تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال حكيم بن قبيصة

لعمر أبي بشرٍ لقد خانه بشرعلى ساعةٍ فيها إلى صاحبٍ فقر
فمنا جنة الفردوس هاجرت تبتغيولكن دعاك الخبز أحسب والتمر

ذكر المدائني " في كتاب العققة "، أن هذا الشعر لحكيم بن ضرار الضبي، قاله لابنه وكان غزا وترك أباه. وذكر غيره أنه حكيم بن قبيصة، وأن ابنه كان فارقه مهاجراً البدو إلى الأمصار. يقول: وبقاء أبي بشرٍ - يعني نفسه - لقد خانه بشر، يعني ابنه، في وقتٍ كان يشتد فقره إليه. يشير إلى أوان كبرتهٍ وضعفه، وتعليقه الرجاء بالانتفاع به وتحمله أعباء المؤن عنه في ظعنه وإقامته. فقوله " على ساعة " في موضع الحال، وتعلق على بفعل مضمر، كأنه قال: مشرفاً على وقت هكذا. وقوله " إلى صاحب " في موضع النصب على الصفة المتقدمة، لأن المراد: فيها فقر إلى صاحبٍ، وصفة النكرة إذا قدمت عليه صارت حالا. على هذا قوله:

لمية موحشاً طلل

وقوله " فما جنة الفردوس " جنة انتصب على أنه مفعول تبتغي، وتبتغي في موضع الحال، والتقدير: ما هاجرت مبتغياً جنة الفردوس. ووجه هذا الكلام نحو الابن معيراً. يريد أن الذي دعاك إلى الهجرةنهمة بطنك، ورغبتك في أطعمة الحضر، لا الدين وطلب الآخرة، إذ كان ذلك يفرض عليك طاعة أبويك، وطلب رضاهما. وقوله " أحسب " قد حذف فيه مفعولاه، فهو كقول الآخر:

ترى حبهم عاراً علي وتحسب

وفي الكلام مع التعيير تقريع وتهكم وسخريٌ.

أقرصٌ تصلى ظهره نبطيةٌبتنورها حتى يطير له قشر
أحب إليك أم لقاحٌ كثيرةٌمعطفةٌ فيها الجليلة والبكر

هذا الاستفهام أتى به على طريق التبكيت، وليريه الخطأ فيما اختاره من الحضر إلى البدو، ومن ترك والده والعصيان له أشد ما كان حاجةً إليه. فقال: أقرصٌ تنضجه في التنور امرأةٌ خبازة نبطية حتى يصير له قرافة تتقشر عنه، أحب إليك أم نوق حوامل كثيرة قد عطفت على أولادها، وفيها الجلالة الكبيرة والأفتاء القوية. يريد أن فعله فعل من لا يفرق بين هاتين الخصلتين، ولا يميز الرجحان في أي جانبيهما يكون

فيختاره. ويقال: صليت الشواء، إذا شويته. وأصليته وصليته، إذا ألقيته في النار. ويقال أيضاً صلى عصاه، إذا أرادها على النار، فهو مثل أكرمته وكرمته وأفرحته وفرحته. وفي القرآن: " إلا من هو صال الجحيم ". ويقال: تصليت حر النار واصطليته.

كأن أدواي بالمدينة علقتملاءً بأحقيها إذا طلع الفجر
كأن قرى نملٍ على سرواتهايلبدها في ليل سارية فطر

استمر في وصف اللقاح، لأن تفخيم أمرها يزيد في بيان الخطإ فيما اختاره. وشبه ضروعها بمزادٍ مملوء. والأحقي: جمع حقوٍ، وهو من الإنسان معقد الإزرار من كل ناحية، ومن غيره مما يحلب مواضع الضروع. والمعنى أنها بالغدوات وقد حلفت من الليل، كأنما علقت بمواضع ضروعها أدواي مملوءة ماءً. وانتصب " ملاء " على الحال.

وقوله " كأن قرى نملٍ على سرواتها " يشبه قول الآخر:

إلى سراةٍ مثل بيت النملغنيةٍ من وبرٍ وخمل

والسروات: الأعالي. وقرية النمل ربما ترى كأعظم جثوةٍ، ولذلك شبه ارتفاع أسنمتها وكثرة اللحم والشحم عليها بها. ومعنى يلبدها يصلبها والسارية: السحابة تسرى ليلاً.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب السير والنعاس وقال حطيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.