيف يرضى الملك بهذا الأمر ونحن نقاتل بنفوسنا وأموالنا فأخذ عليهم العهد بذلك، وجمع عشرين ألفاً من أهل البلاد، وجهز في البحر ستة عشر ألفاً، وشرط عليهم حمل السلاح، وفي سنة ست وعشرين وستمائة اشتهر أمر هذه الغزوة فاستعد لها الوالي، وميز نيفاً على ألف فارس من فرسان الحضر والرعية مثلهم، ومن الرجالة ثمانية عشر ألفاً، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة، ومن سوء الاتفاق أن الوالي أمر صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء المصر، فساقهم وضرب أعناقهم، وكان فيهم ابنا خاله، وخالهما أبو حفص ابن سيري ذو المكانة الوجيهة، فاجتمعت الرعية إلى ابن سيري، فأخبره بما نزل، وعزوه فيمن قتل وقالوا: هذا أمر لا يطاق، ونحن كل يوم إلى الموت نساق، وعاهدوه على طلب الثأر، وأصبح الوالي يوم الجمعة منتصف شوال، والناس من خوفه في أهوال، ومن أمر العدو في إهمال، فأمر صاحب شرطته بإحضار خمسين من أهل الوجاهة والنعمة فأحضرهم، وإذا بفارس على هيئة النذير دخل إلى الوالي، وأخبره بأن الروم قد أقبلت، وأنه عد فوق الأربعين من القلوع، وما فرغ من إعلامه حتى ورد آخر من جانب آخر وقال: إن أسطول العدو قد تظاهر، وقال: إنه عد سبعين شراعاً، فصح الأمر عنده، فسمح لهم بالصفح والعفو، وعرفهم بخبر العدو، وأمرهم بالتجهز، فخرجوا إلى دورهم، كأنما نشروا من قبورهم، ثم ورد الخبر بأن العدو قرب من البلد، فإنهم عدوا مائة وخمسين قلعاً، ولما عبر وقصد المرسى أخرج الوالي جماعة تمنعهم النزول، فباتوا على المرسى في الرجل والخيل، وفي الثامن عشر من شوال وهو يوم الاثنين وقع المصاف، وانهزم المسلمون، وارتحل النصارى إلى المدينة، ونزلوا منها على الحريبة الحزينة من جهة باب الكحل، ولم يزل الأمر في شدة وقد أشرفوا على أخذ البلد، ولما رأى ابن سيري أن العدو قد استولى على البلد خرج
إلى البادية، ولما كان يوم الجمعة الحادي عشر من صفر قاتلوا البلد قتالاً شديداً، ولما كان يوم الأحد لأخذ البلد، وأخذ منه أربعة وعشرون ألفاً قتلوا على دم واحد، وأخذ الوالي وعذب، وعاش بعد ذلك خمسة وأربعين يوماً، ومات تحت العذاب، وأما ابن سيري فإنه صعد إلى الجبل، وهو منيع لا ينال ون تحصن فيه، وجمع عنده ستة عشر ألف مقاتل، وما زال يقاتل إلى أن قتل يوم الجمعة، عاشر ربيع الآخر سنة، وجده من آل جبلة بن الأيهم الغساني، وأما الحصون فأخذت في آخر رجب سنة، وفي شهر شعبان لحق من نجا من المسلمين إلى بلاد الإسلام، انتهى ما ذكره ابن عميرة المخزومي ملخصاً.
وكان بميورقة جماعة أعلام وشعراء، ومن شعر ابن عبد الولي الميورقي:
هل أمان من لحظك الفتان وقوام يميل كالخيزران
مهجتي منك في جحيم، ولكن جفوني قد متعت في جناني
فتنتني لواحظ ساحرات لست أخشى من فتنة الشيطان
سعيد بن حكم في ميورقة
ولما استولى النصارى على ميورقة في التاريخ المتقدم سار بجزيرة منورقة، وهي قريبة منها، الجواد العادل العالم أبو عثمان سعيد بن حكم القرشي، وكان وليها من قبل الوالي أبي يحيى المقتول، وتصالح مع النصارى على ضريبة معلومة، واشترط أن لا يدخل جزيرته أحد من النصارى، وضبطها أحسن ضبط، قال أبو الحسن علي بن سعيد: أخبرني أحد من اجتمع به أنه لقي منه براً حبب إليه الإقامة في تلك الجزيرة المنقطعة، وذكر أنه ركب معه فنظر إلى حمالة سيف
ضيقة وقد أثرت في عنقه، فأمر له بإحسان وغنباز، وكتب معه:
حمالة السيف توهي جيد حاملها لا سيما يوم إسراع وإنجاز
وخير ما استعمل الإنسان يومئذ لحسم علتها إلباس غنباز
والغنباز عند أهل المغرب صنف من الملبوس غليظ يستر العنق.
وأصل أبي عثمان من مدينة طبيرة من غرب الأندلس، وقد ألفت باسمه التآليف المشهورة بالمغرب ككتاب روح الشحر وروح الشعر وغيره، وأخذ العدو منورقة بعد مدة.
سقوط عدة مدن
وأخذ العدو جزيرة شقر صلحاً سنة في آخرها.
وأخذ العدو - دمره الله تعالى - مدينة سرقسطة يوم الأربعاء لأربع خلون من رمضان سنة اثني عشرة وخمسمائة.
وكان استيلاء الإفرنج على شرق الأندلس شاطبة وغيرها وإجلاءهم من يشاركهم من المسلمين فيما تغلبوا عليه منها في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة.
وكان استيلاء العدو - دمره الله تعالى - على مدينة قرطبة يوم الأحد الثالث والعشرين لشوال من سنة ست وثلاثين وستمائة.
وكان تملك العدو مرسية صلحاً ظهر يوم الخميس العاشر من شوال، قدم أحمد بن محمد بن هود ولد والي مرسية بجماعة من وجوه النصارى فملكهم إياها صلحاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وحصر العدو إشبيلية سنة خمس وأربعين وستمائة. وفي يوم الاثنين الخامس من شعبان للسنة بعدها ملكها الطاغية صاحب قشتالة صلحاً بعد منازلتها حولاً كاملاً وخمسة أشهر أو نحوها. وقال ابن الأبار في ترجمة أبي علي الشلوبين من التكملة
ما صورته: وتوفي بين يدي منازلة الروم إشبيلية ليلة الخميس منتصف صفر سنة خمس وأربعين وستمائة، وفي العام القابل ملكها الروم.
موقعة أنيشة - ترجمة أبي الربيع ابن سالم
وكانت وقعة أنيجة التي قتل بها الحافظ أبو الربيع الكلاعي رحمه الله تعالى يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة، ولم يزل رحمه الله تعالى متقدماً أمام الصفوف زحفاً إلى الكفار مقبلاً على العدو ينادي بالمنهزمين: أعن الجنة تفرون حتى قتل صابراً محتسباً برد الله تعالى مضجعه، وكان دائماً يقول: إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره، فكان كذلك، ورثاه تلميذه الحافظ أبو عبد الله ابن الأبار بقصيدته الميمية الشهيرة التي أولها:
ألما بأشلاء العلا والمكارم تقد بأطراف القنا والصوارم
وعوجا عليها مأرباً وحفاوة ... مصارع خصت بالطلى والجماجم نحيي وجوهاً في الجنان وجيهة [بما لقيت حمراً وجوه الملاحم]
[وأجساد إيمان كساها نجيعها]مجاسد من نسج الظبي واللهاذم وهي طويلة
ومن شعر الحافظ أبي الربيع المذكور:
تولت ليال للغواية جون ووافى صباح للرشاد مبين
ركاب شباب أزمعت عنك رحلة وجيش مشيب جهزته منون
ولا أكذب الرحمن فيما أجنه وكيف ولا يخفى عليه جنين
ومن لم يخل أن الرياء يشينه فمن مذهبي أن الرياء يشين
لقد ريع قلبي للشباب وفقده كما ريع بالعلق الفقيد ضنين
وآلمني وخط المشيب بلمتي فخطت بقلبي للشجون فنون
وليل شبابي كان أنضر منظراً وآنق مهما لاحظته عيون
فآهاً على عيش تكدر صفوه وأنس خلا منه صفا وحجون
ويا ويح فودي أو فؤادي كلما تزيد شيبي كيف بعد يكون
حرام على قلبي سكون بغرة ... وكيف مع الشيب الممض سكون وقالوا شباب المرء شعبة جنة فما لي عراني للمشيب جنون
وقالوا شجاك الشيب حدثان ما أتى ولم يعلموا أن الحديث شجون
وقوله:
أمولى الموالي ليس غيرك مولى ... وما أحد يا رب منك بذا أولى تبارك وجه وجهت نحوه المنى فأوزعها شكراً وأوسعها طولا
وما هو إلا وجهك الدائم الذي أقل حلى عليائه يخرس القولا
تبرأت من حولي إليك وقوتي فكن قوتي في مطلبي وكن الحولا
وهب لي من الرضا ما لي سوى ذاك مبتغى ولو لقيت نفسي على نيله الهولا
وكان - رحمه الله تعالى - حافظاً للحديث، ومبرزاً في نقده تام المعرفة
بطرقه، ضابطاً لأحكام أسانيده، ذاكراً لرجاله، ريان من الأدب، خطب ببلنسية، واستقضى، وكان مع ذلك من أولي الحزم والبسالة والإقدام والجزالة، حضر الغزوات وباشر القتال بنفسه وأبلى بلاء حسناً، وروى عن أبي القاسم ابن حبيش وطبقته، وصنف كتباً منها مصباح الظلم في الحديث، والأربعون عن أربعين شيخاً لأربعين من الصحابة، والأربعون السباعية والسباعيات من حديث الصدفي، وحلية الأمالي في الموافقات والعوالي و " تحفة الوراد ونجعة الرواد " والمسلسلات والإنشادات وكتاب الاكتفاء في مغازي رسول الله ﷺ ومغازي الثلاثة الخلفاء، وميدان السابقين وحلبة الصادقين المصدقين في غرض كتاب الاستيعاب، ولم يكمله، والمعجم فيمن وافقت كنيته [كنية] زوجه من الصحابة، والإعلام بأخبار البخاري الإمام والمعجم في مشيخة أبي القاسم ابن حبيش، و " برنامج رواياته " وجنى الرطب في سني الخطب ونكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال، و " جهد النصيح في معارضة المعري في خطبة الفصيح "، والامتثال لمثال المبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال ومفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السيل، ومجاز فتيا اللحن للاحن الممتحن مائة مسألة ملغزة، ونتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم في مثال النعل النبوية على لابسها أفضل الصلاة والسلام، قال ابن رشيد: لو قال وزكاة النثير والنظيم لكان أحسن، وله كتاب الصحف المنشرة في القطع المعشرة وديوان رسائل سفر، وديوان شعره سفر، وكتب إلى الأديب الشهير أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي عقب انفصاله من
بلنسية سنة:
أحن إلى نجد ومن حل في نجد وماذا يغني حنيني أو يجدي
وقد أوطنوها وادعين وخلفوا محبهم رهن الصبابة والوجد
تبين بالبين اشتياقي إليهم ... ووجدي فساوى ما أجن الذي أبدي وضاقت علي الأرض حتى كأنها وشاح على بخصر أو سوار على زند
إلى الله أشكو مما ألاقي من الجوى وبعض الذي لاقيته من جوى يردي
فراق أخلاء وصد أحبة كأن صروف الدهر كانت على وعد
فيا سرحتي نجد، نداء متيم له أبداً شوق إلى سرحتي نجد
ظمئت فهل طل يبرد لوعتي ضحيت فهل ظل يسكن من وجدي
ويا زمناً قد بان غير مذمم لعل لأنس قد تصرم من رد
ليالي نجني الأنس من شجر المنى ونقطف زهر الوصل من شجر الصلد
وسقياً لإخوان بأكناف حاجز كرام السجايا لا يحولون عن عهد
وكم لي بنجد من سري ممجد ولا كابن إدريس أخي البشر والمجد
أخو همة كالزهر في بعد نيلها وذو خلق كالزهر غب الحيا العد
تجمعت الأضداد فيه حميدة فمن خلق سبط ومن حسب جعد
أيا راحلاً أودى بصبري رحيله وفلل من عزمي وثلم من حدي
أتعلم ما يلقى الفؤاد لبعدكم ألا مذ نأيتم ما يعيد ولا يبدي
فيا ليت شعري هل تعود لنا المنى وعيش كما نمنمت حاشيتي برد
عسى الله أن يدني السرور بقربكم فيبدو، ومنا الشمل منتظم العقد
ابن العربي ومعركة
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في " أحكام القرآن " عند تفسير
قوله تعالى انفروا خفافاً وثقالاً ما صورته: ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله تعالى - سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فجاس ديارنا، وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا في عدد حدد الناس عدده فكان كثيراً، وإن لم يبلغ ما حددوه، فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله قد في الششرك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتكن منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج عليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار، فيحاط به، فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له، فغلبت الذنوب، ورجفت بالعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وجاره، وإن رأى المكيدة بجاره، فإن لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، عنوان على النهايات.
قصيدة الوقشي في مدح أبي يعقوب
وقال أبو جعفر الوقشي البلنسي نزيل مالقة يمدح أمير المؤمنين يوسف ابن أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي:
أبت غير ماء بالنخيل ورودا وهامت به عذب الجمام برودا
وقالت لحاديها أثم زيادة على العشر في وردي له فأزيدا
غلبتك ما هذا القنوع وما أنا عهدتك لا تثنين عنه وريدا
أنوناً إذا ما كنت منه قريبة وضباً إذا ما كان عنك بعيداً
ردي حضرة الملك الظليل رواقه لعمري ففيها تحمدين ورودا
بحيث إمام الدين يوسع فضله جميع البرايا مبدئاً ومعيدا
أعاد إليها الأنس بعد شروده وأحيا لنا ما كان منه أبيدا
ولين أيام الزمان بعدله وكانت حديداً في الخطوب حديدا
فلا ليلة إلا يروقك حسنها ولا يوم إلا عاد يفضل عيدا
ومنها يصف حال الأندلس ويبعث على الجهاد:
ألا ليت شعري هل يمد لي المدى فأبصر شمل المشركين طريدا
وهل بعد يقضى بالنصارى بنصرة تغادرهم للمرهفات حصيدا
ويغزو أبو يعقوب في شنت ياقب يعيد عميد الكافرين عميدا
ويلقي على إفرنجهم عبء كلكل فيتركهم فوق الصعيد هجودا
يغادرهم جرحى وقتلى مبرحاً ركوعاً على وجه الفلا وسجودا
ويفتك من أيدي الطغاة نواعماً تبدلن من نظم الحجول قيودا
وأقبلن في خشن المسوح وطالما سحبن من الوشي الرقيق برودا
وغبر منهن التراب ترائباً وخدد منهن الهجير خدودا
فحق لدمعي أن يفيض لأزرق تملكها دعج المدامع سودا
ويا لهف نفسي من معاصم طفلة تجاور بالقد الأليم نهودا
ويا أسفاً ما إن يزال مردداً على شمل أعياد أعيد بديدا
وآهاً تمد الصوت منتحباً على خلو ديار لو يكون مفيدا
وقال في آخرها، وهو مما استحسنه الناس:
حملت من نظامي قلادة يلقبها أهل الكلام قصيدا
غدت يوم إنشاء القريض وحيدة كما قصدت في المعلوات وحيدا
ولما تمهدت الأندلس اعبد المؤمن وبنيه كان لهم فيها وقائع مع عدو الدين، واجتاز إليها عبد المؤمن. ثم لما ولي بعده ملكه ابنه يوسف دخل الأندلس سنة، وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب الموحدين، فنزل في إشبيلية
فخافه الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن مردنيش صاحب شرق الأندلس: مرسية وأعمالها وما انضاف إليها، فحمل على قلبه فمرض ومات، وشرع السلطان يوسف في استرجاع بلاد المسلمين من أيدي الفرنج، فاتسعت مملكته في الأندلس، وأغارت سراياه على طليطلة إذ هي قاعدة ملكهم، ثم إنه حاصرها فاجتمعت الفرنج عليه، واشتد الغلاء في عسكره، فرحل عنها وعاد إلى حضرة ملكه مراكش المحروسة.
قصيدة في استنهاض الحفصي بعد سقوط بلنسية
ولم يزال أهل الأندلس بعد ظهور النصارى - دمرهم الله تعالى - على كثير منها يستنهضون عزائم الملوك والسوقة لأخذ الثأر، بالنظم والنثار، فلم ينفعهم ذلك حتى اتسع الخرق، وأعضل الداء أهل الغرب والشرق، فمن القصائد الموجهة في ذلك قول بعضهم لما أخذت بلنسية يخاطب إفريقية أبا زكريا ابن عبد الواحد بن أبي حفص:
نادتك أندلس فلب نداءها واجعل طواغيت الصليب فداءها
صرخت بدعوتك العلية فاحبها من عاطفتك ما يقي حوباءها
واشدد بجلبك جرد خيلك أزرها تردد على أعقابها أرزاءها
هي دارك القصوى أوت لإيالة ضمنت لها مع نصرها إيواءها
وبها عبيدك لا بقاء لهم سوى سبل الضراعة يسلكون سواءها
خلعت قلوبهم هناك عزاءها لما رأت أبصارهم ما سواها
دفعوا لأبكار الخطوب وعونها فهم الغداة يصابرون عناءها
وتنكرت لهم الليالي فاقتضت سراءها وقضتهم ضراءها
تلك الجزيرة لا بقاء لها إذا لم يضمن الفتح القريب بقاءها
رش أيها المولى الرحيم جناها واعقد بأرشية النجاة رشاءها
أشفى على طرف الحياة ذماؤها فاستبق للدين الحنيف ذماءها
حاشاك أن تفنى حشاشها وقد قصرت عليك نداءها ورجاءها
طافت بطائفة الهدى آمالها ترجو بيحيى المرتضى إحياءها
واستشرفت أمصارها لإمارة عقدت لنصر المستضام لواءها
يا حسرتي لعقائل معقولة سئم الهدى نحو الضلال هداءها
إيه بلنسية وفي ذكراك ما يمري الشؤون دماءها لا ماءها
كيف السبيل إلى احتلال معاهد شب الأعاجم دونها هيجاءها
وإلى ربى وأباطح لم تعر من حلل الربيع مصيفها وشتاءها
طاب المعرس والمقيل خلالها وتطلعت غرر المنى أثناءها
بأبي مدارس كالطول دوارس نسخت نواقيس الصليب نداءها
ومصانع كسف الضلال صباحها فيخاله الرائي إليه مساءها
راحت بها الورقاء تسمع شدوها وغدت ترجع نوحها وبكاءها
عجباً لأهل النار حلوا جنة منها تمد عليهم أفياءها
أملت لهم فتعجلوا ما أملوا أيامهم لا سوغوا إملاءها
بعداً لنفس أبصرت إسلامها فتوكفت عن حزبها إسلاءها
أما العلوج فقد أحالوا حالها فمن المطيق علاجها وشفاءها
أهدى إليها بالمكاره جارح للكفر كره ماؤه وهواؤه
وكفى أسى أن الفواجع جمة فمتى يقاوم أسوها أسواءها
هيهات في نظر الإمارة كف ما تخشاه، ليت الشكر كان كفاءها
مولاي هاك معادة أنباءها لتنيل منك سعادة أبناءها
جرد ظباك لمحو لآثار العدا تقتل ضراغمها وتسب ظباءها
واستدع طائفة الإمام لغزوها تسبق إلى أمثالها استدعاءها
لا غرو أن يعزي الظهور لملة لم يبرحوا دون الورى ظهراءها
إن الأعاجم للأعارب نهبة مهما أمرت بغزوها أحياءها
تالله لو دبت لها دبابوها لطوت عليها أرضها وسماءها
ولو استقلت عوفها لقتالها لاستقبلت بالمقربات عفاءها
أرسل جوارحها تجئك بصيدها صيداً وناد لطحنها أرحاءها
هبوا لها يا معشر التوحيد قد آن الهبوب وأحرزوا علياءها
إن الحفائظ من خلالكم التي لا يرهب الداعي بهن خلاءها
هي نكتة المحيا فحيهلا بها تجدوا سناها في غد وسناءها
أولوا الجزيرة مصرة إن العدى تبغي على أقطارها استيلاء
نقصت بأهل الشرك من أطرافها فاستحفظوا بالمؤمنين نماءها
حاشاكم أن تضمروا إلغاءها في أزمة أو تضمروا إقصاءها
خوضوا إليها بحرها يصبح لكم رهواً وجوبوا نحوها بيداءها
وافى الصريخ مثوباً يدعو لها فلتجملوا قصد الثواب ثواءها
دار الجهاد فلا تفتكم ساحة ساوت بها أحياؤها شهداءها
هذي رسائلها تناجي بالتي وقفت عليها ريثها ونجاءها
ولربما أنهت سوالب للنهى من كائنات حملت أنهاءها
وفدت على الدار العزيزة تجتني آلاءها أو تجتلي آراءها
مستسقيات من غيوث غياثها ما وقعه يتقدم استسقاءها
قد أمنت في سبلها أهواءها إذا سوغت في ظلها أهواءها
وبحسبها أن الأمير المرتضى مترقب بفتوحها آناءها
في الله ما ينويه من إدراكها بكلاءة ليفدي أبي أكلاءها
بشرى لأندلس تحب لقاؤه ويحب في ذات الله لقاءها
صدق الرواة المخبرون بأنه يشفي ضناها أو يعيد رواءها
إن دوخ العرب الصعاب مقادة وأبى عليها أن تطيع إباءها
فكأن بفيلقه العرمرم فالقاً هام الأعاجم ناسفاً أرجاءها
أنذرهم بالبطشة الكبرى فقد نذرت صوارمه الرقاق دماءها
لا يعدم الزمن انتصار مؤيد تتسوغ الدنيا به سراءها
ملك أمد النيرين بنوره وأفاده لألاؤه لألاءها
خضعت جبابرة الملوك لعزه ونضت بكف صغارها خيلاءها
أبقى أبو حفص إمارته له فسما إليها حاملاً أعباءها
سل دعوة المهدي عن آثارها تنبيك أن ظباها قمن إزاءها
فغزا عداه واسترق رقابها وحمى حماها واسترد بهاءها
قبضت يداه على البسيطة قبضة قادت له في قده أمراءها
فعلى المشارق والمغارب ميسم لهداه شرف وسمه أسماءها
تطمو بتونسها بحار جيوشه فيزور زاخر موجها زوراءها
وسع الزمان فضاق عنه جلالة والأرض طراً ضنكها وفضاءها
ما أزمع الإيغال في أكنافها إلا تصيد عزمه زعماءها
دانت له الدنيا وشم ملوكها فاحتل من رتب العلا شماءها
ردت سعادته على أدراجها ليل الزمان ونهنهت غلواءها
إن يعتم الدول العزيزة بأسه فالآن يولي جوده إعطاءها
تقع الجلائل وهو راس راسخ فيها يوقع للسعود جلاءها
كالطود في عصف الرياح وقصفها لا رهوها يخشى ولا هوجاءها
سامي الذوائب في أعز ذؤابة أعلت على قمم النجوم بناءها
بركت بكل محلة بركاته شفعاً يبادر بذلها شفعاءها
كالغيث صب على البسيطة صوبه فسقى عمائرها وجاد قواءها
ينميه عبد الواحد الأراضي إلى عليا فتمنح بأسها وسخاءها
في نبعة كرمت وطابت مغرساً وسمت وطالت نضرة نظراءها
ظهرت لمحتدها السماء وجاوزت لسرادقات فخارها جوزاءها
فئة كرام لا تكف عن الوغى حتى تصرع حولها أكفاءها
وتكب في النار القرى فوق الذرى من عزة ألويها وكباءها
قد خلقوا الأيام طيب خلائق فثنت إليهم حمدها وثناءها
ينضون في طلب النفائس أنفساً حبسوا على إحرازها إمضاءها
وإذا انتضوا يوم الكريهة بيضهم أبصرت فيهم قطعها ومضاءها
لا عذر عند المكرمات لهم متى لم تستبن لعفاتهم عذراءها
قوم الأمير فمن يقوم بما لهم من صالحات أفحمت شعراءها
صفحاً جميلاً أيها الملك الرضي عن محكمات لم نطق إحصاءها
تقف القوافي دونهن حسيرة لا عيها تخفي ولا إعياءها
فلعل علياكم تسامح راجياً إصغاءها ومؤملاً إغضاءها
في رثاء طليطلة
ومن ذلك قول بعضهم يندب طليطلة أعادها الله تعالى للإسلام:
لثكلك كيف تبتسم الثغور سروراً بعدما سبيت ثغور
أما وأبي مصاب هد منه ثبير الدين فاتصل الثبور
لقد قصمت ظهور حين قالوا أمير الكافرين له ظهور
ترى في الدهر مسروراً بعيش مضى عنا لطيته السرور
أليس بها أبي النفس شهم يدير على الدوائر إذ تدور
لقد خضعت رقاب كن غلباً وزال عتوها ومضى النفور
وهان على عزيز القوم ذل وسامح في الحريم فتى غيور
طليطلة أباح الكفر منها حماها، إن ذا نبأ كبير
فليس مثالها إيوان كسرى ولا منها الحورنق والسدير
محصنة محسنة بعيد تناولها ومطلبها عسير
ألم تك معقلاً للدين صعباً فذلله كما شاء القدير
وأخرج أهلها منها جميعاً فصاروا حيث شاء بهم مصير
وكانت دار إيمان وعلم معالمها التي طمست تنير
فعادت دار كفر مصطفاة قد اضطربت بأهليها الأمور
مساجدها كنائس، أي قلب على هذا يقر ولا يطير
فيا أسفاه يا أسفاه حزناً يكرر ما تكررت الدهور
وينشر كل حسن ليس يطوى إلى يوم يكون به النشور
أديلت قاصرات الطرف كانت مصونات مساكنها القصور
وأدركها فتور في انتظار لسرب في لواحظه فتور
وكان بنا وبالقينات أولى ... لو انضمت على الكل القبور لقد سخنت بحالتهن عين وكيف يصح مغلوب قرير
لئن غبنا عن الإخوان إنا بأحزان وأشجان حضور
نذور كان للأيام فيهم بمهلكهم فقد وفت النذور
فإن قلنا العقوبة أدركتهم وجاءهم من الله النكير
فإنا مثلهم وأشد منهم نجور وكيف يسلم من يجور
أنأمن أن يحل بنا انتقام وفينا الفسق أجمع والفجور
وأكل للحرام ولا اضطرار إليه فيسهل الأمر العسير
ولكن جرأة في عقر دار كذلك يفعل الكلب العقور
يزول الستر عن قوم إذا ما على العصيان أرخيت الستور
يطول علي ليلي، رب خطب يطول لهوله الليل القصير
خذوا ثأر الديانة وانصروها فقد حامت على القتلى النسور
ولا تهنوا وسلوا كل عضب تهاب مضارباً له النحور
وموتوا كلكم فالموت أولى بكم من أن تجاروا أو تجوروا
أصبراً بعد سبي وامتحان يلام عليها القلب الصبور
فأم الثكل مذكار ولود وأم الصقر مقلات نزور
نخور إذا دهينا بالرزايا وليس بمعجب بقر يخور
ونجبن وليس نزأر، لو شجعنا ولم نجبن لكان لنا زئير
لقد ساءت بنا الأخبار حتى أمات المخبرين بها الخبير
أتتنا الكتب فيها كل شر وبسرنا بأنحسنا البشير
وقيل تجمعوا لفراق شمل طليطلة تملكها الكفور
فقل في خطة فيها صغار يشيب لكربها الطفل الصغير
لقد صم السميع فلم يعول على نبإ كما عمي البصير
تجاذبنا الأعادي باصطناع فينجذب المخول والفقير
فباق في الديانة تحت خزي تثبطه الشويهة والبعير
وآخر مارق هانت عليه مصائب دينه فله السعير
كفى حزناً بأن الناس قالوا إلى أين التحول والمسير
أنترك دورنا ونفر عنها وليس لنا وراء البحر دور
ولا ثم الضياع تروق حسناً نباكرها فيعجبنا البكور
وظل وارف وخرير ماء فلا قر هناك ولا حرور
ويؤكل من فواكهها الطري ويشرب من جداولها نمير
يؤدى مغرم في كل شهر ويؤخذ كل صائفة عشور
فهم أحمى لحوزتنا وأولى بنا وهم الموالي والعشير
لقد ذهب اليقين فلا يقين وغر القوم بالله الغرور
فلا دين ولا دنيا ولكن غرور بالمعيشة ما غرور
رضوا بالرق يا لله ماذا رآه وما أشار به مشير
مضى الإسلام فابك دماً عليه فما ينفي الجوى الدمع الغزير
ونح واندب رفاقاً في فلاة حيارى لا تحط ولا تسير
ولا تجنح إلى سلم وحارب عسى أن يجبر العظم الكسير
أنعمى عن مراشدنا جميعاً وما إن منهم إلا بصير
ونلقى واحداً ويفر جمع كما عن قانص فرت حمير
ولو أنا ثبتنا كان خيراً ولكن ما لنا كرم وخير
إذا ما لم يكن صبر جميل فليس بنافع عدد كثير
ألا رجل له رأي أصيل به مما نحاذر نستجير
يكر إذا السيوف تناولته وأين بنا إذا ولت كرور
ويطعن بالقنا الخطار حتى يقول الرمح ما هذا الخطير
عظيم أن يكون الناس طراً بأندلس قتيل أو أسير
أذكر بالقراع الليث حرصاً على أن يقرع البيض الذكور
يبادر خرقها قبل اتساع لخطب منه تنخسف البدور
يوسع للذي يلقاه صدراً فقد ضاقت بما تلقى صدور
تنغصت الحياة فلا حياة وودع جيرة إذ لا مجير
فليل فيه هم مستكن ويوم فيه شر مستطير
ونرجو أن يتيح الله نصراً عليهم، إنه نعم النصير
نونية الرندي وشيء من شعره
ومن مشهور ما قيل في ذلك قول الأديب الشهير أبي البقاء صالح بن شريف الرندي رحمه الله تعالى:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
يمزق الدهر حتماً كل سابغة إذا نبت مشرفيات وخرصان
وينتضي كل سيف للفناء ولو كان ابن ذي يزن والغمد غمدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمن وأين منهم أكاليل وتيجان
وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارون من ذهب وأين عاد وشداد وقحطان
أتى على الكل أمر لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملك ومن ملك كما حكى عن خيال الطيف وسنان
دار الزمان على دارا وقاتله وأم كسرى فما آواه إيوان
كأنما الصعب لم يسهل له سبب يوماً ولا ملك الدنيا سليمان
فجائع الدهر أنواع منوعة وللزمان مسرات وأحزان
وللحوادث سلوان يسهلها وما لما حل بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له هوى له أحد وانهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فامتحنت حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم، فكم من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية قد أقفرت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلاً وله في الدهر موعظة إن كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشياً مرحاً يلهيه موطنه أبعد حمص تغر المرء أوطان
تلك المصيبة أنست ما تقدمها وما لها مع طول الدهر نسيان
يا راكبين عتاق الخيل ضامرة كأنها في مجال السبق عقبان
وحاملين سيوف الهند مرهفة كأنها في ظلام النقع نيران
وراتعين وراء البحر في دعة لهم بأوطانهم عز وسلطان
أعندكم نبأ من أهل أندلس فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان
ألا نفوس أبيات لها همم أما على الخير أنصار وأعوان
يا من لذلة قوم بعد عزهم أحال حالهم كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا رب أم وطفل حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
انتهت القصيدة الفريدة، ويوجد بأيدي الناس زيادات فيها ذكر غرناطة وبسطة وغيرهما مما أخذ من البلاد بعد موت صالح بن شريف، وما اعتمدته منها نقلته من خط من يوثق به على ما كتبته، ومن له أدنى ذوق علم أن ما يزيدون فيها من الأبيات ليست تقاربها في البلاغة، وغالب ظني أن تلك الزيادة لما أخذت غرناطة وجميع بلاد الأندلس إذ كان أهلها يستنهضون همم الملوك
بالمشرق والمغرب، فكأن بعضهم لما أعجبته قصيدة صالح بن شريف زاد فيها تلك الزيادات، وقد بينت ذلك في " أزهار الرياض " فليراجع.
وصالح بن شريف الرندي صاحب القصيدة من أشهر أدباء الأندلس، ومن بديع نظمه قوله:
سلم على الحي بذات العرار وحي من أجل الحبيب الديار
وخل من لام على حبهم فما على العشاق في الذل عار
ولا تقصر في اغتنام المنى فما ليالي الأنس إلا قصار
وإنما العيش لمن رامه نفس تدارى وكؤوس تدار
وروحه الراح وريحانه في طيبه بالوصل أو بالعقار
لا صبر للشيء على ضده والخمر والهم كماء ونار
مدامة مدنية للمنى في رقة الدمع ولون النضار
مما أبو ريق أباريقها تنافست فيها النفوس الكبار
معلتي والبرء من علتي ما أطيب الخمرة لولا الخمار
ما أحسن النار التي شكلها كالماء لو كف شرار الشرار
وبي وإن عذبت في حبه ببعده على اقتراب المزار
ظبي غرير نام عن لوعتي ولا أذوق النوم إلا غرار
ذو وجنة كأنها روضة قد بهر الورد بها والبهار
رجعت للصبوة في حبه وطاعة اللهو وخلع العذار
يا قوم قولوا بذمام الهوى أهكذا يفعل حب الصغار
وليلة نبهت أجفانها والفجر قد فجر نهر النهار
والليل كالمهزوم يوم الوغى والشهب مثل الشهب عند الفرار
كأنما استخفى السها خيفة وطولب النجم بثار فثار
لذاك ما شابت نواصي الدجى وطارح النسر أخاه فطار
وفي الثريا قمر سافر عن غرة غير منها السفار
كأن عنقوداً تثنى بهإذ صار كالعرجون عند السرار كأنها تسبك ديناره وكفها يفتل منه السوار
كأنما الظلماء مظلومة تحكم الفجر عليها فجار
كأنما الصبح لمشتاقه عز غنى من بعد ذل افتقار
كأنما الشمس وقد أشرقت وجه أبي عبد الإله استنار
محمد محمد كاسمه شخص له في كل معنى يشار
أما المعالي فهو قطب لها والقطب لا شك عليه المدار
مؤثل المجد صريح العلا مهذب الطبع كريم النجار
تزهى به لخم وساداتها وتنتمي قيس له في الفخار
يفيض من جود يديه على عافيه ما منه تحار البحار
اليمن من يمناه حكم جرى واليسر من شيمة تلك اليسار
أخ صفا منه لنا واحد فالدهر مما قد جنى في اعتذار
فإن شكرنا فضله مرة فقد سكرنا من نداه مرار
ونحن منه في جوار العلا تدور للسعد بنا منه دار
الحافظ الله وأسماؤه لذلك الجار وذاك الجوار
رسالة ابن عميرة إلى ابن الأبار في سقوط بلنسية
رجع - وقد رأيت أن أثبت هنا رسالة خاطب بها الكاتب البارع القاضي أبو المطرف ابن عميرة المخزومي الشيخ أبا عبد الله ابن الأبار، يذكر له
أخذ العدو مدينة بلنسية وهي:
ألا فيئة للدهر تدنو بمن نأى وبقيا يرى منها خلاف الذي رأى
ويا من عذيري منه، يغدر من أوى ... إليه ولا يدري سوى خلف من وأى ذخائر ما في البر والبحر صيده فلا لؤلؤاً أبقى عليه ولا وأى
أيها الأخ الذي دهش ناظري لكتابه، بعد أن أدهش خاطري من إغبابه، وسرني من بشره إيماض، بعد أن ساءني من جهته إعراض، جرت على ذكره الصلة فقوم قدح نبعتها، وروى أكناف تلعتها، وأحدث ذكراً من عهدنا الماضي فنقط وجه عروسه، وشعشع خمر كؤوسه، وسقى بماء الشبيبة ثراه، وأبرز مثل مرآة الغريبة مرآه، فبورك فيه أحوذياً وصل رحمه، وكسا منظره من البهجة ما كان حرمه، وحيا الله تعالى منه ولياً على سالف عهدي تمادى، وبشعار ودي نادى، وبين الإحسان شيمته، وأبان والبيان لا تنجاب عنه ديمته، ولا تغلو بغير قلمه قيمته، واعتذر عن كلمة تمنى تبديلها، ودعوة ذكر وجوم النادي لها، ثم أرسلها ترجف بوادرها من خيفة، وتوغر بوغم صدر قلم وصحيفة، وتنذر من ريحانه قريش أن تمنعه عرفها، وتحدق إليه طرفها، واتقى غارة على غرة، من الناجي برأس طمرة، ولم يأمن هجران المهاجر بعد وصله، وعكر عكرمة المغطي بحلمه على أبي جهله، وعند ذكر كتيبة خالد أجحم، وذكر يوم أحاطت به فارس فاستلحم، فاعتذر عما قال، وأضمر الحذر إلا أن يقال، فمهلاً أيها الموفي على علمه، النافث بسحر قلمه، أتظن منزلتك في البلاغة ومهيعها لاحب، ومنزعها بالعقول لاعب، تسفل وقد ترفعت، أو تخفى وإن تلفعت، عرفناك يا سودة، وشهرت حلة
عطارد الملاحة والجودة، فلم حين تهيب الأخ الأوحد من قصي غطاريفها، ولو استثار من حفائظها تالدها وطريفها، لم يذكر يد قومه عند أبيها، وقد رام خطة أشرف على تأبيها، حين أهاب بكم لمهمه، ودعا منكم أخاه لأمه، ولولا ذلك لما خلا له وجه الكعبة، ولا خلص من تلك المضايق الصعبة، وبأن أعرتموه نجدتكم الموصوفة، غلب على ما كان بأيدي صوفة، فكيف نجحد اليد عند عمنا، أو نشحذ أسنة الألسنة لذمنا، أو كيف نلقاكم بجدنا، وأبوكم أبو بكر معدنا، وما تيامنكم إلى سبأ بن يشجب، وإن أطلنا فيه التعجب، بالذي يقطع أرحامنا، ويمنع اشتباكنا والتحامنا، بعد أن شددنا فعالنا بفعالكم، ورأينا أقدامنا في نعالكم، ولو شئتم توعدتم بأسود سؤددكم عند الإقدام، وإلحاح إلحافكم في ضرب الهام، لكن نقول إن قومنا لكرام، ولو شاءوا كان لنا منهم شرة وعرام.
وأعود من حيث بدأ الأخ الذي أبثه شوقي، وأتطعم حلاوة عشرته باقية في حاسة ذوقي، طارحني حديث مورد جف، وقطين خف، فيا لله لأتراب درجوا، وأصحاب عن الأوطان خرجوا، قصت الأجنحة وقيل طيروا، وإنما هو القتل أو الأسر أو تسيروا، فتفرقوا أيدي سبا، وانتشروا ملء الوهاد والربى، ففي كل جانب عويل وزفرة، وبكل صدر غليل وحسرة، ولكل عين عبرة، لا ترقأ من أجلها عبرة، داء خامر بلادنا حين أتاها، وما زال بها حتى سجى على موتاها، وشجا ليومها الأطول كهلها وفتاها، وأنذر بها في القوم بحران أنيجة، يوم أثاروا أسدها المهيجة، فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب، وباكورة البلاء المصبوب، أثكلتنا إخواناً أبكانا نعيهم، ولله أحوذيهم
وألمعيهم، ذاك أبو ربيعنا، وشيخ جميعنا، سعد بشهادة يومه، ولم ير ما يسوءه في أهله وقومه، وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق، وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان، فبرح الخفاء، وقيل: على آثار من ذهب العفاء، وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاء، فأودت الخفة والحصافة، وذهب الجسر والرصافة، ومزقت الحلة والثملة، وأوحشت الجرف والرملة، ونزلت بالحارة وقعة الحرة، وحصلت الكنيسة من جآذرها وظبائها على طول الحسرة، فأين تلك الخمائل ونضرتها، والجداول وخضرتها، والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها، والنواسم وهبوب مبتلها، والأصائل وشحوب معتلها، دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها، ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها، حتى أحاطت بجزيرة شقرها، فآهاً لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كلمه، ويا لجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها، وروضة أجاد أبو إسحاق نعتها، وإنما كانت داره التي فيها دب، وعلى أوصاف محاسنها أكب، وفيها أتته منيته كما شاء وأحب، ولم تعدم بعده محبين قشيبهم إليها ساقوه، ودمعهم عليها أراقوه، وقد أثبت من النظم ما يليق بهذا الموضع، وإن لم يكن له ذلك الموقع:
أقلوا ملامي أو فقولوا وأكثروا ملومكم عما به ليس يقصر
وهل غير صب ماتني عبراته إذا صعدت أنفاسه تتحدر
يحن وما يجدي عليه حنينه إلى أربع معروفها متنكر
ويندب عهداً بالمشقر فاللوى وأين اللوى منه وأين المشقر
تغير ذاك العهد بعدي وأهله ومن ذا على الأيام لا يتغير
وأقفر رسم الدار إلا بقية لسائلها عن مثل حالي تخبر
فلم تبق إلا زفرة إثر زفرة ضلوعي لها تنقد أو تتفطر
وإلا اشتياق لا يزال يهزني فلا غاية تدنو ولا هو يفتر
أقول لساري البرق في جنح ليلة كلانا بها قد بات يبكي ويسهر
تعرض مجتازاً فكان مذكراً بعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر
أتأوي لقلب مثل قلبك خافق ودمع سفوح مثل قطرك يقطر
وتحمل أنفاساً كومضك نارها إذا رفعت تبدو لمن يتنور
يقر بعيني أن أعاين من نأى لما أبصرته منك عيناي تبصر
وأن يتراءاك الخليط الذين هم بقلبي وإن غابوا عن العين حضر
كفى حزناً أنا كأهل محصب بكل طريق قد نفرنا وننفر
وأن كلينا من مشوق وشائق بنار اغتراب في حشاه تسعر
ألا ليت شعري والأماني ضلة وقولي ألا ليت شعري تحير
هل النهر عقد للجزيرة مثلما عهدنا وهل حصباؤه وهي جوهر
وهل للصبا ذيل عليه تجره فيزور عليه موجه المتكسر
وتلك المغاني هل عليها طلاوة بما راق منها أو بما رق تسحر
ملاعب أفراس الصبابة والصبا تروح إليها تارة وتبكر
وقبلي ذاك النهر كانت معاهد بها العيش مطلول الخميلة أخضر
بحيث بياض الصبح أزار جيبه تطيب وأردان النسيم تعطر
ليال بماء الورد ينضح ثوبها وطيب هواء فيه مسك وعنبر
وبالجبل الأدنى هناك خطى لنا إلى اللهو لا تكبو ولا تتعثر
جناب بأعلاه بهار ونرجس فأبيض مفتر الثنايا وأصفر
وموردنا في قلب قلت كمقلة حذاراً علينا من قذى العين تستر
وكم قد هبطنا القاع نذعر وحشه ويا حسنه مستقبلاً حين يذعر
نقود إليه طائعاً كل جارح له منخر رحب وخصر مضمر
إذا ما رميناه به عبثت به مؤللة الأطراف عنهن تكشر
تضم لأروى النيق حزان سهلها وقد فقدت فيها مهاة وجؤذر
كذاك إلى أن صاح بالقوم صائح وأنذر بالبين المشتت منذر
وفرقهم أيدي سبا وأصابهم على غرة منهم قضاء مقدر
ونعود إلى حيث كنا من تبدد شمل الجيرة، وطي بساط الجزيرة: أما شاطبة فكانت من قصبتها شوساء الطرف، وببطحائها عروساً في نهاية الظرف، فتخلى عن الذروة من أخلاها، وقيل الكافر: شأنك وأعلاها، فقبل أن تضع الحرب أوزارها، كشط عنها إزارها، فاستحل الحرمة أو تأولها، وما انتظر أقصر المدة ولا أطولها، وأما تدمير فجاد عودها على الهصر، وأمكنت عدوها من القصر، فداجى الكفر الإيمان، وناجى الناقوس الأذان، وما وراءها من الأصقاع التي باض الكفر فيها وفرخ، وأنزل بها ما أنسى التاريخ ومن أرخ، فوصفكم على الحادثة فيها أتى، وفي ضمان القدرة الانتصاف من عدو عثا وعتا، وإنا لنرجوها كرة تفك البلاد من أسرها، وتجبرها بعد كسرها، وإن كانت الدولة العامرية منعت بالقراع ذمارها، ورفعت على اليفاع نارها، فهذه العمرية بتلك المنقبة أخلق، والعدو لها أهيب ومنها أفرق، وما يستوي نسب مع البقل نبت، وبالمستفيض من النقل ما ثبت، وآخر علت سماؤه على اللمس، ورسا ركنه في الإسلام رسو قواعده الخمس، وكان كما قال أبو حنيفة في خبر المسح: جاءنا مثل الشمس، والأيام العمرية هي أم الوقائع المحكية، ومن شاء عدها من اليرموكية إلى الأركية، وهذه الأيام الزاهرة هي زبدة حلاوتها، وسجدة تلاوتها، وإمامتها العظمى أيدها الله تعالى، تمهل الكافر مدة إملائه، ثم تشفي الإسلام من دائه، وتطهر الأرض بنجس دمائه، بفضل الله تعالى، المرجو
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع