من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال واقد بن الغطريف
وكان مريضاً فحمي الماء واللبن:
يقولون لا تشرب نسيئاً فإنهوإن كنت حراناً عليك وخيمٌ
لئن لبن المعزى بماء مويسلٍبغاني داءً إنني لسقيم
النسئ: الرثيئة. والحران: الشديد العطش. وعليك من صفة وخيم، وقد قدمه فانتصب على الحال. ومويسل: تصغير مأسلٍ الذي ذكره امرؤ القيس في قوله:
وجاراتها أم الرباب بمأسل
فيما أظن يريد: قال الناس وهم يحمونني الماء واللبن: لا تشربهما وإن اشتد حمى كبدك، وغليل جوفك، فإنه يثقل عليك، ويزيد في ألمكمن العارض لك. فقلت مجيباً لهم: إن كان اللبن ممزوجاً بماء هذه العين يورثني خبالاً، ويسكبني إتخاماً، وهو غذائي ومساك قوتي منذ كنت، إنني لمتناهي السقم والله. فأطلق لفظة سقيم، والمراد المبالغة، وفعيل من أبنيتها.
ومثل هذا مما رمى به هذا المرمى قول الآخر، وقد مر في باب النسيب:
لئن كان يهدي برد أنيابها العلىلأفقر مني إنني لفقير
فهذا بإزاء ذاك، وهو على منهاجه. ومعنى " بلغى داءً " كسبني وأنزل بي. وقوله " بماء مويسلٍ "، الباء أفاد الجمع والاختلاط. ويقولون: خذ كذا بكذا، والمعنى مجموعاً إليه ومخلوطاً به.
؟ وقال حندج بن حندج:
في ليل صول تناهى العرض والطولكأنما ليله بالليل موصول
لا فارق الصبح كفي إن طفرت بهوإن بدت غرةٌ منه وتحجيل
لساهر طال في صولٍ تململهكأنه حيةٌ بالسوط مقتولٌ
جعل الليل كالمجسمات حتى صار ذا طول وعرض عنده. وقال: " تناهى العرض والطول " لأنه قد علم أنهما لليل، كما أنك تقول: زيد حسن الوجه، لأنه علم أنه لم يرد إلا وجهه. والمعنى أن في ليل هذا المكان بلغ الطول والعرض نهايتهما وغايتهما، حتى وقفا لا مستزاد فيهما، فكأنماليل صولٍموصولٌ بجنسه كله، فليس ينقطع ولا ينكشف.
وقد قال أبو تمام الطائي مستطيلاً ليوم:
بيوم كطول الدهر في عرض مثله
ومن كلام الناس: عشنا زمناً طويلاً عريضاً، والدهر الطويل العريض. وكل ذلك تشبيه بالأجسام. وعلى ما فسرناه يتعلق الجار من قوله: في ليل صولٍ بتناهي. وقد استعمل العرض منفرداً عن الطول والمراد به السعة؛ على ذلك قوله تعالى: " فذو دعاء عريض "، وقوله ﷿: " وجنةٍ عرضها السموات والأرض ".
وقوله: " لا فارق الصبح كفي "، يجوز أن يكون دعاء، يريد: إن ظفرت بالصبح فلا فرق الله بيني وبينه، كما يقال: لا بارك الله في الكفار، ويجوز أن يكون إخباراً. والمعنى أنه يتشبث به فلا يخليه للزوال. وهذا على التشوق له والتبرم بليله. والليل في الاستعمال بإزاء النهار على الإطلاق، والليلة بإزاء اليوم. وهذا يدل على أنه لم يقصد إلى ليلة واحدة، وإنما أراد: الليل في صول هكذا علي.
وقوله " إن بدت غرةٌ منه وتحجيل "، يريد تباشيره ممتزجةً بالظلام، كأنه جرى على عادة الناس في قولهم للمتشوف المتوقع: إن ظفرت بزيد أو رأيت وجهه فعلت كذا، والمراد إظهار الفاقة إليه وشدة التشوف له، وطول الملازمة له إذا ظفرت به. والغرة والتحجيل معروفان. وقد قيل: صبح أقرح، مأخوذ من القرحة، لأنه بياض في سواد. وقوله " لساهر "، واللام تعلق بقوله " وإن بدت ". ويعنى بالساهر نفسه، كما أراد بذكر الغرة والتحجيل نفس الصبح. والتململ: القلق والانزعاج. وإنما تقلقل على فراشه لأرقه واستطالته لليل، ثم شبه نفسه في التوائه واضطرابه بحيةٍ قتل بالسوط فطال اضطرابه لطول ذمائه.
متى أرى الصبح قد لاحت مخايلهوالليل قد مزقت عنه السرابيل
ليل تحير ما ينحط في جهةكأنه فوق متن الأرض مشكول
نجومه ركد ليست بزائلةكأنما هن في الجو القناديل
قوله " متى أرى الصبح " لفظه استفهام ومعناه التمني والتطلع، واستبعاد المنتظر المترقب. ومخايله: ما يتبين به دنوه. كأنهأظهر ما عليه النفس من ضجره بالليل واسراحته للصبح. ولك أن تروي " والليل " بالنصب، ويكون مردوداً على الصبح وداخلاً تحت متى أرى. ولك أن تروي " والليل " بالرفع ويكون الواو للحال، ويرتفع الليل بالابتداء. و " قد مزقت " في موضع الخبر، ويعني بالسرابيل الظلام.
ثم جعل الليل لامتداده واتصال دوامه كالمتحير كواكبه عن المسير. القائم على حدٍ لا يزول عنه " ولا يحول "، ولا يجنح ولا يميل.
والمشكول: المقيد. وهذا المعنى هو الذي يؤمه امرؤ القيس في قوله:
كأن الثريا علقت في مصاصهابأمراس كتانٍ إلى صم جندلٍ
وشبه النجوم في إضاءتها بالقناديل، وإنما يعلو ضوء الكواكب ويزهر عند تراكم الظلام واستحكامه. والركد: جمع الراكد. وجعل الكواكب في الجو لأنه توهمها كالقناديل المعلقة.
ما أقدر الله أن يدني على شحطٍمن داره الحزن ممن داره صول
الله يطوي بساط الأرض بينهماحتى يرى الربع منه وهو مأهول
قوله " ما أقدر الله " لفظه تعجبٌ ومعناه الطلب والتمني. وكان الواجب أن يقول: ما أقدر الله على أن يدني، فحذف الجار، ومثل هذا الحذف يكثر مع أن لطوله بصلته. والشحط: البعد، شحط شحطاً وشحوطاً. قال:
والشحط قطاعٌ رجاء من رجا
لكنه حرك الحاء. ويقال: منزلً شاحط وشحيط. وموضع " على شحطٍ " نصب على الحال.
وقوله " الله يطوي بساط الأرض بينهما " البساط: الأرض الواسعة. وجعل الكلام لما يتمناه، ويطلب قربه ويتشهاه، على أنه إخبارٌ عن الشيء وقد وقع. وكل ذلك تحقيقٌ لما يؤمله ويسأله. وهذا كما يجعل الدعاء على لفظ الخبر، كأنه لقوة الأمل يجعل المطلوب في حكم ما قد حصل. وقوله " حتى يرى الربع منه "، يعني الربع بالحزن ممن هو مقيمٌ بصولٍ.
؟؟؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع