من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال حميدٌ الأرقط
قد أغتدى والصبح محمرٌ الطرر
والليل يحدوه تباشير السحر
وفي تواليه نجومٌ كالشرر
بسحق الميعة ميال العذر
الطرر: جمع الطرة، وهي الناحية والحرف، ومنه أطرار الوادي. وفي المثل: " أطري فإنك ناعلة "، أي أركبي أطرار الطريق. والبغداديون يروونه: " أظري " بالظاء معجمةً، والمعنى أركبي الظرر، وهي حجارةٌ محددة يصعب المشي عليها. فيقول: أبتكر - والصبح محمرٌ الأرجاء والنواحي، والليل قد تجلى بما يطرده مقدمات السحر وعلاماته، وفي مآخيره ومدارس آثاره من الظلام نجومٌ تتوقد كأنها شرر النار - بفرسٍبعيد غور النشاط، يضطرب عذره على خديه وجبهته. والميعة: النشاط. وجعله سحقاً لاتصاله ودوامه. والسحق: البعد. ونخلةٌ سحوقٌ، منه، أي طويلةٌ. والعذر: الخصل من الشعر. والعذر أيضاً: علامةٌ تعقد في ناصية الفرس السابق من العهن، والواحدة عذرةٌ. وقال الخليل: الميعة: ميعة الشباب والحضرأولهما. وروى السكري: " بمشعل الميعة " وهو من إشعال النار والقصب.
كأنه يوم الرهان المحتضر
وقد بدا أول شخصٍ ينتظر
دون أثابي من الخيل زمر
ضارٍ غدا ينفض صئبان المطر
قوله " كأنه يوم الرهان "، يريد: كأن هذا الفرس يوم السباق وقد حضره الناس فصار يوماً مشهوداً. والمحتضر: الذي يحضره الناس. ويروي " يوم الرهان المبتدر ".
والأنابي: الجماعات، وليس لها واحد، وقيل واحدها أثبية، أفعولة من الثبة، وهي الجماعة الكثيرة؛ ومنه تثبيت الثناء، إذا أكثرته. والمعنى: كأنه وقد جاء في هذا اليوم سابقاً وأول طالعٍ ينتظر دون جماعات من الخيل " جاءت " زمرةً بعد زمرة، صقر قد ضرى بالصيد، ابتكر وقد مطر الليل، فهو ينفض صغار القطر وكباره عن ريشه، وهو شديد الإلحاح في طلب الصيد بعدالانقضاض عليه.
عن زف ملحاحً بعيد المنكدر
أقنى يظل طيره على حذر
يلذن منه تحت أفنان الشجر
من صادق الوقع طروحٍ بالبصر
بعيد توهيم الوقاع والنظر
كأنما عيناه في حرفي حجر
بين مآقٍ لم تخرق بالإبر
قال الدريدي: الزف صغار الريش كالزغب. وقال قومٌ: لا يكون الزف إلا للنعام إلا على وجه التشبيه. والملحاح: بناء المبالغة من ألح. أي يلح في الصيد على نفسه. ويجوز أن يكون من لحت عينه ولححت؛ إذا التصقت أجفانها بالرمص، كأنه يلتصق بالصيد التصاقاً شديداً من هذا قولهم: هو ابن عمي لحاً، أي لاصق النسب. وقوله " بعيد المنكدر " يقال: انكدر، وانصلت، وخات، وانقض بمعنى. وهذا كما قال الآخر:
ضارٍ يضري بطري اللحمأكدر كالجلمود يوم الرجم
إذا تقضى من أعالي النجمضم جناحيه انخراط السهم
وقوله " أقتى " القنا يستحب في الصقورة والشواهين، وكذلك طول المنسر، وقصر الذنب، وغوؤر العينين، وبعد ما بين المنكبين. وقال " تظل طيره على حذر "، أراد ما عرفه من الطير أو رآه، فلذلك أضاف إليه. والمعنى يخافه فيحذره، ويلوذ منه بغصون الأشجار فيستخفي فيه، وهو صادق الوقع، أي لا يكذب فيه، بعيد المطلب
والنظر، شديد المواقعة والبغت. ويقال طرفٌ مطرحٌ، أي بعيد النظر، ورمحٌ مطرحٌ، أي طويل، وفحلٌ مطرحٌ: بعيد موقع الماء في الرحم.
ومثل قوله " يلذن منه تحت أفنان الشجر " قول الآخر:
رأى أرنباً سنحت بالفضاءفبادرها ولجات الخمر
وقوله " كأنما عيناه في حرفي حجر "، أي في جانبي حجرٍ، يعني رأسه، ونفسه بين مأقٍ لم تخط، أي لم يصطد فكان في العليم تخاط عيناه. والمآقي جمع مؤقٍ مثل معقٍ، وبعد القاف ياء زائدة، فهو من الفعل فعلوٌ، نقلت إلى فعل. وفي هذه اللفظة لغاتٌ كثيرة، وقد علمتها مسألةً وشرحتها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع