من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثالث في ذكر مشايخه الجلة، هداة الناس ونجوم الملة، وما يتعلق بذلك من الأخبار (٦)
حقيقة - التلون مجون، تارة طرباً وطوراً شجون، والتمكن معرفة، وأين الحال من الصفة
رقيقة - قال لي محمد بن عبد الواحد الرباطي: قال لي محمد بن عبد السيد الطرابلسي: دخلت على أبي الحسن الحرالي فقلت له: كيف أصبحت فأنشد:
أصبحت ألطف من مر النسيم سرىعلى الرياض يكاد الوهم يؤلمني
من كل معنى لطيف أحتسي قدحاً ... وكل ناطقة في الكون تطربني حقيقة - قال الطالب: الوقت سيف، وقال الواصل: بل مقت، فتلا العارف ﴿قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ (الأنعام:).
رقيقة - لصاحب الوقت يومان:
يوم بأرواح يباع ويشترىوأخوه ليس يسام فيه بدرهم وفصل الفضل بينهما:
وما تفضل الأيام أخرى بذاتهاولكن أيام الملاح ملاح ومنه:
حقيقة - قال لي الشيخ أبو عبد الله محمد بن مرزوق العجيسي بعباد تلمسان: قال لي أبو عبد الله ابن حيون: إنه وجد على ظهر كتاب بخط عتيق: قال أبو يزيد البساطي: يظهر في آخر الزمان رجل يسمى شعيباً، لا تدرك له نهاية، قالا: وهو أبو مدين، قلت: وقف بظاهره مع الشريعة، وذهب ببطانه مع الحقيقة، فما انقطع لصحة البداية، ولا رجع لعدم الغاية.
رقيقة - قمت ببعض الأسحار، على قدم الاستغفار، وقد استشعرت الصبابة، واستدثرت الكآبة، فأملى الجنان على اللسان، بما نفث في روعه روح الإحسان:
منكسر القلب بالجنايايدعوك يا مانح العطايا
أقعده الذنب عن رفيق ... حثوا لرضوانك المطايا ومنه، إثر حقيقة في شأن الحلاج ما نصه، ثم قلت:
ولرب داع للجمال أطعتهوأبى الجلال علي أن أتقدما
فأطعت بالعصيان أمرهما معاًوجنحت للتسليم كيما أسلما ومنه:
حقيقة - قلت للسر: ما لك تحس من خلف الموانع فقال: خرق شعاعي سور العوائق، ثم انعكس إلي بصور الحقائق، فأصبحت كما قيل:
كأن مرآة عين الدهر في يده ... يرى بها غائب الأشيا فلم يغب رقيقة - الليل رداء الرهبة، تهاب الجبان فيه الأبطال، وتتقي الحواس دونه الخيال " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً "
حقيقة - النهار معاش النفس، فهو استعداد " إن لك في النهار سبحاً طويلاً " والليل رياش الأنس، فهو معاد " واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً " فهذا جمع وذلك فرق، والحال أسرع ذهاباً من البرق.
ومنه:
حقيقة - إن أكبرت النفس حالها، فذكرها أصلها ومآلها، فإنها تصغر عند ذلك، وتستقيم بك على أرض المسالك احثوا التراب في وجوه المداحين " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ".
رقيقة - إنما يتعاظم من يجد الحقارة من نفسه، ويتوهم المهانة عند أبناء جنسه، فذلك تراه مغمزاً للعيون، مهمزاً للظنون؛ من أسر سريرة حسنة كساه الله رداءها.
رقيقة - رأيت الملوك لا يشمتون، ولا يدعى لهم إلا بما يتعلق بأغراض الدنيا، وأكثر ذلك مما تحيل عقوده العوائد، فعلمت أن الدنيا ضد الآخرة.
حقيقة - من لم يفر خور وذلك الجبن، من خاف أدلج ورجا، من لم يكر تمن وتلك الزمانة " يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ".
رقيقة - سمعت أبا محمد المجاصي يقول: رويت بالسند الصحيح أن عابداً رابط ببعض الثغور مدة فكان كلما طلع الفجر يسمع من ينشد دون أن يرى شيئاً:
لولا رجال لهم سرد يصوموناوآخرون لهم ورد يقومونا
لزلزت أرضكم من تحتكم غضباً ... فإنكم قوم سوء لا تبالونا حقيقة - ما حمد الله حق حمده، إلا من عرفه حق معرفته، وذلك مما لا ينبغي لغيره لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
رقيقة - قلت:
أشيم البرق من بين الثناياوأشتم العبير من الثناء
فأبدو تارة وأغيب أخرى ... مثار الشوق مثني الحياء حقيقة - تحقق الحامد بكمال الذات فغاب عن حسه في بحار العظمة، وتعلق الشاكر بجمال الفعل فوقف مع نفسه بسوق النعمة، فهذا تاجر " لئن شكرتم لأزيدنكم " وذاك ذاكر " وما بكم من ".
ومنه:
حقيقة - الصبر مطية المريد، والرضى سجية المراد، فهذا القوم للأمر، وذاك يسعى للأجر.
رقيقة - الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصبر بغير حساب، والرضى بالرضى، وذلك سدرة المنتهى.
حقيقة - النفس الأمارة آبدة لا تملك إلا بلطائف الحيل، والمطمئنة ذلول لا تنفلت إلا ممن غفل " وأخاف أن يأكله الذئب ".
رقيقة - الدنيا معشوق الطالب، عاشق الهارب، هذا يستخدمها، وذاك يخدمها، يبني الخادم المسجد ليقال، ويعمره المخدوم لينال، فعلى الخادم السعي من غير جدوى:
وليس لرحل حطه الله حاملوللمخدوم الجدوى بغير سعي:
وليس لما تبني يد الله هادم ... إن السعادة أصلها التخصيص حقيقة - الجمال رياش، والحسن صورة، والملاحة روح، فذلك ستره عليك، وهذا سره فيك ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ (الحجر:).
رقيقة - أعطي يوسف شطر الحسن، يعني حسن آدم، لأنه إن لم يكن في الإمكان أبدع مما كان فقد خلقه الحق بيده في أحسن تقويم، ثم نفخ فيه من روحه لتتم علة الأمر بسجود التحية والتكريم، فكان كما قال من أنزل عليه الفرقان خلق الله آدم على صورة الرحمن فآدم إذا كمال الحسن، وإلا فهو المراد، لأن الشطر، يقتضي الحصر، والنصف، ينزع عن الوصف، وأعطي محمد ﷺ كمال الجمال، فما أبصره أحد إلا هابه، وتمام الملاحة فما عرفه شخص إلا أحبه، مع أنباء نوره في الآباء، بأن أبوة المعنى لسيد نجباء الأبناء، كما قال العارف عمر:
وإني وإن كنت ابن آدم صورةفلي فيه معنى شاهد بأبوتي
حقيقة - لا يثنينك الخوف عن قرع الباب فتيأس، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يدنينك الرجاء من الفترة فتأمن، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، فإن لم تستطع بعد الحرص أن تعدل، فلا تمل كل الميل مع النفس " إن النفس لأمارة بالسوء ".
رقيقة - ارفع قصتك في رقعة الإقبال على كف الرجاء، خافضاً من طرف الحياء، وصوت الإدلال، عاكفاً في زاوية الانكماش من وراء ستر الخوف، يخرج عليك حاجب القدر من باب الكرم بتوقيع " فاستجبنا له ".
ومنه:
حقيقة - صدق مجاهدة الفاروق أيقظ الوسنان، وطرد الشيطان، وأرضى الرحمن، ففاز بسلامة ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك؛ وحقق مشاهدة الصديق أسمع من ناجى، فحاز غنيمة لو كشف الغطاء ما ازداد يقيناً.
رقيقة - ذهب أبو بكر في السابقين، ولحق عمر بأهل اليقين، فما أدرك الصديق أداء التصلية، حتى استدرك الفاروق قضاء التقفية:
ولو كنت في أهل اليمين منعماً ... بكيت على ما فات من زمن الصبا حقيقة - النص سلاح، والنظر مطية، والاتباع جنة، والورع نجاة، والخلاف فتنة، والبدع مهالك، وخير الأمور أوساطها.
ومنه:
حقيقة - تخير المساعد، واختبر المصاعد، وليكن همك في سفرك منك معرفتك كيف ترجع إليك، فلن يحقق صفة الربوبية، من لم يتحقق نعت العبودية.
رقيقة - حدثت أن سيدي أبا الحسن الشاذلي لما أزمع على التحول من طيبة على من بها الصلاة والسلام، أوقف فعله على إذن رسول الله ﷺ له، فرآه في منامه فقال: توحشنا يا علي فأخذ يعتل، فأذن له، وقال: إذا جئت مصر فاقرأ عز الدين بن عبد السلام مني السلام، قال: فلما التقينا بلغته المألكة سراً، فلم تظهر نفسه لذلك، فلما قام المزمزم قال:
صدق المحدث الحديث كما جرى ... وحديث أهل الحب ما لا يفترى فاستغفر الشيخ، ثم كذب نفسه، ثم حط للتسليم رأسه.
حقيقية - الوهم شيطان القلب يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وسائر الجهات لمراقبة " قل هو القادر " فمن ثم كان أشد تقلباً من المرجل على النار، فإذا ذكر الله سكن " ألا بذكر الله تطمئن القلوب ".
رقيقة - فرق القلب من ذكر الله خوف " وجلت قلوبهم " ثم سكن لذكره ورجاء " وتطمئن قلوبهم " فعاد داء تقشر منه دواء " ثم تلين " فنعق بلائمه:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءثم هتف بمنادمه:
وداوني بالتي كانت هي الداء ... حقيقة - العبودية صفة نفسك، لأنها حال أحد العبيد، والعبودة صفة قلبك، لأنها ملكة واحد العباد، والعبادة قصد وجهك، لأنها نعت الفردوس من العباد.
ومنه:
حقيقة - إنما تزيد في الدنيا بقدر ما تنقص من الآخرة، فإن تشييد الجدار على قدر انتقاص الجبل.
رقيقة - من جر لنفسه جار على قلبه، فلا تجوز شهادته عند ربه، لأن العدل من ترك العدول والميل.
حقيقة - لا تقدمن إلا بدليل وإذن، واحذر ما لا ينفع ما استطعت فقد تم، انظر فلا حرج إن جهلت ما لم تكلف علمه، وأخاف عليك سوء العاقبة الهجوم.
رقيقة - إذا اهتز العرش بالسحر لدعاء أهل " تتجافى جنوبهم " انبعث من نسيمه ما أغشاهم طيبه الراحة " أمنة منه " وأهب المستغفر من نومه لإدراك فضل " رضي الله عنهم ورضوا عنه ".
حقيقة - دع الغريب وما يريب، واركب الجادة، ولا تسلك بنيات الطريق " فترق بكم عن سبيله ".
ومنه:
حقيقة - سفر المريد تجارة، وسفر الأعراف عمارة، فهذا يرحل للإقامة عند الحقيقة، وذاك يطلب الاستقامة على الطريقة.
رقيقة - إياك أيها المصلي لنا، أن تلتفت إلى غيرنا، وأقبل علينا بصدق نيتك، وناجنا بخلوص سريرتك، فقد قمنا بينك وبين قبلتك، وناجيناك بلسان تلاوتك، فإن غبت عنا، فلست منا.
حقيقة - الشطح كناية، والكرامة عناية، والاعتراض جناية، فإياك ولك فإن عرفت فاتبع، وإن جهلت فسلم.
رقيقة - الليل معاد الأنس " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً " والنهار معاش النفس " إن لك في النهار سبحاً طويلاً " فهذا نشاط رغبة يتسع في مناكبه المجال، وتعتور على مراكبه الأحوال، وذلك حجاب رهبة تهوي إليه الأوجال، وتجتمع فيه هموم الرجال، ألا ترى كيف تهاب الجبان دونه الأبطال، وتتقي الحواس خلفه الخيال كما قال:
نهاري نهار الناس حتى إذا دجالي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع حقيقة - حجب الطالب أربعة: فحجاب الغيرة قاذع، قيل لبعضهم: أتحب أن تراه فقال: لا، قيل: ولم قال: أجل ذلك عن نظري مثلي، وحجاب التيه قامع، نزل الفقير على ابن عجوز، فبينما هي تصلح له الطعام غشي على الفتى، فسألها الفقير فقالت له: إنه يهوى ابنة عم له بتلك الخيمة، فخطرت، فاشتم غبار ذيلها، فذهب الفقير ليخطبها عليه، فقالت: إذا لم يطق غبار ذيلي فكيف يستطع أن يشاهدني وحجاب الحيرة دافع، ومن ثم حلا لأرباب الغيبة، قال بعضهم: يا دليل الحائرين، زدني تحيراً، ومر على أصحاب الرغبة والرهبة، كما قال:
قد تحيرت فيك خذ بيدي ... يا دليلاً لمن تحير فيكا وحجاب الغفلة قاطع، كان بعضهم يقول: إن عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب.
ونظر أخر إلى امرأة فوقع عليه سهم فعوره وعليه مكتوب: نظرت بعين العورة فرميناك بسهم الأدب، ولو نظرت بعين الشهوة لرميناك بسهم القطيعة.
رقيقة - حدثت أن ابن الفارض دخل على الشيخ عز الدين وقد ذهب به التفكر فيما له عند الله ﷿، فكاشفه بأن أنشده من قصيدة له:
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج فبدرته البشاشه، وأظن أن قد خلع قماشه.
حقيقة - وقفت ذات يوم بالجبانة، واستفهمت اسمي ها عرف منها مكانه، فأملى بعد هنيئة من نظمه، ما وقفت منه على حقيقة مبلغ علمه:
كل ميت رأته عيني فإنيذلك الميت إن نظرت بقلبي
وجميع القبور قبري لولا ... جهل نفسي بما لها عند ربي رقيقة - أهم ما على المسالك مراعاة قلبه، أن يتلف في تقلبه، فذلك فساد حاله، وذهاب رأس ماله، تزوج فقير فلبس ثياب العرس، فطلب قلبه فلم يجده، فصاح: خلقاني، فأعطوه، فأخذها وخرج.
حقيقة - حجب المطلوب ثلاثة: فحجاب التيه جمال، كما قال العارف عمر:
ته دلالاً فأنت أهل لذاكاوتحكم فالحسن قد أعطاكا وحجاب العزة جلال:
همت بإتياننا حتى إذا نظرتإلى المراة نهاها وجهها الحسن وحجاب الكبرياء كمال، أنشدت لرابعة:
أحبك حبين حب الهوىوحباً لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوىفشغلي بذكرك عمن سواكا
وأما الذي أنت أهل لهفأن ترفع الحجب حتى أراكا
وما الحمد في ذا ولا ذاك ليولكن لك الحمد في ذا وذاكا
وهذا معناه ما صح في الصحيح وما بين أهل الجنة وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن.
ومنه: حقيقة: الآثار منصة التجلي، فمن لم يزر مهلب " ويتفكرون " زار عمير " يمرون " وبطل رصد الحجاج.
رقيقة: من تفكر تذكر، ومن تذكر تبصر، فإن أكمل وقف، وإن قصر انصرف " إنا هديناه السبيل ".
حقيقة: الوحدة فهم، والتوحيد علم، والاتحاد حكم، والأثينينية وهم.
ألا كل شيء ما خلا الله باطلومنه:
حقيقة - أهم ما على السالك مراعاة قلبه، أن يتلف في تقلبه، فإن ذلك فساد حاله، وذهاب رأس ماله، رؤي فقير ينادي في السوق: ارحموا صوفياً ذهب رأس ماله، فقيل له: وهل للصوفي رأس مال فقال: نعم، كان لي قلب ففقدته.
ومنه:
حقيقة - تنازع القلب والنفس الخلق، فترافعا إلى العقل، فقسمه بينهما، فانفردت النفس بالهوى، والقلب بالتقوى، فصرفت طرقهما إلى الجهتين، وقطعت الشفعة فيهما بين الفئتين.
ومنه، عند ختم الكتاب، ما نصه:
حقيقة - لا يودع السر إلا عند أهله، ولا يذيعه إلا من ضاق ذرعاً بحمله،
فإن عدا مودعه الرمز فقد زل، وغن تعدى مذيعه الغمز فقد ضل.
رقيقة - الحسن خلق، والجمال خلق، وحسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن، وحيث هو الجمال هو الجميل.
حقيقة - تحقق العلماء بالتوحيد فاستشعروا " والله خلقكم وما تعملون " لكنهم اعتبروا خلق السبب والابتلاء به، فتصرفوا بدلالة الإذن في مذهبه، فاستقاموا على طريقة الأدب، ولم يفتهم فضل التوكل، ولم تتسع معارف الزهاد لما عرفوا المشبب بكيفية الانصراف إلى السبب منه، لدقة الفرق بينه وبين الانصراف عنه، فوقفوا مع التوكل للعذر، ولم يستعملوا أدب الجريان مع ابتلاء الأمر، وعكف الغافلون على ظاهر السبب، ففاتهم التوكل والأدب " أولئك كالأنعام بل هم أضل ".
رقيقة: الفيت لعبد الحق الإشبيلي بيتاً هو عندي أفضل من قصيدة، وهو:
قد يساق المراد وهو بعيد ... ويريد المريد وهو قريب ومن أراد معرفة قدر هذا البيت فليتل " الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ".
حقيقة: أشرف أسمائك ما أضافك إليه، وأكرم صفاتك ما دل فيك عليه.
لا تدعني إلا بيا عبدهافإنه أشرف أسمائي
ولا تصفني بالهوى عندهافعندها تحقيق أنبائي رقيقة:
أعزز بمن سوداء قلبي مغربلخياله، وسواد عيني مشرق
إن غاب عن سري فعنه لم يغبأو عن عياني فهو فيه محقق
والعين تعجز أن ترى إنسانها ... والقلب بالروح اللطيف مصدق صن عينك عن قلبك لربك، وقلبك عن نفسك لحبك، ونفسك عن طبعك لويلك، وطبعك عن هواك لعدوك، وهواك عمن سواك، وقد كنت من نسل الجنة، وكان بينك وبين البلاء أوقى جنك، لطف الله تعالى بي وبكم في مجاري أحكامه، ويسرنا أجمعين للعمل بموجبات إكرامه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم لقائه؛ انتهى ما تعلق به الغرض من كتاب الحقائق والرقائق لمولاي الجد الإمام، سقى الله عهده صوب الغمام. وما ذكرته من كلامه غيض من فيض، وقل من كثر، ويكفي من الحلي ما قل وستر العنق.
ولنذكر بعض نظمه رحمه الله تعالى، وقد تقدم بعضه أثناء ما سبق من كلامه ﵁، فراجعه إن شئت.
[من شعر المقري الجد]
ومن بديع نظمه رحمه الله تعالى ما في الإحاطة ونصه: نقلت من ذلك قوله: هذه لمحة العارض، لتكملة ألفية ابن الفارض، سلب الدهر من فرائدها مائة وسبعة وسبعين، فاستعنت على ردها بحول الله المعين.
من فصل الإقبال:
رفضت السوى وهو الطهارة عندماتلفعت في مرط الهوى وهو زينتي
وجئت الحمى وهو المصلى ميمماًبوجهة فلبي وجهها وهو قبلتي
وقمت وما استفتحت إلا بذكرهاوأحرمت إحراماً لغير تحلة
فديني إن لاحت ركوع، وإن دنتسجود، وإن لاهت قيام بحسرة
على أننا في القرب والبعد واحدتؤلفنا بالوصل عين التشتت
وكم من هجير خضت ظمآن طاوياًإلهيا وديجور طويت برحلة
وفيها لقيت الموت أحمر والعدابزرقة أسنان الرماح وحدة
وبيني وبين العذل فيها منازلتنسيك أيام الفجار ومؤتة
ولما اقتسمنا خطتينا فحاملفجار بلا أجر وحامل برة
خلا مسمعي من ذكرها فاستعدتهفعاد ختام الأمر أصل القضية
وكم لي على حكم الهوى من تجلددليل على أن الهوى من سجيتي
يقول سميري والأسى سالم الأسىولا توضع الأوزار إلا لمحنة
لو أن مجوساً بت موقد نارهالما ظل إلا منهلاً ذا شريعة
ولو كنت بحراً لم يكن فيه نضحةلعين إذا نار الغرام استحرت
فلا ردم من نقب المعاول آمنولا هدم إلا منك شيد بقوة
فمم تقول الأسطقسات منك أوعلام مزاج ركبت أو طبيعة
فإن قام لم يثبت له منك قاعدوإلا فأنت الدهر صاحب قعدة
فما أنت يا هذا الهوى ماء أو هواأم النار أم دساس عرق الأمومة
وإني على صبري كما أنا واصفوحالي أقوى القائمين بحجة
أقل الضنى أن عج من جسمي الضنىوما شاكه معشار بعض شكيتي
وأيسر شوقي أنني ما ذكرتهاولم أنسها إلا احترقت بلوعة
وأخفى الجوى قرع الصواعق منك فيجواي وأخفى الوجد صبر المودة
وأسهل ما ألقى من العذل أننيأحب أقلي ذكرها وفضيحتي
وأوج حظوظي اليوم منها حضيضهابالامس، وسل حر الجفون الغزيرة
وأوجز أمري أن دهري كلهكما شاءت الحسناء يوم الهزيمة
أروح وما يلقى التأسف راحتيوأغدو وما يعدو التفجع خطتي
وكالبيض بيض الدهر والسمر سودهمساءتها في طي طيب المسرة
وشأن الهوى ما قد عرفت ولا تسلوحسبك أن لم يخبر الحب رؤيتي
سقام بلا برء، ضلال بلا هدىأوام بلا ري، دم لا بقيمة
ولا عتب فالأيام ليس لها رضىوإن ترض منها الصبر فهو تعنتي
ألا أيها اللوام عني قوضواركاب ملامي فهو أول محنتي
ولا تعذلوني في البكاء ولا البكىوخلوا سبيلي ما استطعتم ولوعتي
فما سلسلت بالدمع عيني إن جنتولكن رأت ذاك الجمال فجنت
تجلى وأرجاء الرجاء حوالكورشدي غاو والعمايات عمت
فلم يستبن حتى كأني كاسفوراجعت إبصاري له وبصيرتي ومن فصل الاتصال:
وكم موقف لي في الهوى خضت دونهعباب الردى بين الظبى والأسنة
فجاوزت في حدي مجاهدتي لهمشاهدتي لما سمت بي همتي
وحل جمالي في الجلال، فلا أرىسوى صورة التنزيه في كل صورة
وغبت عن الأغيار في تيه حيرتيفلم انتبه حتى امتحى اسمي وكنيتي
وكاتبت ناسوتي بأمارة الهوىوعدت إلى اللاهوت بالمطمئنة
وعلم يقيني صار عيناً حقيقةولم يبق دوني حاجب غير هيبتي
وبدلت بالتلوين تمكين عزةومن كل أحوالي مقامات رفعة
وقد غبت بعد الفرق والجمع موقفيمع المحو والإثبات عند تثبتي
وكم جلت في سم الخياط وضاق بيلبسطي وقبضي بسط وجه البسيطة
وما اخترت إلا دن سقراط زاهداًوفي ملكوت النفس أكبر عبرة
وفقري مع الصبر اصطفيت على الغنىمع الشكر إذ لم يحظ فيه مثوبتي
وأكتم حبي ما كنى عنه أهلهوأكني إذا هم صرحوا بالخبية
وإني في جنسي ومنه لواحدكنوع، ففصل النوع علة حصتي
تسببت في دعوى التوكل ذاهباًإلى أن أجدى حيلتي ترك حيلتي
وآخر حرف صار مني أولاًمريداً وحرف في مقام العبودة
تعرفت يوم الوقف منزل قومهافبت بجمع سد خرق التشتت
فاصبحت أقضي النفس منها منى الهوىوأقضي على قلبي برعي الرعية
فبايعتها بالنفس داراً سكنتهاوبالقلب منه منزلاً فيه حلت
فخلص الاستحقاق نفسي من الهوىوأوجب الاسترقاق تسليم شفعتي
فيا تفس لا ترجع تقطع بينناويا قلب لا تجزع ظفرت بوحدة ومن فصل الإدلال:
تبدت لعيني من جمالك لمحةأبادت فؤادي من سناها بلفحة
ومرت بسمعي من حديثك ملحةتبدت لها فيك القران وقرت
ملامي بن، عذري استبن، وجدي استعنسماعي أعن، حالي أبن، قائلي اصمت
فمن شاهدي سخط، ومن قائلي رضاوتلوين أحوالي وتمكين رتبتي
مرامي إشارات، مراعي تفكرمراقي نهايات، مراسي تثبت
وفي موقفي والدار أقوت رسومهاتقرب أشواقي تبعد حسرتي
معاني أمارات، مغاني تذكرمباني بدايات، مثاني تلفت
وبث غرام، والحبيب بحضرةورد سلام، والرقيب بغفلة
ومطلع بدر في قضيب على نقاًفويق محل عاطل دون دجية
ومكمن سحر بابلي له بماحوت أضلعي فعل القنا السمهرية
ومنبت مسك من شقيق ابن منذرعلى سوسن غض بجنة وجنة
ووصف اللآلي في اليواقيت كلماتعل بصرف الراح في كل سحرة
سل السلسبيل العذب عن طعم ريقهونكهته يخبرك عن علم خبرة
ورمان كافور علته طوابعمن الند لم تحمل به بنت مزنة
ولطف هواء بين حقف وبانةورقة ماء في قوارير فضة
لقد عز عنك الصبر حتى كأنهسراقة لحظ منك للمتلفت
وأنت وإن لم تبق مني صبابةمنى النفس لم تقصد سواك بوجهة
وكل فصيح منك يسري لمسمعيوكل مليح منك يبدو لمقلتي
تهون علي النفس فيك، وإنهالتكرم أن تغشى سواك بنظرة
فإن تنظريني بالرضى تشف علتيوإن تظفريني باللقا تطف غلتي
وإن تذكريني والحياة بقيدهاعدلت لأمتي منيتي بمنيتي
وإن تذكريني بعدما أسكن الثرىتجلت دجاه عند ذاك وولت
صليني وإلا جددي الوعد تدركيصبابة نفس أيقنت بتفلت
فما أم بو هالك بتنوفةأقيم لها خلف الحلاب فدرت
فلما رأته لا ينازع خلفهاإذا هي لم ترسل عليه وضنت
بكت كلما راحت عليه وإنهاإذا ذكرته آخر الليل حنت
بأكثر مني لوعة غير أننيرأيت وقار الصبر أحسن حلية
فرحت كما أغدو إذا ما ذكرتهاأطامن أحشائي على ما أجنت
أهون ما ألقاه إلا من القلىهوى ونوى نيل الرضى منك بغيتي
أخوض الصلا، أطفي العلا والعلو لاأصل السلا، أرعى الخلا بين عبرتي
ألا قاتل الله الحمامة غدوةلقد أصلت الأحشاء نيران لوعة
وقاتل مغناها وموقف شجوهاعلى الغصن ماذا هيجت حين غنت
فغنت غناء أعجمياً فهيجتغرامي من ذكرى عهود تولت
فأرسلت الأجفان سحباً وأوقدتجواي الذي كانت ضلوعي أكنت
نظرت بصحراء البريقين نظرةوصلت بها قلبي فصل وصلت
فيا لهما قلباً شجياً ونظرةحجازية لو جن طرف لجنت
وواعجباً للقلب كيف اعترافهوكيف بدت أسراره خلف سترة
وللعين لما سوئلت كيف أخبرتوللنفس لما وطنت كيف ذلت
وكنا سلكنا في صعود من الهوىيسامي بأعلام العلا كل رتبة
إلى مستوى ما فوقه فيه مستوىفلما توافينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بينناعلى نحر قربان لدى فبر شيبة
مؤكدة بالنذر أيام عهدهفلما تواثقنا شددت وحلت ومن فصل الاحتفال:
أزور اعتماراً أرضها بتنسكوأقصد حجاً بيتها بتحلة
وفي نشأتي الأخرى ظهرت بما علتله نشأتي الأولى على كل فطرة
ولولا خفاء الرمز من لا ولن ولمتجدها لشملي مسلكاً بتشتت
ولو لم يجدد عهدنا عقد خلةقضيت ولم يقض المنى صدق توبة
بعثت إلى قلبي بشيراً بما رأتعلى قدم عيناي منه فكفت
فلم يعد أن شام البشارة شام ماجفا الشام من نور الصفات الكريمة
فيا لك من نور لو أن التفاتةتعارض منه بالنفوس النفيسة
تحدث أنفاس الصبا أن طيهابما حملته من حراقة حرقة
وتنبئ آصال الربيع عن الربىوأشجاره أن قد تجلت فجلت
وتخبر أصوات البلابل أنهاتغنت بترجيعي على كل أيكة
فهذا جمالي منك في بعد حسرتيفكيف به إن قربتني بخلة
تبدى وما زال الحجاب ولا دناوغاب ولم يفقده شاهد حضرتي
له كل غير في تجليه مظهرولا غير إلى ما محت كف غيرة
تجلي دليل، واحتجاب تنزهوإثبات عرفان، ومحو تثبت
فما شئت من شيء وآليت أنههو الشيء لم تحمد فجار أليتي
وفي كل خلق منه كل عجيبةوفي كل خلق منه كل لطيفة
وفي كل خاف منه مكمن حكمةوفي كل باد منه مظهر جلوة
أراه بقلب القلب واللغز كامناًوفي الزجر والفال الصحيح الأدلة
وفي طي أوفاق الحساب وسر مايتم من الأعداد فابدأ بستة
وفي نفثات السحر في العقد التيتطوع لها كل الطباع الأبية
يصور شكلاً مثل شكل ويعتليعليه بأوهام النفوس الخبيثة
وفي كل تصحيف وعضو بذاتهاختلاج، وفي التقويم مجلى لرؤية
وفي خضرة الكمون تزجي شرابهمواعيد عرقوب على إثر صفرة
وفي شجر قد خوفت قطع أصلهافبان بها حمل لأقرب مدة
وفي النخل في تلقيحه واعتبر بماأتى فيه عن خير البرية واسكت
وفي الطابع السبي والأحرف التييبين منها النظم كل خفية
وفي صنعة الطلسم والكيمياء والكنوز وتغوير المياه المعينة
وفي حرز أقسام المؤدب محرزوحزب أصيل الشاذلي وبكرة
وفي سيمياء الحاتمي ومذهب ابن سبعين إذ يعزى إلى شر بدعة
وفي الملل الأولى وفي النحل الألىبها أوهموا لما تساموا بسنة
وفي كل ما في الكون من عجب وماحوى الكون إلا ناطقاً بعجيبة
فلا سر إلا وهو فيه سريرةولا جهر إلا وهو فيه كحيلة
سل الذكر عن إنصاف أصناف ما انبنىعليه الكلام من حروف سليمة
وعن وضعها في بعضها وبلوغ ماأتت فيه أمضى عدها وتثبت
فلا بد من رمز الكنوز لذي الحجىولا ظلم إلا ظلم صاحب حكمة
ولولا سلام ساق للأمن خيفتيلعاجل مس البرد خوفي لميتي
ولو لم تداركني ولكن بعطفهادرجت رجائي أن نعتني خيبتي
ولو لم تؤانسني عنا قبل لم ولمقضى العتب مني بغية بعد وحشي
ونعم أقامت أمر ملكي بشكرهاكما هونت بالصبر كل بلية ومن فصل الاعتقال:
سرت بفؤادي إذ سرت فيه نظرتيوسارت ولم تثن العنان بعطفة
وذلك لما أطلع الشمس في الدجىمحيا ابنة الحيين في خير ليلة
يمانية لو أنجدت حين أنجدتلما أبصرت عيناك حياً كميت
لأصحمة في نصحها قدم بنىلكل نجاشي بها حصن ذمة
ألمت فحطت رحلها ثم لم يكنسوى وقفة التوديع حتى استقلت
فلو سمحت لي بالتفات وحل منمهاوي الهوى والهون جد تفلتي
ولكنها همت بنا فتذكرتقضاء قضاة الحسن قدماً فصدت
أجلت خيالاً إنني لا أجلهولم أنتسب منه لغير تعلة
على أنني كلي وبعضي حقيقةوباطل أوصافي وحق حقيقي
وجنسي وفصلي والعوارض كلهاونوعي وشخصي والهواء وصورتي
وجسمي ونفسي والحشا وغرامهوعقلي وروحانيتي القدسية
وفي كل لفظ عنه ميل لمسمعيوفي كل معنى منه معنى للوعتي
ودهري به عيد ليوم عروبةوأمري أمري والورى تحت قبضتي
ووقتي سهود في فناء شهدتهولا وقت لي إلا مشاهد غيبة
أراه معي حساً ووهماً وإنهمناط الثريا من مدارك رؤيتي
وأسمعه من غير نطق كأنهيلقن سمعي ما توسوس مهجتي
ملأت بأنوار المحبة باطنكأنك نور في سرار سريرتي
وجليت بالإجلال أرجاء ظاهريكأنك في أفقي كواكب زينة
فأنت الذي أعفيه عند تستريوأنت الذي أبديه في حين شهرتي
فته أحتمل، واقطع وأصل، واعل أستفلومر أمتثل، واملل أمل، وارم أثبت
فقلبي إن عاتبته فيك لم أجدلعتبي فيه الدهر موقع نكتة
ونفسي تنبو عن سواك نفاسةفلا تنتمي إليك إلا بمنة
تعلقت الآمال منك بفوق ماأرى دونه ما لا ينال بحيلة
وحامت حواليها وما وافقت حمىسحائب يأس أمطرت ماء عبرتي
فلو فاتني منك الرضى ولحقتنيبعفو بكيت الدهر فوت فضيلة
ولو كنت في أهل اليمين منعماًبكيت على ما كان من أسبقية
وكم من مقام قمت عنك مسائلاًأرى كل حي كل حي وميت
أتيت بفاراب أبا نصرها فلمأجد عنده علماً يبرد غلتي
ولم يدر ما قولي ابن سينا سائلاًفقل كيف أرجو عنده برء علتي
فهل في ابن رشد بعد هذين مرتجىوفي ابن طفيل لاحتثاث مطيتي
لقد ضاع لولا أن تداركني حمىمن الله سعي بينهم طول مدتي
فقيض لي نهجاً إلى الحق سالكاًوأيقظني من نوم جهلي وغفلتي
فحصنت أنظار الجنيد جنيدهابترك فلي من رغبة ريح رهبة
وكسرت عن رجل ابن أدهم أدهماًوأنقذته من أسر حب الأسرة
وعدت على حلاج سكري بصلبهوألقيت بلعام التافتي بهوة
فقولي مشكور، ورأيي ناجحوفعلي محمود، بكل محلة
رضيت بعرفاني فأعليت للعلاوأجلسني بعد الرضى فيه جلتي
فعشت ولا ضيراً أخاف ولا قلىوصرت حبيباً في ديار أحبتي
فها أنا ذا أمسي وأصبح بينهم ... مبلغ نفسي منهم ما تمنت ومن نظمه أيضاً ما حكى عنه في الإحاطة إذ قال: وأنشدني قوله في حال قبض، وقيدتها عنه:
إليك بسطت الكف أستنزل الفضلاومنك قبضت الطرف أستشعر الذلا
وها أنا ذا قد قمت يقدمني الرجاويحجم بي الخوف الذي خامر العقلا
أقدم رجلاً إن يضيء برق مطمعوتظلم أرجائي فلا أنقل الرجلا
ولي عثرات لست آمل إن هوتبنفسي أن لا أستقبل وأن أصلى
فإن تدركني رحمة أنتعش بهاوإن تكن الأخرى فأولى بي الأولى
ومن نظمه رحمه الله تعالى:
وجد تسعره الضلوع وما تبرده المدامع
هم تحركه الصبابة والمهابة لا تطاوع
أمل إذا وصل الرجاأسبابه فالموت قاطع
بالله يا هذا الهوى ... ما أنت بالعشاق صانع وقال رحمه الله تعالى كما في " الإحاطة ": ومما كتبت به لمن بلغني عنه بعض الشيء:
نحن، إن تسأل بناس، معشرأهل ماء فجرته الهمم
عرب من بيضهم أرزاقهمومن السمر الطوال الخيم
عرضت أحسابهم أرواحهمدون نيل العرض وهي الكرم
أورثونا المجد حتى إننانرتضي الموت ولا نزدحم
ما لنا في الناس من ذنب سوى ... أننا نلوي إذا ما اقتحموا وقال: مما قلته مذيلاً به قول القاضي أبي بكر ابن العربي:
أما والمسجد الأقصىوما يتلى به نصا
لقد رقصت بنات الشوق بين جوانحي رقصا قولي:
فأقلع بي إليه هوىجناحاً عزمه قصا
أقل القلب واستدعىعلى الجثمان فاستعصى
فقمت أجول بينهمافلا أدنى ولا أقصى
قال رحمه الله تعالى: ومما قلته في التورية بشأن راوي المدونة:
لا تعجبن لظبي قد دها أسداً ... فقد دها أسداً من قبل سحنون ومن نظم مولاي الجد مما لم يذكره في الإحاطة قوله حسبما ألفي بخطه على ظهر نسخة من تأليفه القواعد:
ناديت والقلب بالأشواق محترقوالنفس من حيرة الإبعاد في دهش
يا معطشي من وصال كنت آمله ... هل فيك لي فرج إن صحت واعطشي ومن نظمه ما أسنده الونشريسي إليه:
خالف هواك وكن لعقلك طائعاً ... تجد الحقيقة عند طرف الناظر ومنه مما نسبه له المذكور، ورأيت من ينسبهما لغيره:
لما رأيناك بعد الشيب يا رجللا تستقيم وأمر النفس تمتثل
زدنا يقيناً بما كنا نصدقه ... بعد المشيب يشب الحرص والأمل وفي الإحاطة في ترجمة شعره ما صورته قال: ومما قلته من الشعر، وبه نختم الكلام:
أنبت عوداً لنعماء بدأت بهافضلاً وألبستها بعد اللحا الورقا
فظل مستشعراً مستدثراً أرجاًريان ذا بهجة يستوقف الحدقا
فلا تشنه بمكروه الجنى فلكمعودته من جميل من لدن خلقا
وانف القذى عنه واثر الدهر منبتهوغذه برجاء واسقه غدقا
واحفظه من حادثات الدهر أجمعهاما جاء منها على ضوء وما طرقا
انتهى ما قصدته من ترجمة مولاي الجد على ما اقتضاه الوقت، ولو أرسلت عنان القلم في شأنه لضاق هذا الديوان عن ذلك، ويرحم الله شيخ شيوخ شيوخنا عالم المغرب سيدي أبا العباس الونشريسي ثم التلمساني نزيل فاس صاحب المعيار وغيره إذ قال في تأليفه الذي عرف فيه بمولاي الجد لما سأله بعضهم في ذلك، وذكر ما حضره، ما نصه: ولقد استوفى شيخ شيوخنا المحقق النظار أبو عبد الله ابن مرزوق الحفيد ترجمة المقري في كتاب سماه النور البدري في التعريف بالفقيه المقري وقد تقدمت الإشارة إلى أن اسم هذا التأليف مبني على أن المقري بفتح الميم وسكون القاف، وقد علمت ما في ذلك مما مضى.
قلت: وقد ملكت بفاس مجلداً ضخماً بخط مؤلفه، وهو أحد علماء مدينة فاس، ألفه برسم مولاي الجد، والثناء عليه، والتنويه بقدره، وذكر محاسنه، ولم يحضرني الآن لكوني تركته مع جملة كتبي بالمغرب، وقد تعلق بحفظي ما قاله في أوله من جملة أبيات:
إذا ذكرت مفاخر أهل فاسذكرنا من أتى من تلمسان
وقلنا هل رأيتم في قضاةشبيهاً للفقيه العدل ثاني إلى أن قال:
ونفس العلم إن شانت لشخصما للمقري في العلم شاني [تلامذة المقري الجد]
وقد أخذ عنه رحمه الله تعالى جماعة أعلام مشهورون، منهم لسان الدين ابن الخطيب ذو الوزارتين، والوزير أبو عبد الله ابن زمرك، والأستاذ العلامة أبو عبد الله القيجاطي الآية في علم القراءات، والشيخ الفقيه القاضي الرحال
الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزموري الدار المعروف بنقشابو، والولي ابن خلدون صاحب التاريخ، وفي بعض المواضع يعبر عنه بصاحبنا، وفي بعضها بشيخنا، والنظار أبو إسحاق الشاطبي، والعلامة أبو محمد عبد الله ابن جزي، والحافظ ابن علاق، وغيرهم ممن يطول تعداده، ولا كالشيخ الشهير الكبير العارف بالله سيدي محمد بن عباد الرندي شارح حكم ابن عطاء الله فإنه ممن يفتخر مولاي الجد رحمه الله تعالى بكون مثله تلميذاً له، ولا بأس أن نورد ترجمته تبركاً به في هذا الكتاب، واو لم تقتضه المناسبة التي راعيناها في هذا التأليف، فكيف وقد اقتضته فنقول:
[ترجمة تلميذه ابن عباد الرندي]
قال في حقه صاحبه الشيخ أبو زكريا السراج، ما صورته: شيخنا الفقيه الخطيب البليغ الخاشع الخاشي، الإمام العالم المنصف السالك العارف المحقق الرباني ذو العلوم الباهرة، والمحاسن المتظاهرة، سليل الخطباء، ونتيجة العلماء، أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الفقيه الواعظ الخطيب البليغ العلم الحظي الوجيه الحسيب الأصيل أبي إسحاق إبراهيم بن أبي بكر بن عباد، كان حسن السمت، طويل الصمت، كثير الوقار والحياء، جميل اللقاء، حسن الخلق والخلق، عالي الهمة متواضعاً، معظماً عند الخاصة والعامة، نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة، وعفاف وصيانة، وحفظ القرآن ابن سبع سنين، ثم تشاغل بعد بطلب العوم النحوية والأدبية والأصولية والفروعية، حتى رأس فيها وفهم معانيها، ثم أخذ في طريق الصوفية والمباحثة على الأسرار الإلهية حتى أشير إليه، وتكلم في علوم الأحوال والمقامات والعلل والآفات وألف فيه تواليف عجيبة وتصانيف
بديعة غريبة، وله أجوبة كثيرة في مسائل العلوم نحو مجلدين، ودرس كتباً وحفظها أو جلها كشهاب القضاعي والرسالة ومختصري ابن الحاجب وتسهيل ابن مالك ومقامات الحريري وفصيح ثعلب وغيرها، وقوت القلوب؛ أخذ ببلده رندة عن أبيه القرآن وغيره، وعن خاله الشيخ الفقيه القاضي عبد الله الفريسي العربية وغيرها، وعن الشيخ الفقيه الخطيب أبي الحسن علي بن أبي الحسن الرندي حرف نافع، وعرض عليه الرسالة، وبتلمسان وفاس عن السيد الشريف الإمام العالم العلامة المحقق أبي عبد الله التلمساني الحسني جمل الخونجي تفهماً وغيره، وعن الشيخ الفقيه القاضي العالم أبي عبد المقري كثيراً من المختصر الفرعي لابن الحاجب وفصيح ثعلب وبعض صحيح مسلم كلها تفقهاً، وعن الشيخ الفقيه العالم أبي محمد عبد النور العمراني الموطأ والعربية، وعن الإمام العالم أبي عبد الله الآبلي الإرشاد لأبي المعالي وجميع كتاب ابن الحاجب الأصلي وعقيدة ابن الحاجب تفقهاً، وعن الشيخ الفقيه الحافظ أبي الحسن الصرصري بعض التهذيب تفقهاً، وعن الشيخ الأستاذ المقرىء الصالح أحمد بن عبد الرحمن المجاصي شهر بالمكناسي كثيراً من جمل الزجاج وتسهيل ابن مالك، وعن الشيخ الفقيه الصالح أبي مهدي عيسى المصمودي جميع كتاب ابن الحاجب والحاجبية له أيضاً تفقهاً، وتفقه على الفقيه العالم أبي محمد الوانغيلي في كتاب ابن الحاجب الفقهي وأخذ حرف نافع، وعن الشيخ الفقيه الصالح المدرس بالحلفاويين أبي محمد عبد الله الفشتالي كثيراً من التهذيب، وعن قاضي الجماعة وخطيب الحضرة أبي عبد الله محمد بن أحمد الفشتالي كثيراً من التهذيب تفقهاً، وكذا من غيرهم، ولقي بسلا الشيخ الحاج الصالح السني الزاهد الورع أحمد بن عمر بن محمد بن عاشر، وأقام معه ومع أصحابه سنين عديدة، قال: قصدتهم لوجدان السلامة معهم، ثم رحل لطنجة فلقي بها الشيخ الصوفي أبا مروان عبد الملك، قال: لازمته كثيراً
وقرأت عليه وسمعت منه، وأنشدني من شعره ومن شعر غيره، وترددت بيني وبينه مسائل في إقامته بسلا، وانتفعت به عظيماً في التصوف وغيره، وأجازني إجازة عامة، مولده برندة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، وتوفي بعد العصر يوم الجمعة ثالث رجب عام اثنين وتسعين وسبعمائة، وحضر جنازته الأمير فمن بعده، وهمت العامة بكسر نعشه تبركاً به، ولم أر جنازة أحفل ولا أكثر خلقاً منها، ورثاه الناس بقصائد كثيرة؛ انتهى كلام السراج.
وقال غيره في حقه: محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد، النفزي نسباً، الرندي بلداً، الشهير بابن عباد، الفقيه الصوفي الزاهد الولي العارف بالله تعالى.
وقال في حقه الشيخ ابن الخطيب القسمطيني في كتابه " أنس الفقير وعز الحقير ": هو الخطيب الشهير، الصالح الكبير، وكان والده من الخطباء، الفصحاء النجباء، ولأبي عبد الله هذا عقل وسكون، وزهد بالصلاح مقرون، وكان يحضر معنا مجلس شيخنا الفقيه أبي عمران [موسى] العبدوسي رحمه الله تعالى، وهو من أكابر أصحاب ابن عاشر، ومن خيار تلامذته، وأخذ عنه، وله كلام عجيب في التصوف، وصنف فيه، كما هو الآن يقرأ على الناس مع كتب التذكير، وله في ذلك قلم انفرد به، وسلم له فيه بسببه، ومن تصانيفه شرح كتاب الحكم لابن عطاء الله في سفر، رأيته وعلى ظهر نسخة منه مكتوب:
لا يبلغ المرء في أوطانه شرفاً ... حتى يكيل تراب الأرض بالقدم ومن كلامه فيه: الاستئناس بالناس، من علامات الإفلاس، وفتح باب الأنس بالله تعالى الاستيحاش من الناس. ومن كلامه فيه: من لازم الكون وبقي معه وقصر همته عليه ولم تنفتح له طريق الغيوب الملكوتية، ولا خلص بسره إلى
فضاء مشاهدة الوحدانية، فهو مسجون بمحيطاته، ومحصور في هيكل ذاته. إلى غير ذلك من كلامه، وكان يحضر السماع ليلة المولد عند السلطان، وهو لا يريد ذلك، وما رأيته قط في غير مجلس جالساً مع أحد وإنما حظ من يراه الوقوف معه خاصة، وكنت إذا طلبته بالدعاء احمر وجهه واستحيا كثيراً، ثم يدعو لي، وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير، ويتولى أمر خدمته بنفسه، ولم يتزوج ولم يملك أمة، ولباسه في داره مرقعة، فإذا خرج سترها بثوب أخضر أو أبيض، وله تلامذة كلهم أخيار مباركون، وبلغني عن بعضهم أنه تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهباً، وهو الآن إمام جامع القرويين بفاس وخطيبه، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة " إذا جاء نصر الله " وأكثر خطبته وعظ، ومثله من يعظ الناس، لأن اتعظ في نفسه، وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊: يا عيسى، عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني، ذكره الغزالي؛ وعهدي به أنه على صفة البدلاء، الصادقين النبلاء، كثر الله مثله في الإسلام؛ انتهى.
قلت: وقد زرت قبره مراراً بفاس، ودعوت الله تعالى عنده، وهو عند أهل فاس بمثابة الشافعي عند أهل مصر، ومن منن الله سبحانه علي أني سكنت محله لما توليت الخطابة والإمامة بجامع القرويين من فاس المحروسة مضافين إلى الفتوى، والدار المعلومة للخطيب بالجامع المذكور إلى الآن تعرف بدار الشيخ ابن عباد، وأقمت على ذلك خمس سنين وأشهراً، ثم قوضت الرحال للمشرق، وها أنا إلى الآن فيها، والله ييسر الخير حيث كان.
وقال الشيخ سيدي أحمد زروق في شأن الشيخ ابن عباد: إنه ولد برندة، وبها نشأ في عفاف وصون، ثم رحل لفاس وتلمسان فقرأ بهما الفقه والأصول والعربية، ثم عاد فصحب بمدينة سلا أفضل أهل زمانه علماً وعملاً سيدي أحمد
ابن عاشر، فأظهر الله تعالى عليه من بركاته ما لا يخفى على متأمل، ثم نقل بعد وفاة الشيخ فجعل خطيباً بجامع القرويين من مدينة فاس، وبقي بها خمس عشرة سنة خطيباً، فتوفاه الله تعالى بها بعد صلاة العصر من يوم الجمعة رابع رجب سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، ودفن بكدية البراطل من داخل باب الفتوح، وكان ﵁ إذا صمت وسمت، وتجمل وزهد، معظماً عند الكافة، معولاً في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم:
ومن علمه أن ليس يدعى بعالمومن فقره أن لا يرى يشتكي الفقرا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع