تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

فصل

استعمل أبو الطيب من الأوزان التي ذكرها الخليل أحد عشر وزناً, وهي: الطويل, والبسيط, والوافر, والكامل, والرجز, والرمل, والسريع, والمنسرح, والخفيف, والمجتث, والمتقارب.

ولم يستعمل أربعة, وهي: المديد, والهزج, والمضارع, والمقتضب.

فاستعمل الطويل بضروبه الثلاثة:

الأول: كقوله: أطاعن خيلًا من فوارسها الدهر

والثاني: كقوله: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه

والثالث: كقوله: ليالي بعد الظاعنين شكول

واستعمل من البسيط ثلاثة أضربٍ:

الأول كقوله: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل

والثاني كقوله: من الجآذر في زي الأعاريب

والسادس كقوله:

نال الذي نلت منه منيلله ما تصنع الخمور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نال الذي نلت منه مني»

واستعمل الأول من الوافر كقوله: طوال قنا تطاعنها قصار

وجاء بالأول من الكامل كقوله: لك يا منازل في القلوب منازل

وبالثاني كقوله: في الخد إن عزم الخليط رحيلا

وبالرابع كقوله: أثلث فإن أيها الطلل

وبالخامس كقوله:

أقصر فلست بزائدي ودابلغ المدى وتجاوز الحدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقصر فلست بزائدي ودا»

وبالسادس كقوله:

وزيارةٍ عن غير موعدكالغمض في الجفن المسهد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وزيارة عن غير موعد»
وبالثامن كقوله: لأحبتي أن يملؤوابالصافيات الأكوبا

وجاء بمجزوء الرجز في قوله:

أي محلٍ أرتقيأي عظيمٍ أتقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أي محل أرتقي»

وجاء بمشطور الرجز كقوله: وشامخ من الجبال أقود

وجاء بأصل الرمل الذي لم يذكره الخليل عن العرب وذلك قوله:

إنما بدر بن عمارٍ سحابهطل فيه ثواب وعقاب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إنما بدر بن عمار سحاب»
إنما بدر عطايا ورزاياومنايا وطعان وضراب

وقد روي مثل هذه الأبيات لرجل من قريش قالها في صدر الإسلام أولها:

إن ليلي طال والليل قصيرطال حتى ما أرى الصبح ينير
ذكر أيامٍ عرتنا منكراتٍحدثت فيها أمور وأمور
فالذي يأمر بالغي مطاعوالذي يأمر بالخير دحير

وجاء أبو الطيب بالثالث من الرمل في قوله:

إن هذا الشعر في الشعر ملك.

وجاء بالسريع الأول في قوله:

لا تحسن الشعرة حتى ترىمنشورة الضفرين يوم القتال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وبالسريع الثاني في مثل قوله: آخر ما الملك معزى به

وبالضرب السادس من السريع في رأي الخليل كقوله:

ما أجدر الأيام والليالي

والعرب تسمي هذا رجزاً.

وجاء بالمنسرح الأول في قوله:

أبعد نأي المليحة البخل

وبثاني المنسرح ولم يذكره الخليل ولا غيره كقوله:

ما سدكت علة بمورود

وقوله: أوه بديل من قولتي واها

وبالأول من الخفيف كقوله: مالنا كلنا جوٍ يا رسول

وبالمجتث في قوله: ما أنصف القوم ضبة

وبالمتقارب الأل كقوله: أحلماً نرى أم زماناً جديدا

وبالمتقارب الثالث كقوله: إلام طماعيه العاذل

فأما الطويل الأول فلم يزاحف فيه زحافاً تنكره الغريزة, وهو سقوط نون الجزء الخماسي, وذلك كثير في الشعر القديم والمحدث. وفي قوله:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبوأعجب من ذا الهجر والوصل إعجب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

زحافان: أحدهما في أغالب, والآخر في وأعجب.

وقد خرم أبو الطيب الطويل الثالث في موضعٍ واحدٍ؛ وذلك قوله:

لا يحزن الله الأمير فإننيلآخذ من حالاته بنصيب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهذا الخرم يسمى الثلم.

وأما البسيط فجاء فيه بزحافٍ يسمى الخبن ولا تأثير له في الغريزة, ومنه ما يقع في جزءٍ سباعي؛ ومن ذلك قوله:

أجاب دمعي وما الداعي سوى طللدعا فلباه قبل الركب والإبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ففي قوله: أجاب زحاف, وكذلك في قوله: دعا, وهذا زحاف السباعي.

وأما زحاف الخماسي فمثل قوله:

ظللت بين أصيحابي أكفكفهوظل يسفح بين العذر والعذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

فبعد قوله: بين, زحاف, وكذلك بعد السين من يسفح, وهو زحاف الخماسي.

وقد جاء أبو الطيب بزحافٍ يسمى الطي في البسيط, والغريزة تنفر منه, وهو سقوط الرابع من الجزء السباعي؛ وذلك قوله:

رب نجيعٍ لسيف الدولة انسفكا

وأول البسيط وثانيه يستوي الزحاف فيهما؛ فما قبح في الأول قبح في الثاني, وإذا خفي في أحدهما خفي في الآخر.

فأما السادس منه فلا يقبح فيه خبن السباعي ولا طيه, وتنفر الغريزة من خبن الخماسي, ولم يستعمله أحد من المحدثين. ومن خبن السباعي قول أبي الطيب:

وذا انصرافي إلى محليفآذن أيها الأمير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نال الذي نلت منه مني»

ومن الطي الخفي قوله:

مال علي الشراب جداوأنت للمكرمات أهدى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وأما الوافر فاستعمل فيه العصب, وهو سكون الخامس من السباعي, وكثر في الشعر القديم والمحدث, قال أبو الطيب:

يبكي خلفهم دثر بكاهرغاء أو ثؤاج أو يعار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «طوال قنا تطاعنها قصار»

ففي هذا البيت عصب في أربعة مواضع فمثله قول الآخر:

تصد الكأس عنا أم عمرووكان الكأس مجراها اليمينا

وقد خرم أبو الطيب في الوافر في موضع واحدٍ, وهو الخرم الذي يسمى العضب, وهو قوله:

إن تك طيئ كانت لئاماًفألامها ربيعة أو بنوه

وأما الكامل فإنه زاحف فيه الزحاف الذي يسمى الإضمار, وهو كثير جداً في كل شعرٍ من الوزن الكامل, من ذلك قوله:

سر حل حيث تحله النوار

والإضمار: سكون الحرف الثاني.

وأما الرجز فجاء فيه بالطي والخبن, وكلاهما غير قبيح, كقوله:

أي محل أرتقي

وكقوله:

وشامخٍ من الجبال أقود

وأما الرمل فجاء فيه بالخبن, وهو سقوط الثاني من سباعيه, كقوله:

فإذا مر بأذني حاسدٍصار ممن كان حياً فهلك
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن هذا الشعر في الشعر ملك»

ففي النصف الأول خبن في موضعين.

وأما السريع فطوى فيه وخبن, كقوله:

آخر ما الملك معزى به

ففي هذا المصراع طي في موضعين

وقوله:

ولم أقل ذلك أعني بهسواك يا فرداً بلا مشبه

فيه خبن في قوله: ولم أقل.

وأما المنسرح فاستعمل في أول جزء منه الطي كقوله:

أبعد نأي المليحة البخل

وخبن في الجزء الأول أيضاً كقوله:

ملولة ما يدوم ليس لها

ففي قوله: ملولة خبن.

وأتى بالطي في الجزء الثاني, وطيه أحسن في الغريزة من تمامه.

وفي قوله: أبعد نأي المليحة البخل طي في الجزء الثاني.

فأما الخفيف فخبن فيه وشعث. والتشعيث: سقوط حرف متحرك من جزء الضرب. قال: ما لنا كلنا جوٍ يا رسول

ففي قوله: كلنا خبن, وقوله: متبول فيه تشعيث؛ وذلك موجود في الشعر الجاهلي والإسلامي.

وأما المجتث فجاء فيه يخبن السباعي, وإذا روي: وأمه الطرطبه بسكون الراء ففي البيت تشعيث ولم يذكره الخليل في المجتث وقد كثر في أشعار المحدثين.

وإن حركت الراء في الطرطبة فالجزء مخبون غير مشعثٍ. وليس ضم الراء بأبعد من قولهم: سلطان بضم اللام في سلطان. وحكي أن عيسى بن عمر قرأ: ﴿حتى يأتينا بقربانٍ تأكله النار﴾ بضم الراء.

وأما المتقارب فإن أبا الطيب قبض فيه قبضاً غير منكرٍ وحذف حذفاً ليس بقبيح؛ كقوله:

تفانى الرجال على حبهاوما يحصلون على طائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

فقوله: الرجال فيه قبض, وقوله: حبها فيه حذف.

واستعمل أبو الطيب القوافي الأربع التي تردد ذكرها وهي: المتراكب, والمتدارك, والمتواتر, والمترادف, ولم يستعمل المتكاوس, وهي أربعة حروف متحركة بعدها ساكن, واستعمالها يثقل لأنها لا تكون إلا بزحاف.

والقوافي المقيدة ثلاث؛ استعمل أبو الطيب منها اثنتين, وهما: المجردة والمردفة.

فالمجردة كقوله:

فزيادة عن غير موعدكالغمض في الجفن المسهد

يلزمها لازمان: الروي والحركة التي قبله, وهي التوجيه.

والحركة المردفة كقوله:

ما أنا والخمر وبطيخةسوداء في قشرٍ من الخيزران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما أنا والخمر وبطيخة»

يلزمها ثلاثة لوازم: الروي وهو النون, والألف, والحذو وهي الحركة التي قبل الألف.

والقوافي المطلقة ست, استعمل منها خمساً:

المطلقة المجردة كقوله:

إذا كان مدح فالنسيب المقدم

الميم روي, وحركتها المجرى, والواو وصل.

والمؤسسة المطلقة كقوله:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

الألف في العزائم تأسيس, وحركة ما قبلها الرس. وكان أبو عمر الجرمي يزعم أن الرس لا يحتاج إلى ذكرها لأن ما قبل الألف لا يكون إلا مفتوحاً, والهمزة التي تصور ياءً في العزائم دخيل, وحركتها الإشباع, والميم روي, وحركتها المجرى, والواو وصل.

والمطلقة المردفة كقوله:

أين أزمعت أيهذا الهمام

الميم الآخرة في الهمام روي, وحركتها مجرى, والواو وصل, والألف التي قبل الميم ردف, وحركة ما قبلها حذو.

والقافية التي لها نقاذ كقوله:

أود من الأيام ما لا توده

الدال روي, وحركتها مجرى, والهاء وصل, وحركتها نفاذ.

والقافية المردفة التي لها نفاذ كقوله:

حجب ذا البحر بحار دونه

الواو في قوله: دونه ردف, وحركة ما قبلها حذو, والنون روي, وحركتها مجرى, والهاء وصل, وحركتها نفاذ, والواو خروج.

ولم يستعمل القافية السادسة وهي المؤسسة التي لها نفاذ كقول القائل:

وماءٍ لا أنيس بهمطحلبةٍ جوانبه
وردت وليله داجٍوقد غارت كواكبه

الألف في قوله: كواكبه تأسيس, وحركة ما قبلها رس. والكاف الثانية دخيل وحركتها إشباع. والباء روي وحركتها مجرى, والهاء وصل وحركتها نفاذ. والواو خروج.

تم الكتاب المعروف باللامع العزيزي من إملاء الشيخ أبي العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان ﵁ في شرح ديوان أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي ﵀.

والحمد لله مولى العالمين, وصلواته على خيرته من خلقه محمد نبيه وعلى عترته الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل.

تمت المقابلة على نسخة الأصل وذلك في شعبان من سنة ست وسبعين وأربعمائة.

يقول مصحح هذا الجزء, وهو نفسه مصحح الجزء الثاني من الكتاب, يوسف بن عبدالله بن يوسف بن حجاج: الحمد لله الذي من بالفراغ منه ظهر الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان من عام ثلاثة وثلاثين وأربعمئة وألف من هجرة من له العزة والشرف. والله وحده يعلم قدر الجهد الذي بذلته فيه, فإن أحسنت فمن الله ﷿, وإن أسأت فمن نفسي وتقصيري. وصلى الله وسلم على خيرته من خلقه, وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الراء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.