تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع إلى نثر ابن الخطيب رحمه الله تعالى (٢)

خطبة الأعراس، وتوطئة الغراس، وتنحصر في جملتين:

الجملة الأولى: في صفة الأرض وأجزائها، وجعل الاختيار بإزائها، وفيها رتب:

الرتبة الأولى - رتبة الأطباق المفروضة، والاعتبارات المعروضة، وفيه مقدمة وأطباق:

المقدمة في تعيين الأرض المذكورة.

الطبق الأول: طيق القلب.

الطبق الثاني: طبق الروح.

الطبق الثالث: طبق النفس.

الطبق الرابع: طبق العقل.

الرتبة الثانية - رتبة العروق الباطنة، والشعب الكامنة، وفيها فصول:

الفصل الأول: في العروق المعدنية.

الفصل الثاني: في المقررات العينية.

الفصل الثالث: في المدبرات البدنية.

الفصل الرابع: في البحوث البرهانية.

الجملة الثانية: في صفة الفلاحة والعمل، المتكفل فيها بنيل الأمل، وفيها اختيارات:

الاختيار الأول: فيما يصلح للاعتمار من هذه الأرض، وفيه فصول:

الفصل الأول: في أرض النفس المطمئنة.

الفصل الثاني: في أرض النفس الأمارة.

الفصل الثالث: في أرض النفس اللوامة.

الاختيار الثاني: في محركات العزيمة، لاعتمار هذه الأرض الكريمة، وفيه فصول:

الفصل الأول: في الجذب وما يتصل بذلك.

الفصل الثاني: في الوعظ المثمر لليقظة.

الفصل الثالث: في ذم الكسل.

الاختيار الثالث: يشتمل على جلب الماء ليسقي هذه الأرض من عين العلم في جدولي العقل المحرر والنقل المقرر، وفيه مقدمة في فضل العلم وتعدد أجناسه، وفصول:

الفصل الأول: في جدول العقل.

الفصل الثاني: في جدول النقل.

الفصل الثالث: في مقدار الماء المجلوب، للفلح المطلوب.

الفصل الرابع: في غبار التكوين، وسبب التلوين.

الاختيار الرابع: في الحرث، وإخراج لبن هذه الفلاحة من بين الدم والفرث، وفيه أقسام:

أولها: القليب الأول.

ثانيها: القليب الثاني الذي عليه المعول.

ثالثها: في سكة الازدراع والتعمير، وهومظنة التثمير.

الاختيار الخامس: في تنظيف المعتمرة من الأرض الخبيثة، والجدر المعترضة والشعب المذمومة، وفيه فصول:

الفصل الأول: في إزالة شكوك تسبق إلى المعتقد غالباً.

الفصل الثاني: في قلع الشجر التي تضر بهذه الأرض وتعاديها بالطبع.

الاختيار السادس: في أمور ضرورية تلزم لهذه الفلاحة، وفيه فصول:

الفصل الأول: في أمراض يشرع في علاجها، مما يرجع لطبع الأرض ومزاجها.

الفصل الثاني: في اختيار أنواعها وأجزائها.

الفصل الثالث: في أقوال تليق بأفحاص الفلاح وإصحاره، عند ملاحظة عجائب الكون وآثاره.

الفصل الرابع: في الوقت المختار لغراسة الأسباب، في الحب اللباب، وتنحصر في مقدمة علمية، وجرثومة جرمية: المقدمة العلمية في ترتيب المحبة والمعرفة، الجرثومة الجرمية تنقسم إلى بيان يعطي الصورة، ويشرح الضرورة، وإلى بطن وظهر، وسر وجهر، وباسط، وبرزخ واسط، فالباطن الشرع والنقل، وينقسم إلى أصول:

الأصل الأول: الكلام في النبوة من حيث النقل.

الأصل الثاني: في الإيمان والاعتبار العامي.

الأصل الثالث: فيما يتبع ذلك من اليقظة والتوبة في حق غير المحتاج إلى ذلك.

الأصل الرابع: في تقرير العناية والتوفيق في حق غير المحتاج إلى ذلك.

الأصل الخامس: في الموعظة والسماع من حيث تهذيب الجميع، والظاهر الطبع والعقل، وينقسم إلى أصول:

الأصل الأول: جزء الفلسفة العلمي والعملي.

الأصل الثاني: سلامة الفطرة في حق المستغني عن ذلك.

الأصل الثالث: في معرفة الجمال والكمال.

الأصل الرابع: في الاعتبار الخاصي.

الأصل الخامس: السلوك بالفكر.

الأصل السادس: في التشبيه بالمبدأ الأول، باسط الذكر الباسط، والبرزخ الواسط، الصاعد من التخوم، إلى النجوم، وهومن أخص الأشياء بباطن الشجرة، وأصولها المعتبرة، ويشتمل على مقدمة وثلاثة أصول:

الأصل الأول: الأدعية والذكار، وله عشر شعب.

الأصل الثاني: أصل الأسماء، وهي أصول الأرض والسماء، وله تسع وتسعون شعبة.

الأصل الثالث: أصل السيمياء، وهوالذي عفن بعضه وبقي الانتفاع ببعضه.

العمود المشتمل على القشر والعود، والجنى الموعود، ينقسم قسمين:

قشر وخشب، ودر مخشلب، والقشر ظاهر يكسر ويخذو، وباطن ينمي ويغذو، فظاهره الذي يكسر ويخذويتضمن الكلام في المحبة وأقسامها من حيث اللسان، لا من حيث نوع الإنسان، وباطنه الذي ينمي، ويغذويتضمن الثناء على المحبة طبعاً وعقلاً، وشرعاً ونقلاً.

الخشب الذي يتخذ منه النشب ينقسم إلى أقسام:

القسم الأول: في الحدود والمعرفات، والأسماء الدالة عليها والصفات.

القسم الثاني: معقول معناها، المتجلي فيه نور سناها.

القسم الثالث: ارتباطها بالمقامات، واختصاصها فيها بالكرامات.

القسم الرابع: تبيين ضروريتها، وإيضاح مزيتها.

الفرع الصاعد في الهواء، على خط الاستواء، من رأس العمود القائم، إلى منتهى الوجود الدائم، ويشتمل على قشر لطيف، وجرم شريف.

القشر: الحدود للمعرفة والرسوم، وخواص العارف الذي هوالمعروف بها والموسوم، وينقسم إلى فصول:

الفصل الأول: في حدود المعرفة ورسومها وما قيل فيها.

الفصل الثاني: في أوصاف العارف.

الفصل الثالث: في تفضيل العارف.

الفصل الرابع: في علوم العارف.

والجرم الشريف، من الفرع المنيف، ينقسم إلى ظاهر، وباطن، وقلب.

فالظاهر ينقسم إلى أقسام: الكلام في الأخلاق ومنشئها وطباعها بحسب القوى النفسانية وإفراطها وتفريطها واعتدالها وعلاجها، وفيه المجاهدات.

والباطن يتضمن الكلام في أ، النظر إلى وجه الله تعالى هوالسعادة الكبرى بكل نظر واعتبار.

والقلب قلب الغصن يتضمن الرياضة والسلوك على المقامات كلها، ويتفرع منه عشرة غصون.

الغصن الأول: غصن فروع البدايات.

الغصن الثاني: غصن فروع الأبواب.

الغصن الثالث: غصن فروع المعاملات.

الغصن الرابع: غصن فروع الأخلاق.

الغصن الخامس: غصن فروع الأصول.

الغصن السادس: غصن فروع الأدوية.

الغصن السابع: غصن فروع الأحوال.

الغصن الثامن: غصن فروع الولايات.

الغصن التاسع: غصن فروع الحقائق.

الغصن العاشر: غصن فروع النهايات، ولكل فروع أوراق، ويلحق به صورة السلوك بالذكر حتى يتأتى الوصول، وعلى المقصود الحصول، والكلام على زهرات الطوالع واللوائح والبواده والواردات، ونختم بالجنى، المقترن بنيل المنى، وهي الولاية.

تفرع ضخام الغصون، من شجرة السر المصون، وهي:

غصن المحبوبات وأقسامها، وتنقسم إلى أربعة أفنان:

الفن الأول: فن الرب المحبوب.

الفن الثاني: فن العبد المحبوب.

الفن الثالث: فن الدنيا المحبوبة.

الفن الرابع: فن الآخرة المحبوبة.

غصن المحبين، وأصنافهم المرتبين، ينقسم إلى مقدمة بيان، وستة أفنان:

الفن الأول: في رأي الفلاسفة الأقدمين.

الفن الثاني: في رأي أهل الأنوار والإشراقيين.

الفن الثالث: في رأي الحكماء الإسلاميين.

الفن الرابع: في رأي المكلمين بزعمهم المتممين.

الفن الخامس: في أهل الوحدة المطلقة من المتوغلين.

الفن السادس: في الصوفية سادة المسلمين.

غصن علامات المحبة، وشواهد النفوس الصبة، وينقسم إلى ثلاثة أفنان:

الفن الأول: فيما يرجع إلى حقوق المحبوب.

الفن الثاني: فيما يرجع إلى باطن المحب.

الفن الثالث: فيما يرجع إلى ظاهره.

غصن اختيار المحبين في ميدان جهادهم، وتباين أحوال أفرادهم، وهوثلاثة أفنان: الفن الأول: فن المجاهد الصريح.

الفن الثاني: فن المنبت الجريح.

الفن الثالث: فن الصريع الطريح.

جوائح الشجرة، ومضار فلاحتها المعتبرة، وينقسم إلى جوائح من نسبتها، بالنظر إلى مائها وتربتها، وإلى ما هوراجع إلى الخواطر - وهي على عدد الرياح - وإلى ما سببه غفلة الفلاح، عذر الطائر الصادح، على فرض القادح، ووجود الهاجب والمادح.

صورة الشجرة ذات الحسن الباهر، والجنى والأزاهر، وآثارها للحسن الظاهر، بفضل المريد القاهر، لا إله إلا هوسبحانه له الحمد؛ انتهت الخطبة التي تدل على ما وراءها.

وقال رحمه الله تعالى في آخر هذا الكتاب ما نصه: ونختم الكلام في هذه الشجرة والاستدلال على شرف هذه الفلاحة الضمنية بهذه الأبيات:

فلاحتنا لها القدح المعلىوسرحتنا الضمنية للنجاح
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «فلاحتنا لها القدح المعلى»
ألست ترى منادي الخمس نادىبمختلف الجهات أو النواحي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «فلاحتنا لها القدح المعلى»

يردد في الأضان لكل واع ... على الآذان حي على الفلاح وهذا طائر على الشجرة صادح، ولاحق كادح، ومعتذر إن قدح قادح، وتعارض هاج وما دح. قال المؤلف: ولا بد لنا من دري صادح على هذه الأفنان، وشاد يهيج أشجان الجنان، ويثير شجوالرأفة والحنان، ويبين مجال الضرورة لذوي الاتصاف، بكرم الأوصاف، والناظرين إلى الهنات بعيون الإنصاف، فيرحم من قد كان شره النقد، ويعذر من تشوف لاستضعاف هذا القصد

والأعذار التي تقرر عنا هذا الطائر عديدة، ومبدئه في الصدق معيدة، وقريبة من الحق لا بعيدة، فمنها أن هذا الفرض اليوم بأكثر الأرض، ميدان عدم فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله من يجيل كما يحب جواداً، ونفير لا يجيبه إلا من يكثر سواداً، قد طمست الأعلام، وسقط الحمد والملام، وما لجرح بميت إيلام، فمدلول هذا الفن بهذه التخوم عنقاء مغرب، وإكسير يحدث عنه غير واصل ولا مجرب، إنما يرجع فيه إلى كتب مقفلة، وأغراض مغفلة، وما عسى أ، يعول المسكين مثلي على قاصر إدراكه، مع اقتسام باله واشتراكه قصر العلم والعمل، فاختلط المرعي والهمل، وأخفق المسعى وخاب الأمل، ومنها شواغل الدنيا التي اختطفت من المكاتب، وموهت بالمراتب، ولقبت بالوزير والكاتب، وأقامت العبد الذي لا يملك شيئاً مقام العاتب، ومن كان بهذه المثابة وإن عد يقظاً حازماً، ونحريراً خالماً، فإنما هوغريق، وتائه لا يبدوله طريق، ولا ينساغ له ريق، ولا يطفأ ببرد اليقين منه حريق، ولا يربع عليه من قصاد الله تعالى فريق، ونستغفر الله، فالذي ألهم لهذه العيوب، يتكفل بإصلاح القلوب، ومكاشفة الغيوب، وإن كانت النفوس للحق جاحدة، فما أمري إلا واحدة:

لا تعجبن لطالب نال العلاكهلاً وأخفق في الزمان الأول
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لا تعجبن لطالب نال العلا»

فالخمر تحكم في العقول مسنة ... وتداس أول عصرها بالأرجل ومنها الاشتغال بالهذر، عن اعلم والنظر، منذ أزمان عديدة، ومدد مديدة، فلم يبق مما حصل، وإليه مما في الزمان الديم توصل، إلا رسم بلقع، وسمل ما له مرقع، ومنها أنني لم أنتدب إلى هذا الوظيف الذي قل من يتعاطاه، ويثير قطاه، ويقتعد مطاه، من تلقاء نفس جاهلة ببعد مداه، ومطل جداه، ومطالبة مدعيه بما كسبت منه يداه، فلا يتجاوز طوره ولا يتعداه، وإن طالب الحق من شرط وصوله، سلب فصوله، وحالة موته، وانقطاع حسنه فضلاً عن صوته،

لكني خضت على عدم السباحة غمراً، وامتثلت مع سقوط الاستطاعة أمراً، وجئت بما في وسعي اقياداً وامتثالاً، ومثلت مثالاً، فضرورتي بفضل الله تعالى مشروحة، والدعوى عن كتفي مطروحة، وعلى ذلك فقد علم الذي يعلم الأسرار، ويقرب الأبرار، ويقيل العثار، ويقبل الأعذار، أن مدة الاشتغال به لم تجاوز شهرين اثنين، بين كتب وكتم، وابتداء وختم، مع ما يتخلل الزمان من حمل لورمي به رضوى لتدعدع، أوأنزل على ثبير لخشع من خشية الله تعالى وتصدع: مداراة عدوقد تكالب على الإسلام، وسياسة سواد صم عن الملام، وتعدى حدود النهي والأحلام، وارتقاب هجوم جيش الآجال وراية الشيب من الأعلام، وقد أنذر بالفجر انقشاع الظلام، وكاد يصعد الخطيب فينقطع الكلام، جعلت لنقله حصة من جنح الظلام الغاسق، والليل الواسق، وعاطيت حمياه نديم الغارق، وتعرضت لاقتناص خياله الطارق، وسرقته من أيدي الشواغل والليل معين السارق، ولم يعمل فيه عبد القيس نظراً معاداً، ولا أنجز من تصحيحه علم الله تعالى ميعاداً، إنما هوكراس يفرغ من تسويده رجراج الحبر، مختلط الترب بالتبر، فيدفع ملوم الماسخ، إلى يد الناسخ، وكلفة المتثاقل، إلى كف الناقل، وتقذف صحيفته من الزبرة إلى لاصاقل، إذ كان الآمر - أيده الله تعالى ونفعه - حريصاً على تعجيل المعارضة، ومتحرياً سبيل الشرع في هذه المصارفة والمقارضة، والجفن المشرق يعلن بالتبريح، وينتظر مساعدة الريح، فمن وقف عليه من فاضل أنار الله بصيرته، وجبل على الإنصاف سيرته، أومن كان من أهل الله الذي يعلم أن ما سوى الله تعالى ظل وفيء، ويتحقق معنى قوله " ليس لك من الأمر شيء "، فقد أوجب الإنصاف أن يمحواقترافي باعترافي، ويغطي أوصافي بإنصافي، والرحماء يرحمهم الرحمن، وقد عذر القنبرة سليمان، ومع

الاستسلام الأمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا بأس أن يعرض بتلك لاأخونة الخصيبة المثوى والمروج، والحمل والفروج، وفي السماء البروج، وفي الأرض الفروج، والأعرج يستندر منه العروج، ونمد الأيدي المستعملة في التقصير، إلى الولي النصير والناقد البصير. اللهم استر بسترك فضائحنا المخلفة، وقبائحنا المجمعة المؤلفة، فهوكله تحويم حول حماك، ودندنة يا كريم بباب رحماك، وزند أنت قدحته، وتألق بارق أنت ألحته، فصل السبب يا واصل الأسباب، واجعلنا ممن تذكر فنفعته الذكرى وما يتذكر إلا أولوالألباب، اللهم دل نفوسنا الحائرة على عين الخبر، واجذبها إلى المؤثر بزمام الأثر، اللهم اجبر الضالة المثقلة الظهر، وارفع عنها ملكة القهر، وحيطة الدهر، والسفر من بلد السر إلى بلد الجهر، اللهم أعلق بعروة الحق أيدينا الخابطة، وأظفر بعدوالهوى عزائمنا المرابطة، اللهم أوصل سببنا بسببك، واحملنا إليك بك، لا إله إلا أنت، وصل على عبدك ونبيك محمد خاتم النبيين والمرسلين وآل والصحابة أجمعين انتهى.

وقال - رحمه الله تعالى - آخر بعض تراجم هذا الكتاب ما صورته: خاتمة تشتمل على إشارات، وتختال من الحق في شارات، قال بعض من يطأ بمطية السلوك، حمى الملوك، وينقض زوايا الغيوب، عن المطلوب، ببصر بصائر القلوب: شهدت أصناف المحبين والعشاق، على اختلاف البلاد وتباين الآفاق، لا أدري أقال كشفاً وشهوداً أووجوداً أويقظة أوهجوداً، وقد ركضوا مطايا الأشواق، وضربوا آباطها بعصي المشارب والأذواق، وتزودوا أزواد الحقائق، وودعوا أحباب العوائد والعلائق، وتساهلوا في المحبوب اعتراض العوائق، وتفاضلوا في اختيار الجواد واقتحام المضايق، والطرق إلى اله تعالى عدد أنفاس الخلائق، فمن خابط عشواء، ومسقط أهواء، يقول:

يا ليت أني أوقد النارافإن من يهواك قد حارا

فيجيبه الصدى:

ومن طلب الوصول لدار ليلى ... بغير طريقها وقع الضلال ومثبت بحيث لا يبدوعلم، ولا يقتص خف ولا قدم، في مفازة وجود من حلها عدم، وهويصيح:

بأبي وأمي والذي ملكت يديأفدي الذي يهدي الطريق اللاحبا ثم يقول:

ولقد سريت إليك لكن حين لم ... يكن الدليل أجل قصد السالك ومن طاونفذ زاده، وفرغ مزاده، قد استسلم، وعجز أن يتلكم، ولسان حاله ينشد:

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التفريط في زمن البذر وراكض يقطع الدو، ويعرف بالجو، يثبت الأعلام الخافية، ويقصد الموارد الصافية والظلال الضافية، حاديه أمله، ودليله علمه والراحلة عمله، ينشد بأعلى صوته:

قرب اللقاء فكيف لا ترتاح ... للقاء سكان الحمى الأرواح وفرانق يركض البريد، ويصحب التفريد، بلغ الطية، وأناخ المطية، قبل وصول الرفقة البطية:

سرى سلخ شهر في فواق حلوبة ... فلله ما أنأى سراه وما أدنى ﴿لوطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمئلئت منهم رعباً﴾ (الكهف:).

وقلت:

نهضوا وقد جن الدجى وتخالفتسبل الردى فمسددون وضلل
سلني عن المنبت حين تقطعتأسبابه تيهاً ولا من يسأل
قوم سطت بهم السباع، وفرقةعطشوا، وأين من الظلماء المنهال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نهضوا وقد جن االدجى وتخالفت»
لفح الهجير وجوههم بسعيرهفتهافتوا ببلالة وتعللوا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نهضوا وقد جن االدجى وتخالفت»
وجماعة ركبوا المفاوز دائماًعثروا على أثر فشط المنزل
وركائب جعلوا الدليل أمامهموسروا ففازوا بالذي قد أملوا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نهضوا وقد جن االدجى وتخالفت»
والليل متلفة، ومدرجة الهوىلا يستقل بها المطي الذلل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نهضوا وقد جن االدجى وتخالفت»
والواصلون هم القليل وكيف تقحمواخطر النوى وعلى الشدائد عولوا
طارت بهم أشواقهم فعقولهممعقولة عن شأنها لا تعقل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «نهضوا وقد جن االدجى وتخالفت»

عذراً لكم يا أهل عذرة شأنكم ... سلمت فيه لكم فقولوا وافعلوا حتى إذا خرجوا إلى قضاء القدر المشترك، وأفلت من أفلت من الشرك، وسلم من قتيل المعترك، وأشرفوا بركاب الآمال، على ثنية الجمال، زعقوا بإزاء الباب، ونادوا من وراء الحجاب:

كل كنى عن شوقه بلغاته ... ولربما أبكى الفصيح الأعجم وأوصلوا رقاع شكواهم، بسر هواهم، وبرزوا صفاً، واستظهروا بشفعائهم التي ظنوا أنها لا تخفى ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر:) وقد تعينت الأوصاف وتميزت، وانتبذت الأصناف وتحيزت، والعشاق نجت وسلمت، مذ علمت، منهم الصفوة والمجان، والحرافيش والبهلوان، ممن يعول على ذراعه، وملء كمته وصواعه، وطول باعه، وصلابة طباعه، وسلاطة لسانه، وامتزاج إساءته بإحسانه، شأنه البحث عن المحبوب، مع الشروق والغروب، والتوصل إلى وصله المطلوب، بالحركة الرشيقة واللفظ الخلوب، ومن اتسم بإذاعة الأسرار، وصحبة الشرار

واللسان المهذار، حسب من الأغيار، ونمهم بذاة، ليس لهم إلا المنادمة أدة، تعذر عليهم تميز المحبوب فغلظوا، وعكفوا على تنزيهه فأفرطوا:

ربما ضر عاشق معشوقا ... ومن البر ما يكون عقوقا وغلبت على سجيتهم السلامة، ولم تنلهم لعدم الموصل والمعرف الملامة، وليس لقبول عليهم علامة؛ ومنهم من شعاره الحشمة، ولزيمه العاف والعصمة، أولوالحياء والوقار، والكتم للأسرار، ومخالطة الأبراب، والتوسل إلى المحبوب بالافتقار، وصفاء الضمائر من الأكدار، لا تختلجهم الشواغل، ولا يطرق شرابهم الواغل، أغنتهم الشواهد عن الدعوى، وأصمتهم الرضى عن الشكوى، وتقسمت معاملاتهم الآداب، وصح منهم إلى مراتب المراقبة الانتداب، والناقد بصير، وكلام النيات قصير؛ ونمهم المغلوب الحال، المحمول من فوق الرحال، رقص وشطح، وسكر فافتضح، فهوبلخ الرفقة، وملوع الحرقة، دعني وعبدي بلخ، فإنه يضحكني سبع مرات في اليوم؛ ومنهم من لم يأخذه نعت، ولا تعين له فوق ولا تحت، ولا حمد ولا مقت، ولا حين ولا وقت، لونطق لقال: أنا المعدوم الموجود، والشاهد المشهود ﴿ألا بعد لمدين كما بعدت ثمود﴾ (هود:).

قضى وصلها لي، وابتلاكم بحبها ... وهل يأخذ الإنسان غير نصيبه ولم يكن إلا أن خرجت الرقاع، وفضلت البقاع ﴿ووفيت كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون﴾ (آل عمران:).

فكان في رقعة طائفة: أعود بالله من الشيطان الرجيم ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، أومن وراء حجاب، أويرسل رسولاً

فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ (الشورى:) قلدتم العقل وله طور، ورأيتم الحركات لا يتناهى لها دور، وعالم الجزئيات لا يسبر له غور، وحور المعاد في بعض الفروض لا يكون له كور، ويا شر ما أصبحتم في المعاد الأول تعتقدونه، أن جعلتم التصرف في عالم الملك لمن دونه، قفوا مكانكم، ولوموا أنفسكم ودعوا شأنكم.

وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً " الحديد: أساطين الحكمة المشرقية، وفراش الأنوار الحقيقية، دعونا من استكثار الأنوار، واحتشاد الأطوار، الحق نور إرشاد لا يطيق حسن ذاته، إلا من ركب ظهر شتاته، فارفعوا الكلف، واذكروا مجرى من تقدم وسلف.

وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " الأنعام: لم تتركوا البراهين على أصلها، ولا ناسبتم جنس هذه الموضوعات بفصلها، وأثرتم شغباً طويلاً، وأوسعتم المتشابه تأويلاً، ولم تعتمدوا من العقل دليلاً، ولا وقفتم في مجازات العقول قليلاً، وهولتم باصطلاح غيركم تهويلاً، وادعيتم الشهود ولم يجعل اله تعالى في الاحتجاج به إلا لأنبياء سبيلاً، وبنيتم الحقائق على قياس ونظر، من غير عين للعقل والنقل ولا أثر:

رب خل أدار فيّ اعتقاداًلم أكن قبله عرفت بفنه

حكمت نفسه على علم غيبي ... جعل الله باطني عند ظنه وعسى أن تكونوا ممن أخطأ في اجتهاده فأثيب، واستغفر فسمع " لا

تثريب "، فثمرتكم صحيحة، والمقاصد من التبعة مريحة، إذا كانت صريحة، ولولا الافتيات، لوضحت في ميدان السبق لكم الشيات، لكن شأنكم الهذيان، وقلبت منكم بضعفائكم من المتأخرين الأعيان، كابن قسي وابن برجان، فتبرأوا من أتباعكم المطيفة، وأحزابكم المخيفة، وأخلصوا فعل الأنصار يوم قتال بني حنيفة، وحبذا الحكم المقتدي، ومن يهد الله فهوالمهتدي، واكبحوا الألسن عن طلاقتها وذلاقتها، ولا تكلفوا العقول فوق طاقتها، فلا بد من توقيف وتسليم، وفوق كل ذي علم عليم، وإذا محيتم فاثبتوا، أونطق إنسان فاسكتوا، ولا ترضوا أن تكتبوا مع الذين كبتوا، ولكم الحظ السني، والوصل الهني.

وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق " الأنبياء: ذهب بوجودكم العدم، وابتلع حدوثكم القدم، ورضيتم بالإشراف، في الاستشراف، والتوغل لزيم الانحراف، ومن جعل الحس وهماً، فقد كابر العيان ظلماً، والعقل الذي غلطكم هوآلة حكمكم، وأداة علمكم، والعوالم أوثق من أنتكون تمويه راقش، والوجود المطلق أبسط من أن تصير أبا براقش، ثم ما لكم والتبجح والتشبع، والتعقب والتتبع، ولم يغن العراك، ووقع في ثمرتكم الاشتراك، فالفيلسوف يتحد بالعلة القريبة من الخلق، ثم يتلاشى في ذات الحق، والحكيم يجوز إلى عين الحق رتبة الفناء المطلق، والمتشرع قد

عضده ونصره، كنت سمعه وبصره، وإن كان معظم القول الهذر، ففيكم بعد نظر.

وكان في أخرى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين " العنكبوت: أنتم الأحباب، ولكم يفتح من الجنان الأبواب، ركبتم ظهور الأعمال، وركب غيركم ظهور الآمال، وفزتم بسحب الأذيال، ومن دونكم يحوك عناكب الخيال، فبدايتكم الأساس الوثيق، الذي يبنى عليه التحقيق، ونهايتكم إليها ينتهي الطريق، وبها يحط فريق الله تعالى ونعم الفريق، أولكم المقرب المدرب، وأوسطكم الفرد المعرب، وآخركم الولي المقرب، حضرتم بذكر محبوبكم حتى غبتم، فهينئاً لكم طبتم، حواس مسدودة، وخيوط أفكار كلها ممدودة، ومشاهد مشهودة، ومغلطات تتجاوز حراسها، وقواطع معترضة بحل مراسها، إلى أن لا توجد تقية، ولا تبقى بقية، عند تجلي المعالم الخفية، لواشتمل العلم على عملكم، لكان الكل من هملكم، بحيث تتعين المراتب وتتميز، وتتقرر المشارب وتتحيز، لا يعترض قاطع إلا وقد علم شأنه، وتعين وقته ومكانه، ولا تمثل غاية إلا ودرجها محدودة، ومراحلها معدودة، ومشاهدها قبل دخول الطريق مشهودة، فهناك تطوى المراحل، ويلوح في اللمحة القريبة الساحل، ويأمن طول الطريق الواصل.

وكان في رقعة المحبين الذين قربوا قبل هذا اليوم وأدخلوا من بعد ما تخيروا للاصطفاء وانتخلوا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض،

والله سميع عليم " آل عمران:، أنتم الأحباب، ولباب الألباب، وبوساطتكم اتصلت بين النفوس وبين الحق الأسباب، لولاكم لم يفتح الباب، فلا يصل إلا من أوصلتم، ولا يحجب إلا من قطعتم وفصلتم، أنتم الرعاة والخلق الهمل، وأنتم الدعاة لمن يريد نيل الأمل، مهدت لكم سرر القرب تمهيداً، وبعثتم إلى الناس ليوحدوا الله توحيداً " ولتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " البقرة: فطوبى لمن أصاخ منكم إلى ندا، واستضاء بنور هدى، صلوات الله عليكم أبداً، أنتم أولوالألوية المعقودة، والعساكر المحشورة المحشودة، ورؤساء أهل المحبة، وأدلاء مبتغي الوسيلة والقربة، ومسالككم قد بينتها الصحف المنزلة، والملائكة المرسلة، ودخلت على العذارى خدورها، وعمت السماء وبدورها، وأغنت عن تقرير نحلها المكاتب المائجة بالصبيان، والسنن المعقودة لها حلق التبيان، والقواعد المفترضة على الأعيان، والخزائن المرصوصة بعلوم الأديان " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً " المائدة: وقيل لأتباعهم من الجمهور، وأقطاب فلكهم المشهور: على قدر أتباعكم، مناقل أبواعكم، وبحسب اقتدائكم، يكون سماع ندائكم، والمهاد لمن وثره " ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره " الزلزلة: وتأخيركم في التوقيع هوالتقديم، و " ساقي القوم آخرهم شربا " مثل قديم؛ قال المخبر: فرأيت وجوههم قد تهللت، ونواسم المسرات نحوهم قد أقبلت؛ ومن سواهم من خالص وزائف، بين راج وخائف. وسمعت أن طائفة استدعيت بحث حفي وأدخلت من باب خفي، قيل لهم: هم أصحاب الخبر المكتوم، وأرباب المقام غير المعلوم، جعلنا الله تعالى منهم برحمته:

ولولا الحب ما قطعوا الفيافيولولا الحب ما قطعوا البحارا
فدعهم والذي ركبوا إليهوبحثاً عن خلاصك واختبارا

فلا تشغل بحب ديار ليلى ... ولكن حب من سكن الديارا وقال قبل هذه الخاتمة بعد كلام كثير ما نصه: وقد أتينا على ما شرطنا من تقرير ما أمكن من هذه الآراء، وهم ما بين سابق للخيرات ومقتصد وظالم لنفسه، ومع ذلك مخبون، وعلى آثار الحبيب مكبون، ما كل طريق توصل، ولا كل تجارة على الربح تحصل، ومن العشاق مهجور ومطرود، وموصل وموعود، ومغبوط ومحسود، ومحروم ومجدود، ومرحوم ومردود:

يا غايتي، ولكل شيء غاية،والحب فيه تأخر وتقدم

قل لي بأي وسيلة يحظى بما ... يرجوه غيري من رضاك وأحرم ورقة: ولكل دائرة مفروضة، وهالة حول قمر الحق معروضة، تعود الخطوط من محيطها المسدد، إلى مركزها المحدد: فالفيلسوف يروم التشبث بالعلة الأولى، ويعني بها ذات الحق، أوأن يتحد بالثانية، وهي مرآة وجه الحق؛ والإشراقي يروم التجوهر بنور الأنوار المعبر عنه بالحق، والاتصال به إما بواسطة من الحق أوبغير واسطة من الحق؛ والحكيم أن يؤديه فكره إلى الحق، ثم يفنى في الحق، ثم يبقى بالحق، والمتشرع أن يجن في جنة الحق، ويحصل على جوار الحق، وينظر إلى جوار الحق؛ وصاحب الوحدة المطلقة أن يكون المتفرق عين الحق، فسبحان الحق، المعبود بالحق، الموجد الجمع في الفرق، لا إله إلا هو. وزيد في هذا المحض الذي كثر في قربه الدعداع، وطال على الرؤوس منه الصداع، ما تفرد له المقالة المختصرة، والعناية الميسرة، بحول من لا حول ولا قوة إلا به. انتهى.

وقال رحمه الله تعالى في عد ما عدد من فرق الاعتزال ما نصه:

الحب حركهم لكل جدالوالحب أقحمهم على الأهوال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «الحب حركهم لكل جدال»
والحب قاطع بينهم وأضلهمعن نيل ما راموه كل ضلال
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «الحب حركهم لكل جدال»

والحب أنشأ فيهم عصبية ... بالقيل أضرم نارها والقال وإنما استكثرنا من ذكرهم عبرة لمن تأمل حركات هذا الفراش المختلف الآراء عن ذبال الحق، يبتغون إليه الوسيلة، قوم بالطاعة، وقوم بالمعصية، وما منهم إلا مدع في المحبة متهالك، حريص على السعادة بزعمه " وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " الغاشية: ممن قصد الحق فأخطأه، وأراد الصواب فضل عنه، واشتهر بالحكمة بعد في الملة الإسلامية جماعة بالمشرق والأندلس، فمن المشارقة: أبوالفرج، ويعقوب الكندي، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، فكان عندهم مباشرتها من حيث الترجمة والمزاولة، إلى أ، قال: ومن أهل الأندلس: محمد بن مسعدة السرقسطي، وأحمد بن طاهر الطرطوشي، ويحيى بن عمران القرطبي، وطفيل بن عاصم، وكليب بن همام البياسي، والحسن بن حرب الداني، وابن مسرة، ومسلمة المجريطي، وأبوبكر ابن الصائغ، وأوبكر ابن طفيل، وأبوالوليد ابن رشد، وكل هؤلاء المتقدمين والمتأخرين محب عاشق مستهلك، قال الشاعر:

وعلي أن أسعى وليس علي إدراك النجاح
للشاعر كشاجم، من قصيدة «أطلق عقال الروح بالراح»
حيارى يميد بهم شجوهمكأنهم ارتضعوا الخندريسا

إذا لم يكن عون من الله للفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد " ولوشاء شربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " هود: " فريقاً هدى، وفريقاً حق عليهم الضلالة " الأعراف: " قل سيروا الحجة البالغة، فلوشاء لهداكم أجمعين " الأنعام: والخلق قد مدوا أبصارهم وآمالهم، وتحركوا طوعاً وكرهاً يعشون إلى نور الله تعالى، فمن أعمى أصم لا يسمع ولا يبصر، وأعمى فقط يجتزئ عن العيان بالمخبر، وأحول يبصر الشيء شيئين، والواحد اثنين، كما قال الشاعر:

أحوى الجفون له رقيب أحولالشيء في إدراكه شيئان
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
فيلوح في عيني منه واحدويلوح في عينيه منه اثنان

يا ليته ترك الذي أنا مبصر ... وهو المخير في الحبيب الثاني وضعيف لا يبصر من بعيد، وأجهر لا يبصر من قريب، وأعشى تكثر في عينيه الأشعة، وربما تندر، وزرقاء اليمامة:

سبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامه
للشاعر المقري التلمساني، من قصيدة «سبحان من قسم الحظوظ»
أعشى وأعمى، ثم ذوبصر، وزرقاء اليمامه
لولا استقامة من هداهـ لما تبينت العلامه
للشاعر المقري التلمساني، من قصيدة «سبحان من قسم الحظوظ»

ومجاور الغرر المخي ... ف له البشارة بالسالمة أقام سبحانه الحجة، وفرق بين الأمر والإرادة، وأعطى الكفاية من القدرة ﴿فمنهم مهتد، وكثير منهم فاسقون﴾ (الحديد:) اقتصرنا من هذا البحر

على نقطة، ومن هذا الودق على فطرة:

ومن يسد طريق العارض الهطل ... عد الحصى والقطر ليس يرام ... وذكرنا الرسل والأنبياء والأتباع ذكراً من غير تبويب ولا تعيين، لشياع آرائهم، والعلم بمقاصد مللهم، وأغراض دعواتهم، من توحيد الله تعالى وتنزيه وصفاته وأسمائه، وكيف يحشر الناس ليوم لا ريب فيه " ولتجزى كل نفس بما كسبت " الجاثية: وتعليم طرق النجاة، وإيضاح سبيل الله تعالى، والتحذير من الغفلة عمن إليه الرجعى، وله الآخرة والأولى، والتخويف من كل ما يقطع عنه، والترغيب فيما يوصل إليه وشأن الرياضة والتدريج في أحوالها حتى تنتقل من الظواهر إلى البواطن، وتسري في الخلف من السلف، والندب إلى الاقتصار على الضرورة والقناعة بالبلاغ، وتبين الرسم فيها، والتعيين لحدودها، قد تضمنت ذلك كله آيات الله الاتي تكفل بحفظها، وسنة رسوله التي قيض مناخل الصدق لتصحيح نقلها، فالمكاتب - والمنة لله تعالى - مائجة، والمدارس حافلة، فما لنا والإطالة في الموجود الذائع، والمشهور الشائع:

والشمس تكبر عن حلي وعن حلل ... فهي الدراري في التقليد بالدرر ... ما أغنى الشمس عن مدح المادح، تحصيل الحاصل عناء ﴿هوالذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولوكره المشركونؤ (التوبة:).

فلنذكر بعض أرباب الآراء من قريب وبعيد، وخلق جديد، على صورة

المثال المفروض وليكون كعرض الحبوب الذي تجزئ منه الفنة عن الجفنة، والقربة عن القرية، ونقتصر على اليسير لإقامة الترتيب، وإحكام التبويب، وليرى الواقف عليه أننا قد نفضنا الزوايا، ورشفنا الروايا، وامتككنا العظام، واستقصينا النظام، حرصاً على نشيدة الحق أن تعقل، وعلى الطباع أ، تنقل، وعلى المراثي الصدئة أن تصقل، وعلى صورة النجاة أن تمقل، ونسأل الله تعالى هذاية توصل إليه، لا إله إلا هوالرحمن الرحيم؛ انتهى.

وقال رحمه الله تعالى فيما قبل هذا الكلام بكلام ما صورته: غصن المحبين، وأصنافهم المرتبين، ويتمل على مقدمة بيان، وستة أفنان.

فالمقدمة ... فنقول: أصناف المحبين والعشاق كثير، وهباء نثير، وجراد أثارها مثير، بحيث يشق إحصاؤهم، ولا يتأتى استقصاؤهم:

فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى: ... قتيلك، قالت: أيهم فهم كثر ثم مد النفس بما لا يقتضي المقام الاختصاري ذكره في هذا الموضع.

وقال رحمه الله تعالى ف يبعض تراجم الروضة، وهي الخاتمة التي تنبه النفوس الصقبة، على حكم المحبة " ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة " الأنفال: بعد كلام ما صورته: فقر في معنى هذه الخاتمة فيها حكم تنثال، وتجري مجرى الأمثال:

المحبة بحر بعيد الشط، وخط والفناء منتهى الخط " إنا عرضنا الأمانة - إلخ " الاحزاب:.

المحبة مهوى بعيد، ومجال وعد ووعيد، مرجل يغلي، ثم خيال يولي، وليس له حد عليه يعول.

المحبة ظهر لا يركبه، من يرى الموت فيتنكبه، ولا يعلوه، من يأتي

إلى وادي الفناء فيسلوه " إن الله مبتليكم بنهر " البقرة: كم قمصت المحبة من ظهر، وكم سر صيرت إلى جهر، أولها العار المشهور، وآخرها الطي المنشور، ثم الموت ثم النشور ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب﴾ (الزمر:).

المحبة أنس يستدرج، ثم شوق يلجم ويسرج، ثم فناء يزعج، عن الوجود ويخرج:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... المحبة كاس، كم جردت من كاس، وآس، من شمه لم يجد من آس:

متى أرتجي يوماً شفائي من الضنى ... إذا كان من يجني علي طبيبي تزاحم أنفاس المحبين على خطرات الصبا، تزاحم الهباء على مطارح شعاع الدبا، فلولا بلهيلها لالتهبت، وتعليل عليها لتلك الأرماق لذهبت:

عليلة في حواشي مرطها بلل ... يهدى لكل عليل منه إبلال المحبة رقة، ثم فكرة مسترقة، ثم ذوق، يطير به شوق، ثم وجل لا يبقى معه طوق، ثم لا تحت ولا فوق:

أينما كنت لا أخلف رحلاً ... من رآني فقد رآني ورحلي الهوى هوان، وحمام له ألوان، دمع ساجم، ووجد هاجم، وهيام لا يبرح، ثم وراءه ما لا يشرح:

قال: بمن جن وهل في الورى ... ما يبعث الخبل سوى حبه من اقتحم بحر الهوى، هوى. لا تدخل في بحر الهوى حتى تشاور صبرك، وتجاور قبرك، فإن كنت منا أوفرح بسلام.

الهوى طريق، ولسلوكه فريق. الزاد مكتوم، ووفاء معلوم.

وللميادين أبطال لها خلقوا ... وللداووين حساب وكتاب الحب حج ثان، لا يثني نفس المريد عنه ثان، طريقه التجريد، وزاده الذكر، وطوافه المعرفة، وإفاضته الفناء " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين. " البقرة:.

الغرام، صعب المرام، والدخول فيه حرام، ما لم يكن فيه شروط كرام.

من عرف ما أخذ، هان عليه ما ترك " وربك يخلق ما يشاء ويختار " القصص: ظهر الهوى طريقاً سهلاً، فكثر التائهون جهلاً:

إذا لم يكن عون من الله للفتىأتته الرزايا من وجوه الفوائد والعكس:
قد يخبأ المحبوب في مكروههامن يخبا المكروه في المحبوب وقال الشيخ:
هو الحب بالحشا ما الهوى سهلفما اختاره مضني به وله عقل
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل»
وعش خالياً فالحب راحته عناًوأوله سقم وآخره قتل
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل»
نصحتك علماً بالهوى والذي أرىمخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل»

فمن لم يمت في حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النحل ما جنت النحل طريق القوم مبنية على الموت، وإليه الإشارة بقوله " موتوا قبل أن تموتوا ". بيدي لا بيد عمرو، وقال بعضهم: رأيت رب العزة فقلت: يا رب بم أصل إليك قال: فارق نفسك وتعال:

رفض السوى فرض على العينلا تخلصن الحق بالمين

والأين والكيف سوى ظاهر ... فاستغن عن كيف وعن أين الخشب، الذي يتخذ منه النشب، ينقسم إلى أقسام، وأجزاء جسام: القسم الأول: في الحدود والمعرفات، والأسماء الواقعة والصفات.

وللسان الدين رحمه الله تعالى في المواعظ اليد الطولى؛ قال في الروضة في الفصل الثاني في محركات العزيمة - وهي اليقظة - ما نصه: قلت: والمحركات المشتركات في باعث اليقظة كثيرة: منها الوعظ السائق بمقود الشارد عن الله تعالى إلى مربط التوبة، ومحرك العزيمة يردد أذانه على نوام أهل الكهف، وقد ضرب نوم الغفلة على آذانهم، حتى يحول بينهم وبين أذانهم، ويركبهم ظهر الرياضة التي تلحقهم بالمجذوبين من إخوانهم، ولما كان حب الدنيا هوالمانع عن الشروع في إطلاق العمل، والقاطع به بعده لم يجد أساة خبل الهوى وجنون الكسل أنجع من رقي العذل والتأنيب، وتقبيح المحبوب، سيما إذا انزعجت نبال نبله عن حنيات ضلوع الصدق، وقال بعضهم: الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب:

أوقد النار من رسالة ليلى ... واحذر السيل بعدها من دموعي ولا تعدل الوعظ البليغ باللسان الفصيح، والقلب القريح، فإذا رأيت الأرض قد اهتزت وربت، وهضاب القلوب القاسية قد تقلبت، فشمر للغراس والزراع عن الذراع، واغتنم السراع والإسراع:

إذا هبت رياحك فاغتنمهافإن لكل عاصفة سكونا
حفر لها ماء يريها بدأةواضمن لها حوضاً وإن لم تحفر

واربأ بنفسك عن تسامح بائع ... واغنم إذا سامتك شهوة مشتري قالوا: الوعظ يضرب وجه النفس عن الثبط في بساط اللذات، وينقل

خطواتها عن الخطوفي ملعب الخطيئات، ويمثل لها الصبر عياناً، ويبين العواقب المحجوبة بياناً، وينشئ سحاب الحزن في أجواف أجزائها، ويذكرها بمآلها وانتهائها، ويعرض عليها مصارع فنائها، وخراب بنائها، وفراق حبائبها وأبنائها، عند نزول هاذم اللذات بفنائها، فترجع إلى الله تعالى بحكم الاضطرار أفكارها، وتخشع من خيفة الله تعالى وجلاله أبصارها.

والوعظ يكون بلسانين، ويوجد فنين: لسان حال، ولسان مقال، وربما كان لسان الحال أبلغ، وهويسمع من القبور الموحشة، والقصور الخالية، والعظام البالية، وفيه حكايات وأخبار، ولسان المقال كقوله ﷾ " وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم، وضربنا لكم الأمثال " إبراهيم " وهوسبيل الله تعالى التي بعث بها النبيين، وضمن فصولها الكتاب المبين، والسوط الذي يحمل على الأوبة، ويسوق ذود المتطهرين إلى غدير التوبة، ونحن نجعله هيمنة بين يدي الفراسة، لتزكيه النفوس إن صدق حكم الفراسة، فمن ذلك ما صدر عني على لسان واعظ:

الحمد لله الولي الحميد، المبدئ المعيد، البعيد في قربه من العبيد، القريب في بعده فهوأقرب من حبل الوريد، كحيي ربوع العارفين بتحيات حياة التوحيد، ومغني نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى العرض الزهيد، ومخلص خواطر المحققين من سجون دجون التقييد، إلى فسح التجريد، نحمده وله الحمد المنتظمة درره في سلوك الدوام وسموط التأبيد، حمد من نزه أحكام وحدانيته، وأعلام فردانيته، عن مرابط التقليد، ومخابط الطبع البليد، ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هوشهادة نتخطى بها معالم الخلق إلى حضرة الحق على كبد التفريد، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله قلادة الجيد المجيد، وهلال العيد، وفذلكة الحساب وبيت القصيد، المقصود بمنشور الإدلال

وإقطاع الكمال، بين مقام المراد ومقام المريد، الذي جعله السبب الأوصل في نجاة الناجي، وسعادة السعيد، وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بحجتي الوعد والوعيد، فكان مما أوحى به إليه، وأنزل الملك به عليه، من الذكر الحميد، ليأخذ بالحجز والأطواق من العذاب الشديد " ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " ق:.

إلى قوله حديد، صلى الله عليه وعلى آل صلاة تقوم ببعض حقه الأكيد، وتسري إلى تربته الزكية من ظهور المواجد الجائية على البريد:

قعدت لتذكير ولوكنت منصفاًلذكرت نفسي فهي أحوج للذكرى

إذا لم يكن مني لنفسي واعظ ... فيا ليت شعري كيف أفعل في الأخرى آه! أي وعظ بعد وعظ الله تعالى يا أحبابنا يسمع وفي ماذا وقد تبين الرشد من الغي يطمع يا من يعطي ويمنع، إذا لم تقم الصنيعة فماذا نصنع اجمعنا بقلوبنا با من يفرق ويجمع، ولين حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ نبيك ﷺ من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، اعلموا - رحمكم الله - أن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال، ومن الجماد والحيوان، وما أملاه الملوان، فغن الحق نور لا يضره أن يصدر من الخامل، ولا يقصر بمحموله احتقار الحامل، وأنتم تدرون أنكم في أطوار سفر لا تستقر لها دون الغاية رحلة، ولا تتأتى معها إقامة ولا مهلة، من الأصلاب إلى الأرحام، إلى الوجود، إلى القبور، إلى النشور، إلى إحدى داري البقاء، أفي الله شك فلو أبصرتم مسافراً في البرية يبني ويفرش، ويمهد ويعرش، ألم تكونوا تضحكون من جهله، وتعجبون من ركاكة عقله

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.