من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار
الشافية من العلة، ومواعظ المنجية من الأهواء المضلة،
والمناسبات الواضحة البراهين والأدلة
أقول: لا خفاء أن الشيخ لسان الدين رحمه الله تعالى أخذ عن جماعة من أهل العدوة والأندلس عدة فنون، وحدث عنهم بما يصدق الأقوال ويحقق الظنون.
فمن أشياخه رحمه الله تعالى الفقيد الجليل الشريف النبيه الشهير، رئيس العلوم اللسانية بالأندلس، قاضي الجماعة أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسني السبتي، رحمه الله تعالى؛ كان هذا الشريف آية الله الباهرة في العربية والبيان والأدب، ويكفيه فضلاً أنه شرح الخزرجية، وافترع هضاب مشكلاتها بفهمه، من غير أن يسبقه أحد إلى استخراج كنوزها، وإيضاح رموزها، وشرح مقصورة أديب المغرب الإمام أبي الحسن حازم بن محمد القرطاجني الأندلسي الذي مدح بها أمير المؤمنين المنتصر بالله أبا عبد الله محمد الحفصي، وسمى هذا الشرح ب " رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة "، وهذا
الشرح في مجلدين كبيرين، وفيه من الفوائد ما لا مزيد عليه، رأيته بالمغرب، واستفدت منه كثيراً.
ومن فوائد الشريف المذكور أنه قال فيما جاء من الحديث في صفة وضوء رسول الله، ﷺ، " فأقبل بهما وأدبر " إن أحسن الوجوه في تأويله أن يكون قدم الإقبال تفاؤلاً، ثم فسر بعد ذلك على معنى أدبر وأقبل، قال: والعرب تقدم بكلامها ألفاظاً على ألفاظ أخرى، وتلتزمه في بعض المواضع، كقولهم: قام وقعد ولا تقول: قعد وقام، وكذلك أكل وشرب، ودخل وخرج، وعلى هذا النمط كلام العرب، فتكون هذه المسألة من هذا، قال: ويؤيد ما قلناه - وهو موضع النكتة - تفسيره لأقبل وأدبر في باقي الحديث على معنى أدبر ثم أقبل، ولو كان اللفظ على ظاهره لم يحتج إلى تفسير؛ انتهى.
وحدث رحمه الله تعالى عن جده لأمه قال: كنت بالمشرق، فدخلت على بعض القرائين، فألفيت الطلب يعربون عليه قول امرئ القيس:
كأن أبانا في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل فأنشد ولا أدري هل هي له أو لغيره:
إذا ما الليالي جاورتك بساقطوقدرك مرفوع فعنه ترحل
ألم تر ما لاقاه في جنب جاره ... كبير أناس في بجاد مزمل وكان بعض الناس ينشد في هذا المقصد قول الآخر:
عليك بأرباب الصدور، فمن غدامضافاً لأرباب الصدور تصدراً
وإياك أن ترضى بصحبة ساقطفتنحط قدراً من علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثم خفض مزمليبين قولي مغرياً ومحذراً وهذا معنى قول الشاعر:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي وما أحسن قول أبي بحر صفوان بن إدريس المرسي رحمه الله تعالى:
إنا إلى الله من أناسقد خلعوا لبسة الوقار
جاورتهم فانخفضت هوناًيا رب خفض على الجوار ومن نظم الشريف رحمه الله تعالى:
وأحور زان خديه عذارسبى الألباب منظره العجاب
أقول لهم وقد عابوا غراميبه إذا لاح للدمع انسكاب
أبعد كتاب عارضه يرجى ... خلاص لي وقد سبق الكتاب ومن الغريب في توارد الخواطر ما وجد بخط الأديب أبي القاسم ابن جزي الكلي رحمهما الله تعالى - وسيأتيان - ما معناه: قلت هذه القطعة:
ومعسول اللمى عادت عذاباًعلى قلبي ثناياه العذاب
وقد كتب العذار بوجنتيهكتاباً حظ قارئه اكتئاب
وقالوا لو سلوت فقلت خيراً ... وأنى لي وقد سبق الكتاب ثم عرضتها على شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف بعد نظمها بمدة يسيرة فقال لي: قد نظمت هذا المعنى بالعروض والقافية في هذه الأيام اليسيرة، وأنشدني:
وأحور زان خديه عذارالأبيات السابقة
وهذا يقع كثيراً، ومنه ما وقع لابن الرقام حيث قال: من شعر عمي قوله:
جل في البلاد تنل عزاً وتكرمةفي أي أرض فكن تبلغ مناك بها
جل الفوائد بالأسفار مكتسب ... والله قد قال " فامشوا في مناكبها " فقال له الفقيه ابن حذلم: مثل هذا وقع لأبي حيان إذ قال:
يا نفس ما لك تهوين الإقامة فيأرض تعذر كل من مناك بها
أما تلوت وعجز المرء منقصة ... في محكم الوحي " فامشوا في مناكبها " فحصل العجب من هذا الاتفاق الغريب.
ونقلت ممن نقل من خط الفقيه محمد بن علي بن الصباغ العقيلي ما صورته: كان الشريف الغرناطي - رحمه الله تعالى - آية زمانه، وأزمة البيان طوع بنانه، له شرح المقصورة القرطاجية أغرب ما تتحلى به الآذان، وأبدع ما ينشرح له الجنان، إلى العقل الذي لا يدرك، والفضل الذي حمد منه المسلك. حدثني بنادرة جرت بينه وبين مولاي الوالد من أثق به من طلبة الأندلس وأعلامها قال: دخل والدك يوماً لأداء الشهادة عنده، فوجد بين يديه جماعة من الغزاة يؤدون شهادة، فسمع القاضي منهم، وقال لهم: هل من يعرفكم فقالوا: نعم، يعرفنا علي الصباغ، فقال القاضي: أتعرفهم يا أبا الحسن فقال له: نعم يا سيدي، معرفة محمد بن يزيد، فما أنكر عليه شيئاً بل قال لهم: عرف الفقيه أبو الحسن ما عنده، فانظروا من يعرف معه رسم حالكم، فانصرفوا راضين، ولم يرتهن والدي في شيء من حالهم، ولا كشف القاضي لهم ستر القضية.
قال محمد بن علي بن الصباغ: أما قول والدي " معرفة محمد بن يزيد " فإشارة إلى قول الشاعر:
أسائل عن ثمالة كل حيفكلهم يقول وما ثماله
فقلت: محمد بن يزيد منهم ... فقالوا: الآن زدت بهم جهالة فتفطن القاضي رحمه الله تعالى لجودة ذكائه إلى أنه لم يرتهن في شيء من معرفتهم، ممتنعاً من إظهار ذلك بلفظه الصريح، فكنى واكتفى بذكاء القاضي الصحيح، رحمهما الله تعالى؛ انتهى. ومن فوائد الشريف ما حكاه عنه تلميذه الإمام النظار أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى، ونصه: قال لي الشيخ القاضي الكبير أبو القاسم الحسني يوماً وقد جرى ذكر حتى التي للابتداء، وأن معناها التي يقع بعدها الكلام سواء كان ذلك متعلقاً بما قبلها لم يتم دونه أو لا، بل لا يكون الأمر إلا كذلك، قال: وقد حدثني بعض الأصحاب أنه سمع رجلاً يصلي أشفاع رمضان، فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى " ثم أتبع سبباً " فوقف هنالك، وركع وسجد، قال: فظننت أنه نسي ما بعد ثم ركع وسجد حتى يتذكر بعد ذلك ويعيد أول الكلام، فلما قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله " حتى إذا بلغ " فلما أتم الصلاة قلت له في ذلك، فقال: أليست حتى الابتدائية قال القاضي الشريف المذكور: فيجب أن يفهم أن الاصطلاح في حتى وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر؛ انتهى. وقال الشاطبي: أنشدني أبو محمد ابن حذلم لنفسه:
شأن المحبين في أشجانهم عجبوحالتي بينهم في الحب أعجبها
قد كنت أبعث من ريح الصبا رسلاًتأتي فتطفئ أشواقي فتذهبها
والآن أرسل دمعي إثرها ديماًفتلتظي نار وجدي حين أسكبها
فاعجب لنار اشتياق في الحشا وقفتألريح تذهبها والماء يلهبها
ثم قال الشاطبي ما نصه: أخذ هذا المعنى فتممه، من قطعة أنشدناها شيخنا القاضي أبو القاسم الشريف رحمه الله تعالى عليه؛ أذكر الآن آخر بيت منها وهو:
يا من رأى النار إن تطفأ مخالفة ... فبالرياح، وإن توقد فبالماء وأخذ عن الشريف المذكور رحمه الله تعالى جماعة غير لسان الدين، من أشهرهم العلامة النظار أبو إسحاق الشاطبي، والوزير الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك.
قال حفيد السلطان الغني بالله بن الأحمر رحمه الله تعالى في حق ابن زمرك: إنه كان يتردد الأعوام العديدة إلى قاضي الجماعة أبي القاسم الشريف، فأحسن الإصغاء، وبذ الأئمة البلغاء، بما أوجب أن رثاه عند الوقوف على قبره بالقصيدة الفريدة التي أولها:
أغرى سراة الحي بالإطراق ... وقال في موضع آخر: ومما بذ به - يعني ابن زمرك - سبقاً وتبريزاً، وعرضه على نقدة البيان فرأت منه كل مذهبة خلصت إبريزاً، مرثيته للقاضي المعظم الشريف أبي القاسم الحسني من شيوخه، وهي:
أغرى سراة الحي بالإطراقنبأ أصم مسامع الآفاق
أمسى به ليل الحوادث داجياًوالصبح أصبح كاسف الإشراق
فجع الجميع بواحد جمعت لهشتى العلا ومكارم الأخلاق
هبوا لحكمكم الرصين فإنهصرف القضاء فماله من واق
نقش الزمان بصرفه في صفحةكل اجتماع مؤذن بفراق
ماذا ترجي من زمانك بعدماعلق الفناء بأنفس الأعلاق
من تحسد السبع الطباق علاءهعالوا عليه من الثرى بطباق
إن المنايا للبرايا غايةسبق الكرام لخصها بسباق
لما حسبنا أن تحول أبؤساًكشفت عوان حروبها عن ساق
ما كان إلا البدر طال سرارهحتى رمته يد الردى بمحاق
أنف المقام مع الفناء نزاهةفنوى الرحيل إلى مقام باق
عدم الموافق في مرافقة الدنافنضى الركاب إلى الرفيق الباقي
أسفاً على ذاك الجلال تقلصتأفياؤه وعهدن خير رواق
يا آمري بالصبر، عيل تصبريدعني عدتك لواعج الأشواق
وذر اليراع تشي بدمع مدادهاوشي القريض يروق في الأوراق
واحسرتا للعلم أقفز ربعهوالعدل جرد أجمل الأطواق
ركدت رياح المعلوات لفقدهاكسدت به الآداب بعد نفاق
كم من غوامض قد صدعت بفهمهاخفيت مداركها على الحذاق
كم قاعد في البيد بعد قعودهقعدت به الآمال دون لحاق
لمن الركائب بعد بعدك تنتضىما بين شام ترتمي وعراق
تفلي الفلا بمناسم مفلولةتسم الحصى بنجيعها الرقراق
كانت إذا اشتكت الوجى وتوقفتيهفو نسيم ثنائك الخفاق
فإذا تنسمت الثناء أمامهامدت لها الأعناق في الإعناق
يا مزجي البدن القلاص خوافقاًرفقاً بها فالسعي في إخفاق
مات الذي ورث العلا عن معشرورثوا تراث المجد باستحقاق
رفعت لهم رايات كل جلالةفتميزوا في حلبة السباق
علم الهداة وقطب أعلام النهىحرم العفاة المجتنى الأرزاق
رقت سجاياه وراقت مجتلىكالشمس في بعد وفي إشراق
كالزهر في لألائه، والبدر فيعليائه، الزهر في الإبراق
مهما مدحت سواه قيد وصفهوصفاته حمد على الإطلاق
يا وارثاً نسب النبوة جامعاًفي العلم والأخلاق والأعراق
يا ابن الرسول وإنها لوسيلةيرقى بها أوج المصاعد راقي
ورد الكتاب بفضلكم وكمالكمفكفى ثناء الواحد الخلاق
مولاي إني في علاك مقصرقد ضاق عن حصر النجوم نطاقي
ومن الذي يحصي مناقب مجدكمعد الحصى والرمل غير مطاق
يهني قبوراً زرتها فلقد ثوتمنا مصون جوانح وحداق
خط الردى منها سطوراً نصها:لا بد أنك للفناء ملاق
ولحقت ترجمة الكتاب وصدرهوفوائد المكتوب في الإلحاق
كم من سراة في القبور كأنهمفي بطنها در ثوى بحقاق
قل للسحاب اسحب ذيولك نحوهوالعب بصارم برقك الخفاق
أودى الذي غيث العباد بكفهيزري بواكف غيثك الغيداق
إن كان صوبك بالمياه فدرهادر يروض ماحل الإملاق
بشر كثير نقد نعوا لما نعيقاضي القضاة وغاب في الأطباق
ألبستهم ثوب الكرامة ضافياًوأرحت من كد ومن إرهاق
يتفيأون ظلال جاهك كلمالفحت سموم الخطب بالإحراق
عدموا المرافق في فراقك وانطوىعنهم بساط الرفق والإرفاق
رفعوا سريرك خافضين رؤوسهمما منهم إلا حليف سياق
لكن مصيرك للنعيم مخلداًكان الذي أبقى على الأرماق
ومن العجائب أن يسرى بحر الندىطود الهدى يسري على الأعناق
إن يحملوك على الكواهل طالماقد كنت محمولاً على الأحداق
أو يرفعوك على العواتق طالمارفعت ظهر منابر وعتاق
ولئن رحلت إلى الجنان فإننانصلى بنار الوجد والأشواق
لو كنت تشهد حزن من خلفتهلثنى عنانك كثرة الإشفاق
إن جن ليل جن من فرط الأسىوسوى كلامك ما له من راق
فابعث خيالك في الكرى يبعث بهميت السرور لثاكل مشتاق
أغليت يا رزء التصبر مثلماأرخصت در الدمع في الآماق
إن يخلف الأرض الغمام فإننيأسقي الضريح بدمعي المهراق وكانت وفاة الشريف المذكور سنة إحدى وستين وسبعمائة
قال ابن الخطيب القسمطيني في وفياته: وفي هذه السنة - يعني سنة توفي شيخنا قاضي الجماعة بغرناطة حرسها الله تعالى أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني، وكتب لي بالإجازة العامة بعد التمتع بمجلسه، وله شعر مدون سماه " جهد المقل " وله الشرح على الخزرجية في العروض، وأقدم عليها بعد أن عجز الناس عن فكها، وكان إماماً في الحديث والفقه والنحو، وهو على
الجملة ممن يحصل الفخر بلقاءه، ولم يكن أحد بعده مثله بالأندلس؛ انتهى.
وقال في الإحاطة إن مولد الشريف كان سنة سبع وتسعين وستمائة، وأن وفاته سنة ستين وسبعمائة، وفي وفاته مخالفة لما تقدم، والله أعلم.
وما أحسن قول الشريف أبي القاسم المترجم به:
حدائق أنبتت فيها الغواديدروب النور رائقة البهاء
فما يبدو بها النعمان إلانسبناه إلى ماء السماء [ابنا الشريف]
وكان للشريف أبي القاسم المذكور ابنان نجيبان: أحدهما قاضي الجماعة أبو المعالي، والآخر أبو العباس أحمد، قال الراعي في كتابه " الفتح المنير في بعض ما يحتاج إليه الفقير " ما نصه: حكاية تتعلق بالانقطاع، نسأل الله تعالى العافية: وقع للسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي المعالي ابن السيد الشريف أبي القاسم الحسني شارح الخزرجية ومقصورة حازم نفع الله تعالى بسلفهم الكريم، وكانت أم السيد أبي المعالي حسينية فكان شريفاً من الجهتين، أنه كان قد ترك كبار الوظائف والرياسات، وتجرد للعبادة، ولبس المرقعة، وسلك طريق القوم. وكان من الدين والعلم والتعظيم في قلوب أهل الدنيا وأهل الآخرة على جانب عظيم، يشار إله بالأصابع، وكان شيخي وأستاذي أبو العباس أحمد قاضياً بشرقي الأندلس فكان أخوه أبو المعالي المذكور لا يأكل في بيت شقيقه شيئاً لأجل
ذلك، ولعيشه من خدم السلطان، وكان إذا احتاج إلى الطعام وهو في بيت أخيه أعطاني درهماً من عنده أشتري له به ما يأكل، وأقام على هذه الحلة الحسنة سنين كثيرة، ثم إنه دخل يوماً على الفقراء بزاوية المحروق من ظاهر غرناطة، وكان شيخ الفقراء بها في ذلك الوقت الشيخ أبا جعفر أحمد المحدود، فقال لهم: يا سادتي، إنه كان معي قنديل أستضيء به، فقدته في هذه الأيام، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال لهم شيخهم المذكور: يا شريف أول رجل يدخل علينا في هذا المجلس يجيبك عن مسألتك، فدخل عليهم رجل من خيارهم من أهل البادية، فسلم وجلس، فقال له الشيخ: إن الشريف سأل الجماعة، فقلت له: أول رجل يدخل علينا يجيبك، فوفقت أنت، فأجبه عن مسألته، فقال له: ما سؤالك يا شريف فقال: إنه كان لي قنديل أستضيء به ففقدته، وما بقيت أبصر شيئاً، فقال له الفقير: هذا لا يصدر إلا عن سوء أدب، أخبرنا بما وقع منك، فقال له الشريف: ما أعلم أنه وقع مني شيء، غير أن المباشر فلاناً طلبه السلطان للمصادرة، فاستخفى منه، فمررت ببابه يوماً، فناداني من شقة الباب: يا سيدي اجعل خاطرك معي لله تعالى، فقلت له: اذكر الذكر الفلاني، قلت: وأنا أظن أنه أمره بذكر اسمه تعالى اللطيف فإنه سريع الإجابة في تفريج الشدائد والكرب، نص عليه البوني في منتخبه، وهو مجرب في ذلك، وقد رواه لي عن بعض مشايخه السيد الشريف أحمد أخوه، فقال له الفقير: هل كان أذن لك في تلقينه قال: لا. قال له الفقير: لا يعود إليك نورك أبداً؛ لأنك قد أسأت الأدب، فكان كما قال، فانقطع وولي بعده قضاء الجماعة، وعزل عن سخط، وخدم الملوك، وأكل طعامهم، وحالته أولاً وآخراً معروفة بغرناطة، نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا من المطرودين عن باب رحمته بمنه وكرمه؛ انتهى كلام الراعي رحمه الله تعالى.
رجع إلى مشايخ لسان الدين. رحمه الله تعالى ورضي عنه وسامحه، فنقول:
ومن مشايخ لسان الدين الإمام الرحال شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن جابر الوادي آشي، ولد بتونس، وهو محمد بن الإمام المحدث معين الدين جابر بن محمد بن قاسم بن أحمد القيسي، شيخ ممتع رحال متقن.
قال الخطيب ابن مرزوق: وعاشرته كثيراً سفراً وحضراً، وسمعت بقراءته وسمع بقراءتي، وقرأت عليه الكثير، وقيدت من فوائده، وأنشدني الكثير، فأول ما قرأت عليه بالقاهرة بمسجد [ ...]، وقرأت عليه بمدينة فاس، وبظاهر قسنطينة، وبمدينة بجاية وبظاهر المهدية، وبمنزلي من تلمسان، وقرأت عليه أحاديث عوالي من تخريج الدمياطي، وفيها الحديث المسلسل بالأولية، وسلسلته عنه من غير رواية الدمياطي بشرطه، ثم قرأت عليه أكثر كتاب " الموطإ " رواية يحيى، وأعجله السفر فاتممته عليه في غير القاهرة، وحدثني به عن جماعة، ومعوله على الشيخين قاضي القضاة أبي العباس ابن الغماز الخزرجي وهو أحمد بن محمد بن حسن والشيخ أبي محمد ابن هارون وهو عبد الله بن محمد القرطبي الطائي الكاتب المعمر الأديب، بحق سماعه لأكثره على الأول وقراءته بأجمعه على الثاني، قال الأول: أخبرنا أبو الربيع ابن سالم بجميع طرقه فيها منها عن ابن مرزوق وأبي عبد الله ابن أبي عبد الله الخولاني عن أبي عمرو عثمان بن أحمد المعافري عن أبي عيسى بسنده، وقال الثاني: أخبرنا أبو القاسم ابن بقي بقرطبة، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الحق عن محمد بن فرج مولى الطلاع عن يونس بتمام سنده.
قال شيخنا: وفي هذا السند غريبتان: إحداهما أنه ليس فيه إجازة، والثانية أن شيخه كلهم قرطبيون.
قال ابن مرزوق: قلت ولا غرابة في اتصال سماع الموطإ وقراءته، فقد
وقع لي قلة التحصيل متصلاً من طرق ولله الحمد، وقد روته عن قرطبي، وهو أبو العباس ابن العشاء. ثم قرأت عليه كتاب " الشفاء " لعياض، وحدثني به عن أبي القاسم عن أبي عبد الله ابن أبي القاسم الأنصاري المالقي نزيل سبتة ويعرف بها بابن حكم وبابن أخت أبي صالح، عن أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الخزرجي، عن أبي جعفر أحمد بن حكم، عن المؤلف وحدثني به أيضاً عن قاضي الجماعة ابن أبي الربيع ابن سالم عن أبي جعفر ابن حكم.
ثم قال ابن مرزوق بعد كلام ما صورته: رويت عنه وأنشدني لأبي محمد ابن هارون:
لا تطمعن في نفع آلك إنهضرر وقل النفع عند الآل
أقصر رويدك إن ما أعلقتهبالآل من أهل كمثل الآل ولابن هارون المذكور:
أقل زيادة الأحباب تزدد عندهم قربا
فإن المصطفى قد قال زر غباً تزد حبا ولابن هارون أيضاً:
رماني بالنوى زمنيفشمل الأنس مفترق
وليلي كله فكرفقلبي منه محترق
وللآداب أبناءببحر الفقر قد غرقوا
وكل منهم وجلبما يلقاه أو فرق
يغص بريقه منهكما في النطق أو شرق
وقد صفرت أكفهمفلا ورق ولا ورق
ولطف الله مرتقب ... به العادات تنخرق قال ابن مرزوق: وشعره الفائق لا يحصر، وهو عندي في مجلد كبير، وولد ابن جابر سنة وسمع بمصر على الجماعة، وكتب بخطه كثيراً، وله معرفة بالحديث والنحو واللغة والشعر، وله نظم حسن، وتوفي بتونس سنة، وأخذ القراءات عن ابن الزيات وغيره، وترجمة الحافظ ابن جابر رحمه الله تعالى واسعة مشهورة، وقد ذكرناه في غير هذا الكتاب بما جمعناه.
[أشعار لبعض شيوخ لسان الدين]
ومما أنشده لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض المتصوفة من شيوخه ولم يسمه قوله:
هل تعلمون مصارع العشاقعند الوداع بلوعة الأشواق
والبين يكتب من نجيع دمائهمإن الشهيد بكم توى بفراق
لو كنت شاهد حالهم يوم النوىلرأيت ما يلقون غير مطاق
منهم كئيب لا يمل بكاءهقد أحرقته مدامع الآماق
ومحرق الأحشاء أشعل نارهاطول الوجيب بقلبه الخفاق
وموله لا يستطيع كلامهمما يقاسي في الهوى ويلاقي
خرس اللسان فما يطيق عبارةألم ألم وما له من راق
ما للمحب من المنون وقايةإن لم يجد محبوبه بتلاق
مولاي عبدك ذاهب بغرامهأدرك بفضلك من ذماه الباقي
إني إليك بذلي متوسلفاعطف بلطف منك أو إشفاق
وهذه الأبيات أوردها رحمه الله تعالى في " الروضة " في العشق، بعد أن حده وتكلم عليه، ثم أورد عدة مقطوعات، ثم ذكر منها هذه الأبيات كما ذكر. وأنشد لسان الدين رحمه الله تعالى لبعض أشياخه، وسماه، وأنسيته أنا الآن:
بما بيننا من خلوة معنويةأرق من النجوى وأحلى من السلوى
قفي ساعة في ساحة الدار وانظريإلى عاشق لا يستفيق من البلوى
وكم قد سألت الريح شوقاً إليكمفما حن مسراها علي ولا ألوى وقوله أيضاً:
أنست بوحدتي حتى لو أنيأتاني الأنس لاستوحشت منه
ولم تدع التجارب لي صديقاًأميل إليه إلا ملت عنه وقوله رحمه الله تعالى:
عليك بالعزلة إن الفتىمن طاب بالقلة في العزلة
لا يرتجي عزلة وال، ولا ... يخشى من الذلة في العزلة ومن أكابر شيوخ ابن الخطيب رحمه الله تعالى جدي الإمام العلامة قاضي القضاة بحضرة الخلافة فاس المحروسة أبو عبد الله.
قال في " الإحاطة " محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن القرشي المقري، يكنى أبا عبد الله، قاضي الجماعة بفاس، تلمساني.
أوليته - نقلت من خطه قال: وكان الذي اتخذها من سلفنا قراراً، بعد أن كانت لمن قبله مزاراً، عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي المقري صاحب الشيخ
أبي مدين، الذي دعا له ولذريته بما ظهر فيهم قبوله وتبين، وهو أبي الخامس فأنا محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الرحمن، وكان هذا الشيخ عروي الصلاة، حتى إنه ربما امتحن بغير شيء فلم يؤنس منه التفات، ولا استشعر منه شعور، ويقال: إن هذا الحضور مما أدركه من مقامات شيخه أبي مدين؛ انتهى.
[هل المقري الجد قرشي]
وكتب بعض المغاربة على هامش هذا المحل من الإحاطة ما صورته: القرشي وهم؛ انتهى.
فكتب تحته الشيخ الإمام أبو الفضل ابن الإمام التلمساني رحمه الله تعالى على ما نصه: بل صحيح، نطقت به الألسن والمكاتبات والإجازات وأعربت عنه الخلال الكريمة، إلا أن البلدية يا سيدي أبا عبد الله والمنافسة تجعل القرشية في إمام المغرب أبي عبد الله المقري وهماً، والحمد لله؛ انتهى.
قلت: وممن صرح بالقرشية في حق الجد المذكور ابن خلدون في تاريخه وابن الأحمر في " نثير الجمان " وفي شرح البردة عند قوله:
لعل رحمة ربي حين ينشرها ... والشيخ ابن غازي، والولي الصالح سيدي أحمد رزوق، والشيخ علامة زمانه سيدي أحمد الونشريسي، وغير واحد، وكفى بلسان الدين شاهداً مزكى.
وقد ألف عالم الدنيا ابن مرزوق تأليفاً استوفى فيه التعريف بمولاي الجد سماه " النور البدري في التعريف بالفقيه المقري " وهذا بناء منه على مذهبه أنه
- بفتح الميم وسكون القاف - كما صرح بذلك في شرح الألفية عند قوله:
ووضعوا لبعض الاجناس علم ... وضبطه غيرهم وهم الأكثرون بفتح الميم وتشديد القاف، وعلى ذلك عول أكثر المتأخرين، وهما لغتان في البلدة التي نسب إليها، وهي مقرة من قرى زاب إفريقية، وانتقل منها جده إلى تلمسان صحبة شيخه ولي الله سيدي أبي مدين ﵁.
رجع إلى تكملة كلام مولاي الجد في حق أوليته:
قال رحمه الله تعالى بعد الكلام السابق في حق جده عبد الرحمن، ما صورته: ثم اشتهرت ذريته على ما ذكر من طبقاتهم بالتجارة، فمهدوا طريق الصحراء بحفر الآبار وتأمين التجار، واتخذوا طبلاً للرحيل، وراية تقدم عند المسير، وكان لد يحيى الذين أحدهم أبو بكر خمسة رجال، فعقدوا الشركة بينهم في جميع ما ملكوه أو يملكونه على السواء بينهم والاعتدال، فكان أبو بكر ومحمد وهما أرومتا نسبي من جميع جهات أمي وأبي بتلمسان، وعبد الرحمن وهو شقيقهما الأكبر بسجلماسة، وعبد الواحد وعلي وهما شقيقاهم الصغيران بإيوالاتن فاتخذوه بهذه الأقطار الحوائط والديار، وتزوجوا النساء، واستولدوا الإماء، وكان التلمساني يبعث إلى الصحراوي بما يرسم له من السلع، ويبعث إليه الصحراوي بالجلد والعاج والجوز والتبر، والسجلماسي كلسان الميزان يعرفهما بقدر الخسران والرجحان، ويكاتبهما بأحوال التجار وأخبار البلدان، حتى اتسعت أموالهم، وارتفعت في الضخامة أحوالهم، ولما افتتح التكرور كورة إيوالاتن وأعمالها أصيبت أموالهم فيما أصيب من أموالها، بعد أن جمع من كان بها منهم إلى نفسه الرجال، ونصب دونها ودون مالهم القتال، ثم اتصل بملكهم فأكرم مثواه،
ومكنه من التجارة بجميع بلاده، وخاطبه بالصديق الأحب، والخلاصة الأقرب، ثم صرار يكاتب من بتلمسان يستقضي منهم مآربه، فيخاطبه بمثل تلك المخاطبة، وعندي من كتبه وكتب ملوك المغرب ما ينبئ عن ذلك، فلما استوثقوا من الملوك، تذللت لهم الأرض للسلوك، فخرجت أموالهم عن الحد، وكادت تفوت الحصر والعد، لأن بلاد الصحراء قبل أن يدخلها أهل مصر كان يجلب إليها من المغرب ما لا بال له من السلع، فتعاوض عنه بما له بال من الثمن - أي مدبر دنيا ضم جنبا أبي حمو وشمل ثوباه، كان يقول: لولا الشناعة لم أزل في بلادي تاجراً من غير تجار الصحراء الذين يذهبون بخبيث السلع، ويأتون بالتبر الذي كل أمر الدنيا له تبع، ومن سواهم يحمل منها الذهب، ويأتي إليها بما يضمحل عن قريب ويذهب، ومنه ما يغير من العوائد، ويجر السفهاء إلى المفاسد -، ولما درج هؤلاء الأشياخ جعل أبناؤهم ينفقون مما تركوا لهم، ولم يقوموا بأمر التثمير قيامهم، وصادفوا توالي الفتن، ولم يسلموا من جور السلاطين، فلم يزل حالهم في نقصان إلى هذا الزمن، فها أنا ذا لم أدرك من ذلك إلا أثر نعمة اتخذنا فضوله عيشاً، وأصوله حرمة، ومن جملة ذلك خزانة كبيرة من الكتب، وأسباب كثيرة تعين على الطلب، فتفرغت بحول الله ﷿ للقراءة، فاستوعبت أهل البلد لقاء، وأخذت عن بعضهم عرضاً وإلقاء، سواء المقيم القاطن، والوارد والظاعن؛ انتهى كلامه في أوليته، وقد نقله لسان الدين في الإحاطة.
وقال مولاي الجد رحمه الله تعالى: كان مولدي بتلمسان أيام أبي حمو موسى بن عثمان بن يغمراسن بن زيان، وقد وقفت على تاريخ ذلك، ولكني
رأيت الصفح عنه لأن أبا الحسن ابن مؤمن سأل أبا طاهر السلفي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا الفتح ابن زيان عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت علي بن محمد اللبان عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا القاسم حمزة بن يوسف السهمي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا بكر محمد بن عدي المنقري عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت الشافعي عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فإني سألت مالك بن أنس عن سنه فقال: أقبل على شأنك، ليس من المروءة للرجل أن يخبر بسنه؛ انتهى.
قلت: ولما تذاكرت مع مولاي العم الإمام - صب الله تعالى على مضجعه من الرحمة الغمام - هذا المعنى الذي ساقه مولاي الجد رحمه الله تعالى أنشدني لبعضهم:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثةسن ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمكفر وبحاسد ومكذب قال الونشريسي بحق الجد ما نصه: القاضي الشهير الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن محمد المقري، التلمساني المولد والمنشأ، الفاسي المسكن، كان رحمه الله تعالى عالماً عاملاً ظريفاً نبيهاً ذكياً نبيلاً فهماً متيقظاً جزلاً محصلاً؛ انتهى.
وقد وقفت له بالمغرب على مؤلف عرف فيه بمولاي الجد، وذكر جملة من أحواله، وذلك أن طلبه بعض أهل عصره في تأليف أخبار الجد، فألف فيه ما ذكر.
وقال في الإحاطة في ترجمة مولاي الجد بعد ذكره أوليته ما صورته:
حاله: هذا الرجل مشار إليه بالعدوة الغربية اجتهاداً ودؤوباً وحفظاً وعناية واطلاعاً ونقلاً ونزاهة، سليم الصدر، قريب الغور، صادق القول، مسلوب التصنع، كثير الهشة، مفرط الخفة، ظاهر السذاجة، ذاهب أقصى مذاهب التخلق، محافظ على العمل، مثابر على الانقطاع، حريص على العبادة، مضايق في العقد والتوجه، يكابد من تحصيل النية بالوجه واليدين مشقة، ثم يغافص الوقت فيها ويوقعها دفعة متبعاً إياها زعقة التكبير برجفة ينبو عنها سمع من لم تؤنسه بها العادة بما هو دليل على حسن المعاملة وإرسال السجية، قديم النعمة متصل الخيرية، مكب على النظر والدرس والقراءة، معلوم الصيانة والعدالة، منصف في المذاكرة، حاسر للذراع عند المباحثة، راحب عن الصدر في وطيس المناقشة، غير مختار للقرن ولا ضان بالفائدة، كثير الالتفات متقلب الحدقة، جهير بالحجة بعيد عن المراء والمباهتة، قائل بفضل أولي الفضل من الطلبة، يقوم أتم القيام على العربية والفقه والتفسير ويحفظ الحديث ويتهجر بحفظ التاريخ والأخبار والآداب، ويشارك مشاركة فاضلة في الأصلين والجدل والمنطق، ويكتب ويشعر مصيباً غرض الإجادة، ويتكلم في طريقة الصوفية كلام أرباب المقال ويعتني بالتدوين فيها، شرق وحج ولقي جلة واضطبن رحلة مفيدة، ثم عاد إلى بلده فأقرأ به واقطع إلى خدمة العلم، فلما ولي ملك المغرب السلطان محالف الصنع ونشيدة الملك وأثير الله من بين القرابة والاخوة أمير المؤمنين أبو عنان اجتذبه، وخلطه بنفسه واشتمل عليه وولاه قضاء الجماعة بمدينة فاس، فاستقل بذلك أعظم الاستقلال، وأنفذ الحق وألان الكلمة وآثر التسديد وحمل الكل وخفض الجناح،
فحسنت عنه القالة، وأحبته الخاصة والعامة. حضرت بعض مجالسه للحكم فرأيت من صبره على اللدد وتأنيه للحجج ورفقه بالخصوم ما قضيت منه العجب.
دخوله غرناطة - ثم لما أخر عن القضاء استعمل بعد لأي في الرسالة، فوصل الأندلس أوائل جمادى الثانية من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، فلما قضى غرض رسالته وأبرم عقد وجهته واحتل مالقه في منصرفه بدا له في نبذ الكلفة واطراح وظيفة الخدمة وحل التقيد إلى ملازمة الإمرة، فتقاعد وشهر غرضه وبت في الانتقال طمع من كان صحبته، وأقبل على شأنه، فخلي بينه وبين همه، وترك وما انتحله من الانقطاع إلى ربه، وطار الخبر إلى مرسله، فأنف من تخصيص إيالته بالهجرة والعدول عنها بقصد التخلي والعبادة، وأنكر ما حقه الإنكار من إبطال عمل الرسالة، والانقباض قبل الخروج عن العهدة، فوغر صدره على صاحب الأمر، ولم يبعد الظنة والمواطأة على النفرة، وتجهزت جملة من الخدام المجلين في مأزق الشبهة المضطلعين بإقامة الحجة، مولين خطة الملام، مخيرين بين سحائب عاد من إسلامه، مظنة إعلاق النقمة، وإيقاع العقوبة، أو الإشادة بسبب إجارته بالقطيعة والمنابذة. وقد كان المترجم به لحق بغرناطة فتذمم بمسجدها، وجأر بالانقطاع إلى الله، وتوعد من يجبره بنكير من يجير ولا يجار عليه سبحانه، فأهم أمره، وشغلت القلوب آبدته، وأمسك الرسل بخلال ما صدرت شفاعة اقتضى له فيها رفع التبعة وتركه إلى تلك الوجهة، ولما تحصل ما تيسر من ذلك انصرف محفوفاً بعالمي القطر قاضي الجماعة أبي القاسم الحسني المذكور قبله والشيخ الخطيب أبي البركات ابن الحاج مسلمين لوروده،
مشلفهين بالشفاعة في غرضه، فانقشعت الغمة وتنفست الكربة، واستصحبا من المخاطبة السلطانية في أمره من إملائي ما يذكر حسبما ثبت في الكتاب المسمى ب " كناسة الدكان بعد انتقال السكان " المجموع بسلا ما صورته:
" المقام الذي يحب الشفاعة ويرعى الوسيلة، وينجز العدة ويتمم الفضيلة، ويضفي مجده المنن الجزيلة، ويعيي حمده الممادح العريضة الطويلة، مقام محل والدنا الذي كرم مجده، ووضح سعده، وصح في الله تعالى عقده، وخلص في الأعمال الصالحة قصده، وأعجز الألسنة حمده، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقاه الله سبحانه لوسيلة يرعاها، وشفاعة يكرم مسعاها، وأخلاق جميلة تجيب دعوة الطبع الكريم إذا دعاها، معظم سلطانه الكبير وممجد مقامه الشهير، المتشيع لأبوته الرفيعة قولاً باللسان واعتقاداً بالضمير، المعتمد منه بعد الله على الملجإ الأحمى والولي النصير، فلان. سلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأبوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
" أما بعد حمد الله الذي جعل الخلق الحميد دليلاً على عنايته بمن حلاه حلاها، وميز بها النفوس النفيسة التي اختصها بكرامته وتولاها، حمداً يكون كفؤاً للنعم التي أولاها، وأعادها ووالاها، والصلاة على سيدنا محمد عبده ورسوله المترقي من درجات الاختصاص أرفعها وأعلاها، الممتاز من أنوار الهداية بأوضحها وأجلاها، مطلع آيات السعادة يروق مجتلاها، والرضى عن اله وصحبه الذين خبر صدق ضمائرهم لما ابتلاها، وعسل ذكرهم في الأفواه فما أوصافهم على الألسن وأحلاها، والدعاء لمقام أبوتكم حرس الله تعالى علاها، بالسعادة التي يقول الفتح أنا طلاع الثنايا وابن جلاها، والصنائع
التي تخترق المفاوز بركائبها المبشرات فتفلي فلاها، فإنا كتبنا كتب الله تعالى لكم عزة مشيدة البناء، وحشد على أعلام صنائعكم الكرام جيوش الثناء، وقلدكم من قلائد مكارم الأخلاق ما يشهد لذاتكم منه بسابقة الاعتناء من حمراء غرناطة حرسها الله والود باهر السنا ظاهر السناء، مجدد على الآناء، والتشيع رحب الدسيعة والفناء.
" وإلى هذا - وصل الله تعالى سعدكم، وحرس مجدكم، فإننا خاطبنا مقامكم الكريم في شأن الشيخ الفقيه الحافظ الصالح أبي عبد الله المقري خار الله تعالى لنا وله، وبلغ الجميع من فضله العميم أمله، جواباً عما صدر عن مثابتكم فيه من الإشارة الممتثلة، والمآرب المعملة، والقضايا غير المهملة، نصادركم بالشفاعة، التي مثلها بأبوابكم لا يرد، وظمآها عن منهل قبولكم لا تحلأ ولا تصد، حسبما سنة الأب الكريم والجد، والقبيل الذي وضح منه في المكارم الرسم والحد، ولم نصدر الخطاب حتى ظهر لنا من أحواله صدق المخيلة، وتبلج صبح الزهادة والفضيلة، وجود النفس الشحيحة، بالعرض الأدنى البخيلة، وظهر تخليه عن هذه الدار، واختلاطه باللفيف والغمار، وإقباله على ما يعني مثله من صلة الأوراد ومداومة الاستغفار. وكنا لما تعرفنا إقامته بمالقة لهذا الغرض الذي شهره، والفضل الذي أبرزه للعيان وأظهره، أمرنا أن يعتنى بأحواله، ويعان على فراغ باله، ويجرى عليه سيب من ديون الأعشار الشرعية وصريح ماله، وقلنا ما أتاك من غير مسألة مستند صحيح لاستدلاله، ففر من مالقة على ما تعرفنا لهذا السبب، وقعد بحضرتنا مستور المنتمى والمنتسب، وسكن بالمدرسة بعض الأماكن المعدة لسكنى المتسمين بالخير والمحترفين ببضاعة الطلب، بحيث لم يتعرف وروده ووصوله إلا ممن لا يؤبه بتعريفه، ولم تتحقق زوائده وأصوله لقلة تصريفه.
" ثم تلاحق إرسالكم الجلة فوجبت حينئذ الشفاعة، وعرضت على سوق الحلم والفضل من الاستلطاف والاستعطاف البضاعة، وقررنا ما تحققناه من أمره
وانقباضه عن زيد الخلق وعمره، واستقباله الوجهة التي من ولى وجهه شطرها فقد آثر أثيراً، ومن ابتاعها بمتاع الدنيا فقد نال فضلاً كبيراً وخيراً كثيراً، وسألنا منكم أن تبيحوا له ذلك الغرض الذي رماه بعزمه، وقصر عليه أقصى همه، فما أخلق مقامكم أن يفوز به طالب الدنيا بسهمه، ويحصل منه طالب الآخرة على حظه الباقي وقسه، ويتوسل الزاهد بزهده والعالم بعلمه، ويعول البريء على فضله ويثق المذنب بحمله، فوصل الجواب الكريم بمجرد الأمان وهو أرب من آراب، وفائدة من جراب، ووجه من وجوه إعراب، فرأينا أن المطل بعد جفاء، والإعادة ليس يثقلها خفاء، ولمجدكم بما ضمنا عنه وفاء، وبادرنا الآن إلى العزم عليه في ارتحاله، وأن يكون الانتقال عن رضى منه من صفة حاله، وأن يقتضي له ثمرة المقصد، ويبلغ طية الإسعاف في الطريق الأقصد، إذ كان الأمان لمثله ممن تعلق بجناب الله من مثلكم حاصلاً، والدين المتين بين نفسه وبين المخافة فاصلاً، وطالب كيمياء السعادة بإعانتكم واصلاً، ولما مدت اليد في تسويغ حالة هديكم عليها أبداً يحرض، وعلمكم يصرخ بمزيتها فلا يعرض، فكملوا أبقاكم الله ما لم تسعنا فيه مشاحة الكتاب، وألحقوا بالأصل حديث هذه الإباحة فهو أصح حديث في الباب، ووفوا غرضنا من مجدكم، وخلوا بينه وبين مراده من ترك الأسباب، وقصد غافر الذنب وقابل التوب بإخلاص المتاب، والتشمير ليوم العرض وموقف الحساب، وأظهروا عليه عناية الجناب، الذي تعلق به أعلق الله به يدكم من جناب، ومعاذ الله أن تعود شفاعتنا من لدنكم غير مكملة الآراب.
" وقد بعثنا من يتوب عنا في مشافهتكم بها أحمد المناب، ويقتضي خلاصها بالرغبة لا بالغلاب، وهما فلان وفلان، ولولا الأعذار لكان في هذا الغرض أعمال الركاب، يسبق أعلام الكتاب، وأنتم تولون هذا القصد من مكارمكم ما يوفر الثناء الجميل، ويربي على التأميل ويكتب على الود الصريح العقد وثيقة التسجيل، وهو سبحانه يبقيكم لتأييد المجد الأثيل، وإنالة الرفد الجزيل، والسلام
الكريم يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته، في الحادي والعشرين لجمادى الآخرة من عام سبعة وخمسين وسبعمائة؛ انتهى كلام ابن الخطيب في الإحاطة.
وذكر في الريحانة أنه كتب في هذا الغرض ما نصه:
" وإلى هذا فإننا وقفنا على كتابكم الكريم في شأن الشيخ الصالح الفقيه الفاضل أبي عبد الله المقري وفقنا الله وإياه لما يزلف لديه، وهدانا إلى ما يقرب إليه، وما بلغكم بتقاعده بمالقة، وما أشرتم به في أمره، فاستوفينا جميع ما قررتم، واستوعبنا ما أجملتم في ذلك وفسرتم، وعلموا يا محل والدنا أمتعنا الله ببقائكم الذي في ضمنه اتصال السعادة، وتعرف النعم المعادة أننا لما انصرف عن بابنا هو ومن رافقه عن انشراح صدور، وتكييف جذل بما تفضلتم به وسرور، تعرفنا أنه تقاعد بمالقة عن صحبه، وأظهر الاشتغال بما عند ربه، وصرف الوجه إلى التخلي مشفقاً من ذنبه، واحتج بأن قصده ليس له سبب، ولا تعين له في الدنيا أرب، وأنه عرض عليكم أن تسمحوا له فيما ذهب إليه، وتقروه عليه، فيعجل البدار، ويمهد تحت إيالتكم القرار، فلما بلغنا هذا الخبر، لم يخلق الله عندنا به مبالاة تعتبر، ولا أعددناه فيما يذكر، فكيف فيما ينكر، وقطعنا أن الأمر فيه هين، وأن مثل هذا الغرض لا تلفت إليه عين، فإن بابكم غني من طبقات أولي الكمال، ملي بتسويغ الآمال، موفور الرجال، معمور بالفقهاء العارفين بأحكام الحرام والحلال، والصلحاء أولي المقامات والأحوال، والأدباء فرسان الروية والارتجال، ولم ينقص بفقدان الحصى أعداد الرمال، ولا يستكثر بالقطرة جيش العارض المنثال، مع ما علم من إعانتكم على مثل هذه الأعمال، واستمساككم بإسعاف غرض من صرف وجهه إلى ذي الجلال، ولو علمنا أن شيئاً يهجس في الخاطر من أمر مقامه، لقابلناه بعلاج سقامه.
" ثم لم ينشب أن تلاحق بحضرتنا بارزاً في طور التقلل والتخفيف، خالطاً
نفسه باللفيف، قد صار نكرة بعد العلمية والتعريف، وسكن بعض مواضع المدرسة منقبضاً عن الناس لا يظهر إلا لصلاة يشهد جماعتها، ودعوة للعباد يخاف إضاعتها، ثم تلاحق إرسالكم الجلة، الذين تحق لمثلهم التجلة، فحضروا لدينا وأدوا المخاطبة الكريمة كما ذكر إلينا، وتكلمنا معهم في القضية، وتنخلنا في الوجوه المرضية، فلم نجد وجهاً أخلص من هذا الغرض، ولا علاجاً يتكفل ببرء المرض، من أن كلفناهم الإقامة التي يتبرك بيمن جوارها، ويعمل على إيثارها، بخلاف ما نخاطب مقامكم بهذا الكتاب الذي مضمنه شفاعة يضمن حباؤكم احتسابها، ويرعى انتماءها إلى الخلوص وانتسابها، ويعيدها قد أعلمت الحظوة أثوابها، ونقصدكم ومثلكم من يقصد في المهمة، فأنتم المثل الذائع في عموم الحلم وعلو الهمة، في أن تصدروا له مكتوباً مكمل الفصول، مقرر الأصول، يذهب الوجل، ويرفع الخجل، ويسوغ من مآربه لديكم الأمل، ويخلص النية ويرتب العمل، حتى يظهر ما لنا عند أبوتكم من تكميل المقاصد، جرياً على ما بذلتم من جميل العوائد، وإذا تحصل ذلك كان بفضل الله إيابه، وأناخت بعقوة وعدكم الوفي ركابه، ويصل لمقامكم عزه ومجده وثوابه، وأنتم ممن يرعى أمور المجد حق الرعاية، وسيجرى في معاملة الله تعالى على ما أسس من فضل البداية، وتحقق الظنون فيما لديه من المدافعة عن حوزة الإسلام والحماية، هذا ما عندنا أعجلنا به الإعلام، وأعملنا فيه الأقلام، بعد أن أجهدنا الاختيار وتنخلنا الكلام، وجوابكم بالخير كفيل، ونظركم لنا وللمسلمين جميل، والله تعالى يصل سعدكم، والسلام ". انتهى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع