من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال ملحة الجرمي
أرقت وطال الليل للبارق الومضحبياً سرى مجتاب أرض إلى أرض
نشاوى من الإدلاج كدري مزنهيقضي بجدب الأرض ما لم يكد يقضي
تحن بأجواز الفلا قطراتهكما حن نيبٌ بعضهن إلى بعض
قوله " أرقت "، يريد سهرت، ولا يكون الأرق إلا بالليل. فيقول: فارقني النوم وطال ليلي من أجل سحابٍ فيه برقٌ يومض، أسرى ليلاً وقد قطع أرضاً إلى أرض. والومض: مصدرٌ كالوميض، وهو لمعان البرق. وقد وصف به. ويقال: ومض وأومض. وانتصب " حبياً " على الحال، وهو المشرف. والعامل فيه إن شئت البارق، وإن شئت الومض. و " مجتاب أرضٍ "، أي قاطعها، وانتصابه على الحال، والعامل سرى.
وقوله " نشاوى من الإدلاج " رده على قطع السحاب. ألا ترى أنه قال في البيت الأول " للبارق الومض "، ثم قال " نشاوى من الإدلاج ". وهو جمع نشوان. يريد أن أقطاعه لسراه صارت كالسكارى تميل من جانبٍ إلى جانب، وتنعطف من أرضٍ إلى أرض. كأنه جعل حال الساري من السحاب كحال الساري من الإنسان. وقوله " كدري مزنه " مبتدأ، و " يقضي بجدب الأرض " في موضع الخبر، و " ما لم يكد " مفعول يقضي. وجعل في لونه كدرةً لكثرة مائه وارتوائه. والمعنى أن الكدري منه يحكم للمجدب من الأرض، ويقسم من المطر له ما لم يكد يقضي به لنفسه، ولم يقرب من قسمه له كأنه يصب لجدب الأرضأكثر مما يتحكم به لو حكم، ويختاره لو خير. ولك أن تروى " ما لم تكد تقضى " بالتاء؛ ترده على الأرض. وقال بعضهم: هذا كما يقال: أعطاني الأمير ما لم يكد يعطيه لأحد، وسمح لى بما لم يكد يسمح به لأحد. والأول أحسن وأغرب. وقال بعضهم: أخبر أن هذا السحاب إذا أتى على أرض مجدبة لم يفارقها مطرها حتى يهريقبها من الماء ما يكون فيه عهد ووليفي دفعة واحدة، وفراغه من هذا لا يكون سريعا هينا. كأن حاجة السحاب في الأرض المجدبة إحياؤها وإخصابها من مطرة واحدة، فلما فعل قضى وطره، ولم يكد يقضيه إلا بعد بطء.
وقوله " تحن بأجواز الفلا قطراته " أى نواحيه. والقطر: الجنب. ويقال: قطره، إذا ألقاه على قطره. ويقال في معناه قترا أيضا بالتاء. يريد أن جوانبه تتجاوب بالرعد، فكأنها تحن إلى مواضع لها قد ألفتها، فهى تشتاقها وتتشوف. ثم شبه حنينها بحنين الإبل وقد فرقت بعد اجتماع، فتحانت وتهادرت.
ويقرب من هذا قول الهذلى:
يجش رعدا كهدر الفحل يتبعهأدم تعطف حول الفحل ضحضاح
كأن الشماريخ الأولى من صبيرهشماريخ من لبنان بالطول والعرض
تبارى الرياح الحضرميات مزنهبمنهمر الأوراق ذى قزع رفض
أعالى السحاب بأعالى هذا الجبل وأنوفه التى تتقدم منه، وقال " الأولى " تخصيصا لما كان من صبيره خاصة، وقال " بالطول والعرض " ليبين وجه التشبيه.
وقوله " تبارى " أى تحاكى وتسامى الرياح الشامية سحبه بمطر سامى الأعالى. ويقال للسحابة إذا ألحت بالمطر فى موضع: ألقت عليه أرواقها.
ويقال للرجل إذا ألقى همه على الشئ ونفسه: ألقى عليه أرواقه. لذلك قال تأبط شرا:
ألقيت ليلة خبت الرهط أرواقى
والقزع: قطع من السحاب متفرقه، والواحدة قزعة. وقال الخليل: القزع قطع من السحاب رقيقة كالظل. وعلى ما قاله يكون الإشارة من الشاعر إلى السحاب إلى وصفه وقد هراق ماءه فرق. قال الخليل: ولذلك قيل: شعر مقزع، أى خفيف. والرفض: المرفض المتفرق، وكأن الأصل فيه الرفض، محرك الفاء، والجميع الأرفاض، فسكن. ويجوز أن يكون وصف بالمصدر، لأنه يقال رفضت الشىء رفضا، والمرفوض رفض. والمعنى أن مزنه وهو السحاب، تحاكى الرياح الهابة من ناحية الشأم - يشير إلى الشمال - بمطر ذا صفته من سحاب كذلك.
يغادر محض الماء ذو هو محضهعلى إثره إن كان للماء من محض
يروى العروق الهامدات من البلىمن العرفج النجدى ذوباد والحمض
أصل المحض اللبن الحامض بلا رغوة، ثم استعمل في الحسب وغيره، يقول: يترك خالص الماء الذى هو خالصة السحاب وصافيته، ويخلفه في مسايل الأودية على إثره. وإنما يشير إلى ما تقطع ورق من ماء المطر بنضد الأحجار، وأصول الأشجار، حتى صفا من شوائب الكدورة، وقر في المناقع وقرارات الأودية.
وقوله " إن كان للماء من محض "، لأن ماء المطر جنس واحد إذا لم يختلط به غيره لا يختلف. وقد مر القول فى ذو وأنه بمعنى الذى فى لغة طيئ، فقوله: " ذو باد "، أى الذى باد، وهو فى موضع الجر، لكنه لا يغير عن بنيته.
وقوله " يروى العروق الهامدات من البلى "، يريد أنه أحيا ما أشرف على اليبس من عروق الشجر البالية خلتها وحمضها، وأعادها غضة مرتوية. والهمود أبلغ من الخمود.
وبات الحبى الجون ينهض مقدماكنهض المدانى قيده الموعث النقض
الحبى من السحاب: المشرف المتراكم. والجون؛ الأسود هنا، وجعله كذلك لا رتوائه وكثرة مائه. وقوله " ينهض مقدماً " انتصب مقدماً على الحال، يريد أن سير السحاب لثقله وحركاته مثل سير هذا البعير وحركته؛ ثم وصفه. والمدانى قيده: الذي قصر عقاله وضيق عليه قيده. ولم يرض بذلك حتى جعله سائراً في الوعث، وهي الأرض اللينة الكثيرة التراب والرمل؛ والسير فيها يصعب. ويقال في الدعاء: " اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر "، يراد شدته وصعوبته. ويقال: أوعث، إذا صار في الوعثاء، كما يقال أسهل إذا صار في السهل. ثم لم يرض بعد ذلك أيضاً حتى جعله نقضاً، وهو المهزول الضعيف. ويقال نقضت البعير نقضاً، والمنقوض نقضٌ.
وقد زاد في هذا الوصف على الأعشى لما قال - وإن كان الأعشى يصف امرأة بالنعمة والترفة، وهذا يصف سحابة ثقيلة -:
تمشي الهوينى كما يمشي الوجى الوجل
لأن هذا جعل البعير مداني القيد أيضاً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع