تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع لنثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى (٢)

وأمرنا أن يتوجه إلى جهة كذا حاطها الله تعالى فيجمع الناس فيمساجدهم، وينديهم من مشاهدهم، ويبدأ بتقرير غرضنا في صلاح أحوالهم، وإحساب أموالهم، ومكابدتنا المشقة في مداراة عدوهم الذي نعلم من أحواله ما غاب عنهم دفعه الله تعالى بقدرته، ووقى نفوسهم وحريمهم من معرته، ولما رأينا من انبتات الأسباب التي تؤمل، وعجز الحيل التي كانت تعمل؛ ويستدعي إنجادهم بالدعاء، وإخلاصهم فيه إلى رب السماء، ويسأل عن سيرة القواد، وولاة الأحكام بالبلاد، فمن نالته نظلمة فليرفعها إليه، ويقصها عليه، ليبلغها إلينا، ويوفدها مقررة الموجبات لدينا، ويختبر ما افترض صدقة للجبل، وما فضل عن كريم ذلك العمل، ليعين إلى بناء الحصن بجبل فاره يسر الله تعالى لهم في إتمامه، وجعل صدقتهم تلك مسكة ختامه، وغيره مما افترض إعانة للمسافرين، وإنجاداً لجهاد الكافرين، فيعلم مقداره، ويتولى اختباره، حتى لا يجعل منه شيء على ضعيف، ولا يعدل به لمشروف عن شريف، ولا تقع فيه مضايقة ذي الجاه، ولا مخادعة غير المراقب لله، ومتى تحقق أن غنياً قصر به عن حقه، أوضعيفاً كلف منه فوق طوقه، فيجير الفقير من الغني،

ويجري من العدل على السنن السوي، ويعلم الناس أن هذه المعونة وإن كانت بالنسبة إلى محل ضرورتها يسيرة، وأن الله تعالى يضاعفها لهم أضعافاً كثيرة، فليست مما يلزم، ولا من المعاون التي بتكررها يجزم؛ وينظر في عهود التوفيق فيصرفها في مصارفها المتبينة، وطرقها الواضحة البينة.

ويتفقد المساجد تفقداً يكسوعاريها، ويتمم منها المآرب تتميماً يرضي باريها، ويندب الناس إلى تعليم القرآن لصبيانهم، فذلك أصل أديانهم، ويحذرهم المغيب على كل شيء من أعشارهم، فالزكاة أخب الصلاة وهما من قواعد الإسلام، وقد اخترنا لهم بأقصى الجد والاعتزام، ورفعنا عنهم رسم التعريف نظراً إليهم بعين الاهتمام، وقدمنا الثقات لهذه الأحكام، وجعلنا الخرص شرعياً في هذا العام، وفيما بعده إن شاء الله تعالى من الأعوام.

ومن أهم ما أسندناه إليه، وعولنا فيه عليه، البحث بتلك الأحواز عن أهل البدع والأهواء، والسائرين من السبيل على غير السواء، ومن ينبز بفساد العقد، وتحريف القصد، والتلبس بالصوفية وهوفي الباطن من أهل الفساد، والذاهبين إلى الإباحة وتأويل المعاد، والمؤلفين بين النساء والرجال، والمتبعين لمذاهب الضلال، فمهما عثر على مطوق بالتهمة، منبز بشيء من ذلك من هذه الأمة، فليشد ثقافه شداً، ويسد عنه سبيل الخلاص سداً، ويسترعي في شأنه الموجبات، ويستوعب الشهادات، حتى ينظر في حسم دائه، ويعاجل المرض بدوائه، فليتول ما ذكرنا نائباً بأحسن المناب، ويقصد وجه الله تعالى راجياً منه جزيل الثواب، ويعمل عمل من لا يخاف في الله لومة لاثم ليجد ذلك في موقف الحساب.

وعلى من يقف عليه من القواد والأشياخ والحكام أن يكونوا معه يداً واحدة

على ما حررنا في هذه الفصول، من العمل المقبول، والعدل المبذول، ومن قصر عن غاية من غاياته، أوخالف مقتضى من مقتضياته، فعقابه عقاب من عصى أمر الله وأمرنا فلا يلم إلا نفسه التي غرته، وإلى مصرع النكير جرته، والله تعالى المستعان انتهى.

ومن ذلك ما خاطب به تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني لما قصدها عقب ما شرع في جواره وتوسل إلى أغراضه إلى وبده رحم الله تعالى الجميع:

السلام عليك ثم السلام، أيها المولى الهمام الذي عرف فضله الإسلام، وأوجبت حقه العلماء الأعلام، وخفقت بعز نصره الأعلام، وتنافست في إنفاذ أمره ونهيه السيوف والأقلام. السلام عليك أيها المولى الذي قسم زمانه بين حكم فصل، وإمضاء نصل، وإحراز خصل، وعبادة قامت من اليقين على أصل. السلام عليك يا مقرر الصدقات الجارية، ومشبع البطون الجائعة وكاسي الظهور العارية، وقادح زناد العزائم الوارية، ومكتب الكتائب الغازية في سبيل الله تعالى والسرايا السارية. السلام عليك يا حجة الصبر والتسليم، وملتقى أمر الله تعالى بالخلق المرضي والقلب السليم، ومفوض الأمر في الشدائد إلى السميع العليم، ومعمل البنان الطاهر في اكتتاب الذكر الحكيم. كرم الله تعالى تربتك وقدسها، وطيب روحك الزكية وآنسها، فلقد كنت للدهر جمالاً، وللإسلام ثمالاً، وللمستجير مجيراً، وللمظلوم ولياً ونصيراً؛ لقد كنت للمحارب صدراً، وفي المواكب بدراً، وللمواهب بحراً، وعلى العباد والبلاد ظلاً ظليلاً وستراً؛ لقد فرعت أعلام عزك الثنايا، وأجزلت همتك لملوك الأرض الهدايا.

كأنك لم تعرض الجنود، ولم تنشر البنود، ولم تبسط العدل المحدود، ولم توجد الجود، ولم تزين الركع السجود، فتوسدت الثرى، وأطلت الكرى، وش ربت الكأس التي يشربها الورى، وأصبحت ضارع الخد، كليل الحد

سالكاً سنن الأب والجد، لم تجد بعد انصرام أجلك، إلا صالح عملك، ولا أصبحت لقبرك، إلا رابح تجرك، وما أسلفت من رضاك وصبرك، فنسأل الله تعالى أن يؤنس اغترابك، ويجود بسحاب الرحمة ترابك، وينفعك بصدق اليقين، ويجعلك من الأئمة المتقين، ويعلي درجتك في عليين، ويجعلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.

وليهنك أن صير الله تعالى ملكك من بعدك، إلى نير سعدك، وبارق رعدك، ومنجز وعدك، أرضى ولدك، وريحانة خلدك، وشقة نفسك، والسرحة المباركة من غرسك، ونور شمسك، وموصل عملك البر إلى رمسك، فقد ظهر عليه أثر دعواتك، في خلواتك وأعقاب صلواتك، فكلمتك والمنة لله تعالى باقية، وحسنتك إلى محل القبول راقية، يرعى بك الوسيلة، ويتمم مقاصدك الجميلة، أعانه الله تعالى ببركة رضاك على ما قلده، وعمر بتقواه يومه وغده، وأبعد في السعد أمده، وأطلق بالخير يده، وجعل الملائكة أنصاره والأقدار عدده.

وإنني أيها المولى الكريم، البر الرحيم، لما اشتراني، وراشني وبراني، وتعبدني بإحسانه، واستعمل في استخلاصي خط بنانه، ووصية لسانه، لم أجد مكافأة إلا التقرب إليك وإليه برثائك، وإغراء لساني بتخليد عليائك، وتعفير الوجنة في حرمك، والإشادة بعد الممات بمجدك وكرمك، ففتحت الباب في هذا الغرض، إلى القيام بحقك المفترض، الذي لولاه لاتصلت الغفلة عن ادائه وتمادت، فما يبست الألسن ولا كادت، متحيزاً بالسبق، إلى أداء هذا الحق، بادئاً بزيارة قبرك الذي هورحلة الغرب ما نويته من رحلة الشرق، وما أعرضت عنه فاقطعه أثر مواقع الاستحسان، وقد جمع بين الشكر والتنويه والإحسان، والله سبحانه يجعله عملاً مقبولاً، ويبلغ فيه من القبول مأمولاً، ويتغمد من ضاجعته من سلفك الكرام بالمغفرة الصيبة، والتحيات الطيبة، فنعم الملوك الكبار

والخلفاء الأبرار، والأئمة الأخيار، الذين كرمت منهم السير وحسنت الأخبار، وسعد بعزماتهم الجهادية المؤمنون وشقي الكفار، وصلوات الله تعالى عوداً وبدءاً على الرسول الذي اصطفاه واختاره فهوالمصطفى المختار، وعلى آل وأصحابه الذين هم السادة الأبرار، وسلم تسليماً انتهى.

وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: ومما خاطبت به الوزير المتغلب على الملك بالمغرب ما نصه:

لا ترج إلا الله في شدةوثق به فهو الذي أيدك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لا ترج إلا الله في شدة»
حاشاك أن ترجو إلا الذيفي ظلمة الحشاء قد أوجدك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لا ترج إلا الله في شدة»
فاشكره بالرحمة في خلقهووجهك ابسط بالرضى أو يدك
والله لا تهمل ألطافهقلادة الحق الذي قلدك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لا ترج إلا الله في شدة»

ما أسعد الملك الذي سسته ... يا عمر العدل، وما أسعدك نخص الوزير الذي بهر سعده، وحمد في المضاء قصده، وعول على الشيم التي اقتضاها مجده، وأورثه إياها أبووجده، الوزير عمر الكذا ابن الشيخ الكذا، أبقاه الله تعالى ثابت القدم، خافق العلم، شهيراً حديث سعده في الأمم، مثلاً خبر بسالته وجلالته في العرب والعجم.

تحية معظم مجده الكبير، المستند إلى عهده الوثيق وحسبه الشهير، المسرور بما سناه الله تعالى له من نجح التدبير، والنصر العديم النظير، وإنجاده إياه عند إسلام النصير، وفراق القبيل والعشير، ابن الخطيب، واليد ممدودة إلى الله تعالى في صلة سعد الوزير - أبقاه الله تعالى - ودوام عصمته، واللسان يطنب ويسهب في شكر نعمته، والأمل متعلق بأسبابه الكريمة وأذمته، وقد كان شيعه مع الشفقة التي أذابت الفؤاد، وألزمت الأرق والسهاد، على علم بأن عناية الله تعالى عليه عاكفة، وديم آلائه لديه واكفة، فإن الذي أقدره وأيده

ونصره، وأنفذت مشيئته ما دبره، كفيل بإمداده، وملي بإسعاده، ومرجولإصلاح دنياه ومعاده، وفي أثناء هذه الأراجيف استولى على معظم وزاراته الجزع، وتعاورته الأفكار تأخذ وتدع، فإني كما يعلم الوزير أعزه الله تعالى منقطع الأسباب، مستوحش من الجهة الأندلسية على بعد الجناب، ومستعدى علي بكوني من المعدودين فيمن له من الخلصان والأحباب، فشرعت في نظر احصل منه على زوال اللبس، وأمان النفس، في أثنائه، وتمهيد أساس بنائه، ورد البشير بما سناه الله تعالى لسيدي وجابر وكسري، ومنصفي بفضل الله تعالى من دهري، من الصنع الذي ظهر، وراق نوره وبهر، فأمنت وإن لم أكن ممن جنى، وحفتني المسرات بين فرادى وثنى، وانشرح بفضل الله تعالى صدري، وزارتني النعم والتهاني من حيث أدري ولا أدري، ووجهت الولد الذي شملته نعمة الوزير وإحسانه، وسبق إليه امتنانه، نائباً عني في تقبيل يده وشكر يده، والوقوف ببابه، والتمسك بأسبابه، آثرته بذلك لأمور: منها المزاولة فيما كان يلزمني من إخوته الأصاغر، وتدريبه على خدمة الجلال الباهر، وإفرادي له بالبركة، ولعائق ضعف عن الحركة، وبعد ذلك أشرع بضل الله تعالى في العمل على تجديد العهد بباب الوزارة العلية، عارضاً من ثنائها ما يكون وفق الأمنية، ورب عمل أغنى عنه فضل نية، والسلاك كريم على سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.

قال: وكتبت إليه أيضاً على أثر الفتح الذي تكيف له:

" سيدي الذي أسر بسعادته، وظهور عناية الله تعالى به في إبدائه وإعادته، وأعلم كرم مجادته، وأعترف بسيادته، الوزير الميمون الطائر، الجاري حديث سعده ومضائه مجرى المثل السائر، أبقاه الله تعالى عزيز الأنصار، جارية بيمن نقيبته حركة الفلك الدوار، معصوماً من المكاره بعصمة الواحد القهار؛

معظم سيادته الرفيعة الجانب، وموقر وزارته الشهيرة المناسب، الداعي إلى الله تعالى بطول بقائه في عز واضح المذاهب، وصنع واكف السحائب، ابن الخطيب، عن الذي يعلم سيدي من لسان طلق بالثناء، ويدممدودة إلى الله تعالى بالدعاء، والتماس لما يعد من جزيل النعماء، والفتح الذي تفتح له أبواب السماء، وقد اتصل ما سناه الله تعالى له من النصر والظهور، والصنع البادي السفور، لما التقى الجمعان، وتهوديت اكواس الطعان، وتبين الشجاع من الجبان، وظهر من كرات سيدي وبسالته ما تحدث به ألسنة الركبان، حتى كانت الطائلة لحزبه، وظهرت عليه عناية ربه، فقلت: الحمد لله الذي جعل سعد عمادي متصل الآيات، واضح الغرر والشيات. وقد كنت بعثت أهنئه بما قدم من صنع جميل، وبلوغ تأميل، فقلت: اللهم أفد علينا التهاني تترى، واجعل الكبرى من نعمتك السالفة بنعمتك الرادفة الخالفة هي الصغرى، واجمع له بين نعم الدنيا والأخرى، والناس - أبقى الله تعالى سيدي - لهم مع الاستناد إليك جهات، وأمور مشتبهات، إلا المحب المتشيع فجهتك هي التي آنست الغربة، وفرجت الكربة، ووعدت بالخير، وضمنت عاقبة الضير، وأنا أرتقب ورود التعريف المولوي على عبيده بهذه المدينة واصل إن شاء الله تعالى لمباشرة الهناء، وقرة العين بمشاهدة الآلاء؛ والله ﷿ يديم سعادة سيدي ويطيل بقاءه، ويرادف قبلة وآلاءه، بفضله انتهى.

وقال: ومما خاطبت به المذكور وأنا ساكن بسلا:

أيا عمر العدل الذي مطل المدىيوعد الهدى حتى وفيت بدينه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيا عمر العدل الذي مطل المدى»
ويا صارم الملك الذي يستعدهلدفع عداه أولمجلس زينه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيا عمر العدل الذي مطل المدى»
هنت عينك اليقظى من الله عصمةكفت وجه دين الله موقع شينه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيا عمر العدل الذي مطل المدى»
وهل أنت إلا الملك والدين والدناولا يلبس الحق المبين بمينه
إذا نال منك العين ضر فإنماأصيب به الإسلام في عين عينه
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أيا عمر العدل الذي مطل المدى»

الوزير الذي هوللدين الوزر الواقي، والعلم السامي المراقب والمراقي، والحلي المقلد فوق الترائب والتراقي، والكنز المؤمل والذخر الباقي، حجب الله تعالى العيون عن عين كمالك، وصير الفلك الدوار مطية آمالك، وجعل اتفاق اليمن مقروناً بيمينك، وانتظام الشمل معقوداً بشمالك.

" اعلم أن مطلق لسان الثناء على مجدك، والمستضيء على البعد بنور سعدك، ومعقود الرجاء بعروة وعدك، لا يزال في كل ساعة يسحب الفلك فيه ذيلها، ويعاقب يومها وليلها، مصغي الأذن إلى نبإ يهدي عنك لله تعالى دفاعاً، أويمد في ميدان سعدك باعاً، وأنت اليوم النصير على الدهر الظلوم، وآسي الكلوم، وذوالمقام المعلوم، فتعرفت أن بعض ما يتلاعب به بين أيدي السادة الخدام، وتتفكه به المثاقفة والأفدام، من كرة مرسلة الشهاب، أونارنجة ظهر عليها من اسمها صبغة الالتهاب، حومت حول عينك لا كدر صفاؤها، ولا هدم فوق مهاد الدعة والأمن إغفاؤها، فرعت حول حماها، ورامت أن تصيب فخيب الله تعالى مرماها:

نرى السوء مما نتقي فنها به ... وما لا نرى مما يقي الله أكثر " فقلت: مكروه أخطأ سهمه، وتنبيه من الله تعالى لمن نبل عقله وفهمه، ودفاع قام دليله، وسعد أشرق جليله، وأيام أعربت عن إقبالها، وعصمة غطت بسربالها، وجوارح جعل الله تعالى الملائكة تحرسها، فلا تغتالها الحوادث ولا تفترسها، والفطن يشعر بالشيء وإن جهل أسبابه، والصوفي يسمع من الكون جوابه، فبادرت أهنئه تهنئة من يرى تلك الجوارح الكريمة أعز عليه من جوارحه، ويرسل طير الشكر له تعالى في مساقط اللطف الخفي ومسارحه،

وسألته سبحانه أن يجعلك عن النوائب حجراً لا يقرب، وربعك ربعاً لا يخرب، ما سبح الحوت ودب العقرب، ثم إنني شفعت الهناء ووترته، وأظهرت السرور فما سترته، بما سناه لتدبيرك من مسالمة تكذب الإرجاف، وتغني عن الإيجاف، وتخصب للإبل العجاف، وتريح من كيد، وتفرغ إلى مجادلة عمرووزيد، وكأني بسعدك قد سدل الأمان، وعدل الزمان، وأصلح الفاسد، ونفق الكاسد، وقهر الروع المستاسد، وسر الحبيب وساء الحاسد، والسلام انتهى.

ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به الرئيس عامر ابن محمد بن علي الهنتاني معزياً له عن أخيه عبد العزيز:

أبا ثابت كن في الشدائد ثابتاًأعيذك أن يلفى حسودك شامتا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أبا ثابت كن في الشدائد ثابتا»
عزاؤك عن عبد العزيز هو الذييليق بعز منك أعجز ناعتا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أبا ثابت كن في الشدائد ثابتا»
فدوحتك الغناء طالت ذوائباًوسرحتك الشماء طابت منابتا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أبا ثابت كن في الشدائد ثابتا»
لقد هد أركان الوجود مصابهوأنطق منه الشجو من كان صامتا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أبا ثابت كن في الشدائد ثابتا»
فمن نفس حر أوثق الحزن كظمهاومن نفس بالوجد أصبح خافتا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «أبا ثابت كن في الشدائد ثابتا»
هو الموت للإنسان فصل لحدهوكيف ترجي أن تصاحب مائتا

وللصبر أولى أن يكون رجوعنا ... إذا لم نكن بالحزن نرجع فائتا اتصل بي أيها الهمام، وبدر المجد الذي لا يفارقه التمام، ما جنته على عليائك الأيام، واقتنصه محلق الردى بعد أن طال الحيام، وما استأثر به الجمام، فلم يغن الدفاع ولا نفع الذمام، من وفاة صنوك الكريم الصفات، وهلاك وسطى الأسلاك، وبدر الأحلاك، ومجير الأملاك، وذهاب السمح الوهاب، وأنا لديغ صل الفراق، الذي لا يفيق بألف راق، وجريح سهم

البين، ومجاري العيون الجارية بدمع العين، لفقد أنيس سهل علي مضض النكبة، ونحى ليث الخطب عن فريستي بعد صدق الوثبة، وآنسني في الاغتراب، وصحبني إلى منقطع التراب، وكفل أصاغري خير الكفالة، وعاملني من حسن العشرة بما سجل عقد الوكالة، انتزعه الدهر من يدي حيث لا أهل ولا وطن، والاغتراب قد ألقى بعطن، وذات اليد يعلم حالها من يعلم ما ظهر وما بطن، ورأيت من تطارح الأصاغر على شلوالغريب، النازح عن النسيب والقريب، ما حملني على أ، جعلت البيت له ضريحاً، ومدفناً صريحاً، لاخدع من يرى أنه لم يزل مقيماً لديه، وأن ظل شفقته منسحب عليه، فأعيا مصابي عند ذلك القرح، وأعظم الظمأ البرح، ونكأ القرح القرح، إذ كان ركناً قد بنته لي يد معرفتك، ومتصفاً في البر بي والرعي لصاغيتي بكريم صفتك، فوالهفا عليه من حسام، وعز سام، وأياد جسام، وشهرة بين بني حام وسام، أي جمال خلق، ووجه للقاصد طلق، وشيم تطمح للمعالي بحق، وأي عضد لك يا سيدي الأعلى لا يهن إذا سطا، ولا يقهقر إذا خطا، يوجب لك على تحليه بالشيبة، ما توجبه البنوة من الهيبة، ويرد ضيفك آمناً من الخيبة، ويسد ثغرك عند الغيبة، ذهبت إلى الجزع فرأيت مصابه أكبر، ودعوت بالصبر فولى وأدبر، واستنجدت الدمع فنضب، واستصرخت الرجاء فأنكر ما روى واقتضب، وبأي حزن يلقى عبد العزيز وقد جل فقده، اويطفأ لاعجه وقد عظم وقده، اللهم لوبكى بندى أياديه، أوبغمائم غواديه، أوبعباب واديه، وهي الأيام أي شامخ لم تهده، أوجديد لم تبله وإن طالت المدة فرقت بين التيجان والمفارق، والخدود والنمارق، والطلى والعقود، والكأس وابنة العنقود، فما التعلل بالفان، وإنما هي إغفاءة أجفان، والتشبث بالحبائل، وغنما هوظل زائل والصبر على المصائب، ووقوع سهمها الصائب، أولى ما اعتمد طلاباً، ورجع إليه طوعاً أوغلاباً، فأنا يا سيدي أقيم رسم التعزية، وإن بؤت بمضاعف المرزية، ولا عتب على القدر، في الورد من الأمر والصدر، ولولا أن هذا الواقع مما لا

يجدي فيه الخلصان، ولا يغني فيه اليراع ولا الخرصان، لأبلى جهده من أقرضتموه معروفاً، وكان بالتشيع إلى تلك الهضبة معروفاً، لكنها سوق لا ينفق فيها إلا سلعة التسليم، للحكيم العليم، وطي الجوانح على المضض الأليم، ولعمري لقد خلدت لهذا الفقيد وإن طمس الحمام محاسنه الوضاحة، لما كبس منه الساحة، صحفاً منشرة، وثغوراً بالحمد موشرة، يفخر بها بنوه، ويستكثر بها مكتسبوالحمد ومقتنوه، وأنتم عماد البازة، وعلم المفازة، وقطب المدار، وعامر الدار، وأسد الأجمة، وبطل الكتيبة الملجمة، وكافل البيت، والستر على الحي والميت، ومثلك لا يهدي إلى نهج لاحب، ولا ترشده نار الحباحب، ولا ينبه على سنن نبي كريم أوصاحب، قدرك أعلى، وفضلك أجلى، وأنت صدر الزمان بلا مدافع، وخير معل لأعلام أفضل ورافع، وأنا وإن أخرت فرض بيعتك لما خصتني من المصاب، ونالني من الأوصاب، ونزل بي من جور الزمان الغصاب، ممن يقبل عذره الكرم، ويسعه الحرم المحترم، والله سبحانه الكفيل لسيدي وعمادي بقاء يكفل به الأبناء وأبناء الأبناء، ويعلي لقومه رتب العز سامية البناء، حتى لا يوحش مكان فقيد مع وجوده، ولا يحس بعض زمان مع جوده، ويقر عينه في ولده وولد ولده، ويجعل أيدي مناويه تحت يده، ولاسلام.

وخاطبه لسان الدين أيضاً بما نصه:

سيدي الذي هورجل المغرب كله، والمجمع على طهارة بيته وزكاء أصله، علم أهل المجد والدين، وبقية كبار الموحدين.

بعد السلام الذي يجب لتلك اجلالة الراسخة القواعد، السامية المصاعد، والدعاء له أن يفتح لك في مضيقات هذه الأحوال مسالك التوفيق، ويمسكك من عصمته بالسبب الوثيق، أعرفك أن جبلك اليوم وقد عظم الرجفان، وفاض التنور وطغى الطوفان، تؤمل النفوس الغرقى جودي جوده، وتغتبط غاية

الاغتباط بوجوده. ووالله لولا العلائق التي يجب لها الالتزام، ما وقع على غير قصدك الاعتزام، والله تعالى يمدك بإعانته على تحمل القصاد، ويبقي محلك رفيع العماد كثير الرماد، ويجعل أبا يحيى خلفاً منك بعد عمر النهاية البعيد الآماد، ويبقي كلمة التوحيد فيكم إلى يوم التناد. وحامله القائد الكذا معروف النباهة والجهاد، ومحله لا ينكر في الفؤاد، لما اشتبهت السبل، والتبس القول والعمل، لم يجد أنجى من الركون إلى جنابك، والتمسك بأسبابك، والانتظام في جملة خواصك وأحبابك، حتى ينبلج الصبح، ويظهر النجح، ويعظم المنح، ويكون بعد هجرته الفتح، ومثلكم من قصد وأمل، وأنضي إليه المطي وأعمل، وأما الذي عندي من القيام بحق تلك الذات الشريفة، والقول بمناقبها المنيفة، فهوشيء لا تفي به العبارة، ولا تؤديه الألفاظ المستعارة، والله تعالى المسؤول في صلة عوسيدي ودوام سعده، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى.

وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: ومما خاطبت به شيخ الدولة - وقد استقل من رمض - ما نصه:

لا أعدم الله دار الملك منك سناًيجلي به الحالكان الظلم والظلم
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لا أعدم الله دار الملك منك سنا»

وأنشدتك الليالي وهي صادقة ... " المجد عوفي إذ عوفيت والكرم " من علم - أعلى الله تعالى قدرك - أن المجد جواد حلاك شياته، لا بل الملك بدر أنت آياته، لا بل الإسلام جسم أنت حياته، دعا منك بالبقاء لمجد يروق بك جبينه، وملك تنيره وتزينه، ولدين تعامل الله تعالى بإعزازه وتدينه، فلقد ألمت نفوس المؤمنين لآلامك، ووجم الإسلام لتوقع إسلامك، وخفقت الأعلام لتأخر إطرافك بمصالح الملك وإعلامك، فإنما أنامل الدين والدنيا متشبثة بأذيال أيامك، ورحال الأمل مخيمة بين حلالك وخيامك،

فإذا قابلت الأشراف نعم الله تعالى بشكر، ورمت الغفلة عن ذلك بنكر، فاشكره جل وعلا بملء لسانك وجنانك، واجر في ميدان حمده مطلقاً من عنانك، على ما طوقك من استرقاق حر، وإفاضة أياد غر، واقتناء عسجد من الحمد ودر، وإتاحة نفع ودفع ضر، وإدالة حلومن مر، وكن على ثقة من مدافعة الله تعالى عن حماك، وعز تبلغ ذوائبه السماك، ورزق يجره فأل منتماك، ودونك مجلس الإمامة فقد تدبيره بزمامك، وحظوة الخلافة فاستحقها بوسائلك القديمة وذمامك، ومحاسن الدولة فاجلها على منصة إمامك، ورسوم البر فأغر بها عين اهتمامك، وذروة المنبر فأمض بها ظبة حسامك، وأجن الآملين زهر الأيادي البيض من كمائم أكمامك، فيا عز دولة بك - يا جملة الكمال - قد استظهرت، وأذلت المعاند وقهرت، وبإعمال آرائك اشتهرت، فراقت فضائلها وبهرت: جوالة كما شق الجوجارح، ولطافة كما طارح نم التأليف مطارح، وفكر في الغيب سارح، ودين لغوامض الحلم والعدل شارح، ومكارم محت آثار الكرماء ونسخت، وحلت عقود أخبار الأجواد في الأعصار وفسخت، فلم تدع لفضل الفضل ذكراً، وتركت معروف يحيى بن خالد نكراً، لا بل لم يبق لكعب، من علوكعب، وأنست دعوة حاتم، بأي ماح وخاتم، قصاره شيء حوار، ومنع حوار، وعقر ناب، عند اقشعرار جناب، وأين يقع من كبر قدر ترفع عن الكبر، وجود خضب الأيدي بحناء التبر، وعز استخدم الأسل الطوال بيراع أقل من الشيبر، وحقن الدماء المراقة بإراقة نجيع الحبر، وفك العقال، ورفع النوب الثقال، وراع الذرة والمثقال، وعثر الزمان فأقال، ووجد لسان الصدق فقال.

أقسم ببارئ النسم، وهوأبر القسم، ما فازت بمثلك الدول، ولا ظفرت بمثلك الملوك الأواخر والأول، ولوتقدمت لم يضرب إلا بك المثل، ولم يقع إلا على سنتك وكتابك والإجماع المنعقد على آدابك العمل، والمملوك لما شام مالكه برق العافية، وتدرع بالألطاف الخافية، كتب مبشراً بالهناء، ومذيعاً

ما يجب من الحمد والثناء، وشاكراً ما له بوجوده من الاعتناء، فقد بادر ركن الدين بالبناء، وأبقى الستر والمنة على الآباء والأبناء، فنسأل الله تعالى أن يمتع منك بأثير الملوك، ووسطى السلوك، وسلالة أرباب المقامات والسلوك، ويبقيك وحصة الصحة وافرة، وغرة العزة القعساء سافرة، وغادة عادة السعادة غير نافرة، وكتيبة الأمل في مقامك السعيد غانمة ظافرة، ما زحفت للصباح شهب المواكب، وتفتحت بشط نهر المجرة أزهار الكواكب، والسلام انتهى.

ومن ذلك ما خاطب به سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق، جواباً عن كتابه، وقد استقر خطيب السلطان بتونس:

ولما أن نأت منكم دياروحال البعد بينكم وبيني
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ولما أن نأت منكم ديار»

بعثت لكم سواداً في بياض ... لأنظركم بشيء مثل عيني بم أفاتحك يا سيدي، وأجل عددي كيف أهدي سلاماً، فلا أحذر ملاماً أوأنتخب لك كلاماً، فلا أجد لتبعة التقصير في حقك الكبير إيلاماً إن قلت: تحية كسرى في الثناء وتبع، فكلمة في مرتع العجمة تربع، ولها المصيف فيه والمربع، والجميم والمنبع، فتروى متى شاءت وتشبع، وإن قلت: إذا العارض خطر، ومهما همى أو قطر، سلام الله يا مطر، فهوفي الشريعة بطر، وركبة خطر، ولا يرعى به وطن ولا يقضي به وطر، وإنما العرق الأوشج، ولا يستوي البان والبنفسج، والغوسج والعرفج:

سلام وتسليم وروح ورحمةعليك وممدود من الظل سجسج

وما كان فضلك ليمنعني الكفران أن أشكره، ولا لينسيني الشيطان أن أذكره، فاتخذ في البحر سبباً، أوأسلك غير الوفاء مذهباً، تأبى ذلك - والمنة لله تعالى - طباع، لها في مجال الرعي باع، وتحقيق وإشباع، وسوائم من الإنصاف، ترعى في رياض الاعتراف، فلا يطرقها ارتياع، ولا تخيفها سباع، وكيف نجحد تلك الحقوق وهي شمس ظهيرة، وأذان عقيرة جهيرة، فوق مئذنة شهيرة، آدت الاكتاد لها ديون تستغرق الذمم، وتسترق حتى الذمم، فإن قضيت في الحياة فهي الخطة التي نرتضيها، ولا نقنع من عامل الدهر المساعد إلا أن ينفذ مراسمها ويمضيها، وإن قطع الأجل فالغني الحميد - من خزائنه التي لا تبيد - يقضيها، ويرضي من يقتضيها. وحيا الله تعالى أيها العلم السامي الجلال، زمناً بمعرفتك المبرة على الآمال، بر وأتحف، وإن أساء بفراقك وأجحف، وأعرى بعدما ألحف، وأظفر بالتيمة المذخورة للشدائد والمزاين، ثم أوحش منها أصونة هذه الخزاين، فآب حنين الأمل بخفيه، وأصبح المغرب غريباً يقلب كفيه، ونستغفر الله تعالى من هذه الغفلات، ونستهديه دليلاً في مثل هذه الفلوات، وأي ذنب في الفراق للزمن، أولغراب الدمن، أوللرواحل المدلجة ما بين الشام إلى اليمن، وما منها إلاعبد مقهور، وفي رمة القدر مبهور، عقد والحمد لله مشهور، وحجة لها على النفس اللوامة ظهور، جعلنا الله تعالى ممن ذكر المسبب في الأسباب، وتذكر " وما يذكر إلا أولوالألباب " البقرة:، آل عمران: قبل غلق الرهن وسد الباب، وبالجملة فالفراق ذاتي، ووعده مأتي، فإن لم يكن فكأن قد، ما أقرب اليوم من الغد، والمرء في الوجود غريب، وكل آت قريب، وما من مقام إلا لزيال، من غير احتيال، والأعمار مراحل والأيام أميال:

نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال جعل الله تعالى الأدب مع الحق شانا، وأبعد عنا الفراق الذي شاننا، وإني لأسر لسيدي بأن رعى اله تعالى صالح سلفه، وتداركه بالتلافي في تلفه، وخلص سعادته من كلفه، وأحله من الأمن في كنفه، وعلى قدرها تصاب العلياء، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء.

" هذا والخير والشر في هذه الدار، المؤسسة على الأكدار، ظلان مضمحلان، فقد ارتفع، ما ضر أونفع، وفارق المكان، فكأنه ما كان، ومن كلمات الملوك، البعيدة عن السلوك، إلا أن يشاء ملك الملوك:

خذ من زمانك ما تيسروارتك بجهدك ما تعسر
ولرب مجمل حالةترضى به ما لم يفسر
والدهر ليس بدائملا بد أن سيسوء إن سر
واكتم حديثك جاهداًشمت المحدث أوتحسر
والناس آنية الزجاج إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى فمنعدم التفقى في الناس أعسر

وإذا امرؤ خسر الإل ... هـ فليس خلق منه أخسر وإن لله تعالى في رعيك لسراً، ولطفاً مستمراً مستقراً، إذ ألقاك اليم إلى الساحل، فأخذ بيدك من ورطة الواحل، وحرك منك عزيمة الراحل، إلى الملك الحلاحل، فأدلك من إبراهيمك سمياً، وعرفك بعد الولي وسمياً، ونقلك من عناية إلى عناية، وهوالذي يقول وقوله الحق ﴿ما ننسخ من آية - الآية﴾ (البقرة:).

" وقد وصل كتاب سيدي يحمد - والحمد لله - العواقب، ويصف المراقي التي حلها والمراقب، وينشر المفاخر الحفصية والمناقب، ويذكر ما هيأه الله تعالى لديها من إقبال، ورخاء بال، خصيصي اشتمال، ونشوة آمال، وأنه اغتبط وارتبط، وألقى العصا بعدما خبط، ومثل تلك الخلافة العلية من تزن الذوات المخصوصة من الله تعالى بتشريف الأدوات بميزان تمييزها، وتفرق بين شبه المعادن وإبريزها، و " شبه الشيء " مثل معروف، ولقد أخطأ من قال: الناس ظروف، إنما هم شجرات ريع في بقعة ماحلة، وإبل مائة لا تجد فيها راحلة، وما هوإلا اتفاق، ونجح للمسلك وإخفاق، وقلما كذب إجماع وإصفاق، والجليس الصالح لرب سياسة أمل مطلوب، وحظ إليه مجلوب، وإن سئل أطرف، وعمر الوقت ببضاعة أشرف، وسرق الطباع، ومد في الحسنات الباع، وسلى في الخطوب، وأضحك في اليوم القطوب، وهدى إلى أقوم الطرق، وأعان على نوائب الحق، وزرع له المودة في قلوب الخلق، زاد الله تعالى سيدي لديها قرباً أثيراً، وجعل فيه للجميع خيراً كثيراً، بفضله وكرمه.

ولعلمي بأنه - أبقاه الله تعالى - يقبل نصحي، ولا يرتاب في صدق صبحي، أغبطه بمثواه، وانشده ما حضر من البديهة في مسارة هداه ونجواه:

بمقام إبراهيم عذ واصرف بهفكراً تؤرق عن بواعث تنبري
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بمقام إبراهيم عذ واصرف به»
فجواره حرم وأنت حمامةورقاء والأغصان هود المنبر
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «بمقام إبراهيم عذ واصرف به»

فلقد أمنت من الزمان وريبه ... وهو المروع للمسيء وللبري " وإن تشوف سيدي فلعمر وليه لوكان المطوب دنيا لوجب وقوع الاجتزاء،

ولاغتبط بما تحصل في هذه الجزور، المبيعة في حانوت الزور، من السهام الوافرة الأجزاء، فالسلطان - رعاه الله تعالى - يوجب ما فوق مزية التعليم، والولد - هداهم الله تعالى - قد أخذوا بحظ قل أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم، وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوها بالعذاب الأليم، إلا من أبدى السلامة وهومن إبطان الحسد بحال السليم، ولا ينكر ذلك في الحديث ولا في القديم، ولكن النفس منصرفة عن هذا الغرض، نافضة يدها من العرض، قد فوتت الحاصل، ووصلت في الله تعالى القاطع وقطعت الواصل، وصدقت لما نصح الفود الناصل، وتأهبت للقاء الحمام الواصل، وقلت:

انظر خضاب الشباب قد نصلاوزائر الأنس بعده انفصلا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «انظر خضاب الشباب قد نصلا»
ومطلبي والذي كلفت بهحاولت تحصيله فما حصلا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «انظر خضاب الشباب قد نصلا»

لا أمل مسعف ولا عمل ... ونحن في ذا والموت قد وصلا والوقت إلى الإمداد منكم بالدعاء في الأصائل والأسحار، إلى مقيل العثار، شديد الافتقار، والله ﷿ يصل لسيدي رعي جوانبه، ويتولى تيسير آماله من فضله العميم ومآرب، وأقرأ عليه من التحيات، المحملة من فوق رحال الأريحيات، أزكاها، ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها، وحسد الروض جمال النجوم الزواهر فقاسها بمباسم الأزهار وحكاها، واضطبن هرم الليل عند الميل عصا الجوزاء وتوكاها، ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى.

ومما خاطب به لسان الدين - رحمه الله تعالى - ابن مرزوق المذكور قوله:

سيدي، وعمادي، كشف قناع النصيحة من وظائف صديق، أوخديم لصيق، وأنا بكلتا الجهتين حقيق، ويتلجلج في صدري كلام أنا إلى نفثه ذواحتياج، ولوفي سبيل هياج، وخرق سياج، وخوض دياج، وقد أصبحت سعادتي عن أصل سعادتك فرعاً، فوجب النصح طبعاً وشرعاً، فليعلم سيدي أن الجاه ورطة، والاستغراق في تيار الدول غلطة، وبمقدار العلو - إلا أن يقي الله تعالى - تكون السقطة، وأنه - والله تعالى يعصمه من الحوادث، ويقيه من الخطوب الكوارث - وإن تبعه الجم فهومفرد، وبسهام الحسدة مقصد، وأن الذي يقبل يده، يضمر حسده، وما من يوم إلا والعلل تستشري، والحيل تريش وتبري، وسموم المكايد تسري، والعين الساهرة تطرق العين النائمة من حيث تدري ولا تدري، وهذا الباب الكريم مخصوص بالزيادة والبركة، وخصوصاً في مثل هذه الحركة، فثم ظواهر تخالف السرائر، وحيل تصيب في الجوالطائر، وما عسى أن يتحفظ المحسود، وقد عوت الكلاب وزأرت الأسود، وإن ظن سيدي أن الخطة الدينية تذب عن نفسها، أوتنفع مع غير جنسها، فذلك قياس غير صحيح، وهبوب الريح، وإنما هي درجة فوق الوزارة والحجابة، ودهر يدعى فيبادر بالإجابة، وجاه يجر على القبيل الأذيال، ويفيد العز والمال، وبحر هال، وصدور تحمل الجبال، وإن قطع بالأمان، من جهة السلطان، لم يؤمن أن يقع فيه، والله سبحانه يقيه، ويمتع به ويبقيه، ما البشر بصدده، والحي يجري إلى أمده، فيستظهر الغير بقبيل، ويجري من التغلب على سبيل، ويبقى سيدي - والله تعالى يعصمه - طائراً بلا جناح، ومحارباً دون سلاح، ينادي من مكان يثق بوده في طلل، ويقرع سن النادم والأمر جلل، ومثله بين غير صنفه - ممن لا يتصف بظرف، ولا يلتفت إلى الإنسانية بطرف، ولا يعبد الله تعالى ولوعلى حرف - محمول عليه من حيث الصنفية، معتمد بالعداوة الخفية، وإن ظن غير هذا فهومخدوع مسحور، ومفتون مغرور، وبالفكر في الخلاص تفاضلت النفوس، واستدفع البوس، وله وجوه كلها متعذر

الحصول، دونه بيض النصول، إلا ما كان من الغرض الذي بان فيه بعد الجد الفتور، وعدل عنه وقد أخذ الدستور، وتيسرت الأمور، وتقررت الإيمان والنذور، فإنه عرض قريب وسفر قاصد، ومسعى لا ينفق فيه سيدي من ماتله درهم واحد، ووطن لحركته راصد، لا يمنع عليه أهله، ولا يستصعب سهله، وأميره جبره الله تعالى يتطارح في تعيينكم لاقتضائه، وإحكام آرائه، وتأمين خائفه، واستقدام أصنافه وطوائفه، وتتحركون حركة العز والتنويه، والقدر النبيه، لا يعوزكم ممن وراءكم مطلب، ولا يلفى عن مخالفتكم مذهب، ولا يكدر لكم مشرب.

وتمر أيام وشهور، وتظهر بطون للدهر وظهور، وتفتح أبواب، وتسبب أسباب، من رجوع يتأتى بعد السكون والفتور، وقد سكنت الخواطر وتنوعت الأمور، أومقام تمهد به البلاد، ويعمل في ترتيب الصلة الحسنة الاجتهاد، وتستغرق في هذا الغرض الآماد، ويتأتى أن حدث وتراكم حادث الاستقلال والاستبداد، تتهنأ فيه الأعمار، ويكون لمن ينتقل به على الشرق والغرب الخيار، أوالتحكم في ذخيرة سما منها المقدار، وذهل عند مشاهدتها الاعتبار، وخزانة الكتب بجملتها وفيها الأمهات الكبار، قد تجافت عنها الحاجة وعدم إليها الاضطرار، والربع الذي يسوغ بالشرع والعقار، فهذا كله حاصل، وثم ضامن لا يتهم وكافل، وعهود صبغها غير ناصل.

وبالجملة فالوطن لأغراض الملك جامع، ولمقاصده من المقام أوالانتقال مطيع وسامع، وإن توقع إثارة فتنة، أوارتكاب إحنة، فالأمر أقرب، وحاله المتيسر أغرب، وهذه الحجة في تلمسان غير معتبرة، وأجوبتها مقررة، وقدوم رسول الطاغية وإعانته تحصل في الغالب، على هذه المطالب، وبالجملة فالدنيا

قد اختلت، والأقدام قد زلت، والأموال قد قلت، وشبيبة الدهر ولت، وذلك القطر على علاته أحكم لمن يروم الجاه وامنع، وأجدى بكل اعتبار وأنفع، وقد حضرت لاستخلاصكم إياه الآلة التي لا تتأتى في كل زمان، وتهيأ إمكان أي إمكان، واقتضيت أيمان، وعرضت سلع تقل لها أثمان، وارتهنت الوفاء، ومروءات وأديان، وتحقق بذلك القطر الفساد الذي اشتهر به مأموره وأموره وأميره، والمنكر الذي يجب على كل مسلم تغييره، فإن شئت شرعاً فالحكم ظاهر، أوطبعاً فالطبع حاضر، وما ثم عاذل بل عاذر، والمؤونة التي تلزم أقل من أن تكون ثمن بعض الحصون، فضلاً عن الشجرة ذات الغصون، وما يستهلك في هذا الغرض شيء له خطر، ولا يستنقذ من الصحيفة سطر، واليد محكمة بكل أوشطر.

وما يخص المملوك من هذا الأمر إلا استنقاذ نشب، واستخلاص مؤمل بين موروث ومكتسب، وبعيد أ، لا ينعر له في زمن من الأزمان، فلا بد في كل وقت من أعيان، ومروءات وإحسان وأديان، والله سبحانه كل يوم هوفي شان، وأما خدمة دوله فهي علي حرام، لا ينجح لي فيها أن أعتمدها مرام، وكأني بالمشرق لاحق، ولأنفاسه الذكية ناشق، فما هي إلا أطماع، سرابها لماع، فإذا انقطعت، انفسحت الدنيا واتسعت، ومعاش في غمار، أوعكوف في كسر دار، لمداومة استقالة واستغفار، والله ما توهم أن من بتلك البلاد يستنسر بغاثه عليكم، أويحتقر ما لديكم، فقد ظهر الكائن، وتطابق المخبر والمعاين، فسبحان من يقوي الضعيف ويهين المخيف، ويجري يد المشروف والشريف، والهمم بيد الله تعالى ينجدها ويخذلها، والأرض في قبضته يرعاها ويهملها.

هذا بث لا يسع إفشاؤه، وسر إن لم يطوسقط به على السرحان شاؤه،

وفيه ما ينكره الآمر، وتتعلق به الظنون وتعمل الخواطر، فتدبروه واعتبروه، وبعقلكم فاسبروه، ثم غطوه بالإحراق واستروه، والله تعالى يرشدكم للتي هي أسد، ويحملكم على ما فيه لكم العز السرمد، والفخر الذي لا ينفذ والسلام " انتهى.

وقال رحمه الله تعالى: ومما صدر عني ما أجبت به عن كتاب بعث به إلي الفقيه الكاتب عن سلطان تلمسان أبي عبد الله محمد بن يوسف القيسي الثغري:

" حيا تلمسان الحيا فربوعهاصدف يجود بدره المكنون
ما شئت من فضل عميم إن سقىأروى ومن ليس بالمنون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حي تلمسان الحيا فربوعها»
أو شئت من دين إذا قدح الهدىأورى ودنيا لم تكن بالدون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حي تلمسان الحيا فربوعها»
ورد النسيم لها بنشر حديقةقد أزهرت أفنانها بفنون
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «حي تلمسان الحيا فربوعها»

وإذا حبيبة أم يحيى أنجبت ... فلها الشفوف على عيون العين ما هذا النشر، والصف والحشر، واللف والنشر، والفجر والليالي العشر، شذاً كما تنفست دارين، وسطور رقم حللها التزيين، وبيان قام على إبداعه البرهان المبين، ونقس، وشي به طرس، فجاء كأنه عيون العين، لا بل ما هذه الكتائب الكتيبة التي أطلعت علينا الأعنة، وأشرعت إلينا الأسنة، وراعت الإنس والجنة، فأقسم بالرحمن، لوأنها رفعت شعار الأمان، وحييت بتحية الإيمان، لراعت السرب، وعاقت الذود أن يرد الشرب، أظنها مدد الجهاد قدم، وشارد استعمل في سبيل الله واستخدم، والمتأخر على ما فاته ندم، والعزم وجد بعدما عدم، نستغفر الله، إنما هي رقاع الرفاع،

وصلات صلاة ليس فيها سبق ولا إرباع، وبقاع لها بطل الطباع الكريمة انتفاع، وألحان بيان يعضدها إيقاع، ودر منسوق، ورطب لنخلها بسوق، ولله در القائل: الملك سوق، ومن نصير الشخ على كتيبة تعقبها كتيبة، واقتضاء وجبيبة نم ذي غلة غير نجيبة، بينا هويكابد من مراجعة الحي من حضر موت الموت، ولا يكاد يرجع الصوت، إذ صبحته قيس وهي التي شذت عن القياس، وأجحمت عن مبارزتها أسود الأخياس، فلولا امتثال أمر، وصبر على جمر، لأعاد ما حكي في مبارزة الوصي عن عمرو، فتحرج من الخطل، وبين عذر المكره عن مناجزة البطل، ألم يدر قائد رعيلها، وزائر غيلها، أني أمت بذمة من غميده لا تخفر، وأن ذنب إضافتي له لا يغفر، وحقه الحق الذي لا يجحد ولا يكفر:

لما رأت راية القيسي زاحفةإلي ريعت وقالت لي وما العمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
قلت الوغى ليس من رأيي ولا عمليلا ناقة لي في هذا ولا حمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
قد كان ذاك ورنات الصهيل ضحىتهز عطفي كأني شارب ثمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
والآن قد صوح المرعى وقوضت الخيمات والركب بعد اللبث محتمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
قالت ألست شهاب الدين تضرمهاحاشا العلا أن يقال: استنوق الجمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
وإن أحسن من هذا وذا وزربمثله في الدواهي يبلغ الأمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
هو الحمى لأبي حمواستجره ففيهـ الأمن منسدل والفضل مكتمل
والله لوأهمل الراعي النقاد بهما خاف من أسد خفان به همل
تكون من قوم موسى إن قضوا عدلواوإن تقاعد دهر جائر حملوا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
هم الجبال الرواسي كلما حلمواهم البحار الطوامي كلما حملوا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
فقلت: كان لك الرحمن بعدي ماسواه معتمد والرأي معتمل
فها أنا تحت ظل منه يلحفنيوالشمل مني بستر العز يشتمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
فقل لقيس لقد خاب القياس فلاتذكروا المصاع وتحت الليل فاحتملوا
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»
دامت له ديم النعمى مساجلةبمناه، تنهمل اليمنى فتنهمل
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «لما رأت راية القيسي زاحفة»

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.