تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الرافلين في حلل الجلاله، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين (٦)

لقد خص نبينا ﵇ بالآيات الكبر، والدلالات الواضحة الغرر، والمقامات السامية المظهر، والكرامات المخلّدة للمفخر، فهو سيد الملإ النبوي والمعشر، وحامل لوواء الحمد في المحشر، وصاحب المقام المحمود والكوثر، والشفيع المشفّع يوم يقوم الناس لرب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وذريته المباركين، وصحابته الأكرمين، وأزواجه أمهات المؤمنين، صلاةً موصولة تتردد إلى يوم الدين، وتصعد إلى السموات العلا فتكون كتاباً في علّيّين، وسلّم تسليماً.

ومن نثره في خطبة قوله: أيّها الناس، رحمكم الله تعالى، أصيخوا

أسماعكم لمواعظ الأيام، واعتبروا بأحاديثها اعتبار أولي النهى والأحلام، وأحضروا لفهم موادّها أوعى القلوب وأصحّ الأفهام، وانظروا آثارها بأعين المستيقظين ولا تنظروا بأعين النّوام، ولا تخدعنكم هذه الدنيا الدنية بتهاويل الأباطيل وأضغاث الأحلام، ولا تنسينكم خدعها المموّهة وخيالاتها الممثلة ما خلا من مقالاتها في الأنام، فهي دار انتياب النوائب، ومصاب المصائب، وحدوث الحوادث وإلمام الآلام؛ دار صفوها أكدار، وسلمها حرب تدار، وأمنها خوف وحذار، ونظمها تفرق وانتشار، واتصالها انقطاع وانصرام، ووجودها فناء وانعدام، وبناؤها تضعضع وانهدام، ينادي كل يوم بناديها منادي الحمام، فلا قرار بهذه الغرّارة ولا مقام، ولا بقاء لساكنيها ولا دوام.

فبئست الدار داراً لا تدارى، ولا تقيل لعاثرها عثارا، ولا تقبل لمعتذر اعتذارا، ولا تقي من جورها حليفاً ولا جارا، وليس لها من عهد ولا ذمام، كم فتكت بقوم غافلين عنها نيام، كم نازلت بنوازلها من قباب وخيام، كم بدلت من سلامة بداء ومن صحة بسقام، كم رمت أغراض القلوب بمصميات السّهام، كم جردت في البرايا للمنايا من حسام، كم بددت بأكف النائبات الناهبات من عطايا جسام، كم أبادت طوارق حوادثها من شيخ وكهل وغلام. لا تبقي على أحد، ولا ترثي لوالد ولا ولد، ولا تخلد سروراً في خلد، ولا يمتد فيها لآمل أمد، بينا يقال قد وجد، إذ قيل قد فقد. بعداً لها قد طبعت على نكد وكمد، فالفرح فيها ترح، والحبرة عبرة، والضحك والابتسام، بكاء وأدمع سجام. تفرق الأحبة بعد اجتماعهم، وتسكن الوحشة مؤنس رباعهم، وتبيح بالحمام حمى الأعزّة فلا سبيل إلى امتناعهم، وتستحثّ ركائب الخلائق على اختلاف أنواعهم، إلى مصيرهم إلى الله ﷿ وارتجاعهم،

فيسيرون طوع الزمام، ويلقون مقادة التذلل والاستسلام، حتى يلجأوا بالرغام، وينزلوا بطون الرجام، ويحلّوا الوهد بعد المقام السام، فلا نناج من خطبها العظيم ولا سليم، يتساوى في حكم المنية الأغر والبهيم، والأعز والمضيم.

ولو أنّه ينجو من ذلك مجد صميم، وجدّ كريم، وحظ عظيم، ومضاء وعزيم، ومزية وتقديم، وحديث في الفضل وقديم، وشرف لسمك السّموات مُسام، وعلىً على ساق العرش المجيد ذو ارتسام، لنجا حبيب الملك العلام، وسيّد السادات الأعلام، وصفوة الصفوة الكرام، وخاتم الأنبياء ولبنة التمام، وصباح الهدى ومصباح الظلام، والأبيض المستسقى به غيث الغمام، ثمال الأرامل وعصمة الأيتام، عليه أفضل الصلاة والسلام، لكن مع قدره الجليل وفضله الجلي، أقدم الموت على جانبه العلي، وتقدم ملك الموت لقبض روحه القدسي وتغيب في الثرى جمال ذلك الوجه البهي، وتغيض ماء السّماء والندى، لملك السماحة النبويّة والندى، وأصيب المسلمون وأعظم بها مصيبة بنبيّهم العربي، الهاشمي القرشي، فيا له وللإسلام، من مصاب أسلمنا للحزن أيّ إسلام، وأسال مياه الدموع عن احتراق للضلوع واضطرام، وأرانا أن الأسى في رزية لخير البرية واجب وأن التأسي حرام.

وهل يسوغ الصبر الجميل، في فقيد بكنه الملائكة وجبريل، وكثر له في السموات السبع النحيب والعويل انقطع به عن الأرض الوحي الحكيم والتنزيل، وعظمت الرزية به أن يؤدي حقيقتها الوصف والتمثيل، غداة أقفر منه الرّبع المحيل، وأوحش من أنسه السفح والنخيل، وكان من تلك الروح الطاهرة الوداع والرحيل، وقامت البتول تندب أباها بقلب قريح وجفن دام، وتنادت الأمّة مات الرسول ففي كل بيت بكاء وانتحاب ونوح والتزام، وحارت الألباب والعقول فلا صبر هنالك لقد زلّت عن الصبر الأقدام. ولمّا نعيت إليه صلى الله عليه

وسلّم نفسه، وآن أن تأفل من تلك المطالع شمسه، آذن آمّته بالفراق وأعلمهم، وناشدهم في أخذ القصاص وكلّمهم، مخافة أن يمضي إلى الملك الحق، وعليه تباعة لأحد من الخلق، وحاشاه ﵊، من صفات جائر للأمّة ظلاّم، ولكنّه تعريف من نبي الرحمة بما يجب وإعلام، ثم استمر به صلوات الله وسلامه عليه وتمادى، وزاد به السقم المنتاب وتهادى، حتى واراه ملحده، وخلا منه ربعه ومسجده، فعمّ الحزن والاكتئاب، وتوارى النور فأظلم الجناب، وعاد الأصحاب، وكأنّما دموعهم السحاب، فقالت فاطمة وقد رابها من دفن أبيها الكريم ما راب: أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب فكأن كلامها للقلوب المفجعة كلام، وللعيون المفجرة بالدموع انسفاح وانسجام.

وفي مثل هذا الشهر شهر ربيع، المشيد بذكر الأشجان المذيع، كانت وفاة هذا النبي الهادي الشفيع، وانتقاله إلى الملإ الأعلى والرفيق الرفيع، هحين ناداه ربّه إلى قربه، فلبى بشوق قلبه تلبية المهطع المطيع، وحنّ إلى حضرة القدس فانتظم حين حل بها ما كان من شمله الصديع، وانتظر من صنع الرب جميل الصنيع، وإنجاز وعد الشفيع في الجميع، إذ أعطي لواء الحمد وقام محمود المقام، ووقف على الحوض ينادي: هلموا إليّ أروكم من العطش والأوام.

اللهم اسقنا من حوضه المورود، وشرّفنا بلوائه المعقود، وشفّعه فينا في اليوم المشهود، وارحمنا به إذا صرنا تحت أطباق اللّحود، اللهم اعجعله لنا تعزية من كل مفقود، وأوجد لنا من بركاته أشرف موجود، وجازه عنّا بما أنت أهله من فضل وإحسان وجود، وانفعنا بمحبته ومحبة آله وصحابته الرّكّع السّجود، واجعلنا معهم في الجنّة دار الخلود ودار السلام. واخصصهم عنّا بأكرم تحيّة وأفضل سلام، وصلّ عليهم صلاة تستلم أركان رضوانك أيّ استلام، وتنتظم له كرامات إحسانك أيّ انتظام.

فصلوات الله عليه، وأطيب تحياته ورحمته تتوالى لديه، وأجزل بركاته

ما تجدد في ربيع ذكر وفاته، وتمهد كهف القبول لطالبي فضله وعفاته، وتعزى به كل مصاب في مصيباته، وترجّى شفاعته كل محب فيه متبع لهداياته، وتوفرت للمصلين عليه والمسلمين على جنباته، حظوظ من برّ الله تعالى وأقسام " إنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً " الأحزاب: اللهم صلّ عليه من نبي لم يزل بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، اللهم صلّ عليه من نبي أوجبت حبه وعظّمته تعظيماً، اللهم صلّ عليه من نبي صليت عليه تجلة وتكريماً، وأمرتنا بالصلاة عليه إرشاداً وتعليماً، فلنا بأمرك اقتداء وائتمام، وبحمدك على ما هديتنا افتتاح واختتام، وكلامك يا ربّنا أشرف الكلام، ولوجهك وحده البقاء والدوام " كلّ من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام " الرحمن: " هو الحيّ لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين، والحمد لله ربّ العالمين " غافر: انتهى.

وترجمة ابن الجنان واسعة جدّاً، وكلامه في النبويات نظماً ونثراً جليل، رحمه الله تعالى.

وقال لسان الدين في الإحاطة بعد أن عرف به وأورد له الرسالة من صورته: ومحاسنه عديدة، وآماده بعيدة، ثم قال: إنّه انتقل إلى بجاية فتوفّي بها في عشر الخمسين وستمائة؛ انتهى.

وقال صاحب عنوان الدراية في حق ابن الجنّان المذكور ما ملخصه: الفقيه الخطيب، الكاتب البارع الأديب، أبو عبد الله ابن الجنان، من أهل الرواية والدراية والحفظ والإتقان، وجودة الخط وحسن الضبط، وهو في الكتابة من نظراء الفاضل أبي المطرف ابن عميرة المخزومي، وكثيراً ما كانا يتراسلان بما يعجز عنه الكثير من الفصحاء، ولا يصل إليه إلا القليل من البلغاء، ونثره ونظمه

كلّه حسن، ونظمه غزير، وأدبه كثير، ومن ذلك قصيدته الدالية التي مطلعها:

يا حادي الركب قف بالله يا حاديوارحم صبابة ذي نأي وإبعاد وله أيضاً:
ترك النزاهة عندناأدى إلى وصف النزاهه
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «ترك النزاهة عندنا»
ما ذاك إلا أنّهاتدعو الوقور إلى الفكاهه
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «ترك النزاهة عندنا»
وإذا امرؤ نبذ الوقار فقد تلبّس بالسفاهه
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «ترك النزاهة عندنا»

[مخمسات من المدائح النبوية]

ومن بديع نظم ابن الجنان رحمه الله تعالى هذا التخميس في مدح سيد الوجود، ﷺ، وشرف وكرم:

الله زاد محمداً تكريماوحباه فضلاً من لدنه عظيما ... واختصّه في المرسلين كريما

ذا رأفة بالمؤمنين رحيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما جلّت معاني الهاشميّ المرسل ... وتجلّت الأنوار منه لمجتلي ... وسما به قدر الفخار المعتلي ...

فاحتلّ في أفق السّماء مقيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
حاز المحامد والممادح أحمدوزكت مناسبه وطاب المحتد ... وتأثلت علياؤه السؤدد

مجداً صميماً حادثاً وقديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما شمس الهداية، بدرها الملتاح ... قطب الجلالة، نورها الوضّاح ... غيث السماحة للندى يرتاح ...

يروي بكوثره الظماء الهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما تاج النبوّة، خاتم الأنباء ... صفو الصريح، خلاصة العلياء ... نجل الذبيح، سلالة العلماء ...

بشرى المسيح، دعاء إبراهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فخر لآدم قد تقادم عصره ... من قبل أن يدريى ويجرى ذكره ... سرّ طواه الطين فهّم نشره ...

معنى السجود لآدم تفهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما لله فضل المصطفى المختار ... ما إن له في المكرمات مجاري ... ولا مبارٍ باختصاص الباري ...

بالحقّ قدّم مجده تقديماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
أوصاف سيّدنا النبيّ الهاديما نالها أحد من الأمجاد ... فالرسل في هدي وفي إرشاد

قد سلّموا لنبيّنا تسليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما آياته بهرت سنا وسناء ... وأفادت القمرين منه ضياء ... وعلت بأعلام الظهور لواء ...

فهدى به الله الصراط قويما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما دنت النجوم الزّهر يوم ولادته ... ورأت حليمة آيةً لسيادته ... وتحدثت سعد بذكر سعادته ...

فتفاءلوا نعم اليتيم يتيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما لمّا ترعرع جاءه الملكان ... بالطست فيها حكمة الرحمن ... فاستخرجا القلب العظيم الشان ...

منه وطهّر ثمّ عاد سليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما كرمت مناشي أحمد خير الورى ... وجرى له القلم العليّ بما جرى ... ما كان ذلكم حديثاً يفترى ...

لكنّه الحقّ الجليّ رسوماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
ما زال برهان النبيّ يلوحيغدو به الإعجاز ثمّ يروح ... حتى أتاه بعد ذاك الروح

يوحي له وحي الإله حكيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما شهدت له بمزية التفضيل ... سور وآيات من التّنزيل ... وصلاة خالقه أدلّ دليل ...

فافهمه واسمع قوله تعظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما إنّ الرسول المعتلي المقدار ... لمؤيدٌ من ربّه القهّار ... بالمعجزات جلت عمى الأبصار ...

وشفت من ادواء الضلال سقيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما كم شاهد لمحمّد بنبوّته ... في أيد تأييد الإله وقوّته ... فبذاك أعلى الله دعوة حجّته ...

فمضت حساماً صارماً وعزيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما البدر شقّ له ليظهر صدقه ... والشمس قد وقفت تعظّم حقّه ... والمزن أرسل إذ توسّل ودقه ...

فاخضرّ ما قد كان قبل هشيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
للشاعر ابن الجنان، اقرأ القصيدة
والماء بين بنانه قد سالاعذباً معيناً سائغاً سلسالا ... كنداه يمنح رفده من سالا

وينيل راجيه النوال جسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما بركاته أربت على التعداد ... كم أطعمت من حاضرين وبادي ... من قصعة أو حثية من زاد ...

رزقاً كريماً للجيوسش عميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما سجد البعير له سجود تذلل ... وشكا إليه بحرقة وتململ ... والشاة قال ذراعها: لا تأكل ...

منّي فإنّي قد ملئت سموما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما والغصن جاء إليه يمشي مسرعا ... والصغر أفصح بالتحيّة مسمعا ... والظبية العجماء فيها شفّعا ...

والضبّ كلّم أحمداً تكليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما والجذع حنّ له حنين الوال ... يبدي الذي يخفيه من بلباله ... أفلا يحنّ متيّم بجماله ...

يشتاق وجهاً للنبيّ وسيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
ما بالنا نسلو وحبّ حبيبنايقضي ببثّ غرامنا ونحيبنا ... لو صح في الإخلاص عقد قلوبنا

لم ننس عهداً للرسول كريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أين الدموع نفيضها هتّانا ... أين الضلوع نقضّها أشجانا ... حتى نقيم على الأسى برهانا ...

لمتمم إرشادنا تتميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أوليس هادينا إلى سبل الهدى ... أوليس منقذنا من اشراك الردى ... أوليس أكرم من تعمّم وارتدى ...

أولم يكن أزكى البريّة خيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ذاك الشفيع مقامه محمود ... ولواؤه بيد العلا معقود ... فإذا توافت للحساب وفود ...

قالوا: تقدّم بالأنام زعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فيقوم بالباب العليّ ويسجد ... ويقول: يا مولاي آن الموعد ... فيجاب: قل يسمع إليك محمد ...

ونريك منّا نضرةً ونعيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
للشاعر ابن الجنان، اقرأ القصيدة
أعظم بعزّ محمّد وبجاههأكرم به متوسلاً لإلهه ... شربت كرام الرّسل فضل مياهه

فغدت تعظّم حقّه تعظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا سامعي أخباره ومفاخره ... ومطالعي آثاره ومآثره ... ومؤملي وافي الثواب ووافره ...

إن شئتم فوزاً بذاك عظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما قلت: وكثيراً ما كنت أنشد هذه القصيدة بالمغرب في مجالس التدريس، وأضيف إليها قبلها أخرى لبعض أهل المغرب الذين لهم في منازل الأمداح النبوية مقيل وتعريس، وهي قصيدة ميلادية كأنّما لم ينظمها مؤلفها إلاّ مقدّمة لهذه القصيدة الفريدة، وهي:

اسمع حديثاً قد تضمّن شرحهروضاً من الإيناس أينع دوحه
للشاعر ابن الصباغ الجذامي، اقرأ القصيدة
فيه الشفاء لمن تكاثر برحهوافى ربيع قد تعطّر نفحه أذكى من المسك الفتيق نسيما
شهر حوى بوجود أحمد أسعدابالمصطفى بين الشّهور تفرّدا
يا ما أجلّ سنا علاه وأمجدالولادة المختار أحمد قد غدا يزهو به فخراً تراه عظيما
يا من بأدمع مقلتيه يغتذيكم ذا تنادي حسرة: من منقذي
وتقول للزفرات: هل من منفذبشرى بشهر فيه مولده الذي سر الزمان علوّه تعظيما
يا ليلة رفعت بأحمد حجبهالمّا دنا بعد التباعد قربها
وتطلعت للسعد فينا شهبهاضاءت لها شرق البلاد وغربها وتأنّقت أرجاؤها تنعيما
أسدى إليك الدهر حسن صنيعهوحباك من غضّ الجنى ببديعه
وافى هلال محمد بربيعهفاعتزّ أمر الله عند طلوعه وغدا به دين الإله قويما
نظم الزمان بجيد عمرك درّهفاشكر مآثره وواصل برّه
وافاك بالسرّ المصون فسرّهواعرف لهذا الشهر حقّاً قدره فلقد غدا بين الشهور كريما
يا صاح جاءت بالأماني أسعدوأطلّ بالبشرى الكريمة مولد
للشاعر ابن الصباغ الجذامي، اقرأ القصيدة

هذا ربيع فيه أنجز موعد ... شهر كريم جاء فيه محمد صلّوا عليه وسلّموا تسليما ... ثم قلت أنا عند ختم درس " الشفا "، موطّئاً لقصيدة ابن الجنان المذكور ولعذب براعتها مرتشفا، ما نصه والأعمال بالنيات:

انشق أزاهر عن فنون رياضللعلم واكرع من عذاب حياض
واسق الرياض بذكره الفيّاضواحفظ كلاماً للإمام عياض قد تممت أقسامه تتميما
لله روض منه أينع دوحهيجنى به من الكريم ومنحه
فهو الشفاء لمن تكاثر برحهمسك الختام به تعطر نفحه فشذاه في الأرجاء صار شميما
فاضت علينا من هداه عوارفزهر وأنوار وظلّ وارف
ونمارق مصفوفة ومطارفيا حسن ما أبداه فذّ عارف درّاً بأسلاك الحديث نظيما
لم لا وبالملك الشّفيع تشرّفاخير البريّة ركن أرباب الصفا

من أسعد الراجي وقصداً أسعفا ... طه النبيّ الهاشمي المصطفى صلّوا عليه وسلّموا تسليما ... وقد رأيت بعد وصولي إلى هذا الموضع من هذا الكتاب أن أذكر قصدية ابن الجنان المذكور في رويّ تلك القصيدة غير مخمسة مستقلة بنفسها، وهي قوله رحمه تعالى:

صلّوا على خير البريّة خيماوأجلّ من حاز الفخار
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
صلوا على من شرّفت بوجودهأرجاء مكّة زمزماً وحطيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
صلوا على أعلى قريش منزلاًبذراه خيّمت العلا تخييما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
صلوا على نور تجلّى صبحهفجلا ظلاماً للضلال بهيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
صلّوا على هاد أرانا هديهنهجاً من الدين الحنيف قويما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
صلّوا على هذا النبيّ فإنّهمن لم يزل بالمؤمنين رحيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
صلّوا على الزاكي الكريم محمدما مثله في المرسلين كريما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
ذاك الذي حاز المكارم فاغتدتقد نظّمت في سلكه تنظيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
من كان أشجع من أسامة في الوغىولدى الندى يحكي الحيا تجسيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
طلق المحيّا ذو حياء زانهوسط النّديّ وزاده تعظيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
حكمت له بالفضل كلّ حكيمةفي الوحي جاء بها الكتاب حكيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
وبدت شواهد صدقه قد قسّمتبدر الدّجى لقسيمه تقسيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
والشمس قد وقفت له لمّا رأتوجهاً وسيماً للنبي وسيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
كم آية نطقت تصدّق أحمداحتى الجماد أجابه تكليما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
والجذع حنّ حنين صبّ مغرمأضحى للوعات الفراق غريما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
جلّت مناقب خاتم الرّسل الذيبالنّور ختّم والهدى تختيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
وسمت به فوق السماء مراتببمقام صدق عزّ فيه مقيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
فله لواء الحمد غير مدافعوله الشفاعة إذ يكون كليما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
نرجوه في يوم الحساب، وإنّمانرجو لموقفه العظيم عظيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
ما إن لنا إلاّ وسيلة حبّهوتحية تذكو شذاً وشميما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»
ولخير ما أهدى امرؤ لنبيّهأرج الصلاة مع السلام جسيما
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «صلوا على خير البريةِ خيما»

يا أيّها الراجون منه شفاعةً ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وهذه قصيدة بديعة مخمسة من كلام الشيخ الأستاذ أي العلاء إدريس بن موسى القرطبي في مدح رسول الله ﷺ، وقف عليها أبو عبد الله ابن الجنان المذكور وقرّظها بما سنذكره بعدها قريباً، وهي:

أهلاً بكم يا أهل هذا الناديأهل اعتقاد الوعد والميعاد
أهدوا الصلاة إلى النبي الهاديوصلوا السلام له مع الآياد يندى نسيماً مذكراً تسنيما
هو أول الشفعاء يوم المحشروسواه بين تقدّم وتأخّر
بهت الحضور لهول ذاك المحضروالكلّ في الخطب العميم الأكبر قد هيّمت ألبابهم تهييما
ذاك المقام الأشهر المحمودهو للنبيّ محمّد موعود
فيه الشفاعة ذخرها موجوددرك المراد وحوضه المورود فضل الكليم به وإبراهيما
عيسى وموسى والخليل مروّعمن هول مطّلع هنالك يفظع
فيقال أحمد قل فإنك تسمعفيقوم يحمد ربّه فيشفّع فضلاً من الرب العظيم عظيما
يا أمّة المختار أنتم أمّهوالهول قد عمّ البسيطة يمه
والأنبياء سواه كلّ همّهتخليص مهجته وليس يهمّه من كان في الدنيا عليه كريما
صلى الإله على الذي صلى عليهعشراً بواحدة يزكّيها لديه
وأراه في الدارين قرّة ناظريهيا قاصدين إلى وصولكم إليه راجين من أرج القبول نسيما
لولا وصيّة صاحب التنزيلأن لا يقال له غلوّ القيل
قول الغلاة لصاحب الإنجيللغلوت في التعظيم والتبجيل عظم المكانة يوجب التعظيما
طوبى لقلب قد تلالا إذ صفابالسرّ منه قد تثبت إذ هفا
خطّت به آيات حبّ المصطفىفغدا لصاحبه بذلك مصحفا يهدي إلى نهج النّجاة قويما
فاقت عللا ذكراه إذ راقت حلىملأ النبوّة أمهم حين اعتلى
في ليلة الإسراء أعلى معتلىكتب الإله له التقدم في العلا وعليهم التفويض والتسليما
وكذاك يسلم في الشفاعة كلّهمومحلّهم عند الإله محلهم
ظلّ النبيّ محمد هو ظلهميمشون تحت لوائه فيدلهم يندى عليهم بهجة ونعيما
أوصافه من كل حسن أبهجالعرف ينفح والسنا يتبلّج
فتأرج الأرجاء منه وتبهجفاق الزواهر نورها يتوهّج والزهر نفّاح النسيم وسيما
طلق المحيّا منهل للنائلأنحى على الدنيا بزهد كامل
هو مثّل الدنيا بظلّ زائللم ترضه حال النّعيم الحائل ما حاول الترفيه والتنعيما
ما ورّث المختار مال مؤمّلإلا جواهر في الكتاب المنزل
أشهى لقلب الناظر المتأمّلوأقرّ إعجاباً لعين المجتلي من كلّ قيمة مقتضٍ تقويما
وفّقت يا من لم يخالف نصّهحزت الكمال وليس تخشى نقصه
نهج الهدى قول النبيّ اقتصّهبالوحي شرّفه الإله وخصّه شرفاً على شرف السناء صميما
سبحان موحٍ لا يحدّ له الكلاممن قال ذات كلام خلاق الأنام
خلقٌ فذلك آثم كلّ الأثامذاك الذي في الدين ليس له ذمام إلا ذمام لا يزال ذميما
ضلّ الذي يبغي الهدى ممّا سواهوهوى به في كلّ مهواة هواه
من فارق الفاروق قد تبّت يداهحيران لم يهد السبيل إلى هداه لا يعرف التحليل والتحريما
بالمدح مجد المصطفى يمّمتهمن حلي أوصاف له نظمته
لم أبلغ المعشار إذ أحكمتهبعضاً نسيت وبعضه ألهمته قلّدته جيد الزمان نظيما
لو فزت بالإحسان من حسّانوسحبت أذيالي على سحبان
أو أيدتني لسن كلّ زمانمن كلّ ذي زعم عظيم الشان ما كنت بالمعشار منه زعيما
إدريس حفّتك الحقوق حفوفاهلاّ خففت إلى الرسول خفوفا
وقريت بالعزم الهموم ضيوفاوشدوت أن هال الزمان صروفا مهلاً كفاك معلّمي التعليما
ثقة بفضل الواحد القهّارملك الملوك مصرّف الأعصار
جعل النبي مكرم الآثاروأمدّه بالنصر والأنصار وأتمّ نعمته له تتميما
هل أجلون بصري بكحل سناهيا سعد من كحلت به عيناه

ظفرت يداه، وساعدته مناه ... لله ذاك الأفق ما أسناه كرم المحلّ فيقتضي التكريما ... ونصّ تقريظ ابن الجنان على هذه القصيدة هو قوله:

ما زال كلّ حليفلله أضحى وليّا
وللعلوم خليلاًوعن سواها خليّا
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «مازال كل حليف»
يصوغ عقيان مدحٍللهاشميّ حليّا
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «مازال كل حليف»
ويوجب الحقّ فيهإيجابه الأوليّا
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «مازال كل حليف»
ويقتفي في رضاهنهجاً جليلاً جليّا
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «مازال كل حليف»
والكلّ أحظاه حظّفالفوز يلفى مليّا
للشاعر ابن الجنان، من قصيدة «مازال كل حليف»

لكنّ إدريس منهم ... حاز المكان العليّا ولا يخفاك أنّه التزم في هذه القطعة ما لا يلزم من اللام قبل الياء، رحمه الله تعالى.

ولا بأس أن نورد هنا ما حضر من التخميسات الموافقة لتخميس ابن الجنان المذكور السابق أولاً في البحر والروي والمنحى الذي لا يضل قاصده، وكيف لا وهو مدح الجناب الرفيع العظيم النبوي.

فمن ذلك قول أبي إسحاق إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الإشبيلي، فإن بعضاً ذكر أنّها من قوله لما أظهر الإسلام، وهي لا تقتضي رفع الريبة فيه والاتهام:

جعل المهيمن حبّ أحمد شيمةًوأتى به في المرسلين كريمةً ... فغدا هواه على القلوب تميمةً

وغدا هداه لهديهم تتميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أبدى جبين أبيه شاهد نوره ... سجعت به الكهّان قبل ظهوره ... كالطير غرّد معرباً بصفيره ...

عن وجه إصباح يطلّ نسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما أنس الرسالة بعد شدّة نفرةٍ ... منجى البرية وهي في يد غمرةٍ ... محيي النبوّة والهدى عن فترةٍ ...

فكأنّما كفل الرشاد يتيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «جعل المهيمن حب أحمد شيمة»

الله أوضح فضله فتوضّحا ... والله بيّن حبّه في " والضحى " ... والجذع حنّ له هوىً فترنّحا ...

والماء فاض بكفّه تسنيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ريّا الرواية عن علاه زكية ... نجواه ربّانية ملكية ... أوصافه علويّة فلكية ...

فإخال شعري عندها تنجيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما احتثّ في السبع الطباق براقه ... والأرض واجمة تخاف فراقه ... سبحان من أدنى سراه فساقه ...

شخصاً على ملك الملوك كريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فاشتمّ ريحان القلوب الطيّبا ... ودنا فأسمع يا محمد مرحبا ... إنّي جعلتك جار عرشي الأقربا ...

إن كنت قبلك قد جعلت كليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا ليلة يجري الزمان فتسبق ... الحجب فيها والأرائج تفتق ... ما كان مسك الليل قبلك يعبق ...

بشرى محمد استفاد نسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما حتى إذا اقتعد البراق لينزلا ... نادته أسرار السموات العلا ... يا راحلاً ودّعته لا عن قلى ...

ما كان عهدك بالغيوب ذميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صعد النجود وسار في الأغوار ... سمك السما طوراً وبطن الغار ... متقسّماً في طاعة الجبّار ...

ما أشرف المقسوم ولاتقسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما الشافع المتوسل المتقبّل ... القانت المدّثّر المزّمّل ... وافى وظهر الأرض داج ممحل ...

فجلا البهيم به وأروى الهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما دفعت كرامته الزنوج عن الحرم ... ودعاه جبريل المنزه في الحرم ... وعزت له آيات نون والقلم ...

خلقاً به شهد الإله عظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما طاوٍ يفيض الزاد في أصحابه ... غيث ولكن كان يستصحى به ... طابت ضمائر قلبه وترابه ...

منه بسرّ لم يكن مكتوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا شوقي الحامي إلى ذاك الحمى ... فمتى أقضيه غراماً مغرما ... ومتى أعانقه صعيداً مكرما ...

بضمير كلّ موحّد ملثوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ومن ذلك قول بعض الوعاظ، وأظنه من أهل المشرق:

جلّ الذي بعث الرسول رحيماليردّ عنّا في المعاد جحيما ... وبه نرجّي جنةً ونعيما

أضحى على الباري الكريم كريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ما ضلّ عن وحي الإله وما غوى ... حاشا رسول الله ينطق عن هوى ... الصادق الثقة الأمين بما روى ...

قد نال من رب السماء علوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وافى له الروح الأمين مبشّرا ... نادى به يا خير من وطىء الثرى ... أجب المهيمن يا محمد كي ترى ...

ملكاً كريماً في السماء عظيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما فأجابه المختار حين دعا به
ربّ السموات العلا لخطابهركب البراق وقد أتى لجنابه

أمسى له الروح الأمين نديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فمتى أرى الحادي يبشّر باللّقا ... ويضمّه بان المحصّب والنّقا ... وأرى ضريح المصطفى قد أشرقا ...

مولى حليماً لن يزال رحيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وأقول للزوّار قد نلت المنى ... يهنيكم طيب المسرة والهنا ... فاستبشروا من بعد فقرٍ بالغنى ...

فالله زادكم به تكريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ثمّ الرضى عن آله الكرماء ... وكذاك عن أصحابه الخلفاء ... فهواهم ديني وعقد ولائي ...

قوماً تراهم في المعاد نجوماصلّوا عليه وسلّموا تسليما ومنها قول بعض فضلاء المغاربة رحمه الله تعالى:
يا أمة الهادي المبارك أحمديهنيكم نيل الأماني في غد ... بمحمدٍ فزتم ومن كمحمد
إن شئتم أن تدركوا التتميماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
صلّوا على البدر المنير الزاهرصلّوا على المسك الفتيق العاطر ... صلّوا على الغصن البهيّ الناضر

وتنعّموا بصلاتكم تنعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من بالنبوّة زيّنا ... صلّوا على من بالكمال تمكّنا ... بمحمّد فزنا بإدراك المنى ...

فضلاً منحنا حادثاً وقديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على البدر المنير اللائح ... صلّوا على الهادي الحبيب الناصح ... صلّوا على المسك الفتيق الفائح ...

للرشد فهّمَ والهدى تفهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من مجده قد أسسا ... والماء بين بنانه قد بجّسا ... وأتت إليه سرحةٌ حتى اكتسى ...

بفروعها إذ خيمت تخييما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من كان يبصر من قفا ... وعليه سلّمت الجنادل والصّفا ... والذئب قال صدقت أنت المصطفى ...

وشكا إليه بازل قد ضيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
صلّوا على من قد شفى بالريقعين الضرير ولدغة الصدّيق ... وأعاد طعم الماء مثل رحيق

إذ مجّ فيه العنبر المختوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من بالملائك جيّشا ... وغدت تظلله الغمام إذا مشى ... حرست سماء الله لمّا أن نشا ...

ليكون سرّ حبيبه مكتوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا عليه كلّ حين تربحوا ... وبهديه مهما اهتديتم تفلحوا ... والأجر يشملكم فجدّوا تنجحوا ...

وإذا أردتم أن يكون عظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا بجمعكمعلى شمس الهدى ... صلّوا على بدر يزين المشهدا ... صلّوا عليه به الرشاد تمهّدا ...

والذكر بيّن فضله تفخيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا بإخلاص على خير البشر ... صلّوا على من فاق حسناً واشتهر ... ونمت فضائله وشقّ له القمر ...

ولكم دليل في علاه أقيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
صلّوا على من قد رأى الرحمانابالقلب أو بالعين منه عيانا ... عن قاب أو أدنى مقام كانا

فخذ الفوائد كي تفاد علوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا عليه كلّكم لا تسأموا ... وتبركوا بصلاته وتنعّموا ... فعليه صلّى الأنبياء وسلّموا ...

شرفاً لهم إذ أمّهم تقديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا حاضرين بلغتم كلّ المنى ... عن جمعكم من فضله ذهب العنا ... وإليكم والله قد وجب الهنا ...

بمحمدٍ كرّمتم تكريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما قولوا برغم معاندين وحسّد ... كي ترغموا أنفاً لكلّ مفنّد ... صلى الإله على النبيّ محمد ...

أبداً وزاد لقدره تعظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما يا ربّ يا ذا المنّ والإحسان ... جد بالرضى والعفو والغفران ... للوالدين ومنشد الأوزان ...

والسّامعين أنلهم تنعيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما

صلى عليه الله ما اجتمع الملا ... صلى عليه الله ما قطع الفلا ... صلى عليه الله ما انتجع الكلا ...

أبداً وما رعت السّوام هشيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ومن ذلك قول الإمام العالم الشهير الأديب مالك بن المرحل المالقي ثم السبتي، وهي من غرر القصائد، وفيها لزوم ما لا يلزم من ترتيبها على حروف المعجم يجعلها بدأ ورويّاً على اصطلاح المغرب:

ألف: أجلّ الأنبياء نبيءبضيائه شمس النّهار تضيء ... وبه يؤمّل محسن ومسيء

فضلاً من الله العظيم عظيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما باء: بدا في أفق مكّة كوكبا ... ثمّ اعتلى فجلا سناه الغيهبا ... حتى أنار الدهر منه وأخصبا ...

إذ كان فيض الخير منه عميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما تاء: تبيّنت الهدى لمّا أتى ... فنفى الشريك عن القديم وأثبتا ... أحديّةً من حاد عنها قد عتا ...

وتلا كلاماً للكريم كريماصلّوا عليه وسلّموا تسليما ثاء: ثوى في الأرض منه حديث
في كلّ أفق طيبه مبثوثداع بأنواع الهدى مبعوث
للشاعر مالك بن المُرحَّل، اقرأ القصيدة

يتلو نجوماً أو يهز نجوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما جيم: جلا بسراجه الوهاج ... ما جنّ من ليل الظّلام الداجي ... وسقى القلوب بمائه الثجّاج ...

فأصارها بعد الغموم غميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما حاء: حمى دين الهدى بصفائح ... وسما بشمّ كالجبال أراجح ... من كلّ أزهر هاشمي واضح ...

لولا نداه غدا النبات هشيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما خاء: خبت نيران جهل شامخ ... آيات علم للرسالة راسخ ... من مثبت ماح ومنس ناسخ ...

قد خص بالذكر الحكيم حكيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما دال: دعا فأجاب كلّ سعيد ... وأتى بوعد صادق ووعيد ... حتى أقرّ الناس بالتوحيد ...

وتجنّبوا الإشراك والتجسيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
للشاعر مالك بن المُرحَّل، اقرأ القصيدة
ذال: ذباب حسامه مشحوذللناكثين، وعهدهم منبوذ ... أمّا السعيد فبالنبيّ يلوذ

فيدال من ذلّ الشقاء نعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما راء: روينا عن ذوي الأخبار ... أنّ الندى والبأس مع إيثار ... بعض صفات المصطفى المختار ...

كم قد تقدم بالأنام زعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما زاي: زعيم بالنزال عزيز ... وبليغ معنى في المقال وجيز ... فلقوله من فعله تعزيز ...

ولربما عاد الكلام كلوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما طاء: طويل السيف متسع الخطا ... رحب الذراع ومن يمد لهم سطا ... يردي العدا وإذا ارتدى متخمطا ...

يبري عذاباً إذ ألام أليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ظاء: ظهير للعباد حفيظ ... حظ لدى ربّ العباد حظيظ ... حقّ له التأبين والتقريظ ...

ميتاً وحيّاً ظاعناً ومقيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
كاف: كريم العنصرين مباركمتفرد بالجاه ليس يشارك ... فهو الذي بمقامه يتدارك

والهول يغدو مقعداً ومقيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما لام: له عقد اللواء الأحفل ... وله الشفاعة في غد إذ تسأل ... وإذا دعا فدعاؤه متقبّل ...

حق الرحيم بأن يرى مرحوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ميم: ملائكة الإله تسلّم ... فوجاً عليه إذ بدا وتعظّم ... ويمرّ جبريل بها يتقدّم ...

فيضاعف التعظيم والتّكريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما نون: نبيّ جاءنا بتبيان ... وبمعجزات أبرزت لعيان ... وبحسبه أن جاء بالقرآن ...

يشفي قلوباً تشتكي وجسوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صاد: صفيّ للإله ومخلص ... ومقرّب ومفضّل ومخصّص ... ذهب سبيك وزنه لا ينقص ...

قد طاب خيماً في الورى وأروماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
للشاعر مالك بن المُرحَّل، اقرأ القصيدة
ضاد: ضمين نصحه ممحوضضافي القراءة بالعلوم يفيض ... إن غاض ماء البحر ليس يغيض

لمّا استمرّ زلاله تسنيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما عين: عزيز ذكره مرفوع ... في الأنبياء وقوله مسموع ... مشروح صدر حبّه مشروع ...

من لا يدين بذاك كان ذميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما غين غزا من زغ عنه ومن طغى ... وغدا يشبّ لمن طغى نار الوغى ... حتى أقامت من عصا بعد الصغا ...

وتقوم النار العصا تقويما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما فاء: فواتح سوؤة الأعراف ... وبراءة والرعد والأحقاف ... أحظته يالأقسام والأوصاف ...

فمتى توفّي حقّه منظوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما قاف: قوافي النّظم عنه تضيق ... أيطيقه الإنسان ليس يطيق ... فالخلق في التقصير عنه خليق ...

ولو أنهم ملأوا الفضاء رقوماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
سين: سلام كالنفيس تنفّساوقد اجتنى ورداً وصافح نرجسا ... أهدى إليه في الصباح وفي المسا

بقصائد كادت تكون نسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما شين: شمائله الكريمة تعطش ... من كان من سكر المحبّة يرعش ... لكن أضاع العمر فيما يوحش ...

فغدت ندامته عليه نديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما هاء: هو الهادي الذي اقتدح النّهى ... فتفكرت في ملك من رفع السّها ... وقضى بحدّ للأمور ومنتهى ...

فأفادها النظر السديد عموما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما واو: وهي ركن التجلد، بل هوى ... لمّا ثوى في الترب من بعد التّوى ... فحوى الضريح الرحب نجماً ما غوى ...

أجرى من الدمع السجوم سجوما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما لام: لأجلك فاض دمعي جدولا ... فاخضرّ آس آساك إذ يبس الكلا ... يا خير من كلأ المكارم والعلا ...

وحمى الحمى ورمى فأعمى الروماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
للشاعر مالك بن المُرحَّل، اقرأ القصيدة
ياء: يحيّيه ويسقيه الحياربّ العباد مجازياً وموفيا ... ومشرفاً ومسلماً ومصليا

يا مسلمين ورثتم التسليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما ومن ذلك قول الفقيه الكاتب أبي العباس أحمد بن محمد بن العباس المغربي حسبما نقلته من المجلّد الخامس والعشرين من كتاب " منتهى السول في مدح الرسول " للحسن بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عذرة المغربي الأنصاري رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بقصده، وهي أيضاً مرتبة على حروف المعجم ما عدا الابتداء وبيوت الانتهاء، غير أن ترتيب حروف المعجم في آخر الأشطار ولم يلتزم صاحبها الابتداء كما فعل مالك بن المرحل، رحمه الله تعالى:

الله زاد المصطفى تعظيماوقضى له التفضيل والتقديما ... وأناله شرفاً لديه جسيما

فهو المتمّم فخره تتميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من خصّ بالأنباء ... وأبوه ما بين الثرى والماء ... ثمّ استمرّ النّور في الآباء ...

فتوارثوه كريمة وكريماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
صلّوا على بدر بدا من يثربفأضاء بالأنوار أقصى المغرب ... وجلا عن الدنيا دياجي الغيهب

فبدا لنا نهج الرشاد قويما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من بالشرائع قد أتى ... وأباد أحزاب الطغاة وشتّتا ... وأبان أسباب النجاة ووقّتا ...

للأمّة التحليل والتحريما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من بالغيوب يحدّث ... وبروعه الروح المقدس ينفث ... محبوبنا وشفيعنا إذ نبعث ...

في يوم لا يدري الحميم حميما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على صبح الهدى المتبلج ... صلّوا على بحر الندى المتموج ... صلّوا على روض الجمال المبهج ...

كيما تنالوا الفوز والتنعيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على غيث الأنام السافح ... صلّوا على المسك الذكيّ النافح ... أزرت روائحه بكلّ روائح ...

فالأرض طبّقها شذاه نسيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما

صلّوا على من عهده لا يفسخ ... صلّوا على من شرعه لا ينسخ ... صلّوا على من حزبه لا يمسخ ...

نبأ يُفهّم فضله تفهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من فخره لا ينفد ... صلّوا على من فضله لا يجحد ... أنّى وكتب الرّسل طرّاً تشهد ...

تنبي اليهود بفضله والروما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من قد حمى عنا الأذى ... ومن الغواية والضلالة أنقذا ... صلّوا على من ذكره نعم الغذا ...

وبمدحه نروي القلوب الهيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا بإخلاص على خير البشر ... من قبل نشأته المباركة اشتهر ... كم كاهن عنه أبان وكم خبر ...

ولكم دليل في علاه أقيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من جلّ مولده وعز ... ضاءت قصور الشام لمّا أن برز ... وتدانت الشّهب الثواقب كالخرز ...

أو كاللآلي نظّمت تنظيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
صلّوا على من يوم مولده سطابجميع آلهة الضلالة والخطا ... وهوى له عرش اللعين وأسقطا

والفرس هدّم صرحهم تهديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من ليس فظّاً غالظا ... لأخيه في الإرضاع كان محاظظا ... فاعجب لذلك كيف كان ملاحظا ...

للعدل فينا مرضعاً وفطيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من شأوه لا يدرك ... صلّوا على من شأوه لا يشرك ... موسى وعيسى والخليل تبركوا ...

بلقائه وعنوا له تسليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من خلفه صلى الرسل ... شرف على تمكين عزّته يدل ... فإذن فقل هو سيد لهم ودل ...

لا تخش توبيخاً ولا تحشيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من قد سرى نحو السما ... ليلاً وعاد وما برحنا نوّما ... بالروح والجسم المطهّر قد سما ...

قله وراغم من أبى ترغيماصلّوا عليه وسلّموا تسليما
صلوا على من قد رأى الرحمانابالقلب أو بالعين منه عيانا ... من قاب أو أدنى مكان كانا

فخذ الفوائد واحذر التجسيما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلوا على من بالمحبّة خصصا ... والقلب منه شقّ حتى خلّصا ... من حظ إبليس اللّعين ومحّصا ...

وأعيد ما إن يشتكي تثليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من بالسيادة قد حضي ... وانشقّ إكراماً له البدر المضي ... ولكم دليل كالصباح الأبيض ...

فاسمع وكن بالمعجزات عليما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما صلّوا على من كلّمته ذراع ... وبفضله كفت المئين الصاع ... والجذع حنّ له وما الأجذاع ...

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.