من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حريث بن جابرٍ
لعمرك ما أنصفتني حين سمتنيهو الشمع المولي وأن لا هوى ليا
العمر والعمر لغتان، ولا يستعمل في القسم إلا بفتحي العين. وأنصفتني: أعطينني النصفة والنصف. ويقال انتصفت من فلانٍ، أي استوفيت حقي منه كاملاً حتى صرت أنا وهو على النصف سواءً. ومعنى سمتني: جشمتني خطةً من الشر. ويقال أيضاً: سام فلانٌ فلاناً، إذا داوم علي وألح في شيءٍ. يقول: وبقائك ما أعطيتني النصفة حين عرضت على الرضا بأن يكون لك هوىً مع مولاك، حتى تنتقم له وتذب دونه، وألا يكون لي هوىً مع مولاي وأخلى بينه وبين أعدائه. قوله " وأن لا هوى ليا " أراد: وأنه لا هوى ليا.
إذا ظلم المولى فزعت لظلمهفحرك أحشائي وهرت كلابيا
يبين كيف يتعصب لمواليه، وكيف يأنف من اهتضام يلحقهم، يقول: إذا اهتضم حليفٌ لي أو ابن عمٍ، ذعرت لامتهانه واهتضامه، فاضطرب أحشائي ونبحت كلابي. والمعنى: لم أعتد الهضيمة فيمن يتصل بي، ويتسبب إلي، فإذا اتفق وقوعها صارت كلابي تنبح، وأخذت نفسي تقلق. فيجوز أن يكون تحركت أحشاؤه لو جيب قلبه وخفقانه، ونبحت كلابه لتهيئه للانتقام، وتدججه في السلاح له، وتجمع أصحابه وإعدادهم الخيل والرجل لإغاثته. والكلب ينكر أصحابه إذا رآهم بهذه الأحوال فينبح. أنشد الأصمعي في مثله:
أناسٌ إذا ما أنكر الكلب أهلهحموا جارهم من كل شنعاء مظلم
ووجهٌ آخر، وهو أن يكون تحركت أحشاؤه لاضطرابه في جمع من يجمع، وإعداد ما يعد، والمتسرع في الشيء يلحقه ذلك، ومثله.
أشارت له الحرب العوان فجاءهايقعقع بالأقراب أول من أتى
فقعقعة الأقراب كتحرك الأحشاء وأكثر. ويكون معنى فزعت أغثت على هذا. ومثله قوله:
حللنا الكثيب من زرود لنفزعا
أي لتغيث. ويجوز أن يكون أراد بالكلام الأصحاب، ويكون مثل قول الهذلي:
ولا هرها كلبي ليبعد نفرهاولو نبحتني بالشكاة كلابها
فقد فسر في بعض الوجوه على هذا. وكذلك قول تأبط شراً:
ليلة صاحوا وأغروا بي كلابهم
فسر على ذلك أيضاً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع