من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
باب السير والنعاس وقال حطيم
وقال وقد مالت به نشوة الكرىنعاساً ومن يعلق سرى الليل يكسل
أنخ نعط أنضاء النعاس دواءهاقليلاً ورفه عن قلائص ذبل
فقلت له كيف الإناحة بعدماحدا الليل عريان الطريقة منجلى
مفعول قال أول البيت الثاني، وهو: أنخ نعط ". وقوله: " وقد مالت به نشوة الكرى "، والواو واو الحال. والنشوة: السكر. والكرى: النوم. وانتصب " نعاساً " على أنه مصدر في موضع الحال.
وقوله " ومن يعلق سرى الليل يكسل " اعتراض بين الفعل ومفعوله. ويعلق في معنى يتعلق. والسرى: سير الليل خاصة، وأضافه إلى الليل فقال سرى الليل، تأكيداً. ومعنى البيت: وقال رفيقي وقد انتشى من الكرى وصار يتميل ولا يستقيم وهو ناعس، ومن يمارس السير ويهاجر النوم يتسلط عليه الكسل: أنخ راحلتك نداو المطايا التي أنضاها النعاس وهزلها الجهد، دواءها من الراحة والنوم، وسكن من قلائص مهازيل، ووسع ما ضيقت عليها من أوقاتها. والقلوص في الإبل بمنزلة الجارية في الناس. والذبل: جمع ذابل. والترفيه: التوسيع والتنفيس. ويقال: رفهت البعير، إذا تركت الحمل عليه، وعيشٌ رافهٌ ورفيهٌ: فيه رفاهةٌ وخصبٌ. وانتصب قليلاً على الظرف، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، كأنه قال نعطها دواءها إعطاء قليلاً، أو وقتاً قليلاً. والأنضاء: جمع النضو، وهو المهزول.
وقوله " فقلت له كيف الإناحة "، يريد كيف الوصول إلى النزول وقد أصبحنا وساق الليل صبح واضح الطريقة، متكشف الشريعة، يجلى الظلام فيه ويفرق. يريد أن الرأي وقد انصرم الليل أن نتبلغ إلى الماء الذي نقصده ثم ننزل. آخر:
وفتيان بنيت لهم ردائيعلى أسيافنا وعلى القسي
فظلوا لائذين به وظلتمطاياهم ضوارب باللحي
فلما صار نصف الظل هناوهنا نصفه قصم السوي يقول: رب فتيان أثر فيهم الحر، ومالوا إلى النزول، فبنيت لهم ما أظلهم على الأسياف والقسي، وقد غشيت بردائي فظللوا من نهارهم ملجئين إليه ولائذيم من الحر به، وبقيت مطاياهم لتأثير أواره فيها، وإحراقها بتوقد الهاجرة عليها، تضرب بلحيها على الأرض، فلما زال قائم الظهيرة وصار الظل نصفين لا شطط في انقسامه ولا اعوجاج في سويه. وجواب لما منتظر. وقوله " هنا " انتصب على الظرف، وقد وقع موقع خبر صار.
وسمعت شيخنا أبا علي الفارسي ﵀ يقول: ليس هنا من لفظ هنا في شيء، ووزنه فعلل مثل جعفر، فهو رباعي، وهنا ثلاثي. كأن أصله هنن، فأبدلوا من إحدى نوناته الألف هرباً من التضعيف.
وقوله " قسم السوي " انتصب على المصدر، والمراد وقد قسم قسم الإنصاف. ودل على الفعل قوله " نصف الظل هنا ".
والسوي أكثر ما يجيء في آخره هاء التأنيث: السوية، قال الشاعر:
ألا إن السوية أن تضاموا
ويجوز أن يريد بالسوي المسوي، كما جاء في الخبر: " لا تحل الصدقة لغنىٍ، ولا لذي مرة سوي ".
دعوت فتى أجاب فتى دعاهبلبيه أشم شمردلي
فقام يصارع البردين لدناًيقوت العين من نومٍ شهي
فقاموا يرحلون منفهاتٍكأن عيونها نزح الركي
قوله " دعوت " جواب لما من قوله " فلما صار نصف الظل "، وهو العامل فيه، لكونه علماً للظرف. وقوله " أجاب فتى دعاه " يريد أجابني، لأنه هو الداعي له. وقوله " بلبيه " أراد أجاب بالتلبية، أضاف لبي إلى ضمير المجيب، وحكى ما لفظ به. ولبيك، من قولهم: ألب بالمكان، إذا أقام به، وهذه اللفظة مثنى، والتثنية فيها إيذانٌ بأن المراد إلبابٌ بعد إلباب، لأن قد تفيد التكثير، فكأن المراد: دوامٌ على طاعتك، وإقامة عليها مرة بعد آخرى. قال سيبويه: انتصابه على المصدر كانتصاب سبحان الله، ولا ينصرف كما لا ينصرف سبحان. وقال يونس: إنه واحدٌ غير مثنى، والياء فيه كالياء في عليك ولديك، وأنشد الخليل وسيبويه عن العرب، قول القائل:
فلبي فلبي يدي مسور
وموضع الحجة أنه لو كان كلدي وعلي لكان يجيء بالألف إذا أضيف إلى الظاهر، كما تقول لدى زيدٍ وعلى عمرو، والشاعر قال: لبي يدي.
وقوله " أشم " في موضع الجر على أن يكون بدلاً من الضمير المتصل بلبيه.
وأصل الشمم الطول في الأنف، لكنه جعل لفظة أشم كناية عن الكريم. والشمردل: الطويل. وزاد ياء النسبة في آخره توكيداً للوصفية، فهو كقول رؤبة:
أطرباً وأنت قنسريوالدهر بالإنسان دواري
يريد قنسراً ودواراً، فزاد الياء لمثل ذلك.
ومراد الشاعر: لما انقسم الظل هذا الانقسام، وخف احتدام الوقت واشتد أمر الحر على مواصل السير والسري، دعوت فتىً أجابني بلبيك، كريمٍ مديد القامة، تام
الخلقة، فقام ولما لحقه من التعب والكلال وترك النوم يتمايل، فكأنه يصارع برديه. وهو لين الأعطاف، يهتز اهتزاز الرمح اللدن، وهو ينفي عن عينه نوماً لذيذاً تمكن " منها "، فهو لها قوت وقوام " وينفضها منه شيئاً بعد شيء. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن استوفى من الراحة والنوم ما يكتفي ويتماسك له " إذ كان هيجه وبعثه للارتحال قبل ذلك. وقوله " وقاموايرحلون " يريد: قام هو وأصحابه يرحلون رواحل لهم قد اسقطها واستنفد قواها السير المتصل الحثيث، فهي غائرة العيون، ساقطة القوى، قد دخلت مقلها في أقفائها، فكأن عيونها آبارٌ نزحت مياهها. ويقال: نفهت نفسه ونفهتها أنا. والنزح: جمع نزيح.
آخر:
ولقد هديت الركب في ديمومةٍفيها الدليل يعض بالخمس
مستعجلين إلى ركي آجنٍهيهات عهد الماء بالإنس
يريد أنه يتعسف البلاد، ويركبها بأصحابه، وهو هاديهم، وأنه ورادٌ للمياه التي انقطع الناس عنها فلا يردها إلا السباع والطير. ولا خلاف بينهم أن القطا أهدى الطير، وأن الذئب أهدى السباع، وهما السابقان إلى المياه، لذلك وصفهما الشعراء وضربوا الأمثال بهما. والركب: ركبان الإبل. والديمومة: المفازة، واشتقاقه من دمه، أي أهلكه، وهو يجري مجرى مهلكة ومفازةٍ، والياء فيه زائدة. وقوله " يعض بالخمس "، يقال عض كذا، وعض على كذا، وعض بكذا، قال:
فعض بإبهام اليمين ندامةً
وقال غيره:
عض على شبدعه الأريب
في القرآن: " عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ".وإنما جعل الدليل يفعل ذلك لخوفه الهلاك والضلال على نفسه ومن معه. ويريد بالخمس، الأصابع، وهي مؤنثة، لذلك قيل: السبابة، والدعاءة، والوسطى.
وقوله " مستعجلين إلى ركيٍ آجنٍ "، أراد: مبادرين إلى بئرٍ متغيرة الماء، فلما وردوها بعيدة العهد بالإنس، لأن المفازة التي يقصدها بالوصف كانت غير مسلوكةٍ لهم إلا في النادر، وإنما يرد الماء بها الطير والوحش. وارتفع " عهد الماء " بقوله هيهات، وهو اسم لبعد. والمراد ركيٌ متغير بعد عهد مائه بالإنس. وقد روى عهد الماء بالأمس " ويكون على هذا عهد الماء مرتفعاً بالابتداء، وبالأمس خبره. وأتى بلفظة " هيهات " على طريق الاستبعاد، كأنه قال: إلى ركيٍ آجنٍ بعد المطلوب والمبتغى. ثم قال " عهد الماء بالأمس "، أي كان الماء في وقتٍ متقادمٍ. والرواية الأولى أصح وأجود وأحسن. وفي طريقته قول الشماخ:
وماء قد وردت لوصل أروىعليه الطير كالورق اللجين
ذعرت به القطا ونفيت عنهمقام الذئب كالرجل اللعين
وقال ذو الرمة:
وماء بعيد العهد بالناس آجنٍكأن الدبا ماء الغضا فيه يبصق
وردت اعتسافاً والثريا كأنهاعلى قمة الرأس ابن ماءٍ محلق
مستعجلين فمشتوٍ ومعالجٌنقباً بخف جلالةٍ عنس
ومهومٍ ركب الشمال كأنمابفؤاده عرضٌ من المس
أعاد لفظ " مستعجلين " تأكيداً، والأول منهما حال للركب. وقوله " فمشتوٍ " مبتدأ وخبره مضمر. كأنه قال على الاستئناف: فمنهم مشتوٍ ومنهم معالجٌ نقباً، ومنهم مهومٌ. وذكره للمشتوي وغيره ليري ضيق الوقت، وأن آرابهم لم تقض فيه عند نزولهم: من الأكل وإصلاح عواض السفر، إلى سائر ما أحاط التعداد به ودل عليه، فإنه أزعجهم وهيجهم للارتحال. والنقب: الحفى. والجلالة: الناقة العظيمة الجسم. والعنس: الصلبة.
وقوله " ومهوم " أراد: ورب رجلٍ نائمٍ لما نبهه ركب شماله لغلبة النوم عليه، وكأنما بقلبه عرضٌ من الجنون. والمراد بقوله " ركب الشمال " أنه أخطأ في القصد. ومن قولهم ركب شؤمهوركب الشق الأشأم، للعادل عن سواء السبيل، وللمنهزم والمخطئ. ويجوز أن يريد بقوله: " ركب الشمال " شمال نفسه، والراكب إذا لم يزغ من شرطه أن يركب من يمين نفسه وشمال مركبه، ومتى ركب من شمال نفسه
ويمين مركوبه كان معكوس الركوب. ويجوز أن يريد: ركب الشمال مرة واليمين أخرى، فاكتفى بذكر أحدهما. والمعنى: لا يبالي على أي جنبيه سقط، لغلبة النعاس عليه.
وفي هذه الطريقة قول لبيد:
قلما عرس حتى هجتهبالتباشير من الصبح الأول
يلمس الأحلاس في منزلهبيديه كاليهودي المصل
يتمارى في الذي قلت لهولقد يسمع قولي حي هل
آخر:
وهن مناخات يحاذرن قولةًمن القوم أن شدوا قتود الركائب
تكاد إذا قمنا يطير قلوبهاتسربلنا ولوثنا بالعصائب
قوله " هن مناخات "، يريد الأبل. و " يحاذرن " في موضع الصفة أي خائفة محاذرة. وقوله " من القوم " اتصل بقولةً. و " أن شدوا " في موضع المفعول لقولة. وأن مخففةٌ من الثقيلة واسمه مضمر. والمراد أن الأمر والشأن شدوا قتود ركائبكم. " وشدوا " بما بعده في موضع الخبر. ويريد أن مطاياهم وهي مناخةٌ في ركائبها خائفات قول منادى القوم تهيئوا للانفصال وشدوا على رواحلكم الرحال.
ثم قال " تكاد إذا قمنا يطير قلوبها " أي قلوب الإبل، أي أنها لما استشعرت من هو السير ولما تخونها وأثر في قواها من الكلال والتعب، إذا رأتنا نتسربل ونلف عمائمنا على رءوسنا، تكاد تطير قلوبها انزعاجاً وخوفا، لعلمها بما تكابده وتعانيه.
آخر:
حبسن في قرح وفي داراتها
سبع ليالٍ غير معلوفاتها
حتى إذا قضيت من بتاتها
وما تقضي النفس من حاجاتها
حملت أثقالي مصمماتها
غلب الذفارى وعفرنياتها
قرح: موضع. ويريد بالدارات دارات الرمل. ودرارات العرب نيف وعشرون، قد ذكرناها في موضع آخر. وانتصب " سبع ليال " على الظرف. و " غير معلوفاتها " في موضع الحال، والمراد: غير معلوفاتٍ فيها، لكنه قدر الظرف تقدير المفعول الصحيح، وحذف في. والبتات: المتاع. والمصممات هي التي لا ترغو. والغلب: الغلاظ الأعناق. والذفارى: جمع الذفرى، وهي الحيد النائي عن يمين النقرة وشمالها. والعفرنيات: الصلبة السريعة، والواحدة عفرناتٌ. فيقول: حبست هذه الإبل في هذا الموضع، وفي دارات رمالها ليالي سبعاً غير مستوفيةٍ من علفها حظوظها وكفايتها، حتى إذا أصلحت أحوالها، وفرغت من قضاء حاجات نفسي فيها وفي غيرها، ومن رفيقٍ وصاحب، حملت أثقالي صابراتها في السير، وهي التي لا ترغو ولا تشكو، وقد غلظت أعناقها، وعادتها أن تخف في السير وتسرع.
والبتات: المتاع. والبتات، بكسر الباء: جمع البت، وهو الكساء. وانعطف " وما تقضي النفس " على بتات، يريد: وما تقضيه النفس من مهماتها.
وقوله " حملت أثقالي " جواب إذا، والمصممات: الصابرات على السير الماضيات، وهي لا ترغو.
وغلب الذفارى، انتصب على البذل من مصمماتها.
فانصلتت تعجب لانصلاتها
كأنما أعناق سامياتها
بين قروري ومرورياتها
قسي نبعٍ رد من سياتها
كيف ترى مر طلاحياتها
والحمضيات على علاتها
يبتن ينقلن بأجهزاتها
والحادي اللاغب من حداتها
قوله " فانصلتت " أي مضت جادة حتى تعجب لمضيها، وكأن أعناق اللاتي تسمو بأعينها، وترفع رءوسها، وتمد في المسير أضباعها، بين هذه المواضع قروري
وما حولها، من الأرضين التي لا نبات فيها، في طولها وتجردها - قسيٌ نبعيةٌ رد ما عطف من أطرافها.
ثم قال: " كيف ترى مر طلاحياتها " على طريق التعجب منها، والإعجاب بها. وطلاحٌ بكسر الحاء: جمع طلحة، ويقال إبل طلاحيةٌ، إذا ألفت الطلح وأكلته، وقياسه إذا كسرت الطاء طليحة، لأن الجمع يرد إلى واحده، وهو صفة في النسب. قال الفراء في طلاحي إذا نسب إلى الطلح: هو بمنزلة أذانيٍ ورؤاسي، وأنافي، وإنما هذه النسبة تكون للأعضاء، فشبه طلاحيٌ به إذ كان ملازماً له، فصار كأنه منه. وقال غيره: قيل طلاحيٌ كما قيل نباطيٌ، وهو منسوب إلى النبط، وكيفما كان فإنه لم يجيئ على القياس الأكثر، وما هو الأصل. وقال الكسائي: إذا اشتكت الإبل بطونها عن أكل الأراك قيل: إبلٌ أراكي، وإن كان من الطلح قيل طلاحي بفتح الحاء مقصوراً.
وقوله " والحمضيات "، أراد ومر الحمضيات على علاتها، أي على ما يعترض لها من الأسباب الباعثة والمانعة، والأحوال المهيجة والمبطئة. وحرك الميم من الحمضيات لأن هذا مما غير في النسب. وقال أبو العباس المبرد: يقال حمضٌ وحمض، وإذا صح هذا فقد جاء على وجهه.
وقوله " يبتن ينقلن بأجهزاتها " أي ينقلن أجهزاتها، فزاد الباء تأكيداً وهو جمع الجمع، يقال جهازٌ وأجهزة وأجهزات، وهي الأمتعة.
وقوله " والحادي اللاغب " عطف الحادي على موضع " بأجهزاتها "، أي وينقلن الحادي والمعي لدوام حدائها. ويروى " بالغضويات "، وهي التي ترعى الغضا. قال:
فما وجد ملياع الهوى غضويةٍبلوذ الشرى في غلةٍ وهيام
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع