من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أولها: أريك الرضى لو أخفت النفس خافيا ...
أريك الرضى لو أخفت النفس خافياوما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا
الوزن من ثاني الطويل.
قوله:
أميناً وإخلافاً وغدراً وخسةًوجبناً أشخصاً لحت لي أم مخازيا؟
المين: الكذب على أي وجه كان. فإذا قال الراجل: فعلت كذا ولم يكن فعله فهو مين.
والإخلاف لا يكون إلا إذا تقدم الوعد. فكل مخلفٍ كاذب, وليس كل مائنٍ مخلفاً. والخسة من قولهم: رجل خسيس, ويقال: ختيت في معنى خسيسٍ, وأخس الله حظه وأخته. ونصب شخصاً على الحال. والمخازي: جمع مخزاةٍ وهي كل فعل دنيء. وربما قالوا: خزي الرجل
خزياً من الهوان, وخزي خزايةً من الاستحياء, والاشتقاق واحد. فأما قول لبيد:
اكذب النفس إذا حدثتهاإن صدق النفس يزري بالأمل
غير أن لا تكذبنها في التقىواخزها بالبر لله الأجل
فمعنى اخزها: سسها واقهرها, وأصل ذلك في الفصيل, يقال: خزوته خزواً إذا شققت لسانه لئلا يرضع.
وقوله: أميناً وإخلافاً وغدراً وخسةً وجبناً منصوب على المصدر؛ كأنه قال: أتمتين ميناً, وتخلف إخلافتاً؟ !
وقوله:
وتعجبني رجلاك في النعل أننيرأيتك ذا نعلٍ إذا كنت حافيا
وصفه بغلظ القدمين وأنه إذا كان حافياً فكأنه ذو نعلٍ. وقالوا في المثل: «أطري فإنك ناعلة», [و] فسروه على وجهين:
أحدهما: أن يكون عليها نعل.
والآخر: أن تكون رجلاها غليظتين حافيتين فكأن عليهما نعلاً, وإن كانت حافيةً.
وقوله:
ويذكرني تخييط كعبك شقهومشيك في ثوبٍ من الزيت عاريا
ذكر أن الممدوح مخيط الكعب, وأن تخييطه أذكره أيام كونه مشقوقاً. وقد وصف المتقدمون تخييط شقوق الرجلين. قال الراجز:
ترى برجليه شقوقاً في كلعمن باريءٍ حيص ودامٍ بسلع
الكلع: الوضح, وحيص: أي خيط. والمنسلع: المنشق المنقشر. وقوله: في ثوب من الزيت عارياً: إذا جاء الناس بالسبي من الحبشة طلوهم بالزيت يرون في لك منفعةً لهم.
ونصب عارياً على الحال.
وقوله:
فإن كنت لا خيراً أفدت فإننيأفدت بلحظي مشفريك الملاهيا
المشفر: أصله للبعير, ثم استعاروه للعبد ولمن يصفونه بالغلظ. قال الشاعر:
وافيتهم تحت الظلام وليلهم كالساج كافر
فإذا وقود بين عبــدانٍ لهم سبطي المشافر
والقافية من المتدارك.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع