من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال البعيث بن حريثٍ
خيالٌ لأم السلسبيل ودونهامسيرة شهرٍ للبريد المذبذب
خير الابتداء محذوف، كأنه قال: خيالٌ لهذه المرأة أتاني أو زارني، وبيني وبينها مسيرة شهرٍ للبريد المسرع المتعجل. كأنه استطرف من الخيال ما كان يستطرقه من المرأة لو زارت. وقوله " البريد المذبذب " كما يقال للسائق الحاث طاردٌ. ألا ترى قوله يصف فرساً:
ويسبق مطروداً ويلحق طارداً
لأن المذبذب والمذبب الأصل فيهما واحدٌ، يرجع إلى الطرد والاستعجال. والمسرع المستعجل يتذبذب، أي يضطرب. فأما قوله تعالى: " مذبذبين بين ذلك " فهو من صفة المنافقين، ومعناه مطرودين بين المؤمنين والكافرين، فليسوا بمقبولين عند واحدة من الفرقتين. ومثل ذب وذبذب، كب وكبكب. فإن قيل: لم نكر فقال خيالٌ لأم السلسبيل؟ قلت: يجوز أ، يكون كان يرى خيالها على هيئاتٍِ مختلفة، فاعتقد لاختلاف هيئته أنه عدة خيال، فلذلك نكره، كأنه قصد إلى واحدٍ منها، ومثله:
خيالٌ لزينب قد هاج لينكاساً من الحب بعد اندمال
فقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحباًفردت بتأهيلٍ وسهلٍ ومرحب
حكى ما دار بينه وبين الخيال. والخيال يذكر ويؤنث. ونبه بكلامه على أنه أظهر لها قبولاً حسناً، وبشراً وطلاقةً، فعل المتشوف لها، المتشوق إلى لقائها، وأنه تلقاها بالترحيب والتأهيل ساعة طلوعها، فأجابته بمثل ذلك. وانتصب أهلاً بفعلٍ مضمرٍ كأنه قال أتيت أهلاً لا غرباء، وسهلاً من المنازل لا حزناً، ورحباً من الأماكن لا ضيقاً: والتأهيل: مصدر أهلته أي قلت له أهلاً. وكان يجب أن يقول فردت بتأهيل وتسهيل وترحيبٍ، لو أتى بالكلام على حدٍ واحدٍ، لكنه أتى في بعضه بحكاية اللفظ،
وفي بعضه ببناء الأخبار. وقال سيبويه: إذا قال الراد وبك أهلا، فإنما يقول: أنت عندي بمنزلة من يقال له هذا لو جئتني. وإنما قال هذا لأن الحال لا تقتضي من الزائر أن يصادف المزور عنده ذلك، فحمل الكلام - وقد اعتيد فيه ما ذكره - على أنه يراد لو جئتني لكنت بهذا المنزلة.
معاذا الإله أن تكون كظبيةولا دمية ولا عقيلة ربرب
معاذ انتصب على المصدر. والمعنى أستعيذ بالله أو أعوذ به معاذاً. كأنه أنف وصار يربأ بصديقته أن تكون في الحسن بحيث تشبه بالظبي أو الظبية أو بالصورة المنقوشة، أو بكريمةٍ من بقر الوحش، إذ كانت هذه الأشياء عنده دونها، وقاصرةً عن رتبتها. وقد سلك من المتقدمين امرؤ القيس هذه الطريقة فقال:
كان دمي سقفٍ على ظهر مرمرٍكسا مزبد الساجوم وشياً مصوراً
غرائر في كنٍ وصونٍ ونعمةٍيحلين ياقوتاً ودراً مفقرا
فشبه الدمى بالنساء لا النساء الدمى. ومما يستحسن من هذه الطريقة قول أبي تمام:
كأنما جاد مغناه فغيرهدموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
لأنه شبه الأمطار المغيرة لرسوم الديار بدموع العشاق. في إثر الأحباب يوم الفراق. والعقلية: الكريمة من النساء والدر وكل شيء. والربرب: القطيع من البقر.
ولكنها زادت على الحسن كلهكمالا ومن طيبٍ على كل طيب
يقال: زدته فزاد وازداد جميعاً. وكمالاً ينتصب على التمييز، والمعنى أنها يزيد حسنها على كل حسنٍ كمالاً، لأنه لا حسن إلا وتدخله نقيصةٌ، سوى حسنها. وكذلك كل الطيب يتخلله حطيطة إلا طيبها. و " من طيبٍ " أي وزادت من طيبها على كل طيبٍ طيباً. والغرض أن يبين لم أنكر لها تشبيهها بغيرها، فقال: هي تترفع عن ذلك: إذ كانت جامعةً للمحاسن، مستحقة للوصف بالكمال، وإذ كان كل واحدٍ من تلك الأشياء استبد بصفةٍ دون صفةٍ، ويتفرد بنوعٍ دون نوع.
وإن مسيري في البلاد ومنزليلبالمنزل الأقصى إذا لم أقرب
يقول: مكاني الذي أسير فيه من البلاد، وموضعي الذي أنزل فيه، لا بعد المنازل، وأوضع المساير، إذا لم يلحقني فيها تقريبٌ وتعظيم. وقوله " أقرب " بمعنى أكرم وأدنى، على طريق الإعظام. وليس يريد تقريب المسافة به. ويجوز أن يكون المعنى إذا لم أقرب كنت بمنزلة المطرود المنفي، وإن كنت مقيما دانياً. وكان الواجب أن يقول لبالمنزل والمسير؛ فاكتفي بأحدهما. وآثر المنزل بالذكر لأن النزول لا يكون إلا بعد السير. ودل بهذا الكلام على أنه لا يرضى في متصرفاته إلا بما يقضي بتبجيله، ويفضى إلى اصطفائه والرفع منه؛ وأنه لا يصبر على الهوان والجفاء حيث سار ونزل، بل يطلب إكرامه وإلا انتقل وتحول.
ولست وإن قربت يوماً ببائعخلاقي ولا قومي ابتغاء التحبب
يقول: لست وإن أدنيت وبجلت ببائع نصيبي من شرفي، وموضعي من عشيرتي، طلباً للتحبب على من أجاوره وأعاشره، أو تهالكا في تعليق الطمع بمن أرجوه وآمله. والخلاق: الحظ والنصيب من الصلاح. ويقال: ما لفلانٍ خلاقٌ، إذا لم يكن له رغبةٌ في الاستصلاح واكتساب الخير. وانتصب " ابتغاء التحبب " على أنه مفعولٌ له.
ويعتده قومٌ كثير تجارةًويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
يقول: ويعد ما تبرأت منه وأنفت من فعله كثيرٌ من الناس تجارةً رابحة، وصفقةً مفيدة نافعةً، وأنا يدفعني عنه ويزهدني فيه شرفي وديانتي. وهذا القول يجوز أن يكون تنزيها لنفسه، وتزكية لفعاله وخلقه فقط، وأن يكون القصد منه التعريض بغيره. وهذه الأبيات وإن كان في جملتها ما ليس من الباب فإنه كره تبديدها لسلامتها من العاب، ووفور حظها من الانتخاب.
دعاني يزيدٌ بعد ما ساء ظنهوعبسٌ وقد كانا على حد منكب
ما قدمه توصلٌ إلى بيان مراعاته أمر العشيرة، والتعطف على القريب وقت الحاجة، والتمسك بما يوجبه الكرم والحرية. يقول: دعاني هذا الرجل وصاحبه مستغيثين، بعد سوء ظنه بعشيرته وبي لما أسلف من الشر، وقدم من العقوق والإيذاء، وقد كانا أشرفا على حد الهلاك. هذا إذا رويت بفتح الكاف منكب، والمعنى: شافها حد الشر وحرفه، ولا يأمنان اقتحامه وتوسطه. ويقال صابه نكبٌ من الدهر ومنكبٌ ونكبةٌ ونكوبٌ كثيرةٌ، ومنه قيل حافرٌ نكيبٌ ومنكوبٌ، إذا أثر فيه
حجرٌ أو غيره. ويروى " على حد منكب " بكسر الكاف، والمعنى: كانا مهاجرين لي. يقال: فلانٌ معي على حد منكبٍ، أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه، وتنكب عني؛ أي اجتنبني. والمنكب من كل شيء: جانبه وناحيته. ومثله قولهم: فلانٌ يلقاني على حرفٍ؛ وهو منحرفٌ عني ومتحرفٌ. ويجوز أن يريد بقوله " بعد ما ساء ظنه " بعد تسلط اليأس والقنوط من الحياة عليه.
وقد علما أن العشيرة كلهاسوى محضري من خاذلين وغيب
دل بهذا الكلام على الضرورة الداعية إلى الاستعانة به، والاستظهار بدعوته وإجابته. يقول: استغاثا بي متيقنين أن كل عشيرتهما إذا لم أحضر من بين شاهدٍ لا ينصر، وغائبٍ لا يحضر وأن الكفاية لا توجد إلا عندي، والنصرة لها لا تحصل إلا بسعيي. وقوله " من خاذلين وغيب " أراد ومن بين غيب، فاكتفى بمن الأول عن الثاني، وقد مر القول في مثله مشروحاً. ومعنى سوى ها هنا معنى بدلٍ ومكانٍ. وذكر المحضر والمراد النفس؛ كأنه قال: وقد علما أن العشيرة كلها بدلاً مني ومكاني، من خاذلٍ وغائبٍ.
فكنت أنا الحامي حقيقة وائلٍكما كان يحمي عن حقائقها أبي
يقول: أعنتهما على ضعف رجائهما، وتسلط الظنون السيئة عليهما، جارياً على الغاية الموروثة عن أسلافي، ومقتدياً في الذب عن العشيرة، والمواظبة على حماية الحقية، بآبائي. ويقال: حميت الحقيقة وحميت عن الحقيقة، وهو يحمي عليه ويحامي عليه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع