من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عنترة بن الأخرس
لعلك تمنى من أراقم أرضنابأرقم يسقي السم من كل منطف
تراه بأجواز الهشيم كأنماعلى متنه أخلاق بردٍ مفوف
الأراقم: الحيات. والكلام دعاءٌ على المخاطب وإن كان لفظه ترجياً وتأميلاً. ومعنى تمنى تمتحن. يقال: مني بكذا، أي بلي به وقاسى شره. ومعنى " يسقي السم من كل منطف " يريد من كل مقطر، لأن نطف الماء معناه قطر. وسمي الماء نطفةً لذلك. يريد أنه يرشح بالسم، فسموم جلده تقطر به. ولعل: طمعٌ وإشفاق. كذا قال سيبويه. ويستعمل بأن وبغير أن. يقال: لعلك أن تفعل كذا، كما تقول لعلك تفعل كذا.
وقوله " تراه بأجواز الهشيم " فالهشيم: اليابس من الأشجار والنبات، والقصد إلى النبات هنا. يقول: تراه يتخلل الهشيم ويتوسط أثناءه، فكأن على متنه بجلده الذي سلخه قطع بردٍ وشيه كالفوف، وهو البياض الذي يظهر في أظافير الأحداث. وجعله سالخاً ليكون أخبث.
كأن بضاحي جلده وسراتهومجمع ليتيه تهاويل زخرف
أراد أنه ملون الجلد. والضاحي: البارز للشمس في الأصل، والمراد به هنا ظاهر الجلد. والتهاويل: ما يعلق من العهون على الإبل، ولا واحد له من لفظه، والقياس تهوالٌ، كما يقال تجفاف وتجافيف. والزخرف: كل ما حسن به شيء، وأصله الذهب. فشبه بارز جلد الحية وظهره ومجمع صفحتي عنقه لاختلاف ألوانها بالتهاويل التي تزخرف بها الإبل.
كأن مثنى نسعةٍ تحت حلقهبما قد طوى من جلده المتغضف
إذا نسل الحيات بالصيف لم يزليشاعر باقي جلبةٍ لم تقرف
شبه غضون حلقه لما انطوى من جلده المتكسر لكونه فاضلاً عن لحمه، وذلك لكثرة سمه بنسعةٍ مثنية جعلت تحت حلقه، ويقال: إن الحيات إذا اجتمعت سمومها وكثرت دقت وهزلت، لأن سمها ينقص لحمها، فلذلك يفضل جلدها عن حجمها فيتغضف، أي يثنى، والغضف: انكسارٌ في الأذن.
وقوله " إذا نسل الحيات " يريد أنه بخبثه يقاتل سائر الحيات، سوء خلقٍ منه وعرامةً، فإذا انتشرت الحيات في الصيف لا يزال يمارس ويطاول بواقي جلب منه لم تقشر عنه، لأنه في مقاتلة الحيات يحصل على جروح طول الصيف وتيبس عليه جلبها. وقوله " يشاعر باقي جلبةٍ "، ويروى " يساعر " بالسين، من قولهم كلب سعرٌ، أي كلبٌ. وفي القرآن قوله تعالى: " في ضلال وسعر "، أي جنون. ومنه ناقةٌ مسعورة: لا تستقر قلقاً، ومن قولهم: عنقٌ مسعرٌ أي طويل. وأن تروى " يشاعر " بالشين المعجمة أحسن، تجعله من الشعار الذي هو خلاف الدثار. ويقال: جلب الجرح وأجلب، إذا يبس الدم عليه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع