من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى نثر ابن الخطيب رحمه الله تعالى
فمن ذلك قوله في الروضة في ترجمة ضخام الغصون من شجرة السر المصون ما صورته: وهي أفاءت الظل الظليل، وزانت المرأى الجميل، وتكلفت لمحاسن الشجرة الشماء بالتكفيل، وتتعدد إلى غصون المحبوبات، وأقسام موضوعاتها المكتوبات، وغصن المحبين، أصنافهم المرتبين، وغصن علامات المحبة، وشواهد النفوس الصبة، وغصن الأخبار المنقولة، عن ذوي النفوس المصقولة، وعند تعين هذه الأغصان المقسومة، كمل شكل الشجرة المرسومة، والسرحة الموصوفة الموسومة، ففاءت الظلال، وكرمت الخلال، فحيي من تفرد وتوحد، واستظل من استهدى واسترشد، ووقف الهائم فخطب وأنشد:
يا سرحة الحي يا مطولشرح الذي بيننا يطول
عندي مقال فهل مقامتصغين فيه لما أقول
ولي ديون عليك حلتلو أنه ينفع الحلول
ماض من العيش كان فيهمنزلنا ظلك الظليل
زال وماذا عليه ماذايا سرح لو لم يكن يزول
حيا عن المذنب المعنى ... منبتك القطر والقبول وقال رحمه الله تعالى: فصول في المعرفة تغازل بها عيون الإشارة، إذا قصرت عن تمام المعنى ألسن العبارة، ولله در القائل:
وإذا العقول تقاصرت عن مدرك ... لم تتكل إلا على أذواقها المعرفة اختراق المراتب الحسية، والنفوس الجنسية، والعقول القدسية، والبروز إلى فضاء الأزل، إذا فني من لم يكن وبقي من لم يزل، مع عمران المراتب، ورؤية الجائز في الواجب:
ومن عجب أني أحن إليهموأسأل شوقاً عنهم وهم معي
وتبكيهم عيني وهم في سوادها ... ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي المعرفة مقام يأتلف من جمع مفروق، وأفول وشروق، وسل عروق، ورد مسروق، حتى يذهب الكيف والأين، ويتعين العين، فيجمع العدد ويجمل، وينحى السوى ومع ذلك لا يهمل:
للعدا منك نصيبولك السهم المصيب
إنما يومك يوما ... ن: خصيب وعصيب المعرفة مقام سامي المنعرج، عاطر الأرج، ينقل من السعة إلى الحرج، ومن الشدة إلى الفرج:
طريقك لا تخفى به إن تتبعتخطاك ولا يخفى مبيتك فيه
متاعك منشور على كل خيمةورؤياك أمن من ترفع تيه
المعرفة عين إن لم تبصر أجزاءها، أحسن الله عزاءها، وحقيقة إن لم يجعل الفراق إزاءها، كانت الغيرة جزاءها، فهي دائرة مركزها يجمع؛ ومحيطها في التفريق يطمع، يستقل الملك أجمع، ويرى من يرى ويسمع من يسمع:
بعد المحيط من المحدد واحدوالكل في حق الوجود سواء
والحق يعرف ذاته من ذاته ... صح الهوى فتلاشت الأهواء المعرفة صعود ونزول، ووقوف ووصول، فلا الوصول عن البداية يقطع، ولا البداية عن النهاية تمنع:
نم له الأمر أجمعكل ما شاء يصنع
حصل القصد واستق ... ر فلم يبق مطمع العارف في البداية يشكر الراكع والساجد، ثم يعذر الواجد المتواجد، ثم يرجع المنكر الجاحد، فإذا انتهى ورد العدد إلى الواحد، قال لسان حاله:
من رأى لي نشيدةأو على عينها أثر
فله الحكم قل له ... ذهب العين والأثر إلى أن قال: قال الرئيس: العارف هش بش بسام، فيجل الصغير من تواضعه مثلما يجل الكبير، ويبسط من الخامل مثلما يبسط من النبيه، ثم علل فقال: وكيف لا يهش وهوفرحان بالحق، وبكل شيء فإنه يرى فيه الحق، إني لأجد ريح يوسف:
لمعت نارهم وقد عسعس الليل وضج الحادي وحار الدليل
فتأملتها وقلت لصحبيهذه النار نار ليلى فميلوا
العارف شجاع، وكيف لا وهوبمعزل عن هيبة الموت، وجواد، وكيف لا وهولمعزل عن صحبة الباخل، وصفاح، وكيف لا ونفسه أكبر من أن تحرجها زلة بشر، ونساء للأحقاد، وكيف لا وذكره مشغول بالحق، وقالوا: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله رب العالمين.
الشبلي: ليس لعارف علاقة، ولا لمحب شكوى، ولا لعبد دعوى، من عرف الله سبحانه انقطع، بل خرس وانقمع، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك؛ انتهى.
قال رحمه الله تعالى في بعض تراجم الروضة: الفرع الصاعد إلى الهواء، على خط الاستواء، من رأس العمود القائم، إلى منتهى الوجود الدائم، ويشتمل على قشر لطيف، وجرم شريف، وأفنان ذوات قنوان وغير قنوان، وطلع نضيد، وجنىً سعيد، فالقشر الحدود والرسوم، وخواص العارف الذي هوبالمعروف بها والموسوم، والفنون التي يقوم عليها والعلوم، والجرم ظاهر الخلق المقسوم، وعلاجه كما تعالج الجسوم، وباطنه المجاهدات التي عليها يقوم، وقلبه الرياضة والغصون المقامات فيها المقام المعلوم، ومادتها السلوك الذي تدريج غذائه تبلغ الأفنان والورقات ما تروم، والزهرات اللوائح والطوالع والبواده التي لها الهجوم، والواردات التي تدوم أولا تدوم، ثم الجنى وهوالولاية التي كان الغارس عليها يحوم؛ انتهى.
ثم فصل الكل رحمه الله تعالى فليراجعه من أراده.
ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه على لسان سلطانه للأمير يلبغا الخاصكي، وهو: إلى الأمير المؤتمن على أمر سلطان المسلمين،
المقلد بتدبيره السديد قلادة الدين، المثني على رسوم بره لمقامه لسان الحرم الأمين، الآوي من مرضاة الله تعالى ورسوله ﷺ إلى الربوة ذات القرار والمعين، المستعين من اله تعالى على ما تحمله وأمله بالقوي المعين، سيف الدعوة، ركن الدولة، قوام الملة، مؤمل الأمة، تاج الخواص، أسد الجيوش، كافي الكفاة، زين الأمراء، علم الكبراء، عين الأعيان، حسنة الزمان، الأجل المرفع الأسنى الكبير الأشهر الأسمى الحافل الفاضل الكامل المعظم الموقر الأمير الأوحد يبلغا الخاصكي، وصل الله له سعادة تشرق غرتها، وصنائع تسح فلا تشح درتها، وأبقى تلك المثابة قلادة الله تعالى وهو درتها.
" سلام كريم، طيب بر عميم، يخص إمارتكم التي جعل الله تعالى الفضل على سعادتها أمارة، واليسر لها شارة، فيساعد الفلك الدوار مهما أعملت إدارة، وتمتثل الرسوم كلما أشارت إشارة.
" أما بعد حمد الله تعالى الذي هويعلمه في كل مكان، من قاص ودان، وإليه توجه الموجوه وإن اختلفت السير وتباعدت البلادان، ومنه يلتمس الإحسان، وبذكره ينشرح الصدر ويطمئن القلب ويمرح اللسان، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله العظيم الشان، ونبيه الصادق البيان الواضح البرهان، والرضى عن آل وأصحابه وأحزابه أحلاس الخيل، ورهبان الليل، وأسود الميدان، والدعا لإمارتكم السعيدة بالعز الرائق الخبر والعيان، والتوفيق الوثيق البنيان، فإنا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى لكم حظاً من فضله وافراً، وصنعاً عن محيا السرور سافراً، وفي جوالإعلام بالنعم الجسام مسافراً - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الأندلس دافع الله سبحانه عن حوزتها كيد العداة، وأتحف نصلها ببواكر النصر المهداة، ولا رائد إلا الشوق إلى التعارف بتلك الأبواب الشريفة التي أنتم عنوان كتابها المرقوم، وبيت قصيدها المنظوم، والتماس بركتها الثابتة الرسوم، وتقرير المثول في سبيل زيارتها بالأرواح عند تعذره بالجسوم، وإلى هذا فإننا كانت بين سلفنا تقبل الله تعالى جهادهم، وقدس
نفوسهم، وأمن معادهم، وبين تلك الأبواب كما عرفتم من عدلها وإفضالها، مراسلة ينم عرف الخلوص من خلالها، وتسطع أنوار السعادة من آفاق كمالها، وتلتمح من أسطار طروسها محاسن تلك المعاهد الزاكية المشاهد، وتعرب عن فضل المذاهب وكرم المقاصد، اشتقنا إلى أننجددها بحسن منابكم، ونواصلها بمواصلة جنابكم، ونغتنم في عودها الحميد مكانكم، ونؤمل لها زمانكم، فخاطبنا الأبواب الشريفة في هذا الغرض نخاطبة خجلة من التقصير، وجلة من الناقد البصير، ونؤمل الوصول في خفارة يدكم التي لها الأيادي البيض، والموارد التي لا تغيض، ومثلكم من لا تخيب المقاصد في شمائله، ولا تضحى المآمل في ظل خمائله، فقد اشتهر من حميد سيركم ما طبق الآفاق، وصحب الرفاق، واستلزم الإصفاق، وهذه البلاد مباركة، ما أسلف أحد فيها مشاركة، إلا وجدها في نفسه ودينه وماله وعياله، والله سبحانه أكرم من وفى لامرئ بمكياله، والله ﷿ يجمع القلوب على طاعته، وينفع بوسيلة النبي ﷺ الذي نعول على شفاعته، ويبقي تلك الأبواب ملجأ للإسلام والمسلمين، وظلاً لله تعالى على العالمين، وإقامة لشعائر الحرم الأمين، ويتولى إعانة إمارتكم على وظائف الدين، ويجعلكم ممن أنعم الله تعالى عليه من المجاهدين، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛ انتهى.
ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى قوله في قضية امتناع بعض الموثقين من أكل طعامه بمدينة سلا، وقد صدر به كتابه المسمى ب مثلى الكريقة في ذم الوثيقة وهذا نصه: أما بعد حمد الله الذي قرر الحكم وأحكمه، وبين الحلال من الحرام بما أوضحه من الأحكام وعلمه، ونوع جنس المعاش وقسمه، وماز كل نوع منه ووسمه، فأثبته متفاوتاً في درجات التفضيل ورسمه، والصلاة والسلام على مولانا محمد رسوله الذي فضله على الأنبياء وقربه وطهر من دنس الشبهات شيمه، فما استعمله في غير طاعته ولا استخدمه، ولا أعمل في سوى
البر والهدى بنانه ولا قدمه، والرضى عن آل وأصحابه الذين رعوا ذممه، واستمطروا ديمه، وتواصوا من أجله بالبر وتواصلوا بالمرحمة، فهذا كتاب مثل الطريقة في ذم الوثيقة دعا إلى جمعه قلة الإنصاف من المداهن والمعاصر، والمباهت في مدرك النور الباصر، ورضى مظنة النيل منهم بالباع القاصر، والمناضلة عن الحمى الذي لم يؤيده الحق بالولي ولا بالناصر، ولوضعه حكاية، ولنفثته شكاية، إذ معرفة الأشياء بعللها مما يتشوق إليه، ويحرص عليه، وهوأني لما قدمت على مدينة فاس حرسها الله تعالى، مستخلصاً بشفاعة الخلافة، ذات الإناقة، مستدعى برسالة الإيالة، ذات الجلالة، فانسحب والمنة لله الستر، وانفسح الفتر، وشفع من النعم الوتر، واقتدى المرؤوس بالرئيس، وتنافس الأعلام في التأنيس، واتصل الاحتفاء والاستدعاء، وانتخب الموعى والوعاء، وأخذ أعقاب الطيبات الوضوء والطيب والدعاء، تعرفت فيمن جمعته الأخونة، والمداعي المتعينة، برجل من نبهاء موثقيها غرني بمخيلة البشاشة التي يستفز بها الغريب، ويستخلص هوى من لم يعمل التجريب، فأنست بمكانه، واستظهرت على ما يعرض من مكتتب بدكانه، وشأني في الاغتباط بمن عرفت شأني، فلست للمقة بشأني، واسترسالي، حتى لمن أسا لي، طوع عناني:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... ضميري ويتلوه يدي ولساني ولم يك إلا أن حللت بمدينة سلا حرسها الله تعالى مقصود المحل وإن رغم الدهر الذي رمى فأقصد، معتمداً بفتوحات الله تعالى وإن أرتج الباب بزعمه وأوصد، مصحباً بمدد عنايته وإن كمن وأرصد، لا يمر فاضل إلا عرج على مثواي، وأتى من البر فوق هواي، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، وتعرفت عن صاحبي الفاسي أنه قدم علينا من سخر عملية فلا لها الدسر المنهوبة، وتخللها المسبعة المرهوبة، واغتذى الأطعمة التي مرقتها الدموع، ومطبختها الحمى المروع، واستقر بالمدينة بعد أن لان وضرع، وجدل وصرع، نافق البلقلة كاسد الورع
ونزل بمثوى خمول، ومحط مجهول، وكنف ممقوت، وجوار لا يبخل بغيبة ولا يسمح بقوت، فبادرت استدعاءه بفاضل من الطلبة ممن يتلقى به الوارد، ويقتاد الشارد، وقد أغرب بقراءة الاحتفاء والاحتفال، وأجنب الإغفاء والإغفال، وجهزت السرايا إلى التماس نعم الله تعالى فحلت الأنفال، فلما عرض عليه الدعوة تعجرف ونفر، ولما مسح عطفه بالاستنزال نزا وطفر، حتى بهت الرسول كما بهت الذي كفر، وآب يحمل عذراً بارداً، واحتجاجاً شارداً، فأقطعته جانب شماسه، وخليت بينه وبين وسواسه، ومن الغد قصدني فاعتذر، وأكثر الهذر، ولم ينبت الله النبات الحسن شيئاً مما بذر، وكان جوابي إياه ما نصه:
أبيتم دعوتي إما لبأووتأبى لومه مثلي الطريقه
وبالمختار للناس اقتداءوقد حضر الوليمة والعقيقه
وغير غريبة أن رق حرعلى من حاله مثلي رقيقه
وإما زاجر الورع اقتضاهاويأبى ذاك دكان الوثيقه
وغشيان المنازل لاختياريطالب بالجليلة والدقيقه
شكرت مخيلة كانت مجازاً ... لكم وحصلت بعد على الحقيقة وذاع خبرها فقلبت عنها الجنوب، وكلف بها الطالب والمطلوب، وهش إلى المراجعة عنها أحد الموثقين بسلا ممن يحوم حول حمى الإدراك، ويروم درجة الاختصاص ببعض الفنون والاشتراك، وله في الأدب مساس، وجلب الباس، بما نصه:
رسولك لم يبن لي عن طريقهتقرب من حديقتك الأنيقه
فلا بأولدي ولا إباءولكن ساء في الغرض الطريقه
وهب أني أسأت فكم صديقتدلل واعتدى فجفا صديقه
فلا عجب فديت لرفق حريسكن عند خجلته رفيقه
وإني فيك معتقد، ولكنأرى الأيام حاقدة حنيقه
على ذي الود فيمن ود حتى ... يفارقه وإن أضحى رفيقه فراجعته بما نصه لما أسفلته من جزاء مصاعه، وكلت له بصاعه:
من استغضب من هذي الخليقهبمغضبة بإنكار خليقه
ولم يغضب فتيس أو حمارمجازاً لا، لعمري، بل حقيقه
بعثت بمرسل لك مع عتيقيفلم تطع الرسول ولا عتيقه
وطوقت السفير الذنب لماعجلت به ولم تبلعه ريقه
إمام جماعة وقريع تقوىومبلغ حجة، وحفيظ سيقه
فبؤت بها علآ الأيام داءًعضالاً لا تفيق عليه فيقه
وقد عارضت عذرك باعتراففزدت مذمة تسم الطريقه
وهل بعد اعتراف من نزاعوهل بعد افتضال من وثيقه
ومن جهل الحقوق أطاع نفساًببحر الجهل راسبة غريقه
ومنجى نيقة أمر بعيد ... إذا نصب المهندس منجنيقه فأمسك حينئذ وأقصر، وروى الأمر يطول فاختصر، إلا أنه نمي لي عنه قوله: إن دكان الوثيقة إن نافى الورع فبغير بلده، وأذهلته لذة لدده، عما هوبصدده، فارتهنت له أن أنصر الدعوى بما يسلمه المنصف المساهل، وينكره الأرعن الجاهل، وتشد به المنازل والمناهل، والمعالم والمجاهل، مستنداً إلى الحكم الشرعي، والسنن المرعي، والمشاهدة والحس، وشهادة الجن والإنس.
ولو ترك القطا ليلاً لناما ... والله يجعله موقظاً من السنات، وازعاً عن كثير من الهنات، وينفع فيه بالنية فإنما الأعمال بالنيات، وها أنا أبتدئ وعلى الله الإعانة، وبحوله وقوته الإفصاح والإبانة.
قلت: ينحصر الكلام فيه في سبعة أبواب، الباب الأول: في جواز الإجازة فيها عند العلماء، الباب الثاني: في الشركة المستعملة بين أربابها، الباب الثالث: في محلها من الورع إن سوغها الفقه، الباب الرابع: في منزلتها من الصنائع والمهن، الباب الخامس: في أحوال منحليها من حيث العلم غالباً، الباب السادس: في أحوالهم من جهة استقامة الرزق وانحرافه، الباب السابع: في رد بعض ما يحتج به فيها. انتهت الخطبة المقتطعة من تأليف لسان الدين رحمه الله تعالى.
وهذا التأليف في نحوكراسة، وقال في آخره ما صورته: فإن قيل: ترك الأجر، وقبول العوض في هذا الأمر يدعوإلى تعطيله، فيفقد الناس منفعة هذه الطريقة وغناءها، قلت: الإنصاف فيها اليوم أن لوكان متوليها يرتزق من بيت المال وأموال المصالح والأوقاف التي تسع ذلك، وحال الجماهير في فقدانها والاضطرار إليها ورفع أمورهم بها إلى السلطان، ورغبتهم في نصب من يتولى ذلك حالهم في فقدان أئمة الصلاة في الماسجد الراتبة في جريانه من بيت المال بعلة التزامهم وارتباطهم فقد، حسبما نقل الإجماع فيه القاضي أبوبكر ابن العربي رحمه الله تعالى ومنع الارتزاق من غيره إجماعاً، وقد كان بالمدن المعتبرة من بلاد الأندلس - جبرها الله تعالى - ناس من أولي التعفف والتعين، كبني الجد بإشبيلية وبني الخليل وغيرهم بغيرها، يتعيشون من فضول أملاكهم، ووجائب رباعهم، ويقعدون بدورهم عاكفين على بر، منتابين لرواية وفتيا، يقصدهم الناس في الشهادة فيجاملونهم، ويبركون على صفقاتهم، ويهدونهم إلى سبيل الحق فيها من غير اجر ولا كلفة، إلا الحفظ على المناصب، وما يجريه السلطان من الحرمة
والتفقد في الضرورة، وما يهديهم الناس من الإطراء والتجلة، والله سبحانه ينيلهم من الأجر والمثوبة، وبلغني اليوم ا، حالها بمدينة سجلماسة ينظر إلى هذا الحال من طرف خفي، ولم يفسد بها كل الفساد، وكذلك لم نزل نتعرف أن الأمر في شأنها بمدينة تونس أقرب، وبعض الشر أهون من بعض، ولوبقيت بحالها لوجب تقرير فضلها وتقريظ منتحلها، فالصدق أنجى، والحق عند الله أحجى، والله ﷿ يستعملنا فيما يرضيه، ويلطف بنا فيما يجريه علينا من أحكامه وما يقضيه، ويجعلنا ممن ختم له بالحسنى، ويقربنا إلى ما هوأقرب من رحمته وأدنى، وصلوات الله على سيدنا محمد وآل وصحبه؛ انتهى.
وكتب على ظهر الورقة الأولى من هذا التأليف شيخ شيوخ شيوخنا الغمام الكبير المؤلف الشهير سيدي أحمد الونشريسي رحمه الله تعالى ما صورته: الحمد لله، جامع هذا الكلام المقيد هذا بأول ورقة منه كد نفسه في شيء لا يعني الأفاضل، ولا يعود عليه في القيامة ولا ف يالدنيا بطائل، وأفنى طائفة من نفيس عمره في التماس مساوئ طائفة بهم تستباح الغروج، وتملك مشيدات الدور والبروج، وجعلهم أضوكة لذوي الفتك والمجانة، وانتزع جلبات الصدق والديانة، سامحه الله تعالى وغفر له، قال ذلك وخطه بيمنى يديه عبيد ربه أحمد بن يحيى بن محمد بن علي الونشريسي خار الله سبحانه له؛ انتهى ما ألفتيته.
وقد كان لسان الدين رحمه الله تعالى كثيراً ما يعرض ويصرح بهجوبعض أهل سلا أوكلهم حتى قال:
أهل سلا صاحت بهم صائحهغادية في دورهم رائحه
يكفيهم من عوز أنهمريحانهم ليست له رائحه والله المرجوللعفوعن الزلات
ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى خطبة كتابه في المحبة الذي ما
ألف في فنه أجمع منه، ولنوردها فإن فيها دلالة على فضله وعظم قدر الكتاب وهي: اللهم طيب بريحان ذكرك أنفاس أنفسنا الناشقة، وعلل بجريال حبك جوانح أرواحنا العاشقة، وسدد إلى أهداف معرفتك نبال نبلنا الراشقة، واستخدم في تدوين حمدك شبا أقلامنا الماشقة، ودل على حضرة قدسك خطرات خواطرنا الذائقة، وأبن لنا سبل السعادة التي جعلت فيها الكما الأخير لهذه الأنفس الناطقة، وأصرفنا عند سلوكها عن القواطع العائقة، حتى نأمن مخاوف أجبالها الشاهقة، وأحزابها المنافقة، وأوهامها الطارئة الطارقة، برازخها القاسية الغاسقة، فلا تسرق بضائعنا العوائد السارية السارقة، ولا تحجينا عنك العوارض الجسيمة اللاحقة، ولا الأنوار المغلظة البارقة، ولا العقول المفارقة، يا من له الحكمة البالغة والعناية السابقة، وصل على عبدك ورسولك محمد درة عقود أحبابك المتناسقة، وجالب بضائع توحيدك النافقة، المؤيد بالبراهين الساطعة والمعجزات الخارقة، ما أطلعت أفلاك الأدواح زهر أزهارها الرائقة، وحدت قطار السحائب حداة رعودها السائقة، وجمعت ريح الصبا بين قدود أغصانها المتعانقة.
أما بعد فإنه لما ورد على هذه البلاد الأندلسية المحروسة بحدود سيوف الله حدودها، الصادقة بنصر الله للفئة القليلة على الفئة الكثيرة وعودها - وصل الله تعالى عوائد صنعه الجميل لديها، وأبقاها دار إيمان إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها - " ديوان الصبابة " وهوالموضوع الذي اشتمل من أبطال العشاق على الكثير، واستوعب من أقوالهم الحديثة والقديمة كل نظيم ونثير، وأسدى في غزل غزله وألحم، ودل على مصارع شهدائهم من وقف وترحم، فصدق الخبر المخبر، وطمت اللجة التي لا تعبر، وتأرج من مسراه المسك والعنبر، وقالت العشاق عند طلوع قمره: الله اكبر:
مررت بالعشاق قد كبرواوكان بالقرب صبي كريم
فقلت: ما بالهم قال لي: ... ألقي للحب كتاب كريم ولا غروأن أقام بهذه الآفاق، أسواق الأشواق، وزاحم الزفرات في مسالك الأطواق، وأسأل جواهر المدامع من بين أطباق تلك الحقاق، وفتك نسيمها الضعيف العهد والميثاق بالنفوس الرقاق:
جنى النسيم عليناوما تبينت عذره
إذ صير الخلق نجداً ... والأرض أبناء عذره فوقع للحجة المصرية التسليم، وقالت ألسنة الأقلام معربة عن ألسنة الأقاليم:
سلمت لمصر في الهوى من بلديهديه هواؤه لدى استنشاقه
من ينكر دعواي فقل عني له ... تكفي امرأة العزيز من عشاقه فغمر المحافل والمجالس، واستجلس الراكب واستركب الجالس، يدعوالأدب إلى مأدبته فلا يتوقف، ويلقي عصا سحره المصري فتتلقف، ما شئت من ترتيب غريب، وتطريب وبنان أريب، يشير إلى الشعر فتنقاد إليه عيونه، ويصيح بالأدب الشريد فتلبيه فنونه، وأنهى خبره للعلوم المقدسة، ومدارك العز الموطدة المؤسسة، سما به الجد صعداً إلى المجلس السلطاني مقر الكمال، ومطمح الأبصار والآمال، حيث رفارف العز قد انسدلت، وموازين القسط قد عدلت، وفصول الفضل قد اعتدلت، وورق أوراق المحامد قد هدلت، مجلس السلطان المجاهد، الفاتح الماهد، المتحلي في ريعان العمر الجديد، والملك السعيد، بحلى القانت الزاهد، شمس أفق الملة، وفخر الخلفاء الجلة، بدر هالات السروج المجاهدة، أسد الأبطال البارزة إلى حومة الهياج الناهدة، معشي الأبصار المشاهدة، مظهر رضى الله تعالى عن هذه الأمة الغريبة عن الأنصار والأقطار، من وراء أمواج
البحر الزخار، باختياره لها واعتيامه، وملبسها برود اليمن والأمان ببركة أيامه، ومن أطلع الله تعالى أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السماح من غمام يمينه، وأجرى في الأرض المثل السائر بحلمه وبسالته ودينه، أمين الله تعالى على عهدة الإسلام بعذا القطر وابن أمينه وابن أمينه، فخر الأقطار والأمصار، ومطمح الأيدي وملمح الأبصار، وسلالة سعد بن عبادة سيد الأنصار، ومن لونطق الدين الحنيفي لحياه وفداه، أوتمثل الكمال صورة ما تعداه، مولانا السلطان الإمام العالم العامل المجاهد أمير المسلمين أبوعبد الله ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد مبتسماً عن شنب نصره، والفتح المبين مذخوراً لعصره، كما قصر آداب الدين والدنيا على مقاصير قصره، وسوغه من أشتات مواهب الكمال ما تعجز الألسن عن حصره، ولا زالت أفنان الأقلام تتحف الأقاليم بجني فنون هصره، فخصته عين استحسانه أبقاه الله تعالى بلحظة لحظ، وما يلقاها إلا ذوحظ، وصدرت إلي منه الإشارة الكريمة بالإملاء في فنه، والمنادمة على بنت دنه، وحسب الشحم من ذي ورم والله سبحانه يجعلني عند ظنه، ومتى قورتن المثري بالمترب، أووزن المشرق بالمغرب شتان بين من تجلى الشمس منه فوق منصتها، وبين من يشره أفقه الغربي لابتلاع قرصتها، لكني امتثلت، ورشت ونثلت، ومكرهاً لا بطلاً مثلت، وكيف يتفرغ للتأليف، ويتبرع للوفاء بهذا التكليف، من حمل الدنيا في سن الكهولة على كاهله، وركض طرف الهوى بين معارفه ومجاهله، واشترى السهر بالنوم، واستنفد سواد الليل وبياض اليوم، في بعث يجهز، وفرصة تنهز، وثغر للدين يسد، وأزر للملك يشد، وقصة ترفع، ووساطة تنفع، وعدل يحرص على بذله، وهوى يجهد في عذله، وكريم قوم ينصف من نذله، ودين تزاح الشوائب عن سبله، وسياسة تشهد للسلطان بنبله وإصابة نبله، ما بين سيف وقلم، وراحة وألم، وحرب وسلم، ونشر علم أوعلم، وجيش يعرض، وعطاء
يفرض، وقرض حسن لله تعالى يقرض، في وطن توافر العدوعلى حصره، ودار به دور السوار على خصره، وملك قصر الصبر والتوكل على قصره، وعدد نسبته من العدد العظيم الطاقة، الشديد الإضاقة، نسبة الشعرة من جلد الناقة، وبالله نستدفع المكروه، وإليه نمد الأيدي ونصرف الوجوه، وسألت منه - أيده الله تعالى - القنوع بما يسره الوقت، مما لا يناله المقت، والذهاب بهذا الغرض لما يليق بالترب والسن، ويؤمن من اعتراض الإنس والجن، وما كنت ممن آثر على الجد والهزل، واعتاض من الغزل الرقيق الغزل بشيمة الجزل، ولا آنف نم ذكر الهوى بعد أن خضت غماره، واجتنيت ثماره، وأقمتن مناسكه ورميت جماره، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة، فالهوى أول تميمة قلدتني الداية، والترب التي عرفتها في البداية، وأنا الذي عن عروته نبت، وبعثت إلى الرصافة لأرق فدبت، إلى أن تبين الرشد من الغي، وصار النشر إلى الطي، وتصايح ولدان الحي، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم كما من علي:
جزى الله عني زاجر الشيب خير ماجزى ناصحاً فازت يداي بخيره
ألفت طريق الحب حتى إذا انتهى ... تعوضت حب الله عن حب غيره حال السواد بحال الفؤاد، وصوح المرعى فانقطعت الرواد، ونهاني ازورار خيال الزوراء، واتفات عاذل الشيب عن المقلة الحوراء، وكيف الأمان، وقد طلع منه النذير العريان، يدل على الخبر بخبره، وينذر بهاذم اللذات على أثره، ولله در القائل:
دعتني عيناك نحوالصبادعاء يردد في كل ساعه
فلولا، وحقك عذر المشيب ... لقلت لعينيك: سمعاً وطاعه ولولا أن طيف هذا الكتاب الوارد طرق مضجعي وقد كاد يبدوالحاجب، ويضيع من الفرض الواجب، ويعجب من نوم الغفلة العاجب، لجريت معه في
ميدانه، وعقدت بناني ببنانه، وتركت شاني وإن رغم الشاني لشانه، وقلت معتذراً عن التهويم في بعض أحيانه:
أهلاً بطيفك زائراً أو عائداًتفديك نفسي غائباً أوشاهدا
يا من على طيف الخيال أحالنيأتظن جفني مثل جفنك راقدا
ما نمت، لكن الخيال يلم بي ... فيجله طرفي فيطرق ساجدا ومن العصمة أن لا تجد، هلا قبل المشيب، ومع الزمن القشيب، وقبل أن تمخض القربة، وتبنى الخانقاه والتربة، وتؤنس باله الغربة، وعلى ذلك فقد أثر، وباء قلبي المعثر، اللهم لا أكثر:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوىبرق تألق موهناً لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونهصعب الذرا متمنع أركانه
فبدا لينظر كيف لاح، فلم يطقنظراً إليه ورددت أشجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه وجعلت الإملاء على حمل مؤازرته أيده الله تعالى علاوة، وبعد الفراغ من ألوان ذلك الخوان حلاوة، وقلت أخاطب مؤلف كتاب الصبابة بما يعتمده جانب إنصافه، ويغطي على نقص إن وقع فيه كمال أوصافه:
يا من أدار من الصبابة بينناقدحاً ينم المسك من رياه
وأتى بريحان الحديث فكلماسمح النديم براحه حياه
أنا لأهيم بذكر من قتل الهوى ... لكن أهيم بذكر من أحياه وعن لي أن أذهب بهذا الحب المذهب المتأدي إلى البقاء، الموصل إلى ذروة السعادة في معارج الارتقاء، الذي غايته نعيم لا نيقضي أمده، ولا ينفذ مدده، ولا يفصل وصله، ولا يفارق الفرع أصله، حب الله المبلغ إلى قربه، المستدعي لرضاه
وحبه، المؤثر بالنظر إلى وجهه، ويا لها نم غاية، الملقي رحل المتصف به بعد قطع بحار الفناء على ساحل الولاية.
وكنت وقفت من الكتب المؤلفة في المحبة على جملة منها كتاب يشهده العوام ويستخفه الهوام، ورسالة ابن واصل رسالة مهذارة، تطفومن دارة إلى دارة، في مطاردة هر وفارة، وكتاب ابن الدباغ القيرواني كتاب مفرقع، ووجه المقصود منه متبرقع، وكتاب ابن خلصون وهوأعدلها لولا بداوة تسم الخرطوم، وناسب الجمل المخطوم، فكنت بما ذكر لا أقنع، وأقول ما أصنع، فالله يعطي ويمنع:
قلت للساخر الذيرفع الأنف واعتلى
أنت لم تأمن الهوىلا تعير فتبتلى شعر:
وعذلت أهل العشق حتى ذقنه ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق ومن المنقول: لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك.
بلاني الحب فيك بما بلاني ... فشأني أن تفيض غروب شاني أجل بلاني بالغرض الذي هومن القلوب سر أسرارها، ومن أفنان الأذهان بمنزلة أزهارها، ومن الموجودات وأطوارها قطب مدارها؛ ليكون كتابي هذا المقدم على المأزق المهلك، المتشبع بما لا يملك، وأن يقنع الاتصاف، فعسى أن يشفع الإنصاف، والاقتراف، يدرؤه الاعتراف، أنا عند المنكسرة قلوبهم، ولا تجود يد، إلا بما تجد، وكل ينفق مما آتاه الله:
وابن اللبون إذا ما لز في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
وعسى الذي أنطق شوقاً، أن ينطق ذوقاً، والذي حرك سفلاً أن يحرك فوقاً، والذي يسره مقالاً، أن يكفيه حالاً.
فأول الغيث طل ثم ينسكب ... الحرب أول ما تكون لجاجة ... وإن الحرب أولها الكلام ... نحمد الله سبحانه على الكلف بهذه الطريقة ﴿وما يلقاها إلا ذوحظ عظيم﴾ (فصلت:) وللأرض نصيب من كأس الكريم:
أليس قليلاً نظرة إن نظرتهاإليك وكلا ليس منك قليل
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي وعلى ذلك فذهبت في تربيته أغرب المذاهب، وقرعت في التماس الإعانة باب الجواد الواهب، وأطلعت فصوله في ليل طلوع نجوم الغياهب، وعرضت كتائب العزيمة عرضاً، وأقرضت الله قرضاً، وجعلته شجرة وأرضاً، فالشجرة المحبة مناسبة وتشبيها، وإشارة لما ورد في الكتب المنزلة ونبيهاً، والأرض النفوس التي تغرس فيها، والأغصان أقسامها التي تستوفيها، والأوراق حكاياتها التي تحكيها، وأزهارها أشعارها التي تحييها، والوصول إلى الله تعالى ثمرتها التي ندخرها بفضل الله ونقتنيها، شجرة لعمر الله يانعة، وعلى الزعازع متمانعة، ظلها ظليل، والطرف عن مداها كليل، والفائز بجناها قليل، رست في التخوم، وسمت
إلى النجوم، وتنزهت عن أعراض الجسوم، والرياح الحسوم، وسقيت بالعلوم، وغذيت بالفهوم، وحملت بالزهر المكتوم، ووفيت ثمرتها بالغرض المروم، فاز من استأثر بجناها، وتعنلاى من عني بلفظها دون معناها، فمن استصبح بدهنها استضاء بسناها، ما أبعدها وما أدناها، عيناً ملأت الأكف بغناها، كم بين أوراقها من قلب مقلب، وفي هوائها من هوى مغلب، وكم فوق أفنانها من صادح، وكمم في التماس سقيطها من كادح، وكم دونها من خطب فادح، ولأربابها من هاج ومادح، تنوعت أسماؤها، ولم تتنوع أرضها ولا سماؤها، فسميت نخلة تهز وتجنى، وزيتونة مباركة يستصبح بزيتها الأسنى، وسدرة إليها ينتهي المعنى، أصلها للوجود أصل، وليس لها كالشجر جنس ولا فصل، وتربتها روح ونفس عقل، وشرفها يعضده بديهة ونقل، يحط بفنائها، ويصعد السالكون حول بنائها، تخترق السبع الطباق ببراقها، وتمحى ظلم الحس بنور إشراقها، فسبحان الذي جعلها قطب الأفلاك، ومدافن الأضواء والاحلاك، ومغرد طيور الأملاك، وسبب انتظام هذه الأسلاك، لم يحل فيها طريد بعيد، ولا اتصف بصفاتها إلا سعيد، ولا اعتلق بأوجها هاوفي حضيض، ولا بمحض برهانها متخبط في شرك نقيض، ولا تعرض لشيم بوارقها متسم بسمة بغيض، الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ومنه نستزيد الاستغراق في بحارها، والاستنشاق لنواسم أسحارها، والاستدلال بذرى أفنانها عليه، والوصول بسبب ذلك إليه، إنه ولي ذلك سبحانه، فطاب لعمري المنبت والنابت، وسما الفرع الباسق ورسا الأصل الثابت، وفاءت الأفنان، وزخرفت الجنان، وتعددت الأوراق والزهرات والأغصان، ولم أترك فنناً إلا جمعت بينه وبين مناسبه، ولا فرعاً إلا ضممته إلى ما يليق به، واستكثرت من الشعر لكونه من الشجرة بمنزلة النسيم الذي يحرك عذبات أفنانها، ويؤدي إلى الأنوف روائح بستانها، وهوالمزمار الذي ينفخ الشوق في يراعته، والعزيمة التي تنطق مجنون الوجد من ساعته، وسعة ألسن العشاق، وترجمان ضمير الأشواق
ومجتلى صور المعاني الرقاق، ومكامن قنائص الأذواق، به عبر الواجدون عن وجدهم، ومشى المحبون إلى قصدهم، وهورسول الاستلطاف، ومنزل الألطاف، اشتمل على الوزن المطرب، والجمال المعجب المغرب، وكان للأوطان مركباً، ولانفعال النفوس سبباً، فلا شيء أنسب منه للحديث في المحبة، ولا أقرب للنفوس الصبة، واجتلبت الكثير من الحكايات وهي نوافل فروض الحقائق، ووسائل مجالس الرقائق، ومراوح النفوس من كد الأفكار، وإحماض مسارح الأخبار، وحظ جارحة السمع من منح الاعتبار، وبعض الجواذب لنفوس المحبين، والبواعث لهمم السالكين، وحجتها واضحة بقوله تعالى: " وكلا نقص عليك " هود: في القرآن المبين، ونقلت شواهد من الحديث والخبر تجري صحاحها مجرى الزكاة من الأموال، والخواطر من الأحوال، ويجري ما سواها من غير الصحيح مجرى الأمثال، ليكون هذا الكتاب لعموم خيره، مسرحاً للفاره وغيره، ويجد كل ميداناً لسيره، وملتقطاً لطيره، ومحكاً لغيره، فمن فاق كلف بأصوله، ومن قصر قنع بفصوله، ومن وصل حمد الله تعالى على وصوله، وسميته روضة التعريف بالحب الشريف ويحتوي على أرض زكية، وشجرات فلكية، وثمرات ملكية، وعيون غير بكية.
والحب حياة النفوس الموات، وعلة امتزاج المركبات، وسبب ازدواج الحيوان والنبات، وسر قوله ﷿ ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به الناس كمن مثله في الظلمات﴾ (الأنعام:) ليس كالحب الذي دون المدونون، ولعبت بكرة أقباسه صوالج الجنون، وقاد الهوى أهله بحبل الهون، وساقت فيه المنى لمنون، حين نظرت النفوس من سفلى الجنبتين، ورضيت الأثر عن العين، وباعت الحق بالمين، ولم تحصل إلا على خفي حنين، وارحمنا لعشاق الصور، وسباق ملاعب الهوى والهور، لقد كلفوا بالزخارف الحائنة الحائلة، والمحاسن الزائفة الزائلة، وسلع الجبانة، وبضائع الإهانة، أزمان التمتع بهم قصيرة، والأنكاد عليهم مغيرة، فتراهم ما بين طعين بعامل
قد، ومضرج بدم خد، وأسير ثغر قد أعوز فداؤه، وسقيم طرف قد أعضل داؤه، وما شئت من لل يسهر، ونداء به يجهر، وجيوب تشق، وبصائر تخطف أبصارها إذا لمع البرق، ونواسم تحمل التحيات، وخلع أيك تتلقى بخلع الأريحيات، وربما اشتد الختل، وأصابت النبل فكان الخبل، قلوب اشتغلت عن الله فشغلها الله بغيره، وهب الحب الجسماني لا تبعث عليه شهوة بهيمية، ولا تدعوإليه قوة وهمية، أليست الداعية مرتفعة، والباعثة منقطعة، وصورة الحسن دائرة، وأجزاؤه المتناظمة متناثرة أليس الجراب العنصري عائداً إلى أصله أليس الجنس مفارقاً لفصله ولله در علي رضي الله تعالى عنه، وقد نظر إلى قدح الماء وقد أراد أن يشرب، وعن الاعتبار أعرب، فقال: كم فيك من خد أسيل، وطرف كحيل! فأواه مكررة مرددة، ووالهفاه معادة مجددة، على قلب أصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها، ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً، وحسبنا مرارة الفراق ذلاً، وفقد النقد قلا، والغفلة عن الله شقاء محتوماً، والكآبة على الفائت شوماً:
صدني عن حلاوة التشييعاتقائي مرارة التودريع
لم يقم أنس ذا بوحشة هذا ... فرأيت الصواب ترك الجميع وإن كانت الشهوة فأخسس بها داعية، وإلى الفضيحة ساعية، حسبك من حمار يعلن بنداء المحبة نهاقه، ويقذفه على السباق اهتياجه إلى السفاد واشتياقه، أسير خبال، وصريع مبال، أولى له ثم أولى لوتأمل محاسن الجسوم، ما أكذب رائدها المطري، وأخبث زخرفها المغري، وأقصر مدة استمتاعها، وأكثر المساعي تحت قناعها:
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لوكان باديا ما ثم إلا أنفاس تركد وتخبث، وعلل تنشأ وتحدث، وزخارف حسن تعاهد ثم
تنكث، وتركيب يطلبه التحليل بدينه، ويأخذ أثره بعد عينه، وأنس يفقد، واجتماع كأن لم يعقد، وفراق إن لم يكن فكأن قد:
ومن سره أن لا يرى ما يسوءهفلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا
منغص العيش لا يأوي إلى دعةمن كان ذا بلد أو كان ذا ولد
والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسكن إلى أحد وقلت وقد مات سكن عزيز علي أيام التغرب بسلا عظم جزعي عليه:
يا قلب كم هذا الجوى والخفوتذماءك استبق لئلا يفوت
فقال لا حول ولا قول ليقد كان ما كان فحسبي السكوت
فارقني الرشد وفارقته ... لما تعشقت بشيء يموت والزمان لا يعتبر، وحاصله خبر، والحازم من نظر في العواقب، نظر المراقب، وعرف الإضاعة، ولم يجعل الحلم بضاعة، إنما الحب الحقيق حب يصعدك ويرقيك، ويخلدك ويبقيك، ويطعمك ويسقيك، ويخلصك إلى فئة السعادة مما يشقيك، ويجعل لك الكون روضاً، ومشرب الحق حوضاً، ويجنيك زهر المنى، ويغنيك عن أهل الفقر والغنى، ويخضع التيجان لنعلك، ويجعل الكون متصرف فعلك، ليس إلا الحب، ثم الوصل والقرب، ثم الشهود، ثم البقاء بعدما اضمحل الوجود، فشفيت الآلام، وسقط الملام، وذهبت الأضغاث والاحلام، واختصر الكلام، ومحيت الرسوم وخفيت الأعلام، ولمن الملك اليوم والسلام، فالحذر الحذر، أن يعجل النفس سيرها، ويفارق القفص طيرها، وهي بالعرض الفاني متثبطة، وبنائي الثقيل مرتبطة، وبصحبة الفاني مغتبطة ﴿أن تقول نفس
يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أوتقول لوأن الله هداني لكنت من المتقين. أوتقول حين ترى العذاب لوأن لي كرة فأكون من المحسنين﴾ (الزمر:) وفي ذلك قلت:
أعشاق غير الواحد الأحد الباقيجنونكم والله أعيا على الراقي
جننتم بما يفنى وتبقى مضاضةتعذب بين البين مهجة مشتاق
وتربط بالأجسام نفساً حياتهامباينة الأجسام بالجوهر الراقي
فلا هي فازت بالذي علقت بهولا رأس مال كان ينفعها باقي
فراق وقسر وانقطاع وظلمةقني ابعد من نيل السعادة يا واقي
كأني بها من بعد ما كشف الغطاصريعة أحزان لديغة أشواق
تقلب كفيها بخيط موصلرشيقة قد دون سبعة أطباق
فلا تطعموها السم في الشهد ضلةفذلك سم لا يداوى بدرياق
بما اكتسبت تسعى إلى مستقرهافإما بوفر محسب أو بإملاق
وليس لها بعد التفرق حيلةسوى ندم يذري مدامع آماق
ولو كان مرمى الحزن منها إلى مدىلهان الأسى ما بين وخد وإعناق
فجدوا فإن الأمر جد، وشمروابفضل ارتياض أوبإصلاح أخلاق
ولا تطلقوا في الحس ثني عنانهاوشيموا بها للحق لمحة إشراق
ودسوا لها المعنى وريداً وأيقظوابصيرتها من بعد نوم وإغراق
ومهما أفاقت فافتحوا لاعتبارهامصاريع أبواب وأقفال أغلاق
وعاقبة الفاني اشرحوا وتلطفوابأخلاقها المرضى تلطف إشفاق
فإن سكرت واستشرفت عند سكرهالماهية المسقى ومعرفة الساقي
أطيلوا على روض الجمال خطورهاإلى أن يقوم الوجد فيها على ساق
وخلوا لهيب الشوق يطوي بها الفلاإلى الوجد في مسرى رموز وأذواق
فما هو إلا أن تحط رحالهابمثوى التجلي والشهود بإطلاق
وتفنى إذا ما شاهدت عن شهودهاوقد فني الفاني وقد بقي الباقي
هنالك تلقى العيش تصفو ظلالهوتنعم من عين الحياة برقراق
وما قسم الأرزاق إلا عجيبة ... فلا تطرد السؤال يا خير رزاق وقد أخذ الكلام في هذا الافتتاح حده، وبلغ النهر مده، فلآخذ أثر هذا الذي سردت، في تقرير ما أردت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب؛ فنقول: ينقسم هذا الموضوع إلى أرض، وشجر غض، وكل منها ميسور جدة، وفن على حدة، ما شئت من مرأى ومستمع، فمن شاء أفرد ومن شاء جمع، فلنبدأ بالأرض والفلاحة، والتكسير والمساحة، وتعيين حدود تلك الساحة، ثم نأتي بالشجرة التي نؤمل جناها، وننظر إناها، ونجعل الزاد المبلغ معناها، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هوخير مما يجمعون.
برنامج هذا الكتاب الذي يحصر الأجناس والفصول، ويرد الفروع إلى الأصول، ويسر الباحث عن مسائله بسبب الوصول، بحول الله وقوته:
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع